الرئيسية » ملفات » فارس أميري : تحليل لمقطع من قصيدة خرافات لنازك الملائكة (ملف/14)

فارس أميري : تحليل لمقطع من قصيدة خرافات لنازك الملائكة (ملف/14)

إشارة :
حين رحلت المبدعة العراقية والعربية الكبيرة “نازك الملائكة” عام 2007 في القاهرة احتج المثقفون المصريون على إهمال الإعلام لمنجزها وتجاهله لدورها في التأسيس للحداثة في الشعر العربي؛ شعراً عبر ريادتها (مع السيّاب) للشعر الحر بقصيدة الكوليرا (1947)، وتنظيراً عبر جهودها النقدية المتخصصة في “قضايا الشعر المعاصر” (1962). أمّا في بلادها التي علّمتها الكآبة فإن ذكراها تمرّ يتيمة. تفتتح أسرة موقع الناقد العراقي ملفها عن الراحلة الكبيرة وتدعو الكتّاب والقرّاء إلى إغنائه بالمقالات والصور والوثائق.
قراءة في عتبات النص:
يمثل العنوان العتبة الأولى من عتبات هذا النص، وقد جاء العنوان (خرافات) بصيغة الجمع والتنكير للتكثير والتعميم، فهو يفتحللقارئ مجالا واسعا للتأويل، فالنص يدور حول أكثر من خرافة، دون أي تحديد لماهية هذه الخرافات.
وتأتي العتبة الثانية لتلقي مزيدا من الضوء على النص، وهذه العتبة تتمثل في الإهداء الذي يلي العنوان، ونصه: ” هدية إلى صديقتي ديزي الأمير تحية لذكرى مساء فلسفنا فيه كل شيء حتى الكراسي والمناضد والستائر”.
ومن خلال العتبتين، فقد تشكل شيء من أفق التوقع لدى القارئ لما سيحمله النص، فهو نص شعري حر يدور حول مجموعة من الخرافات، والحديث عن هذه الخرافات يقوم على رؤية فلسفية ما، قد تفلسف حتى الجمادات، أما عن كنه ودلالة هذه الخرافات فهو تساؤل لا يحمل إجابته إلا النص نفسه.

قراءة أولية (عامة) للنص:
ينطلق النص من رؤية وتصور الشاعرة للحياة ومظاهرها في مقابل رؤية الآخرين لها، ورؤية الشاعرة هنا تقوم على نقض ما يراه الآخرون، فما الحياة والنعيم والأمل والشباب وغيرها من مظاهر الحياة إلا محض خرافات يحسبها الناس موجودة ولا وجود لها، فهي رؤية ذات طابع تشاؤمي كبير، بحيث انقلبت فيها موازين الأشياء، فالحياة موت، والأمل حسرة، والنعيم ذبول وأفول…الخ، وتتوسل الشاعرة في سبيل إقناع المتلقي برؤيتها الخاصة بمجموعة من الصور والأخيلة الحزينة التي تهدف إلى التأثير في المتلقي، ولكنه تأثير ينصب على الوجدان ولا يتجاوزه إلى العقل.

قراءة تحليلية:
تبدأ الشاعرة بعرض الخرافة الأولى في عبارة (قالوا الحياة)، فتأتي بالفعل (قال) بصيغة الماضي دلالة على مضي هذا القول وانقطاعه، ثم تسنده إلى واو الجماعة العائدة على غير مذكور، دلالة على كثرة وعدم أهمية أصحاب هذا القول، ولينصب بالتالي التركيز على المقول لا على القائل، والمتمثل في كلمة (الحياة)، لتظهر للقارئ الخرافة الأولى من الخرافات التي أشارت إليها عتبة العنوان، وهي خرافة الحياة.
وأول علامة على رفض الشاعرة لما يسمونه بالحياة جاءت عن طريق جعل عبارة (قالوا الحياة) غير موازية ولا محاذية لبقية أسطر المقطع الأول، دلالة على التفريق بين رؤية الآخرين للأشياء ورؤية الشاعرة لها.
وعلى عكس الجملة الفعلية الماضوية التي عبرت بها الشاعرة عن قول الآخرين،
فقد توسلت في عرضها لرؤيتها الذاتية للحياة بمجموعة من الجمل الاسمية، مستفيدةً مما تحمله الأسماء من دلالة الثبات والاستمرار؛ تقويةً وتأكيدا على ثبات ما تقوله.
كما توسلت في سبيل التأثير في وجدان المتلقي بمجموعة من الصور البيانية القاتمة؛ حيث شبهت في السطر الثاني الحياة عن طريق الضمير (هي) بلون عيني شخص ميت، وهو لون فارغ يخلو من الحياة، فالحياة والموت شيء واحد في نظر الشاعرة ولا فرق بينهما.
وتؤكد هذه الفكرة في السطر الثالث حين تشبه الحياة كذلك بصوت خطوات القاتل المتلفت، فالقاتل هو الحياة، والمقتول هو الإنسان، وسماع وقع خطو القاتل هو اقتراب الموت من الإنسان في هذه الحياة.
وفي السطر الرابع، تستعير لأيام الحياة صفة التجاعيد التي تكون عادة صفة في المرأة العجوز أو الرجل المسن، والهدف من هذه الاستعارة هو تشويه صورة الأيام.
وتؤكد كذلك فكرة الموت حين تشبه الأيام المتجعدات بالمعطف المسموم الذي يحمل الموت لمن يلبسه وهو الإنسان.
ويظهر توظيف الموروث عند الشاعرة من خلال نوعين من أنواع التناص: أولهما التناص التاريخي حيث تداخل هذا النص من خلال صورة المعطف المسموم مع قصة المعطف المسموم الذي قُتِلَ به امرؤ القيس. والثاني التناص الأسطوري، حيث وظفت الشاعرة أسطورة الغول (السعلاة) – وهي نوع من الشياطين تظهر للناس في الفلاة فتتلون لهم في صور شتى لتضللهم وتهلكهم- فشبهت أحلام الحياة بابتسامة السعلاة التي تخدر عين الناظر إليها، وتخفي له وراء بسمتها الموت والهلاك.

*عن موقع الأستاذ فارس أميري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *