الرئيسية » ملفات » إيجابية الكوليرا وأشياء أخرى حول رحيل الشاعرة نازك الملائكة (ملف/13)

إيجابية الكوليرا وأشياء أخرى حول رحيل الشاعرة نازك الملائكة (ملف/13)

إشارة :
حين رحلت المبدعة العراقية والعربية الكبيرة “نازك الملائكة” عام 2007 في القاهرة احتج المثقفون المصريون على إهمال الإعلام لمنجزها وتجاهله لدورها في التأسيس للحداثة في الشعر العربي؛ شعراً عبر ريادتها (مع السيّاب) للشعر الحر بقصيدة الكوليرا (1947)، وتنظيراً عبر جهودها النقدية المتخصصة في “قضايا الشعر المعاصر” (1962). أمّا في بلادها التي علّمتها الكآبة فإن ذكراها تمرّ يتيمة. تفتتح أسرة موقع الناقد العراقي ملفها عن الراحلة الكبيرة وتدعو الكتّاب والقرّاء إلى إغنائه بالمقالات والصور والوثائق.

إيجابية الكوليرا وأشياء أخرى حول رحيل الشاعرة نازك الملائكة

بعد صراعها مع المرض لمدة تزيد على الثلاثين عاماً، كان رحيل الشاعرة نازك الملائكة مفاجئاً للكثيرين، هو رحيل متوقع مليء بالمرارة ومخفوف بالفجعة، فالشاعرة المجددة حركت الماء الراكد في القصيدة العربية، واثارت الكثير من الجدل والنقاش، حول التفعيلة والنثر وتبعات الكتابة الجديدة.

1

لا أدري كيف يكتب شاب من جيلي عن شاعرة مثل نازك الملائكة بعد وفاتها. لا أدري كيف يقرأ الجيل الجديد هذه الشاعرة التي يدين لها الشعراء العرب والنقاد بالكثير من العرفان لريادتها وتأسيسها مدرسة الشعر الحر الحديث. بالطبع لا نستطيع التنظير في شعر شاعرة رائدة ولدت في زمن غير زمننا وكتبت في اطار تخلت هي نفسها عنه. لكن ما ينبغي قوله انه كان مؤلماً ألا يبقى من الشاعرة سوى انتظار نبأ رحيلها، خاصة أنها عراقية والعراقيون ذوو باع في الموت في المنافي، من عبد الوهاب البياتي إلى الجواهري في دمشق فبلند الحيدري في لندن فآدم حاتم عين الحلوة فجان دمو في استراليا ومحمود البريكان في المنفى الداخلي. الموت في المنفي علامة من علامات العراقيين، خاصة بعد الحكم البعثي الذي هجر ألوف المثقفين والشعراء في اصقاع الأرض او قتلهم.

2

كان لنازك الملائكة نصيبها من المنافي والآلام، سواء في بحثها عن العلم في الجامعات العالمية او في مغادرتها العراق بعد سنتين من وصول البعث الصدامي الى السلطة. أصبح المنفى بالنسبة اليها أشبه بالوطن الكوني، من بيروت الى الكويت فالقاهرة وغيرها من العواصم. ولدت في «عائلة ادبية» معروفة تقيم في محلة العاقولية في بغداد عام 1923. كان والدها رجلا عمليا واقعيا مغرما بالشعر، واللغة العربية ودراسة الفقه والمنطق والشعر وكانت الأم فتاة يافعة لم تبلغ بعد السن الصالحة للأمومة لكنها مغرمة بقراءة القصص وسير الابطال والشعر العذري. الأب في الثامنة والعشرين من عمره والأم في الرابعة عشرة شاعرة اسمها سلمي عبد الرزاق اصدرت ديوانا عنوانه «أنشودة المجد»، وكتب الأب قصيدة يحيي فيها طفلته ويؤرخ لمولدها في هذا الشطر :»نازك جاءت في زمان السرور». اختيار هذا الاسم التركي لتسمية للطفلة مرده انها ولدت عقب الثورة التي قادتها الثائرة السورية نازك العابد على السلطات الفرنسية . كانت الصحف اذ ذاك تطفح بانبائها فرأى جد الطفلة ان تسمي نازك اكراماً للثائرة وتيمناً بها فقال:»ستكون ابنتنا نازك مشهورة كنازك العابد ان شاء الله». هذا الإسم جعل الشاعر قاسم حداد يقول «وجدت في اسم نازك الملائكة ما يمنح ولعي بالشعر وأحلام التجديد الشعرية حديقة غنية بالدلالات، فاسم مثل (نازك /الملائكة) لا بد له في أن ينتمي إلى فعل الكوني الخارق من جهة: نازك، وبراءة العمق الروحاني من جهة ثانية: ملائكة».

3

من أين بدأت ريادة الملائكة؟ سؤال تطرحه مقالات كثيرة وتجيب عنه مقالات كثيرة ايضأ. يقال انه طلب ذات يوم إلى نازك الملائكة كتابة سيرتها الذاتية. أشارت إلى ذاك الاكتشاف الشعري الذي دوى في الوسط الثقافي، مسترجعة في تلك السيرة لحظات الانفعال الأولي وتجديدها للشكل التقليدي للشعر. تقول:»بعد صدور عاشقة الليل بأشهر قليلة عام 1947 انتشر وباء الكوليرا في مصر الشقيقة وبدأنا نسمع الإذاعة تذكر أعداد الموتى يومياً وحين بلغ العدد ثلاثمائة في اليوم انفعلت انفعالاً شعرياً. جلست أنظم قصيدة استعملت لها شكل الشطرين المعتاد، مغيرة القافية بعد كل أربعة أبيات أو نحو ذلك. بعد أن انتهيت من القصيدة. قرأتها فأحسست أنها لم تعبر عما في نفسي وأن عواطفي مازالت متأججة.

أهملت القصيدة وقررت أن أعتبرها من شعري الخائب الفاشل وبعد أيام قليلة ارتفع عدد الموتى بالكوليرا إلى ستمائة في اليوم، فجلست ونظمت قصيدة شطرين ثانية أعبر فيها عن إحساسي واخترت لها وزناً غير القصيدة الأولى، وغيرت أسلوب تقفيتها ظانة أنها ستروي ظمأ التعبير عن حزني، ولكني حين انتهيت منها شعرت أنها لم ترسم صورة إحساسي المتأجج. قررت أن القصيدة قد خابت كالأولى. أحسست أنني أحتاج أسلوباً آخر أعبر به عن إحساسي، جلست حزينة حائرة لا أدري كيف استطيع التعبير عن مأساة الكوليرا التي تلتهم المئات من الناس كل يوم.

يوم الجمعة 27 – 10 – 1947 أفقت من النوم وتكاسلت في الفراش أستمع إلى المذيع وهو يذكر أن عدد الموتى بلغ ألفاً فاستولى علي حزن بالغ وانفعال شديد فقفزت من الفراش، حملت دفتراً، غادرت منزلنا الذي يموج بالحركة والضجيج يوم الجمعة، وكان إلى جوارنا بيت شاهق يبنى وقد وصل البناؤون إلى سطح طابقه الثاني وكان خالياً لأنه يوم عطلة العمل فجلست على سياج واطئ وبدأت أنظم قصيدتي المعروفة الآن «الكوليرا» وكنت قد سمعت في الإذاعة أن جثث الموتي كانت تحمل في الريف المصري مكدسة في عربات تجرها الخيل فرحت أكتب وأنا أتحسس أصوات أقدام الخيل:

سكن الليل

أصغ، إلى وقع صدى الأنات

في عمق الظلمة، تحت الصمت، على الأموات

لاحظت في سعادة بالغة أنني أعبر عن إحساسي أروع تعبير بهذه الأشطر غير المتساوية الطول، بعد أن ثبت لي عجز الشطرين عن التعبير عن مأساة الكوليرا، ووجدتني أروي ظمأ النطق في كياني وأنا أهتف:

الموت، الموت، الموت

تشكو البشرية تشكو ما يرتكب الموت».

تقول الراحلة حياة شرارة في كتابها «صفحات من حياة نازك الملائكة» ان نازك كانت متلهفة لمعرفة رأي أفراد أسرتها في ما كتبته فعبرت شقيقتها إحسان عن إعجابها الكبير بالقصيدة أما أمها سلمى عبد الرزاق فقرأتها ثم سألت بفتور: ما هذا اللون الغريب؟ أن الاشطر غير متساوية، موسيقاها ضعيفة يا بنيتي! وكان هذا أول جفاء وبرود يستقبل به الشعر الوليد غير أن هذا الجفاء لا يعد شيئا مع الاصطدام الذي حدث مع أبيها الذي رد عليها ساخراً من محاولتها هذه فأجابته نازك بحماسة وإصرار: قل ما تشاء، إني واثقة من أن قصيدتي ستغير خريطة الشعر العربي!» لا شك ان ما توقعته نازك حصل، وبذلك اصبحت «الأنثى التي حطمت أهم رموز الفحولة وأبرز علامات الذكورة: عمود الشعر» بحسب ما كتب الناقد عبدالله الغذامي.

4

نازك الملائكة شاعرة وناقدة في آن، لها العديد من المجموعات الشعرية والدراسات النقدية منها ما ضمها كتاب ومنها ما نشر في المجلات والصحف الأدبية، أما مجموعاتها الشعرية فهي على التوالي:»عاشقة الليل»، «شظايا ورماد»، «قرار الموجة»، «شجرة القمر»، «مأساة الحياة و»أغنية الإنسان» و»ملحمة شعرية»، « يغير ألوانه البحر»، «وللصلاة والثورة». أما اثارها النقدية فهي:»قضايا الشعر المعاصر»، «الصومعة والشرفة الحمراء» و»سيكولوجية الشعر». كتبها تدل في رأي الكاتب العراقي سيّار الجميل على انها جمعت بين نوعين من النقد، نقد النقاد ونقد الشعراء أو النقد الذي يكتبه الشعراء، فهي تمارس النقد بصفتها ناقدة متخصصة واستاذة جامعية لها مكانتها في الوسط الاكاديمي، وتمارس نقد الشعر بصفتها مبدعة منطلقة من موقع إبداعي وخاصة الشعر الحديث لأنها شاعرة لامعة في هذا الشعر. ترى الشعر بعداً فنياً حراً لا يعرف الحدود أو القيود. لكن الجانب الذي لم تهتم به الصحافة بعد وفاة نازك هو مجموعتها القصصية التي صدرت عن المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة عام 1999 تحت عنوان «الشمس التي وراء القمة» وتحتوي على سبع قصص تتناول موضوعات منوعة عُرف اهتمام الشاعرة بها مثل القضايا الوطنية والقومية في «منحدر التل» و»قرابين لمندلي المقتولة»، الحياة النفسية للمرأة في «الشمس التي وراء القمة» وعالم الأطفال، تجارب النضوج في «ظفائر السمراء عالية» وتجربة الاغتراب في الوطن في «ياسمين»، بالإضافة الى رؤية خاصة لعنيزة وامرؤ القيس في «رحلة في الابعاد».

*عن جريدة الجريدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *