شعراء ونقاد مصريون يستنكرون تجاهل الإعلام لنازك الملائكة
مرعي مدكور – القاهرة (ملف/6)

إشارة :
حين رحلت المبدعة العراقية والعربية الكبيرة “نازك الملائكة” عام 2007 في القاهرة احتج المثقفون المصريون على إهمال الإعلام لمنجزها وتجاهله لدورها في التأسيس للحداثة في الشعر العربي؛ شعراً عبر ريادتها (مع السيّاب) للشعر الحر بقصيدة الكوليرا (1947)، وتنظيراً عبر جهودها النقدية المتخصصة في “قضايا الشعر المعاصر” (1962). أمّا في بلادها التي علّمتها الكآبة فإن ذكراها تمرّ يتيمة. تفتتح أسرة موقع الناقد العراقي ملفها عن الراحلة الكبيرة وتدعو الكتّاب والقرّاء إلى إغنائه بالمقالات والصور والوثائق.

شعراء ونقاد مصريون يستنكرونتجاهل الإعلام لنازك الملائكة
مرعي مدكور
القاهرة
جاءت وفاة الشاعرة العراقية الرائدة «نازك الملائكة» بعد سنوات مرضها الطويلة بالقاهرة لتفتح العديد من الملفات ، في مقدمتها ضرورة الالتفات إلى الإنتاج الغزير للشاعرة الراحلة التى أكد الجميع أنها تعرضت لتهميش و تجاهل إعلامى غريب يتعارض مع ما قدمته للشعر العربي !!
أبدى الشاعر عبد المنعم عواد يوسف حزنا شديدا لوفاة نازك الملائكة ، و قال : إن الشعر العربي خسر كثيرا برحيل نازك الملائكة ، فهى ليست شاعرة عادية ، بل إحدى عبقريات الشعر العربي و رائدة من رواد الحداثة ، و قد كدنا في الفترة الأخيرة أن نمنحها جائزة الشعر من المجلس الأعلى للثقافة في مصر .
و أضاف : تعتبر نازك الملائكة إحدى اثنين من الشعراء العراقيين الرواد في شعر الحداثة ، فقد أجمعت الآراء على أنها هى و بدر شاكر السياب كان لهما الأسبقية في قصيدة الشعر الحر ، على الأقل بالنسبة للعراق ، فقصيدة الكوليرا التى كتبتها نازك الملائكة متأثرة بانتشار مرض الكوليرا في مصر كانت متزامنة مع قصيدة أخري للسياب و ربما يكونان قد كتبا القصيدتين في نفس الوقت ، و هناك شيء لا يمكن إغفاله و هو أن نازك كانت المنظر الأول لقصيدة التفعيلة بكتابها الرائع «قضايا الشعر الحر» ، فهى ليست مبدعة فقط ، بل إنها ناقدة أيضا و دواوينها الأولى تؤكد أنها شاعرة من شعراء الشعر الحداثي الحقيقي غير القائم على الإخفاء و التعمية و الإبهام ، و أكثر ما يحزنني أنها تعرضت في السنوات الأخيرة لتهميش إعلامي غير عادي ، حتى أن الكثير من المثقفين لا يعرفون أنها كانت تعيش في مصر ، بل إن الكثيرين يعتقدون أنها ماتت منذ سنوات بسبب هذا التهميش الإعلامى الغريب الذى يتعارض مع تاريخها الطويل الذى كان يستحق احتفالية و ليس التهميش .
و دعا الناقد الدكتور مرعي مدكور لتكريم اسم نازك الملائكة مستنكرا ما تعرضت له من تهميش في سنوات عمرها الأخيرة التى مرضت فيها فتجاهلها الإعلام بشكل غريب ، و أشار إلى أن رحيلها يجب أن يعيدها إلى الساحة الأدبية العربية بتكريم اسمها و إعادة نشر أعمالها و بالكثير من الأعمال التى كان هناك تقصير شديد في عملها خلال السنوات الأخيرة .
و أكد مدكور انه ليس كثيرا على تاريخ نازك الملائكة أن تعاد طباعة أعمالها خاصة في مصر التى عشقتها الشاعرة الراحلة ، و دعا اتحاد الأدباء والكتاب العرب إلى الاحتفاء بإبداعها. وإعادة تقديم انجازاتها إلى قراء الشعر.
أما الشاعرة و الناقدة الدكتورة ثريا العسيلي ، فقد أعربت عن حزنها الشديد لوفاة نازك ، مؤكدة أن الحياة الأدبية العربية خسرت برحيلها خسارة فادحة ، وأنها كانت تعتز بها كشاعرة الحداثة الأولى ، على الرغم من أنه كانت هناك شاعرات مصريات رائعات أمثال ملك عبد العزيز و وفاء وجدى لكنها كانت تعتبر أن نازك الملائكة هى الشاعرة العربية الأولى .
و أكدت أن الملائكة لعبت دورا كبيرا في الشعر العربي الحديث ، و لم تقف عند الإبداع فقط بل برعت في النقد أيضا و كان لها الكثير من الآراء التنظيرية التى تؤكد عبقريتها ، فقد طرحت الكثير من المحاذير التى حدثت بالفعل بعد عشر ات السنوات من تحذيرها ، و البعض يقول إنها تنكرت في إبداعها الأخير من الشعر الحر و شعر التفعيلة و عادت للقصيدة العمودية لتؤكد أنها هى القصيدة الباقية ، لكن هذا ليس صحيحا و ليس ما فعلته ردة عن الشعر الحر ، و لكن ربما كانت قد وجدت أن الأنسب لها لكى تعبر عن ظروفها الأخيرة هو القصيدة العمودية ، لكن السلفيين إبداعا وجدوا في هذا الاتجاه ما ينتظرونه لمهاجمة الشعر الحر ، و انتهزوا الفرصة ليشككوا في الحداثة متخذين من هذه القصائد ذريعة لذلك .
و يقول الناقد المصري الدكتور أحمد الحسيني هاشم إنه لم يكن من الغريب أن تخرج نازك إلى الحياة بهذه الموهبة غير العادية ، حيث نشأت في بيت عرف بالعلم والأدب في بغداد، فأبوها صادق الملائكة من مدرسي اللغة العربية المتبحرين في علومها وآدابها وكان أيضا أديبا و باحثا، أما أمها «سلمى عبد الرزاق» فكانت شاعرة مجيدة ولها ديوان منشور بعنوان «أنشودة المجد» ، كما أن إبداعها لأول إنتاج عربي من الشعر الحر يجعلها رائدة في عالم الشعر العربي ، و أكد أن الاهتمام الرسمى بعلاجها جاء متأخرا جدا ، و أنه كان يجب أن تنال الاهتمام منذ اليوم الأول لمرضها و ليس بعد موتها .
و يؤكد الشاعر أحمد سويلم أن نازك الملائكة لم تكن أبدا مجرد شاعرة عادية ، مشددا على أنها كانت رائدة ليس في كتابة قصيدة الشعر الحر فقط ، بل و في التنظير لها أيضا ، و خاضت من أجل ذلك معارك أدبية كثيرة ، و كانت حماستها فيها غريبة و تحدت السياب و غيره لتثبت أنها أول من كتب قصيدة في الشعر الحر ، لكنه أشار إلى أنها تراجعت في النهاية عن ذلك ، و عادت لكتابة القصيدة الموزونة المقفاة ، معلنة العصيان على الأفكار التى كانت قد طرحتها من قبل و حاربت من أجلها ، لكنه شدد على أن هذا لا ينقص من قدرها كشاعرة بارعة كانت لها علامات بارزة في تاريخ الشعر العربي الحديث .
و قال عنها الدكتور بدوي طبانة – في مقال له قبل سنوات – كنت أول من بشر بطلوع فجر جديد في حياة الأدب العربي الحديث ببزوغ عدد من الأنجم الصغيرة في سماء الشعر العربي و ذلك في سلسلة المقالات التى كتبتها تحت عنوان «أديبات العراق» سنة 1947 و نشرتها مجلة العالم العربي التى كان يصدرها يوسف شحاتة ويرأس تحريرها محمود تيمور ، و كانت نازك الملائكة واسطة العقد الذى ضم تلك الباقة من الزهرات كانت مواهبهن الشعرية إذ ذاك أشبه بالبراعم الندية في أول أدوار التفتح و استقبال الحياة و هم رباب ابنة الشاعر العربي الكبير عبد المحسن الكاظمى وأم نزار الملائكة و ابنتها نازك و عاتكة الخزرجية و صدوف العبيدية و لميعة عباس عمارة ، و قد عرفت نازك الملائكة في يوم من أيام عام 1941م يوم لبيت دعوة أبيها صادق الملائكة لزيارته في داره بحى الكرادة شرقي بغداد . . و قد كانت نازك إذا ذاك تكمل دراستها بدار المعلمين العالية ، و قد أفادت فائدة كبري من توجيه أبويها الشاعرين و تشجيعهما في تنمية مواهبها الشعرية ، كما أفادت من دراستها بقسم اللغة معرفة واسعة بالأدب العربي قديمه و حديثه و من المكتبة الخاصة التى كان أبوها يرفدها بالمستظرف من العلوم و الآداب بالإضافة إلى ما كانت تحوى من مراجع في أصول اللغة و الأدب .
و قد أضافت إلى هذا الزاد من الثقافة العربية معرفة بآداب اللغة الإنجليزية التى أجادتها قراءة و كتابة ، و قد قامت بترجمة كثير من الكتابات و القصائد شعرا إلى اللغة العربية ، و في مقدمة الشعراء الذين أعجبت نازك بشعرهم الشاعران المصريان محمود حسن إسماعيل و على محمود طه الذى قامت بتأليف كتاب في الإشادة بشاعريته ، وهذا الولوع بالقراءة و التحصيل كان من أهم العوامل التى فتحت إغلاقها و وسعت دائرة معارفها و شحذت ملكتها و هيأت لها سبل النبوغ و التفوق على جميع لداتها من شواعر العرب و على كثير من شعراء العربية المعاصرين لها.
و قد لا يعلم الكثيرون أن نازك شبت و في أعماقها حب للموسيقي أدى بها إلى إجادة العزف على المزهر ، و كانت تقضي أوقات فراغها في العزف علىه ، كما كانت تختلف إلى معهد الفنون الجميلة في بغداد لتعلم فن الموسيقي و معرفة أصوله ، و تعجب بألحان الموسيقي «تشيكوفيسكى» و قد أهدت إلىه قصيدة من شعرها جعلت عنوانها «أنشودة الأبدية» و لم يقتصر إعجابها به على موسيقاه البارعة فحسب بل تجاوزه إلى الإعجاب بشخصيته و نبله ، كذلك كانت متعلقة بالرسم و التصوير و الفنون الإنسانية.

*عن صحيفة اليوم

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *