ناطق خلوصي: رواية سفر السرمدية : البحث عن كلكامش معاصر

على الغلاف الأخير لرواية ” سفر السرمدية ” لعبد الخالق الركابي ، كتب الدكتور مالك المطلبي يقول:” ان هذه الروااية تعد عملا ً ابداعيا ً رائعا ً يحاول فيه الكاتب تقديم نموذج عراقي لرواية ما بعد الحداثة عن طريق مزاوجته بين المدى الروائي والمدى اللاروائي وهو الواقع . كما ان المحتوى يدور او يختزل طابع الحياة العراقية الصميمة . ” وهذا المقطع مجتزآ من المقدمة التي كتبها الدكنور المطلبي للرواية والتي وصفها بأنها ” مقدمة في منطق اللعب “، وحاول فيها أن يلقي الضوء على جوانب من المنحى الفكري للرواية ولرواية ما بعد الحداثة بشكل خاص، وخاص الى القول  ” ان مابعد الحداثة اعادت ربط الراوي بالقارىء  عن طريق التوجيه والتحكم . “
ولسنا هنا بصدد الدخول في مماحكة حول ما اذا كانت ” سفر السرمدية ” تنتمي الى أدب ما بعد الحداثة ، ام انها تقترب من الواقعية اقترابا ً صريحا ً . غير اننا نزعم بأنها لم تكن في حاجة الى مقدمة . فهي جديرة بأن تقدم نفسها لقارئها بنفسها وتمنحه حرية تأويل النص بنفسه  ، ذلك ان مثل هذا التقديم ربما يتقاطع مع مبدأ من مبادىء ما بعد الحداثة يؤكد على ” ان المعنى هو ما يكشفه القارىء لوحده وليس ما يمليه عليه سارد ومؤلف ” ويؤكد ما بعد الحداثويين على ان ” مستهلك النتاج الثقافي حر في تفكيك معنى العمل ، وان المستهلكين المختلفين سوف يتوصلون الى استنتاجات مختلفة جدا ً عن ماهية المعنى . ” ويضاف الى ذلك ان عبد الخالق الركابي نفسه يقول على لسان شحصية ( الروائي ) : على الروائي أن يموت تاركا ً قارءه حرا ً في تأويل نصه . ” ( ص 80 )ويعزز ذلك قوله على لسان وحيد حلمي : ” ان الرواية التجريبية تنحو الآن منحى جديدا ً ينمثل بحذف المؤلف لمصلحة الكتابة وذلك بإعطاء القارىء دور المؤلف ” ( ص 90 ). وفي هذا تأكيد على الدور الممنوح للقارىء مما يدل على ان اي تدخل قسري خارجي يتقاطع مع حريته في التأويل .
تنحو هذه الرواية منحى ً سيَريا ً في جانب منها إذ يبدو واضحا ً ان كاتبها يسعى الى تقديم استقراء سردي لسيرته الشخصية والابداعية، أو لجوانب من هذه السيرة . فشخصية الكاتب تنشطر وتتوزع بين شخصية ” طلال شاكر ” وشخصية ” الروائي ” ( الذي لا يحمل اسما ً ) بالشكل الذي يجعل هاتين الشخصيتين تتداخلان الى حد التوحد بينهما لتتماهى معهما شخصية الكاتب . وتضاف اليهما شخصية السارد ” وحيد حلمي ” ( ولنلاحظ دلالة الاسم ) التي لا تبتعد في ملامحها عن شخصية الكاتب نفسه . ان في هذه الرواية تجسيدا ً لملامح شخصية طلال شاكر الخارجية يأتي ذكرها على لسان السارد ( وهو يشير الى أول لقاء بينهما ) ، هي نفسها ملامح عبد الخالق الركابي : ” كان يعتمر ( كاسكيتة ) تنسجم مع ثيابه التي كانت باللون نفسه  .تركت الباب منصفقا ً في موضعه ، وعدت داخلا ً لأكتشف ان الرجل معوق . ” ( ص 35 ) وثمة اشارات صريحة لما أصا ب الركابي من معاناة بدنية ونفسية على ارض الواقع بفعل خطأ بشري قاد به الى الشلل . فقد أصيب طلال شاكر بشلل في الدماغ بسبب زرقه بحفنة  عن طريق الخطأ ” شلل كامل في الأطراف الأربعة تحول بعد تعاطي مختلف اصناف العقاقير وبعد الخضوع مدة طويلة للجلسات الكهربائية ، وعقب ممارسة عمليات مساج مائي ويدوي ، تحول الى شلل جزئي ” ،كما يرد على لسان طلال ( ص 37 ـ 38 )، ويرد على لسانه ايضا ً ” لقد روضت نفسي على حقيقة كوني انسانا ً كسيحا ً كتبت عليه عزلة لا بديل له عنها ” ( ص 51 ) . واذا كانت هذه الاشارات تشي بأوجه التشابه جسديا ً ونفسيا ً بين شخصية الكاتب وشخصية بطله ، فإن ثمة ما يشي بأوجه تماثل ، ولكن ابداعيا ً ، بينه وبين أكثر من شخصية من شخصيات الرواية . فقد كان طلال شاكر فنانا ً تشكيليا ً تخرج من اكاديمية الفنون الجميلة قبل أن يصاب بالشلل / وهو ما كان عليه الكاتب فعلا ً، وكان السارد قد تعرف عليه مرة في المعرض الفني الذي اقامه وقد اكتشف في تلك المرة  انه شغوف بالأدب ولاسيما الرواية ” وذلك بعدوى من روائي معروف كانت تربطه به صداقة قديمة ” ( ص 37 ) .
وتتماثل اهتمامات طلال شاكر مع اهتمامات الكاتب . فهو مثله شغوف بالموسيقى، مهتم بها ، وملم بأبرز الاعمال ويشير الى دورها في علاجه ، الى جانب اهتمامه بالفن التشكيلي ومعرفته بأدق تفاصيل الحركة التشكيلية العالمية ( اختار الكاتب لوحة  ” الوصيفات ” للفنان الأسباني ” فيلاسكيز ”  تعبيرا  عن مدى اعجابه بها ) . ويعادل شغفه بالموسيقى والفنون التشكيلية شغف مماثل بالثقافة الأدبية . ففي الرواية عرض لسعة ثقافة شخصية ” الروائي ” وتعدد قراءاته وتنوعها حتى ان الكاتب يكرس صفحتين كاملتين من الرواية لأسماء الكتب الموجودة في مكتبة الروائي ، ويشير في هذا السياق على لسان السارد وهو يخاطب احدى شخصيات الرواية ”  أتدرين بأن هذه الكتب تذكرني بعبارة لبورخس يقول فيها انه يتخيل الفردوس على شكل  مكتبة هائلة لا تحدها حدود ؟ ” ( ص 156 ) وفي نهاية الرواية ثمة ملحق بأسماء الكتب التي اعتمدها الكاتب كمصادر وهو يكتب روايته ، وتتوزع هذه الكتب بين الفلسفة واللغة والأدب والموسيقى والدراسات التي تدور حول فروع المعرفة الحديثة .
ويبدو ان بطل الرواية المزدوج : طلال شاكر / الروائي ، يعاني من عقدة تضخيم الذات . ففي مطلع ” سفر الأبدية ”  ( وهو احد فصول الرواية ) يرد على لسان السارد : ” كان الزهو هو أول ما داعب غروري حال انتهائي من قراءة ( سفر الأولية ) ذلك ان روائيا ً ذائع الصيت ، سأمتنع عن ذكر اسمه على امتداد الصفحات اللاحقة استجابة لرغبته ، قد اختارني للاسهام في كتابة رواية مشتركة ” ( ص 25 ) . وتشكل  (الكتابة المشتركة ) احدى الثيمات الاساسية التي تقوم عليها رواية عبد الخالق الركابي ، وتشير حنان ( وهي احدى شخصيات الرواية محدودة العدد وزميلة وحيد حلمي  وشريكته في اهتمامه بالروائي ) الى ” عدم اقتناعها بفكرة لجوء روائي مشهور الى الاستعانة بكاتب شا ب قليل الخبرة مثلي ” على حد قول وحيد ( ص 25 ) .فهي تقول له : ” نحن بصدد الكتابة عن روائي ما من قارىء  يضارعنا شغفا ً برواياته ” ( ص 153 ) ، لكنها تقول في تحول مفاجىء ” ما منعك الا لكي يبقيك محض تابع تقتصر مهمتك في الحياة على الاشادة بابداعه ، ضامنا ً بذلك لنفسه المجد والخلود ” ( ص 154 ) علما ً انها تكتب دراسة عن الروائي وهو ما يجمعها بوحيد حلمي شديد الاعجاب بالروتئي الذي يرى ان روايته الأخيرة قد اعادت خلقه من جديد ويكرس له رسالته للحصول على الدكتوراه . وحين يقول الروائي  انه يعجز عن انجاز روايته منذ سنوات ، يرد عليه مسنمكرا ً ” أيعقل أن تعجز عن انجاز رواية وانت سيد هذا الفن في الاسلاف دون منازع ؟ ” ( ص 77 ) وكان يتصور ان بيت الروائي في مدينة الاسلاف  سوف ” يتحول الى متحف يتزاحم السياح على بابه ” ( ص 101 ) ، ويقول عن تكليف الروائي له للمشاركة معه في كتابة رواية :  ” وجدتها فرصة مناسبة لاظهار امتناني لمبدع كبير ترسمت خطاه في كتابة صفحات من رواية لا يضيرني كثيرا  ً اتهام بعض النقاد بأنني وقعت تحت تأثيره ” ( ص 66 ) . لكنه ما يلبث ان يوجه ايماءة جارحة  للروائي يحار المرء في تفسير مبرراتها حيث يقول : ” لقد بدا من الواضح ان الروائي قد اتخذ مني وسيلة للوصول الى غاية حددها لرؤيته سلفا ً ولعل دافعه الغرور والثقة المفرطة بالنفس ” ( ص 252 ) . وتجد عقدة تضخيم الذات حضورا ً لها مع شخصية طلال شاكر . فهو يرى نفسه موضع اهتمام الفتيات وتهافتهن عليه  ، وتكاد ضحى ( زميلته في العمل وعشيقته فيما بعد ) تذوب ولها ً به . ولم تسعها الدنيا ” حين بشرت انها ستعمل تحت اشراف فنان بحجمه ” ( ص 179 ) . لقد تبحّر عبد الخالق الركابي في أعماق شخصياته للكشف عن هذه العقدة واستجلاء انعكاساتها على سلوك هذه الشخصيات .
 ويخيل للمرء وهو يقرأ الرواية ان في طياتها ثمة عملية بحث عن كلكامش ، ولكن معاصر ، واضفاء هالته على بطل الرواية . فنحن نزعم ان عبد الخالق الركابي استلهم هنا ملحمة كلكامش في اطارها العام ، إذ يشكل البحث عن الخلود ملمحا ًبارزا ً من ملامح الرواية .ويتجلى ذلك اول ما يتجلى في اختيار العنوان الرئيس للرواية ” سفر السرمدية ” وعنواني فصلي ” سفر الأبدية ” و ” سفر الأزلية” وكلها عناوين تومىء  الى الخلود ، ثم في تعريفات لمفردات مثل ” الأبدية ” و” الأزلية  و ” السرمدية ” ، مستلة من كتب تراثية  ومنظور اليها من وجهة نظر فلسفية للزمن .
ويعتمد الكاتب تعريفات للسرمدية  تقول  بأنها ( ما لا أول لها ولا آخر لها ) و ( هي نسبة الثابت الى الثابت  ) و( الدائم الذي لا ينقطع  ) و( ربط الحاضر بالماضي والمستقبل ) . ومن تجليات السعي من اجل الخلود في الرواية ان طلال شاكر يقول انه قرأ كل النصوص الابداعية العظيمة بادئا ً بملحمة كلكامش وقد لفت نظره مقطع من الملحمة يكاد يحفظه عن ظهر قلب ، كما يقول، ” يتعلق بنواح كلكامش على ضياع جهوده هدرا ً في البحث عن عشبة الخلود ، فقد ازدردتها الأفعى في غفلة منه مكتسبة ً بذلك الخلود . ” ( ص 122 ) . ولعل طلال شاكر هنا ، وهو تحت سطوة تضخيم الذات ، يقارن نفسه بكلكامش في بحثه عن الخلود وضياع كل جهوده سدى في آخر الأمر . وضمن سياق البحث  عن الخلود ، يبدو طلال شاكر محكوما ً بهاجس الزمن وهو هاجس يؤرقه بسبب خشيته من ضياع فرصة الخلود منه , فهو يقول لوحيد حلمي : ” ان مرور الزمن يؤرقني بشكل يومي ، وهذا الأمر يشغلني كثيرا ً ” ( ص 42 ) ،وان ” الروايات التي أحببتها كان موضوعها الزمن . فما أكثر ما كان يرد فيها ذكر الساعات والتقاويم وتعاقب الفصول ” ( ص 42 ) ، لذلك فإن فكرة اقامة نصب يجسد الزمن كانت تشغل ذهنه ويعد اقامته مشروع العمر بالنسبة اليه ، وتساوره الرغبة في تزيين الساحات كلها بنصب متعلقة بالزمن الذي يتعامل معه ببعده الفلسفي وليس الاعتيادي .
ويطغى الجانب الفكري على مسار الرواية حتى ليكاد يضعف بنيتها السردية ويحيلها ، في جوانب منها في الأقل ، الى محض مناظرات فكرية أو حوارات ثنائية تنظيرية . فثمة حوار نظري تطرح فيه وجهتا نظر متقاطعتان يدور بين وحيد حلمي والدكتور ثابت ضاري ( غريم  طلال شاكر في الرواية ) ، يغطي خمس صفحات متتالية كاملة ( من الصفحة 91 الى الصفحة 95 )  ويتمحور حول العولمة والهوية الوطنية وحوار الحضارات . وثمة حوار آخر غطى الصفحتين 139 و 140 دار بين وحيد حلمي وحنان حول المفاضلة بين الكتاب والحاسوب ، الى جانب اشارات متواترة الى مقولة موت المؤلف . لقد تناثرت في المتن الروائي آراء وأفكار تسللت اليه من قراءات الشخصيات وهي قراءات الروائي نفسه ، منها قول وحيد حلمي : ” أليس الحاسوب والانترنت والفضائيلت من منتجات الحداثة ؟ ” ( ص 91 ) ( وفي هذا القول اعادة صياغة لأحد مبادىء ما بعد الحداثة يدعو الى قبول مجتمع تهيمن عليه وسائل الاعلام الجماهيرية ) ، قضلا ً على اشارات وحيد هذا الى سمات الرواية التجريبية ، وفي هذا مايجعل المرء يميل الى الاعتقاد بأن خطاب هذه الرواية يتوجه الى النخبة دون أن يضع القارىء الاعتيادي في حسابه وهو ما يجعلها تنحرف عن منحى اعمال الكاتب السابقة .
ويؤسس الكاتب بؤرة صراع في الرواية من خلال  شخصيتي طلال شاكر وثابت ضاري ( ولاختيار اسم ثابت ضاري دلالته الخاصة التي ترتبط بسلوك ثابت الذي تميز بالضراوة والثبات على عدائه لطلال شاكر ) . لقد بدأ الصراع بين هاتين الشخصيتين في وقت مبكر من حياتهما . فهما زميلا طفولة ، لكن ثمة هوة اجتماعية عميقة نفصل بين الاثنين . فقد نشأ طلال ” ابنا ً مدللا ً لعائلة بالغة الثراء . ثمة سيارة على أحدث طراز تأتي به الى المدرسة وتذهب يوميا ً في زمن كانت السيارات الخاصة لا تزال نادرة ” ( ص 70 ) . ويدخل ( الروائي ) زميل طفولة طلال وثابت طرفا ً في تجسيد ذلك الصراع الذي خرج عن كونه صراعا ً شخصيا ً الى دائرة الصراع الطبقي ، فيقول : ” كانت عائلة طلال تتميز عن عائاتينا نحن الاثنين بثراء تتمثل ايرز سماته بذلك القصر الذي يتوسط حديقة واسعة بمئات الأمتار كانت تشغل جاتبا ً كاملا ً من شارع فرعي يحاذي النهر ، وكان ذلك القصر يزداد سعة وتشابكا ً بمرور الأعوام ” ( ص 187 ) ، في حين كان ثابت لا يتوافر على ما يتيح له فرصة قراءة دروسه في البيت بفعل تعنت أبيه فيجد نفسه مضطرا ً للقراءة في الشارع تحت ضوء المصباح الكهربائي . وحين تم قبولهما في جامعة بغداد ، كان ثابت يسكن في شقة بائسة في منطقة الميدان التي كانت تعج بالمومسات آنذاك ، في حين استأجر طلال شقة في شارع الرشيد . ويؤكد ثابت ضاري نفسه طبقية ذلك الصراع حين يقول : ” لا ذنب لي أنا أيضا ً بتلك المشاعر ، فقد سبق للمرحوم ماركس ان لخصها تحت لافتة صراع الطبقات ” ( ص 189 )                                                         . وهو يعترف انه لا يكره طلال شخصيا ً : ” أكره غناه ، ترفه كراهيتي سنوات طفولتي التي سحقها الفقر والعوزوالحاجة ” ( ص 199 ). ويقول بأن هناك” اناسا ً يموتون ميتة الكلاب من دون ان يغضب لفقدهم أحد .. لأنهم محض فقراء ومعوزين يموتون بصمت ” .  ولعل في طبيعة الحياة البائسة التي  عاشها ثابت في طفولته الى جانب ما كان يعانيه من حول  في عينه وضلع في مشيه، ما جعل عقدة الاحساس بالنقص والدونية تنمو في داخله على نحو متواصل وتقف وراء انتهازيته ووصوليته وايمانه بمقولة ” الغاية تبرر الواسطة ” . وتجد هذه المقولة تجسيدا ً لها في سلوكه الانتقامي ضد طلال وهو سلوك تجلت فيه مظاهر الحسد والغيرة واعتبار طلال غريما ً له والسعي للايقاع به، متجاوزا ً في ذلك  مرحلة الطفولة الى مرحلة الحياة العملية . وبلغ حقده على طلال ذروته في التصرف الذي قام به ازاء كلب طلال وتسبب في موته ، وكان وراء معاناة طلال الجسدية حين ظن هذا ان كلبه مصاب بداء الكلب فسعى الى تحصين نفسه ضد هذا المرض بقعل خشيته من ان تكون العدوى قد انتقلت اليه فحدث ذلك الخطأ البشري الذي سبق لنا ان أشرنا اليه ، وكأن الكاتب هنا يمسخ شخصية ثابت الى الأفعى التي سرقت عشبة الخلود من كلكامش .
وكان وحيد حلمي يحس هو الآخر بوطأة الفوارق الاجتماعية بسبب حالة البؤس التي عاشها في طفولته هو الآخر . فهو يشير الى حياة ” بعثرها الزمان في كنف أعمام وأخوال واقارب آخرين تلقفوني طفلا ً يتيما ً ماتت امه لحظة مخاضها به ليدرجوا به على طريق طفولة  وعر وخال من كل ما يسر ويبهج . ” ( ص 123 ) وكان ضحية استغلال اقاربه له من خلال الاستحواذ على ما آل اليه من ثروة صغيرة ، تضاف الى ذلك معاناته من أيام شبابه . واذا كان موقف وحيد محصلة للانعكاس النفسي لطبيعة وضعه الاجتماعي ، يماثله في ذلك سلوك ثابت العدائي ضد طلال والذي تواصل حتى بعد ان نال الدكتوراه واصبح استاذا ً جامعيا ًوناقدا ً ، فإن طلال شتكر قدم نموذجا ً لسلوك الطبقة التي ينتمي اليها  ويتجلى ذلك في موقفه من ضحى التي كانت تعمل تحت امرته بادىء الأمر فلم يتردد في التشهير بها والسخرية منها امام وحيد حلمي في اول لقاء تعارفا فيه ، ثم اشارته المبتذلة عتها وعن تصرفات الرجال معها وهي تسير في الشوارع او تتجول في الاسواق . ويبلغ موقفه السلبي ذروته في قيامه باغواء ضحى ثم التهرب من طلبها أن يعقد عليها زواجا ً عرفيا ً بعد اكتشاف حملها منه . وفي مقابل نمط العلاقة السلبية بين طلال وضحى قدم الكاتب معادلا ً ايجابيا ً في علاقة وحيد وحنان .
 وعلى الرغم من ان زمن الأحداث يمتد لبضعة عقود من السنين ، فان هذه الأحداث ظلت تدور في نطاق ضيق وبدت كأنها بمعزل عن مجمل التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي حدثت خلال هذه العقود . غير ان الكاتب يتوقف عند الحصار الذي فرض على العراق فيكرّس اربع صفحات متتالية عنه وعن انعكاساته في معاناة الناس المادية والنفسية مع عرض لنماذج من هذه المعاناة .
ويبدو ان المكان يبسط سطوته على الكاتب أو انه يبدو شغوفا ً به . فهو يعمد الى الوصف التفصيلي لمعالم الأمكنة التي تدور احداث روايته فيها ، وهي أمكنة محدودة في الواقع ، مع ميل للافراط  في الوصف أحيانا ً . ان المكان الروائي هو غير المكان الواقعي بالتأكيد ، فهو من صنع الكاتب ، أي كاتب ، وماظور اليه بعين خياله ، وقد يعكس حنين الكاتب الى الماضي : أيام الطفولة والصبا والشباب التي فقدها . وتوحي الاشارات المتواترة للمكان في ” سفر السرمدية ” الى ان الأحداث تدور في بغداد ومدينة الأسلاف ، لكن التداخل الحاصل بين هذين المكانين يقود الى بعض الالتباس . قثمة ما يشير الى ان طلال شاكر وثابت ضاري و” الروائي ” كانوا يعيشون في مدينة الاسلاف وهم على صلة بملتقى الابداع فيها وقد اقبم احتفال توديعي للروائي بمناسبة هجرته واسرته الى بغداد مما يدل على ان بغداد ومدينة الاسلاف مكانان مختلفان ، لكن التمعن في تفاصيلهما يوحي بأنهما مكان واحد  ، أو لعل الاسلاف مكان من صنع الكاتب تتماهى به بغداد . فمدينة اسلاف الكاتب الحقيقية هي
” بدرة ” وهي مدينة صغيرة قريبة من الحدود الايرانية تابعة للكوت اداريا ً وليس هناك ما يجعل المرء يعتقد بأن أيا ً من بدرة والكوت تنطوي على مواصفات مدينة كبيرة حافلة بمباهج الحياة ومنفتحة ـ في زمن الأحداث في الأقل ـ على معطيات الحركة الثقافية في العالم ، أو ان المرأة فيها تملك حرية العمل والتصرف بالشكل الذي يعد خروجا ً على الأعراف الاجتماعية في ملتقى ابداعي

 يعتتمدالاختلاط بين الجنسين في خمسينيات وستينيات القرن العشرين ، ولم  تكن في أي منهما بناية مستشفى من ستة طوابق على جانب النهر ( وهو ما ينطبق على مدينة الطب في بغداد على وجه التحديد ) وفي هذا ما يجعلنا نميل الى الاعتقاد بأن الكاتب ( اختلق ) مدينة الاسلاف من مخيلته تجسيدا ً للصورة التي كان يحلم ان تكون مدينة اجداده عليها ، او لعله فعل ذلك كواحدة من قواعد ” اللعبة ” التي ربط روايته بها وأكد عليها الدكتور مالك المطلبي في المقدمة التي كتبها للرواية  ، والبي اعتبر فيها الآداب والفنون نوعا ً خاصا ً من الألعاب . وبعزز ذلك المقولة التي اعتمدها الكاتب في مستهل فصل ” اللعب ” من ” سفر السرمدية ” ( وهو الفصل الأول من الرواية ) والتي تفيد بأن ” الفن بالنسبة الى الفنان ضرب من اللعب ولكنه لعب أليم ” ( ص 13 ) .  فالرواية هنا لعبة يشترك فيها السارد وطلال شاكر والروائي وثابت ضاري وضحى وحنان ، مضافا ً اليها شخصية يوسف شابا الغريبة ( التي بدت متطفلة على الرواية ودخلت مجرى الأحداث سهوا ً ) ، لأن يوسف شابا كان يطمح في كتابة روايةهو الآخر وكان الكاتب هو الأخر يمسك بخيوط لعبته الروائية ويحركها ويعمل على تشابكها بفعل مقصود ، والرواية هنا هي محور ” سفر السرمدية ” وهي ليست كناية عن رواية مكتوبة على الورق ، انما هي سرد لحياة انسانية ، تظل خاتمتها مفتوحة على آفاق مجهولة وتشي نهايات الأحداث بذلك .
 ان ” سفر السرمدية  ” ثمرة اخرى من ثمار موهبة وتجربة عبد الخالق الركابي الروائية ، وهي تشكل امتدادا ً ، ولكن أكثر تطورا ً ، للمنحى الاسلوبي الذي عرف به والذي ترفده لغة شعرية ( كان الركابي قد بدأ شاعرا ً ) ، مع التغلغل في مفاصل المجتمع العراقي والتقاط نماذج احداثه وشخصياته منه واعادة صياغتها فنيا ً وفق رؤيته الابداعية . وربما جاءت هذه الرواية مختلفة في بنائها عن سابقتها ، معتمدة توظيف معطيات المنجزات  العلمية والتقنية والحاسوب مادة سردية الى الحد الذي يجعل المرء يعتقد ان الكاتب صيّر الحاسوب احدى شخصيات الرواية ، وربما يدخل اختلاف شكل الرواية ضمن اللعبة التي استهوت الكاتب كثيرا ً وبررت له التداخل الحاصل في فصول الرواية واعتماد الترقيم والعناوين الفرعية والخلط بين الأمكنة مما يجعل كل ذلك اطارا ً خارجيا ً يؤطر مضمونا ً واقعيا ً واضحا ً ظل خارج قدرة الكاتب على محاولة  تعتيم معالمه او اخفائها عن وعي القارىء !

شاهد أيضاً

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري(نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة “نزار السلامي” (14)

توق التغيير في مجابهة تحديات المكان محمد حسين الداغستاني يشكل هاجس الاغتراب دافعاً مهماً للتغيير …

حِدَة التَرقب والتَهكم المُنفعل
تأمل في مجموعة “أنتظرُ شُحوبَ الوقتِ” لـ جميل الجميل
عدنان أبو أندلس

عبر مجموعتهِ المنوه عنها ، والصَادرة عن دار نون للنشر والطباعة والتوزيع – نينوى 2016 …

وليد الأسطل: سينما باراديزو

من أفضل الأفلام الّتي شاهدتها في حياتي، فيلم cinéma paradiso، يناقش الفيلم أشياءَ كثيرة، لعلِّي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *