الرئيسية » نصوص » رواية متسلسلة » الدكتورة إخلاص باقر هاشم النجار : رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (الجزء السادس والأربعون)

الدكتورة إخلاص باقر هاشم النجار : رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (الجزء السادس والأربعون)

الجزء السادس والأربعون
أما والده وعلى الرغم من إحترامه لقرار زوجته والذي يعده باتاً في كثير من الإمور ، إلا إنه علّم أبناءه على حرية الرأي والإختيار الصحيح القائم على الأسس والمعايير ، فكيف وقرار مُعاذ اليوم مستوحى من موهبة نمت معه من نعومة أظفاره وصُقلت على وفق منظومة علمية ، لكنه أبدى رأيه في التوظيف في مؤسسة حكومية تعمل في ذات الإختصاص ، وقد لاقى رأيه ترحيباً وقبولاً من مُعاذ وأخوته فالوظيفة هي اللبنة الأولى لأي صرح مستقيم في الحياة ، ولا ضير أن يعمل في الفندق مع مجموعة من الموسيقين الى أن يجد الوظيفة التي تحدد مسار حياته المهنية ، وبناءً على ذلك باشر عمله الجديد الذي أعتبره فرصة ذهبية لن تتكرر من حيث المكسب.
وبعد أن قضت مروة وقتاً تراجيدياً على أكتاف شط العرب دعتها سُبُل الى التوجه الى إحدى الكازينوهات القريبة لتبعدها عن هذا الجو الكئيب وتناول بعض المثلجات وتجاذب أطراف الحديث بعيداً عن الضجيج .
مروة وفي فمها بعض الايس كريم : أتعرفين يا سُبُل … الحمدُ لله أنا كنت واثقة بأن هذا الغريق ليس منذر ؟
سُبل قلبت شفتاها مبتسمة :ها !! ومن أين لك بهذا الحدس ؟
مروة : لأنه يُحبني ويعشق الحياة لأجلي هو قال لي ذلك .
سُبُل متنهدة بلوم : وكيف تفرطين بهذا العشق ؟ ، ثم إنك أدنتي نفسك بفمك .
مروة مستغربة : كيف ؟
سُبُل : انه يعشق الحياة لأجلك ، لأنه يراك أنت الحياة ، وقد … ولم تكمل .
مروة : ماذا ورائك اكملي .
سبل : لا لا شيء … أردت فقط ان أنبهك الى انك قد أوصدت الباب بوجهه .
مروة : نعم … ولكن ان كان يُحبني فعليه طرق الباب مرة واخرى واخرى حتى أرضى ، وإن يوازرني في كل شيء .
سُبُل مبتسمة بسخرية : وتقولين بإنك لستي مغرورة ولست أنانية .
مروة مندهشة وقد وضعت قدح المثلجات على المنضدة : سُبُل أنا مغرورة وأنانية ؟! كيف تتكلمين معي بهذه الطريقة التي تخلو من الإحترام .
سُبُل وقد غارت بسمتها : أولستُ مرآتك كما تقولين لي دائماً ، فمن العيب على الصديق الصدوق أن يرى أخطاء صديقه ولا ينصحه وأنا أراك تخطئين بحق نفسك وبشدة ولا يمكنني السكوت ، وأنا أعاصر كل صغيرة وكبيرة في حياتك ، أنسيتي عما كنتِ تقولين لي بأن منذرا يتصل بك كل يوم وبعض الأحيان لا تردين عليه وعندما يُعاتبك تقولين له ، لا طاقة لي بالحديث ، فيحترم طاقتك ويُراسلك ويقول لك أكتبي لي ، تقولين لي لا طاقة لديّ على الكتابة ، وعندما يعاملك بإخلاص وشفافية ومشاعر صادقة ويسألك عما يحدث تقولين له لا .. تسألني … بالله عليك يا مروة … أيّ علاقة هذه … والمشكلة بأن قرانك معقود عليه … وتتعاملين معه بكل هذه الحدة والجفاء وعدم الإكتراث وكأنه … شخص عادي … وتأتين الآن … وتقولين بأنك لا تتعاملين معه بأنانية … بالله عليك كفي عن هذه التصرفات ولا تلعبي بالنار ، ثم راحت تخفضُّ وتيرة صوتها وهي ترى صديقتها مطرقة منصتة شادة على يدها … مروة أرجوك … كوني قوية وواجهي كل شيء جديد ، فلم يأمرنا الله تعالى بأن نخرب حياتنا بذريعة القلق … كلنا سنرحل عن هذه الحياة .
مروة بجزع وبصوت متحشرج : ماذا أفعل ليفهمني الجميع هل أرمي نفسي في البحر ، ثم لماذا ؟؟؟ أنت تتفهميني وهو لا .
سُبُل مبتسمة شادة على يدها : والله أحبك بحجم أنفاس هذا العالم ، ولكن لو عاملتيني كما تعاملين المسكين منذر سأتصرف مثله وبإمتياز .
مروة سحبت يدها بقوة معترضة : ماذا تقولين يا سُبُل ؟! أنت تؤذيني بكلامك .
سُبُل متنهدة : ليس من الرشادة عندما نتعرض الى هموم إن نوصد الأبواب بوجه من نُحب ، أتعرفين لماذا ؟ لأننا سوف نؤذيهم ، المحبة بين الناس ليس فيها مواسم ، إما تواصل أو إنقطاع .
مروة همت بالنهوض : هيا لننصرف لا أطيق أكثر وأنت تنهالين عليّ باللائمة .
سُبُل مسكت بيدها : أجلسي حبيبتي أرجوك … لنواصل الحديث ، فليس الهرب من صفاتك ، حاوريني ناقشيني أو حتى جادليني بالتي هي أقوم .
مروة بقنوط : طاقتي نضبت .
سُبُل متنهدة : يا إلهي يؤذيني ما أراك فيه .
مروة وقد أحمرّت عيناها متنهدة : حالة والدي الصحية تتأزم وتسوء كل يوم وكثيراً من الأحيان لا يقوى على المشي حتى في البيت فيستخدم الكرسي المتحرك .
سُبُل : حبيبتي … لذلك تحتاجين الى مآزرة روحية من محبيك الذين يفرحون لفرحك ويتآلمون لألمك … ها أنتِ تقولين بأن وضعه يتأزم ويسوء من الجلطة الدماغية ومشكلة القلب التي كان يعاني منها ولا تنسي فهو رجل كبير وفي التسعين من العمر ، لا أريد أن أحول الحديث الى صورة سوداوية ولكن الله تعالى منحنا العقول لنتفيأ بظلالها من لظى الأيام ، أنا أعذرك فوالدك رائع وأعذريني إن قسوت عليك ببعض المفردات والله يهمني أمرك ، ولكن هل تذكرين كتاب الصداقة والصديق ، قالتها رغبة منها لإمتصاص غضبها وتغيير مجرى الحديث لتخرجها من موجة الألم التي إجتاحتها .
مروة فتحت عينيها بإستغراب : ماذا ؟؟!!
سُبُل مبتسمة مسترسلة : كتاب الصداقة والصديق الذي طلبتي مني قراءته عندما كنا في الإعدادية ، وهو من مكتبة والدك وأتذكر إنك قلتِ لي وقتها أقرأيه وتمنيتي أن يكون لي نسخة ثانية منه ، وقد قمت بقراءته خوفاً من أسئلتك من الغلاف الى الغلاف لتتأكدي .
مروة وقد إرتسمت بسمة خفيفة على محياها وسط الدموع التي تطايرت : نعم أذكر .
سُبُل مبتسمة : والمشكلة أنك كنت ترغميني على قراءاته هل تذكرين ؟
مروة : بالطبع أذكر وإنه من روائع الكتب التي تتكلم عن الصداقة والصديق لأبي حيان التوحيدي ، فيا له من مؤلف رائع ، موجة عارمة من المشاعر كالشلال الهادر ، ولكن يُعجبني أسلوبك .
سُبُل : أيّ أسلوب تقصدين ؟
مروة مبتسمة : الأخير هذا ، الذي يُغيير مجرى الحديث كربان محترف يُجيد تغيير مجرى السفينة بسرعة البرق ، وقد أستفدت منه حتى في عملي .
سُبُل ضاحكة ممازحة : لم … أفهم …؟
مروة مبتسمة وهي تعرف بأنها تتمازح : في كثير من الأحيان وأنا في أوج المحاضرة بعد إحتدامها وأنا أتجول في القاعة بين الطلبة أسأل هذا وأعنف هذا وأمدح هذا ، فتبدأ الذروة في الشرح والنقاش في موضوع المحاضرة وأثناء تجوالي ألمح الوقت في الساعة الجدارية المعلقة أمامهم فوق السبورة إن أقترب للنفاد ، وبينما أواصل الشرح والكل مُصغي إلي بعيون مشدودة وأيدي مرفوعة للمشاركة أقول لهم مع السلامة وأخرج بسرعة كالضربة المفاجئة التي يحتاجها المشهد الدرامي .
سُبُل ضاحكة : والله أسلوب لطيف … ولكن أليس في يدك ساعة .
مروة مبتسمة : أكيد … ولكن … إن نظرت الى الساعة … رأني الجميع … وعرفوا بالنهاية هذا فضلاً عن إني أتكلم بالمواضيع المهمة والتحضير والواجبات في بداية الدرس .
سُبُل بجد متنهدة : والله أنت أستاذة رائعة وأنا أفتخر بك في كل مكان أقصده .
مرّت مدة طويلة ولم تُغيّر الأيام أيار ولم تفقدها الأمل في رؤية سبأ تسكن خيالها ، كما كانت وتغزو واقعها كما إعتادت ، وأحياناً كثيرة تنادي زوجة أخيها بسبأ ،على الرغم من شعورها بالإجحاف والظلم وإنتهاء الصلاحية ، إلاّ إن شوقها فاق الحدود ، حتى مروة تغيّرت بتغيير ظروفها ، بل المسألة الأكبر أنها راحت تشعر بالخجل من البوح بهذا الشعور الذي يمس كرامتها إلاّ عندما تسألها مروة ، وتحاول جاهدة أن تعيش حياتها في طولها وعرضها ولم تفكر بالوظيفة قط تسهر الليل وتنام النهار وقد تكيفت على هذا النهج من الحياة ، ولكن زوجة أخيها طيبة من النوع الذي يتدخل في شؤون العائلة وتسأل عن كل صغيرة وكبيرة وتنقل الكلام بين أفراد العائلة فضلاً عن شخصيتها الدلوعة المتصابية المتقلبة المزاج مما جعل الفجوة كبيرة بينهما واستحالة بناء جسور الثقة والصداقة معها وإن الذي يربطها معها فقط التحية .
فكلما أحتدمت المشاكل المنزلية بسببها تحتاج أيار الى سبأ كثيراً فتختلي بخيالها وتحدثها وتمسح على صورتها شعوراً تلقائياً يشعرها بالراحة ، فضلاً عن أنها إعتادت الحديث مع ماري ورسائلها اليومية التي ترسم الإبتسامة على محياها ، التي تجدها مباشرة على الخط حالما تفتح النت …
ماري تكتب : سيدتي الفاضلة … كيف حالك وأحوالك … أحب التحدث إليك … وأثق بنصائحك … وإرشاداتك .
أيار متنهدة : كم أحب مناداتك بسيدتي الفاضلة … وكم أقدس المصداقية وأنبذ الكذب وأعشق الصراحة ولو على حساب الكثير من الأشياء … ولكن سبحان الله قد يضطر الإنسان بعض الأحيان الى مجافاة الحقيقة … وارتداء ثوباً أكبر من حجمه … ولكنه لا يشعر بالراحة عند ارتدائه … لأنه فضفاض للغاية .
ماري مبتسمة وقد عرفت القصد : عذراً سيدتي … عبارتك متناقضة … ولكن أين المشكلة ما دمتِ تحبين هذه التسمية .
أيار : إعلمي يا فتاة بأني لم أكذب في حياتي قط هكذا تربينا ، ولكني ومن باب العطف وتحت اصرارك تواصلت معك بنية المساعدة فقط وقبلت علاقتنا الإلكترونية عبر الأسلاك والكهرباء ، فقلت لك بأني سيدة كبيرة … الخ .
ماري مبتسمة : أنت سيدتي وتاج رأسي .
أيار متنهدة : قلتُ لك سلفاً بأني لا … أحب المجاملات … دعيني اكمل واسمعي … نعم … أنا لستُ سيدتك الفاضلة ولا تاج رأس أحد ، أنا فتاة بعمرك وتخرجت في السنة التي تخرجتي انت فيها ولا زلتُ ملكة في بيت أبي … فأستميحك عذراً .
ماري ضاحكة : عادي سيدتي … لا تُحمّلي نفسك فوق طاقتها … لك الحق في كتابة أي شيء … وستبقين لي تاج رأس وسيدة فاضلة … وحياتك خاصة بك … وصدقيني بأني أحبك … فلا تعتبري كلامي مجاملة .
أيار مبتسمة : أشكرك على تفهمك بهذه السهولة … أما كلامك عن الحب … فأمر لا أعتقده صحيحاً … وهذه وجهة نظري قولي تعود تسلية تمضية وقت .
ماري : ولكن لماذا هذه النظرة القاسية … افتحي لي صدرك ارجوك .
أيار متنهدة : لأني مجروحة … وجرحي لم يندمل بعد … أشعر وكأني مرضتُ نفسياً صديقتي المهاجرة تجتاح خيالي وتغزو واقعي وتتربع على منصة أحلامي .
ماري وقد تصببت دموعها بحرقة : سنة كاملة ولم تكرهيها … على الرغم من اجحافها … ولم تنسيها … ولم تستبدليها حتى .
أيار وقد ترقرقت عيناها بالدموع : يا ليتني أستطيع يا ليت في قلبي بطارية أخرجها وأوقف التفكير فيها … أشعر بأني كالصائم الذي برح به العطش يتوق الى شرب الماء ، أشعر بأن روحي تتصعّد في السماء أن لم أسمع صوتها الأيام القادمة .
ماري باكية بصوت جعل أبويها يسمعانها : حفظك الله حبيبتي وتوأم روحي والله وبالله وتالله أحبك أحبك بقدر أنفاس هذا العالم … لا تعترضي على مشاعري … ولكن قولي لي هل ستسمعيها عندما تتصل بك … هل ستغفرين لها كبوتها معك .
أبواها طرقا الباب ودخلا واقتربا منها وراحا يحدقان في الحاسوب وقد عرفا بأنها تتحدث مع أيار فقالت الأم : يا إلهي … الى متى يستمر هذا الجنون … لقد أرعبتي قلبي … الى متى يا سبأ … الى متى … لقد أصبحتِ انسانة راشدة ولا يليق بك ذلك.
الأب مبتسماً : لم ولن تنساك فلا تستمري في إيذائها إتصلي واخبريها عن فكرتك .
أيار اندهشت من هذه المشاعر وساورها الشك : يا ليت هذا الحلم يتحقق .
الأم مؤنبة زوجها كالعادة : كل ذلك الأذى بسببك وبسبب تشجيعك لها للاستمرار بهذه المهزلة .
يمان مبتسماً : أعذرك لأن الغيرة في داخلك قتلت معنى الصداقة والصديق .
بذل أبو الوليد الجهد الجهيد في مواصلة الدراسة طوال أيام العطلة وكان لأخته اليد الطولى في مساعدته وبالفعل دخل الإمتحان بكل اصرار وتحدي نظرات سُبُل وكلماتها في دعمه وتشجيعه لا تفارقه البته ومنها يستمد العزم والمواصلة ومن حسن طالعه أيضاً إنه تلقى مساعده من أحد المراقبين الذين أشفقوا عليه وفي ذلك تضافرت جهود القدر لمساعدته وظهرت النتيجة التي كان الكل ينتظرها مكللة بالنجاح ولكن بمعدل قليل لا يؤهله لدخول الكلية .
أبو الوليد بهدوء : دكتورة … أهديك نجاحي … استلمت النتيجة اليوم صباحاً .
الدكتورة سُبُل وقفت وصفقت بشعور تلقائي بفرح : الحمدُ لله الحمدُ ، مبروك نجاحك يا أبا الوليد تستحق كل الخير الموجود ما بين السماء والأرض كنت على ثقة من ذلك ، ولكن تعال قل لي لماذا لم تُبشرني حال معرفتك النتيجة .
أبو الوليد : والله … في الحقيقة … لأن معدلي قليل … ولا يؤهلني للكلية .
الدكتورة مبتسمة : وأن يكن … المهم إنك أثبت نجاحك … ولكن كم المعدل ؟
أبو الوليد : 63 .
الدكتورة : سبحان الله يا خالد هذه طبيعة البشر كلما تقدم خطوة الى الأمام يرتفع سقف مطالبه ، ولكني سعيدة جداً بهذا المعدل واعلم بأن هناك الالاف من الطلبة لم يحالفهم الحظ في النجاح ، وهناك الالاف أيضاً ممن لم يحصلوا على هذا المعدل وحصلوا على درجة الـ 50% ، على كل حال يسعدني هذا التطور في طموحك وأكيد ستُقبل في المعهد التقني في الأقسام الطبية وأنا أرى من الأفضل لك تدخل قسم الصيدلة ، وأنا واثقة من نجاحك فقط لا تستسلم وواصل الخطى ستجد نفسك في المكان المناسب الذي يُليق بمستواك الجديد .
أبو الوليد مبتسماً مسروراً : سأترك العمل في السوق .
الدكتورة مبتسمة : أكيد … لتتفرغ الى دروسك ودوامك الجديد … وأنا على عهدي ووعدي سأدعمك مادياً حتى النهاية .
أبو الوليد مبتسماً : أشكرك دكتورة … لن أنسى لك ذلك الفضل ما حييت .
سُبُل قربت يدها الى فمه : توقف .. ولا تكمل أرجوك فهذا استحقاقك يا خالد .
أيار كعادتها في الحديث مع ماري كلما فتحت النت تجدها أو تجد رسائلها والتحيات الصباحية والمسائية وبإسلوب البطاقات الجميلة الملونة .
أيار وسؤال عابر : ماري ما هي أبرز الأمور التي تثير استغرابك في منطقتك.
ماري بسرعة : كثرة الكلاب والقطط .
أيار مستغربة : يا للهول معقولة تكثر في كركوك كلاب وقطط سائبة الى درجة انها تملأ المنطقة ثم اني لم أسمع في نشرة الأخبار عن تفاقم المشكلة لهذا الحد.
ماري مبتسمة مدركة انها أخطأت ولتتدارك الموقف: لا أنا أقصد شارعنا فقط.
أيار : أتعرفين وأنا أيضاً أكره القطط والكلاب ولكن قد تفرض الظروف عليك مراعاة قطة صغيرة مثلاً .
ماري مبتسمة وهي تستذكر كراهيتها للورين قطة مروة : كيف وضحي لي ؟!
أيار : قبل أربعة أشهر رأينا في الحديقة قطة صغيرة جداً حديثة الولادة تُثير الشفقة ، ولا نعرف من أين أتت ومن تكون أمها وقد تعاملنا معها كيتيمة ( للمزحة ) ، وعلى الرغم من كراهيتنا للحيوانات الا انها فرضت نفسها بموائها اللطيف الذي أثار اهتمام الأطفال في المنزل وراحوا كلما سمعوها يقلدون صوتها بالشكل الذي يفرحنا بهم لفرحهم بهذه القطة الصغيرة المرقطة ، ورحنا كل يوم نهتم بها وبغذائها الى ان اصبحت كبيرة بعمر خمسة أشهر فطلبت من أخي الأصغر أن يمسكها بكمين ويرميها بعيداً .
ماري ضاحكة : أوووو … ولماذا ؟!
أيار : حقيقة خفنا على الأطفال منها لاسيما وهي تقترب منهم وتحاول لعقهم وكما يعرف الجميع فالحيوانات مصدر للأمراض والأوبئة ، ولكن لم تنجح الخطة ، فحالما أمسك بها عضته كشعور منها بالفزع .
ماري : أوه … يا إلهي أرجو ان لا تكون أذته .
أيار مبتسمة : ذهب أثرها الى المستشفى وحقنوه الأبر المضادة لجراثيمها .
ماري : وماذا فعل بها عندما عاد ؟! هل ضربها هل طردها .
أيار مبتسمة : لا والله عطف عليها فهي حيوان مسكين لا حول له ولا قوة وعضتها جاءت دفاعاً عن النفس وبقيت المشكلة ماثلة أمامنا الى ان نجد منفذاً الى حل اخر.
ماري : أتعرفين يا أيار … كم أنا فخورة بمعرفتك .
أيار : أشكرك .. وأنا أيضاً .
ماري : وأريد أن أعترف لك .
أيار مستغربة : ماذا ؟! إعتراف .
ماري : نعم … وبدون مقدمات … فأنا بعمرك .
أيار مبتسمة : عمري الحالي أم السابق .
ماري : لا بل الحالي بالضبط وقد تخرجت بذات السنة التي تخرجتي منها .
أيار مبتسمة : هذه خصوصياتك … ولستُ أنا ممن يتدخل في خصوصيات الأخرين ، ولكن ما الجديد هذه المعلومات قلتيها آنفاً .
ماري : وأنا … لا زلتُ ملكة في بيت أبي .
أيار مستغربة : ماذا ؟!
ماري : نعم … لا زلت … أي غير متزوجة … ولكني والله عندما طلبتُ صداقتك أحتجت الى الرأي والمشورة كحاجة الطفل الرضيع الى صدر أمه .
أيار : يعني كل ما تقدم كذب … وتريديني أن أصدق عبارتك الرنانه الأخيرة .
ماري : أنا لم أكذب عليك … وأنا كذبت على نفسي … ولكن والله كنت في حالة يُرثى لها وبديهي تكون مليئة بالتناقض ، وبما أنك اصدقتي القول معي فمن المعيب ان لا أصدق القول معك فأنا بعمرك وغير متزوجة ومشكلتي مع صديقتي ، ولكني خجلتُ ان أتكلم عن معاناتي وهمي الأخير من صديقة وقد لا يُصدقني الآخرون عندما أقول بأن حياتي كلها تأثرت بسبب صديقة ، وعندما ألنتي لي جانبك وعرفت بأنك تعانين أيضاً من مشكلة صديقة ، شجعني ذلك على الإعتراف وأرجو منك الصفح والتفهم .
أيار منزعجة متنهدة : حقيقة لا أعرف ماذا أقول لك فاجئتيني .
ماري : والله أقول لك ذلك من باب الإعتراف بالخطأ … رغبة مني بفتح صفحة بيضاء ناصعة مبنية على اساس المصداقية والشفافية ، وأنا أعرف بأنك تتواصلين معي من باب العطف ولم توعديني حتى بالتواصل ، وأنا أشكرك على ذلك وأشكرك على وقتك الذي تمنحيني إياه وأتمنى أن تتفهميني وتساعديني دائماً فأنا أحتاجك .
تتمييز شخصية نائل بالطمع والجشع والوصولية وحب الذات صحيح هو يعمل وبنشاط ولكنه كشجرة مثمرة لا تُؤتي أكلها إلاّ لمن إرتضى ، يختلف عن أخوته كل الإختلاف ويحاول أن يُسخّر الجميع لخدمته وعائلته ومهما كسب من أموال تبقى عينه فقيره ويرى الأخرين أفضل حالاً منه حتى ولو كانوا يتامى يرى في تصدق الأخرين عليهم حظاً غليظاً ، لذلك يحاول جاهداً أن يستفيد من عمله الآن في معمل والده وأن يجني الكثير ولم يكتفِ بالإدارة وحرية التصرف بل أراد من والده أن يحرر له وكالة عامة مطلقة لكي يتفرد بمآربه الخاصة في حال وفاة والده الذي كان يراه هو وزوجته الإستقراطية إكرام قاب قوسين أو أدمى ، ولكي لا تذهب أموال والده للغرباء على حد قوله ويقصد بذلك الى أخواته ومن ثم الى أزواجهن ، لا يتمنى ذلك لوالده ولكن واقع الحال يتطلب منه أن يجد في الخطا ليحصد المزيد وعلى الرغم من رفض أخيه سراج الدين لهذه الفكرة وبشدة إلاّ انه قرر الذهاب لبيت والده .
نائل : أعيد عليك الأمر يا أخي سراج الدين بحكم وظيفتك كمحامي وأنت الأقدر على حل كل المشاكل القانونية فالوكالة العامة المطلقة ستفتح الباب أمامنا على مصراعيه لنقطف منها ما نشاء للحيلولة دون تبدد الأموال بأيدي الغرباء ، ففي حالة وفاة والدي سيتفكك المعمل الى عدة جهات وربما سأفقد عملي ، وإنا لك ناصح أمين .
سراج الدين متأففاً : والله أنا أستغرب منك هذا الشعور الجاحد بحق والدك الذي لم يقصر معك قيد أنملة ، وكيف يمكن لك ان تتفوه بمثل هذه الطرهات ، وكيف يمكن لك ان تتصور بأني سأساندك بهذه الجريمة وكيف يمكن لك أن تتصور بأن أطعم أولادي المال السحت الحرام .
نائل منزعجاً : ولماذا حرام … هذه أموال والدنا .
سراج الدين متأففاً : يعني قصدك نستبعد أثنين من الورث ونعطي أثنين … الله أكبر يا نائل فأنت أب … تلك أذن ( قسمة ضيزى ) … أستغفر الله .
نائل : أنا … لستُ لصاً سأخبر والدي بهذه الفكرة .
سراج الدين غاضباً : إياك إياك فصحة والدي لا تحتمل هذا الكلام المجحف .
نائل غاضباً : أنت لا تفكر بي لأنك ميسور الحال ولا تحتاج الى المال مثلي .
باغتت أحدى الطبيبات الدكتورة سُبُل بزيارة الى غرفتها للتحدث معها بموضوع خطبة استبشرت له ولأول مرة في حياتها تعرض عليها مثل هذه الفرصة لخاطب حاصل على الدكتوراه في الفلسفة وإن كان يكبرها بعشرين سنة المهم لديها ستكون العلاقة متكافئة وظيفياً ، وإن لم تخل هذه الفرصة من سلبيات متمثلة بإنه مطلق وله ثلاثة أطفال ، ولكن عزاءها بأنها ستحظى برجل متعلم وهي غير مسؤولة عن أطفاله بحسب ما تحدثت به زميلتها الدكتورة رزان ، وبعد أن أخبرت والدتها بذلك وافقت على المبدأ مكرهة تحت وطأة العمر الذي يتقدم على الرغم من كراهيتها لفكرة انه يكبرها سناً ومطلق وله أطفال وتمنت لو كان المتقدم مستقلاً ، أما مروة وبعد نقاش حثيث معها تمنت لها الخير ما دام الأمر يروق لصديقتها وما دامت الخطبة هذه المرة تغيّرت بشكل جذري عن سابقاتها من الأشخاص غير المتعلمين الذين لا يفهمون حتى وظيفتها ، وبالفعل جاء الخاطب وتعرف على عائلتها وتمت الخطبة بحفلة صغيرة جداً ، وقد شعرت سُبُل بأن الحياة فتحت لها الأبواب على مصراعيها مع رجل حاصل على الدكتوراه وقور ويمتلك ثقافة حديث وشخصية قوية وجذابة وهدوء قلّ نظيره بين معارفه وقد بان الشيب في أطراف شعره .
وبالمصادفة اليوم كان خالد قمة في السعادة وشعلة في النشاط لاسيما بعد أن ظهرت نتيجته النهائية في قسم االصيدلة وقد ظهر أسمه من ضمن العشرة الأوائل ، لم تسعه الأرض وراح يشعر بأنه سيطير من الفرح وشعور لم يراوده يوماً بالنصر المؤزر وان الحظ وقف لصالحه في الإمتحانات الأخيرة ومن حسن طالعه أيضاً بأن أخته كانت في كلية الصيدلة وكانت تمدُّ له يد العون والمساعدة وبإستمرار وإصرار مما قاد به الى هذه النتيجة الحتمية كمكافأة لتعبه ومثابرته وطموحه الجارف وهدفه الذي يقف نصب عينه ، إحتفظ بالخبر الى العصر وفي قبضته لؤلؤة النتيجة النادرة التي سيقدمها هدية بعد ان ينتهي أخر مراجع مع الطبيبة ، وبعد انتهاء العمل ، قالت له الطبيبة وهي مبتسمة : خالد … أنا أفتخر بك واثق بك وأتمنى أن تبقى لي أخاً دائماً مهما حصل من ظروف ومهما فرقتنا أو باعدتنا الحياة .
خالد مبتسماً : خيراً دكتورة لماذا تتكلمين بهذه الطريقة الغريبة فعندي لك هدية.
الدكتورة : لابد أن تعرف يا خالد بأن دكتور تقدم لخطبتي وقد منحته الموافقة وأصبحت الآن بحكم المخطوبة وللتنبيه قد يأتي لزيارتي الآن بحسب ما قال لي صباحاً ، وعندما سمعها أرتعدت فرائصه وغارت البسمة على محياه وشعر بأن حلمه الجميل تهشم وتناثر كالزجاج المكسور أمام أنظاره ولم ينبس بكلمة وكأن لسانه موثق كانت الصدمة كبيرة ولم يتوقعها أبداً وقد بان على وجهه علامات اليأس والبؤس .
الدكتورة : وهو دكتور في كلية الأداب قسم الفلسفة .
خالد متنهداً وقد ابرق بكلمة واقفاً : يناسب وظيفتك دكتورة اتمنى لك كل الخير وقبل أن يهم بالإنصراف دخل خطيبها الدكتور آزر الدُجاني بقيافته المهيبة التي تُثير الإنتباه والإعجاب وعطره الذي ملء المكان ولحذاءه اللامع وقع على الأرض ، فألقى التحية وعلى محياه بسمة خفيفة بنظرات خيلاء وزهو .
الدكتورة نهضت بسرعة وقد إرتسمت البسمة على محياها وصافحته : حياك الله دكتور تفضل بالجلوس … ويُسعدني أن أعرفك على خالد أبي الوليد .
الدكتور آزر رمقه بنظرة خيلاء وأشار له ببنانه : هذا الذي يعمل عندك .
الدكتورة : هذا خالد … يعمل هنا … وهو أكثر من أخ .
الدكتور آزر وقد جلس واستدار إليها دون ان يُعلق الى كلامها : آه … حسنا … لنخرج الآن ونتعشى ، فإنصرف خالد مذهولاً … وهو يجرّ اذيال الخيبة .
الدكتورة وقد خرجت أنظارها خلف خالد : يا دكتور … إن خالد يعمل هنا … وهو موضع ثقة وخير من اعتمدت عليه في إدارة العيادة وأتمنى أن تعامله معاملة خاصة .
الدكتور آزر استخرج سيجارة من جيبه وأشعلها وبعد ان سحب نفساً عميقاً : آهٍ عزيزتي أعذريني ولكن لابد أن تعرفي بأني لم أعتد التعامل مع رعاع القوم ، فأنا دكتور ولي طريقتي الخاصة في التعامل مع الأخرين ، ونحن نختلف عنكم معشر الأطباء ، فأنتم تجيدون التعامل مع سوقة القوم والعاملين والمرضى والفقراء ، لذا بحسب اعتقادي فأنا غير ملزم بهذا الذي خرج أو غيره .
سُبُل مستغربة لكلامه وسيجارته الخانقة وخيلائه ولكنها أوهمت نفسها بأن كلامه هذا بدافع الغيره الذي تعشقه كل أنثى لذلك تحاول الإعتياد عليه كشيء جديد دخل حياتها .
خرج خالداً والألم يعتصر قلبه والخيبة تغشي بصره فشغلّ دراجته النارية وإنطلق وفي صدره شعور كبير بالبكاء لم يعهده من ذي قبل وحالما وصلّ صعد الى غرفته الصغيره في إحدى أركان السطح وقد أبلغ والدته بأنه تعشى في السوق لئلا تناديه ، وحالما وصلّ غرفته رمى بنفسه على سريره الحديدي الصغير وأجهش بالبكاء كطفل صغير ، وكلما تذكر نظرات الدكتور آزر الدونية له إمتلأ بالألم على ورمى باللوم على نفسه وإنه بالفعل مجرد عامل في عيادة الدكتورة ولا يحق له حتى أن يحلم بها ، وهذا هو مصير الحالمين عندما يستيقظوا وينصدموا بالواقع ، وبينما هو كذلك تذكر نتيجة نجاحه فنهض مسرعاً ووبحث في جيوبه ولم يجدها وإزداد ألمه عندما أيقن بأنه فقدها قد تكون سقطت منه في طريقه أثناء عودته فجلس قانطاً وراح يكلم نفسه : فلتذهب الى القير وبأس المصير إنتفت فائدتها وقيمتها كنت أحتفظ بها لأجل أن أقدمها هدية الى فتاة أحلامي كم أنا غبي ، ترجمتُ مساعدتها وعطفها اللامحدود على إنه إعجاب قد يتطور الى حب ، نعم أعترف لها بالجميل على كل ما أبدته لي من مساعدة ، ولكني لم أستطع إخبارها بمشاعري ولا قدر أنملة تمنيت أن أتخرج من المعهد بتفوق وأفاتحها بهذا الموضوع ، فمسح على وجهه بكلتا يديه وقال أتمنى لك الخير يا فتاة أحلامي وحبيبة قلبي ستبقين تعيشين في دمي ذكرى خالدة ، ولن أخذلك أبداً حتى لو كلفني ذلك حياتي سأهبها لك وأنا سعيد ، وبالفعل شتان ما بين الدكتور آزر وشكله المهيب والعامل الرث في عيادة يرتب طابور المرضى ، لك العذر يا ملكة أحلامي ومصدر إلهامي لك العذر يا مفتاح نجاحي ، لم ولن أخذل ثقتك بي كأخ كما قلتِ أمام زوجك القادم ، سأكون لك أخاً وسنداً .

وقبل أن تخرج سُبُل مع خطيبها لمحت ورقة على الأرض أنحنت عليها وفتحتها وقرأتها بالحال ففرحت أيما فرح وارتسمت البسمة على محياها وكادت تطير من الفرح ، فإنتبه الى فرحتها أزر وسألها ماذا في هذه الورقة لتفرحي هذا الفرح ، فقالت له ورقة مهمة ضاعت مني ووجدتها الآن بعد إنتظار طويل ، فخبأتها في حقيبتها وراحت تكمل غلق الباب وهي مبتسمة وتلاحظ عدم إقدام آزر حتى على تقديم المساعدة في وضع القفل الذي لم تعتد أن تضعه يوماً .
سبأ تكتب لأيار دائماً وبطاقة مشحوذة فكلما فتحت النت تجد جملة من الرسائل الصغيرة والأشكال والصور الجميلة ، فتردُّ عليها مبتسمة : أشكرك .
ماري مبتسمة : أشتقتُ لك .
أيار مبتسمة : وهل رأيتِ صورتي أو صوتي لتشتاقي لي ألم نتفق على المصداقية .
ماري مبتسمة : أقسم لك بكل مقدسات السماء والأرض بأني صادقة .
أيار : أمرك عجيب … ولكنك تذكريني …
ماري بإستغراب : بمـ … بماذا .. أذكرك … بصديقتك .
أيار : تذكريني بقصة الكفيف العاشق …
ماري ضاحكة : تشبهيني بالكفيف العاشق …. حسناً وأنا موافقة .
أيار : أما صديقتي فلا يشبهها أحد في الوجود .
ماري وقد غارت بسمتها وترقرقت عيناها : عجباً على قلبك الرائع الذي قلّ نظيره في الكون،وما أسعد صديقتك بك وما أشدُّ فخرها بهذا الحب الإسطوري.
أيار : ولكنها هجرتني .
ماري وعيناها مترقرقتان : لي خبرة كبيرة في سبر أغوار القلوب العاشقة الصادقة المحبة في الله ومن خلال المعطيات التي توصلت إليها أجد إنها لم تهجرك ان سمحتي لي بالحديث عن هذا الموضوع .
أيار : أدلي بدلوك أيتها الخبيرة … كيف لم تهجرني وقد هجرتني بالفعل .
ماري : نعم … لم تهجرك … لأنها كما أسلفتي صادقة في مشاعرها تجاهك وإنها لم تخدعك قط وإنها إضطرت للسفر ، وبما أن أمر فراقها سيشقُّ عليك حاولت أن تخفف الوطأة عنك ، تمثل دور الجفاء والهجران لتستبدل لوعة الفراق بالرغبة في النسيان ، ظناً منها بأنه أسلوب قد يساعدك على نسيانها ، وأنا على يقين بأنها تتعذب أكثر مما تتعذبين وتتمنى أن تراك حتى ولو في لحظة حلم .
أيار تقرأ بإمعان متنهدة : ومن أين لك بهذه التفسيرات ؟
ماري : قصتي … تشابه قصتك .
أيار متنهدة : أتعرفين لقد أطربني رأيك ولكنه بعيد المنال ونسج من الخيال .
سُبُل تهاتف آزر مساءً مبتسمة : مرحبا .. أحببتُ سماع صوتك .
الدكتور آزر متثائب : استغربت لإتصالك أويت للتو للفراش خيراً ان شاء الله .
سُبُل مستغربة وقد غارت بسمتها : ستنام .
آزر : نعم … فلدي عمل في الغد وتعودت النوم باكراً قولي ما وراءك .
سُبُل مستغربة : لا شيء … فقد أردتُ أن أسألك فقط .
آزر بتكلف : سلي ؟!
سُبُل : أ … هل ألتقيت بصديقتي مروة في كلية الاداب ، يسعدني أن تتعرف بها … فهي الأقرب الى روحي … بل رفيقة روحي .
آزر : ظننت إن لديك موضوعاً يستحق الحديث في مثل هذا الوقت ، فأنا أعرفها كدكتورة في الكلية فقط وليس بيني وبينها أيّ تعارف ولا حتى التحية ، ولكن ما هو قصدك هل تريديني أن أذهب إليها وأقول لها أنا خطيب الدكتورة سُبُل !
سُبُل منزعجة : لم … أفهمك .
آزر : اسمعي يا دكتورة أن أرادت صديقتك أن تتعرف عليّ فلتذهب الى جدولي المعلن على لوحة الاعلانات وفي أوقات فراغي فقط وحصراً في الغرفة لأني لا أسمح لأي كان أن يقاطع محاضرتي في ساعة الدرس حيث الطلبة منصتون ، أما هذه المفردات المضحكة رفيقة روح وما شابه ذلك فإتركيها للمراهقين فأنت طبيبة وحجمك أكبر من هذا المستوى .
سُبُل منزعجة متنهدة قاطعته : لا داعي .. لأن تكمل محاضرتك معي الآن يا دكتور فقد أكتفيت تصبح على خير .
آزر متثائباً : تصبحين على خير وأغلق الخط ، فبقيت سُبُل مذهوله الى إسلوبه الفج المتعجرف وكيف إنه أغلق الخط مباشرة ، وراحت تكلم نفسها : أيكون كلامه هذا بسبب نعاسه ، لا لا … انه رجلاً متكبر الى العظم ولم أنسَ تعامله السيء مع المسكين خالد الذي حتى لم ينبس بكلمة ، ولكن هل أطلب من مروة ان تذهب إليه ، ولكن ماذا لو قالت له آزر بدون كلمة دكتور ستنطبق السماء على الأرض ، يا إلهي بدأت أشعر بالتعب والتشتت الفكري وقد مضى على تعارفنا ثلاثة أسابيع فقط .
وفي اليوم التالي وبينما سُبُل في عيادتها باغتتها مروة بزيارة غير معلنة وحالما رأها خالد نهض من مكانه مبتسماً محيياً مرحباً : أهلاً دكتورة مروة .
مروة مبتسمة : مفاجأة للدكتورة … سأنتظرها .
خالد مبتسماً : العيادة عيادتك دكتورة شرفتي المكان … عندها مريض … وبالإنتظار هذه المريضة الأخيرة وأشار ببنانه عليها ، وهي بإنتظار قلع السن ، وبينما هما يتحادثان خرج المريض وأشار الى مروة بالدخول ، فدخلت وكانت المفاجأة رائعة لسُبُل حالما رأتها فرحت كثيراً ونهضت من مكانها وعانقتها بشوق ولهفة وكأن الدهر حال بين رأيهما وقالت لها : كم أنا سعيدة برؤيتك ما سر هذه الطلعة البهية .
مروة : والله شعرت بضيق مفاجىء في صدري ووجدت أقدامي تسوقني ، أحتاجك كثيراً ، في صدري كلام كثير .
سُبُل مبتسمة : تكلمي حبيبتي كلي أذان صاغية وصدري أوسع صدر في العالم،لديّ مريضة واحدة سأخدر فكها لقلع سنها ، ثم نخرج لنتعشى معاً ما رأيك ؟
مروة محرجة : ولكنك متعبة .
سُبُل متنهدة مبتسمة : راحتي معك وسعادتي معك وأنا مستعدة أن أبقى معك نهار تموز بطوله ان اقتضى الأمر شاعرة بالسعادة ، تفضلي بالجلوس الآن لدقائق معدودة حتى يكتمل تخدير فك المريضة لأقلع ضرسها ، وفي هذه الأثناء وبينما راحا يتحادثان عن آزر ، رنّ هاتف خالد وهو يجلس على كرسيه خلف مكتبه وحالما رأت عيناه الأسم طار فرحاً مستبشراً ووقف من فرحه ليرد على المتصل وقبل ان يرد أشار الى المريضة للدخول فدخلت وراح يتكلم : يا إلهي كم أنا سعيد بسماع صوتك لقد شغلتني عليك كثيراً أين أنت أين أنت الآن ؟؟ قل لي حدثني ؟
منذر بتعب : عدت الآن وما زلت في طريقي وعلى مقربة من البيت ، ولكن أخي علي أبا فريال أبلغني بأنك راجعتني مراراً وتكرارا فإنشغلت عليك .
خالد فرحاً : يعني أنت الآن قريب من العيادة .
منذر : نعم على مقربة … ولكني جداً متعب قطعت مسافات طويلة .
خالد برغبة ورهبة وإضطراب : أحتاجك الآن أرجوك تعال بسرعة .
منذر : والله أنا متعب سأزورك لاحقاً .
خالد : أرجوك المسألة مصيرية مسألة حياة أو موت ولا تحتمل التأجيل البته .
منذر بقلق : يا إلهي أالى هذه الحد حسناً دقائق وسأكون عندك ان شاء الله ، وما هي إلا خطرات حتى وصل ودخل العيادة وفي هذه الأثناء خرجت المريضة ذات الفك المخدر لتنتظر حتى اكتمال التخدير وتدخل تارة اخرى ، فدخل منذر بقلق واستغراب : أراك بخير لقد أفزعتني ما المشكلة بحق السماء ؟!
وحالما رأه خالد وثب عليه محيياً وهو يشدُّ على يده مرحباً به مبتسماً وكأنه يدعه دعاً الى باب غرفة الدكتورة سُبُل ففتح الباب وادخله وسحب المقبض خلفه ومنذر مستغرباً ولكن تلاشى العجب عندما رأت عيناه السبب ، يا للهول مفاجأة غير متوقعه وغير مدروسة إلتقت الأنظار بصدمة ورغبة ورهبة وقد تسمرّت قدماه ولم ينطق بكلمة ونبضات قلبه فاقت التصور ، وحالما رأت كل من مروة وسبل نطقتا بذات الوقت : منذر ، فوثبت عليه مروة معانقة كالموجة واجهشت بالبكاء وقد بادلها البكاء وسُبُل تنظر إليهما مبتسمة والدموع تتصبب من عيونها بفرح ، ثم قالت له مروة بعد ان ضربت بقبضة يدها اليمنى على عضده لماذا تؤذيني بهذه الطريقة المجحفة ، وهل هذا عقاب أو ماذا ؟ أين كنت ، ومع منَ ؟ ولماذا ؟؟
منذر مبتسماً رفع يدها وقبلها ومسح دموعها بيده : كنت فاقداً للوعي ، سأخبرك بالتفاصيل من الألف الى الياء وباللحظة فقط اسمعيني … بعد ان عادت إليّ روحي .
سُبُل مبتسمة ماسحة دموعها رافعة يديها : هنا مكان عمل وليس للحديث والعتاب ، اجعلا يديكما متشابكة في بعضها ، والله كم يفرح قلبي برؤيتكما مع بعضكما ، إذهبا الى أهدأ مكان في الكون وافتحا كل الملفات وناقشاها بروية وقبل ان تخيطا الجراح نظفاه جيداً من مصادر الالم لئلا يبقى في الجرح سبباً ، يجعله يلتئم دون علاج ، واعذروني على مفرداتي هذه فأنا طبيبة .
مروة مبتسمة : حسناً حبيبتي … فالمريضة تنتظر … الى اللقاء … فخرجا ودخلت المريضة وقلعت ضرسها ، وعندما انتهت من عملها جلست على مكتبها واستخرجت علبة ووضعتها أمامها ، ولكن خالد ليس كسابق عهده يلملم أغراضه ويهم بالإنصراف بعد الإستئذان ، فنادته ، خالد أبا الوليد .
خالد بهدوء : نعم دكتورة .
الدكتورة : لماذا تغيّرت … لقد تعودت الحديث معك ومناقشتك واخذ رأيك في كل أمور العمل والحياة فأنت أخ عزيز .
خالد شعر بالخجل : سيدتي (رحم الله أمرؤ عرف قدر نفسه ) .
الدكتورة : خالد شأنك كبير عندنا ، وأنا أشكرك من سويداء قلبي على جهودك الرائعة لقد وعدتني وكنت صادق الوعد واصبت الهدف ، يا لك من رائع بمفاجأة اليوم لقد أفرحت قلبي والله أكثر مما تتصور أشكرك كثيراً .
خالد : التقدير تقدير السماء سيدتي وما نحن إلاّ أدوات في هذا الكون الفسيح نسير على وفق خطة محبوكة بدقة رسمتها لنا أنامل القدر .
الدكتورة وقد أثرها قوله : ألا تريد الجلوس .
خالد : أعذريني ، إنتهى عملي وتعودت أن أصلي في الجامع الصلاة بأوقاتها .
الدكتورة : لم يحن وقت الصلاة بعد .
خالد أشاح بوجهه : الى اللقاء .
الدكتورة رفعت العلبة التي أمامها : تقبل مني هذه الهدية .
خالد بهدوء : هدية … على ماذا ؟؟!!
الدكتورة : خذها وافتحها ثم اعطني رأيك .
خالد وبعد ان فتحها وتمعن فيها إرتسمت البسمة على محياه : القرآن في هذا الصندوق الرائع المنقوش بالفضة،قبله ثم لاحظ ورقة فيه قرأها فإذا هي نتيجته الإمتحانية ، فرح كثيرا لأنه اعتقد بأنها سقطت منه في الشارع : أشكرك.
الدكتورة : هذا مستوى مكانتك عندي كبيرة وغالية فلا تخذلني .
خالد متأثراً بصيغة التساؤل والإعتراض : أنا … أخذلك … ؟! ومن أكون أنا ؟! مجرد عامل عندك بحسب قول السيد المهيب الدكتور آزر .
الدكتورة : أتمنى أن تستوعبه وتتعود عليه .
خالد رفع الهدية متأهباً للخروج : أنا رهن أشارتك لإعتبارات كثيرة ، ولا أريد أن أستوعبه أو أتعود عليه أو أتعامل معه،عندها سيكون بيني وبين العمل فراق ، وبينما خالد يهم بالخروج رنّ هاتف سُبُل فرمقته والبِشر يطفح على وجهها فردت بالحال فإذا بوجهها يتغير ألوانه وعلت نبرتها بخوف : مروة ماذا دهاك ماذا دهاك ، ومروة تبكي مخنوقة لا تستطيع النطق ، وخالد مشدود السمع إليها وهي تحثها على النطق : قولي مروة لماذا تبكين هل حدث مكروه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *