وجدان عبدالعزيز : الشاعرة مونية لخذاري، صراع مستمر مع محيط الحياة ..!!

الشاعرة مونية لخذاري،
صراع مستمر مع محيط الحياة ..!!
وجدان عبدالعزيز

شكل ديوان (وعي بلا اجنحة) رحلة بعيدة الاغوار في الوعي واللاوعي عبر الجسد المرئي واللامرئي، وصراع الذاكرة، ونقل لنا صراعا آخراً لاثبات الوجود، ونحن ندرك اختلاف المدلولات من مجال لآخر، فالبعض منهم يقرن الوعي باليقظة التي تقابل النوم أو الغيبوبة، ومنهم من يجد علاقة بين الوعي والشعور، فيشير إلى جميع عملياته بالعمليّات السيكولوجيّة الشعورية، وبالإمكان إجمال الدلالة بشكلٍ عام للوعي على أنه ممارسة نشاطٍ معيّن سواء كان تخيّليّاً أو فكرياً أو يدوياً وغيره، والإدراك لتلك الممارسة، وهناك انواع للوعي، الذي يهمنا الوعي العفوي التلقائي: وهو نوعٌ من الوعي الذي يكون الأساس في القيام بنشاطاتٍ معينة، دون أن يتطلّب هذا الأمر مجهوداً ذهنيّاً عالياً، ولا يعيق مزاولة نشاطاتٍ أخرى، والنوع الثاني الوعي التأملي: وهو الوعي الذي يتطلّب حضوراً ذهنيّاً قويّاً، وهذان النوعان يتصارعان داخل نفس اي شاعر، فهو يعيش التلقائية في بداية قصيدته، وقد يذهب الى اللاوعي، ثم يعيش حالة التأمل والتوجيه، معتمدا على الذكاء والذاكرة، الذكاء في وضع الاناء اللغوي واختيار الاسلوب، والذاكرة في استثمار المعلومات المكتسبة وتوظيفها في خدمة المعنى العام، وحينما نقود هذا الصراع في ديوان لخذاري، فلابد ان تكون بدايتنا من الاهداء، الذي يبدأ من.. (إلى جذور في جسدي وأخرى من جسدي) ومعنى (في) حرف جر يأتي للتعليل والمصاحبة، وحرف (من) للجر ايضا ويأتي للتبعيض، وجمعتهما الشاعرة هنا بقصدية، ثم نستمر في متون الديوان، اي قصائده فنجدها، تحاول التساوق مع ايقاعية الصراع المذكور سلفا، تقول :
(حروفي بدون مساحيق
كلماتي عارية من الإغراء .
أنا أكتب لأكسو الفراغ
أصارع الموت
والأكيــــد
لأن هناك صمتا يثور داخلي)
اذن لماذا تكتب؟ فالكتابة شكلاً من أشكال التواصل البشري التي تحمل مجموعة من العلامات المرئية والتي تشكل لغة معينة حسب الاتفاق والعرف، وبالتالي هي في حقيقتها تمثل اللغة في مستوياتها المتعددة بما في ذلك الجمل والكلمات المختلفة بالإضافة للمقاطع الصوتية، كما تشكل تمثيلاً مباشراً للفكر، حيث أن لها مجموعة من الوظائف ذات القيمة الاجتماعية، ومن المعلوم اختلاف الكتابة عن اللغة، حيث أن اللغة تعبر عن نظام معقد في الدماغ يسمح بإنتاج وتفسير الألفاظ، أما الكتابة فهي طريقة تنطوي على جعل الكلام ظاهراً، وحينما تتجلى لنا غاية الشاعرة لخذاري من الكتابة، نجد جوابها : (لأن هناك صمتا يثور داخلي)، فهناك داخل الشاعرة اسئلة مثارة تحتاج لاجوبة، فمثلا (بودلير) يقول : (الشعر تجاوز للواقع العيني، فهو ليس حقيقة كاملة، سوى ضمن عالم مغاير وأخروي) بمعنى هناك اشياء مختفية تحتاج لوعي وادراك، فهناك حقيقة، لكنها غير كاملة، تقول الشاعرة لخذاري :
(يسألني عنه.. عني..
بريق عينيّ يشرق شوقا له كل صباح
يأخذ لفنجان قهوته سكري
عطرا من لمستي
يشمّها رجفة تلو رجفة
قبلات متناثرة
تنحت روحي جسدا داخله،
مصاحبا عقارب الزمن
البعيدة عني .. عنه.
يسأل عني .. عنه ..)
فالشاعرة هنا تقود صراعا روحيا وجسديا مع الاخر،ِ ِويؤكد هيدغر قائلا: (أن الإنسان لا يستطيع معرفة ما لا يمكن حسابه، أي أن يصونه في حقيقته، إلا انطلاقا من مساءلة خلاقة وقوية تستمد من فضيلة تأمل أصيل، فهذا الأخير يحمل إنسان المستقبل إلى مكانه بين الإثنين: الوجود والموجود)، هذا اقتراب لمعنى رحلة الشاعرة لخذاري في ديوانها (وعي بلااجنحة)، فهي في حالة مساءلة دائمة لما يحيط بها، بل للوجود والكون والحياة، لذا تقول :
(كأن فؤادي فارغا وعيني يملؤها الوجع
كأن الصمت خلاخل في ذاكرتي
الصراخ عقد يلبس جسدي حبلا
كأني أرافق الموت كظل تحت شمس الأمل
كأني أفقد حبات العمر بين أناملي
تتسرب من أصابع أنفاسي
تدب في ظلام لا تنام له عيني)
فناهيك عن الاصوات والضجيج من حولها، تجد الصمت وكأنه خلاخل ترن في ذاكرتها، حتى ان الصراخ يتلبس جسدها، فما المقصود هنا من الجسد؟ وما المقصود من الجسد في متونها الاخرى؟، وهي تتعامل مع الجسد مرة بالمرئي، واخرى بالللامرئي، ومع اشياء اخرى تتصارع في داخلها وتستمر تتساءل : (ما زلت أفكر هل هناك شيء يرمم مقاهي الذاكرة/ دون تشققات تجرح أنامل الذات ../لم يبق في خبايا النفس سوى ثرثرة ماضي حزين)، ويتزاحم الصراع داخلها قائلة : (هناك شعور مثل الهواء ، أينما ذهبتُ يحتويني/إحساس أعمق من جرحي منك/ أكبر من ألمي/أمتن من مبادئي/أجمل من غروري/أشمخ من كبريائي/ مثير أكثر من أنوثتي ، رغم تجمدي/هذا يعيش داخلي بهدوء).. اذن هي تحمل احساس عميق وحاسية خاصة تجاه امور الحياة والحب والكون والجمال..

شاهد أيضاً

قراءة في قصيدة: (تراتيلُ مطرٍ يُصَلّي) للشاعر “محمد سعيد العتيق”
د. وليد العرفي

قصيدة ذات نزوع صوفي في انجذاب متناه نحو المطلق ، وهو ما يتبدّى منذ العتبة …

نايف عبوش: نعمات الطراونة.. والتواصل العصري الحي مع التراث

لعل ما يقلق المهتمين بالتراث اليوم، هو الانحسار المستمر، في ثقافة التراث،وخاصة لدى شريحة الجيل …

صباح هرمز: مسرحيات يوسف الصائغ بين الخيانة و الانتماء
أولا: ديزدمونة وجدلية الشرق والغرب (ملف/6)

إشارة: رحل المبدع الكبير “يوسف الصائغ” غريبا في دمشق ودُفن هناك بعد أن قتلته السياسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *