تابعنا على فيسبوك وتويتر

أ.د. صالح جواد الطعمة
مهجريات :من خواطر عربي مغترب

العرب والصليبيون القدامى والجدد*

أكاد أومن من شكّ ومن عجب

هذي الملايين ليست أمة العرب

مطلع قصيدة لشاعر فلسطيني ظل يتردد صداه في خاطري منذ عقود حين سمعته في أحد مهرجانات بغداد الشعرية – وقد أصبحت اليوم كأطلال الشاعر الجاهلي- ولعل ذاكرتي لم تحتفظ بكلماته نصا دون تحريف غير أني واثق من أن ما ذكرته لا يشوه مبتغى الشاعر الفلسطيني.
والمهم أنه ظل يقحم نفسه وأنا في الرباط أقرأ أربع مقالات متسلسلة للأستاذ عبد القادر الصحراوي بعنوان صلاح الدين ويعقوب المنصور (دعوة الحق، اعداد يوليوز، غشت، سبتمبر ونوفمبر 1957).
ويبدو أن الأستاذ الصحراوي كان مثلي يسعى إلى استلهام الجوانب المشرقة للتاريخ العربي الإسلامي. وكان يبحث عن بارقة أمل يزيل بها التهمة القائلة بأن يعقوب المنصور الملك المغربي المعاصر لصلاح الدين أبى أن ينجد صلاح الدين في مواجهة الخطر المحدق بالمسلمين آنذاك لأسباب غير جوهرية، ويبدو كذلك أن الأستاذ الصحراوي كاد أن يجد ضالته في بعض الإشارات التي توحي بأن المنصور قد جهز أسطولاً – وكان المغرب متميزاً بقوته البحرية – لنجدة صلاح الدين لولا أنه أحس بضعف الرواية فلم يوفق إلى إراحة باله بل استسلم إلى قوله: أما الذي بين أيدينا الآن والذي لا سبيل إلى الشك فيه فهو أن صلاح الدين استنجد بيعقوب المنصور فلم ينجده لأنه لم يخاطبه بأمير المؤمنين.
وإذا كان قد أحس بشيء من الخيبة في الرجوع إلى الماضي فإنه حاول أن يلتمس في الوضع المعاصر بعض العزاء والأمل حين انتقل إلى الحديث عن إسرائيل وعدوانها قائلاً “هذه إسرائيل تجلب علينا بالمدافع والدولار والدس والرشوة وشراء الضمائر في حرب شديدة الشبه بالحروب الصليبية باعثها الحقيقي الغزو والاحتلال والسيطرة والتحكم.. ويشاء الله أن يكون ذلك مرة أخرى على نفس الأرض التي كانت الهدف الرئيسي للحروب الصليبية..”
أمران يبرزهما الصحراوي في مقاله:
الأول الطابع الاستعماري (لا الديني) للحروب الصليبية، وهو ما نسمعه اليوم مردداً في كتابات بعض المؤرخين الغربيين كأنطوني بريدج صاحب تاريخ الحروب الصليبية (راجع ملحق العلم الفكر الإسلامي الصادر بتاريخ 15-11-1991 ص 4: الحروب الصليبية همجية استعمارية) والآخر التطلع إلى البطل الفرد منتظراً منه أن يقود أمة العرب أو الإسلام إلى الخلاص مما هم عليه كما فعل صلاح الدين من قبل وفي هذا السياق يقول “إن كل واحد من رجال الحكم في البلاد العربية والإسلامية اليوم يستطيع إذا أراد أن يكون صلاح الدين على شرط أن يتساموا جميعاً عن السخافات والترهات والاعتبارات الزائفة وعن الأنانية الحمقاء.. ” (دعوة الحق نوفمبر 1957 ص 64).
المشكل في هذا التطلع أنه عنيد كالسراب لا يفارقك وأنت تواصل قراءاتك.. فهذا الشاعر المغربي محمد بن محمد العلمي في قصيدته “أين صلاح الدين؟” (وقد قالها بمناسبة الاعتداء على المسجد الأقصى/ دعوة الحق أكتوبر 1971) يتساءل:
فأين صلاح الدين بل أين نسله

وأين الذي نحياه مما به أوصى

وهناك الشاعر الكبير عمر أبو ريشة يناجي شخص الملك فيصل بن عبد العزيز في قصيدته “أنا في مكة”:
شئت أو لم تشأ فأنت مع التاريخ في موعد يتيم المثال

ربع حطين موحش يا صلاح الدين إلا من ذكريات غوالي

سر بنا صوبه وصل بنا في القدس واضرب حرامه بالحلال

وكأني بالصحراوي والعلمي وأبي ريشة ينتظرون – كغيرهم – معجزة البطل الفرد ناسين أو متناسين الأساس الجماعي أو الشعبي لخلاص العرب من محنتهم وامتحانهم. ثم أسمع صوت الشاعر الفلسطيني محمود درويش:
“نعرف القصة من أولها”
وصلاح الدين في سوق الشعارات وخالد

بيع في النادي المسائي بخلخال امرأة

________________
(*)نشرت في العلم المغربية 22/11/1991


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"