تابعنا على فيسبوك وتويتر

إشارة :
كتاب (جيم جديد – قصّ) للمبدع جابر خليفة جابر الذي ينشره موقع الناقد العراقي في حلقات هو واحد من أهم الكتب الثقافية التي صدرت بعد الاحتلال. فبالإضافة إلى أنّه يتناول مفاهيم وأحداث وشخصيات ثقافية وفق نظرة جديدة وبعضها يُطرح لأول مرة ، فهو أيضا تشريح لمعضلاتنا الثقافية ومحاولة طرح حلول لها بدلا من النواح والتشكي. أمّا أسلوبه السردي الهادىء و “الحياتي اليومي” فقد أزال عنّا التباس وصفه على الغلاف بأنه “قص” لأول مرة. وللأسف لم يحظَ هذا الكتاب المهم بالمناقشات المطلوبة التي نتمنى أن تثيرها محاولة نشره هنا. تحية لجابر خليفة جابر.

(11)

خَسارات..
عديد من أدبائنا ومبدعينا رحلوا في السنوات الأخيرة، مضوا بما عانوه من عوز وفقر وبما قاسوه من ظلمات الطاغية واضطهاده، لكنهم مضوا من دون أن تستثمر جامعاتنا خزينهم الإبداعي والثقافي والمعرفي، بعض الجامعات حاولت ذلك وأقامت ندوة أو أكثر لكبار المبدعين، لكنها تبقى محاولات فردية ناقصة من دون قانون وتشريع ييسر هكذا استثمار للطاقات البشرية غير الاعتيادية، بل ويفرض على الجامعات والمعاهد العليا الاستفادة من خبرات المبدعين..
كان الأستاذ مسترسلا وبحماس في حديثه وكنا نعبر جسر المقام تجاه شارع الوطن، وحين جاورنا تمثال أسد بابل، قال لي:
– هؤلاء المبدعون الأفذاذ هم أسود بابل، أسود المعرفة والإبداع العراقي، فلم لا نوفر لطلبة الجامعات، خاصة كليات العلوم الإنسانية، فرصة للتعرف على مبدعينا، ليسمعوا منهم مباشرة ؟
– بل حتى الكليات الأخرى أستاذ، ما أكثر الأدباء من الأطباء والمهندسين.
– وهذا يحتاج كما قلت إلى تشريع وطني، الأصح يحتاج قبل التشريع إلى إرادة وطنية واعية بأهمية الإبداع والمبدعين، وعلى دراية بعلو كعب المنجز الإبداعي العراقي قياسا إلى غيره.

المبدع الراحل محمود جنداري

مرت علينا ونحن نتمهل بمشيتنا في شارع الوطن وجوه محمود جنداري وسركون بولص ومحمود البريكان وكاظم الأحمدي ومحمود عبد الوهاب..و..و..مرت الأسماء على قلتها كثيرة ومثقلة بمعارفها وحسرتها لأن الوطن لم يستفد منها كما تحب، لذا مازالوا يراودون وطنهم وناسه وشارعه في العشّار.
وكانوا يملّون ثم يغادرون، إبداعا بعد آخر، ومعرفة تلو أختها، رأيت البريكان ومحمود عبد الوهاب يمضيان معا إلى مقبرة الحسن البصري ومضى السياب قبلهما، مرا بمباني جامعة البصرة وتحسرا، سمعتهما يقولان: خسارات .
وكان الأستاذ الكبير يتمشى سارحا بأفكاره وهو يهمس أيضا: خسارات وخسارات.
ثم التفت إلي وقال:
– هل تعلم إن أغلب الدول خاصة المتمدنة والمتقدمة منها سنت قوانين عديدة، حزمة قوانين لتنظيم واستثمار الثقافة والنشاطات الثقافية ولتوفير بيئة وطنية ملائمة للإبداع والمبدعين، منها التعاقد معهم بشراء تراثهم ، مخطوطاتهم، مطبوعاتهم، أوراقهم، مسودات أعمالهم بعد رحيلهم، مقابل، مبلغ مقطوع أو راتب تقاعدي أو دار سكن. وبذلك تضمن الدولة عدم ضياع مثل هذا الإرث الوطني الثمين.
لحظتها كم تمنيت لو أن قادة العراق الآن يستمعون إليه!
ولو أنهم يعون أهمية ما قاله!
تمنيت من كل قلبي ذاك، وأوجعني قلبي وأنا أرى تراث محمود البريكان غائبا عن المشهد الثقافي ،غيب في حياته ،وغيب بعد إغتياله، ومثله تراث محمود عبد الوهاب!
لم لا يكون عندنا في البصرة كمثال، متحف لمبدعينا الكبار؟
لنسميه : دارة الأدباء، وليكن بيت السياب مقرا له..
ولم لا يعاد ترميمه بشكل حضاري بعيدا عن المناقصات والمزايدات وفايروس الكومنشن ؟

المبدع الراحل كاظم الأحمدي

أنهينا مشوارنا مع شارع الوطن وركبنا معا سيارة ما أو ظل سيارة، لا اتذكر، وكان خيالي يتجه الى جيكور وبويب وأبي الخصيب، رأيت البناء الشناشيلي الجميل لدارة الأدباء، كله قاعات طين باردات النسيم، هذه للسياب وجوارها لمحمود وثالثة للبريكان ، رابعة كانت لكاظم الأحمدي وأخرى لمهدي عيسى الصقر ورأيت أول القاعات باسم سليمان فيضي، كنت متلهفا لقراءة روايته (الإيقاظية) أول رواية في تاريخ العراق، كان طلبة كلية الآداب يتطلعون إليها عبر شباك من خشب الصاج، لم أجد بدا من الانتظار، والتفت، ثمة أفواج أخرى على الطابور تنتظر..
همس الأستاذ محمد بأذني :
– ترى كم من الأجيال ستحرم مما نراه الآن؟
ومتى سنقيم متحفا كمتحف بوشكين لمبدعينا، أو، دارة للأدباء ؟
معه رددت: متى؟
لكنه لكزني بلطف وقال : متى وحدها لا تكفي ،بادروا بالعمل ادعوا إلى ذلك، تحركوا ولو قليلا ،أوضحوا للآخرين ،خاصة أصحاب القرار ونواب الشعب، وإلا ستتزايد الخسارات وسيرحل كبار آخرون، وأنتم كما أنتم، كسالى وساكتون!
– نعم أستاذنا، كما ذكرت، علينا أن نتحرك، نحن الأدباء قبل غيرنا، وإلا فليس أمامنا غير خساراتٍ وخسارات..
=====


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"