كريم الثوري: أنا منافق إذن أنا موجود (الحلفة الأولى)

انا منافق والا ما طرأ على بالي هذا العنوان الذي يتطّير منه الكثير بحجة عدم التزامه بقواعد اشاعة الجمال كفلسفة ومفهوم للحياة انطلاقا من السائد المعني بتهذيب الاخلاق افلاطونيا على حساب تحريك العقل وزحزحة  اليقينيات والاديولوجيات الباطنية المهتمة بدفع الحياة باتجاه الأمام دون الانصهار بالنوعية ما جعل الحاضن منساق بغفوته طواعية تفاهماً و الاخلاق العامة التي تحفظ ماء وجه الطبقات المستفيدة المهتمة بتغييب الوعي لتجني محصولها في نهاية المطاف فتوزع خطابها الاعلاني الرامي الحفاظ على مكتسباتها الوطنية باعتبارها الوريث الشرعي الابوي الراعي لمسيرة القاصرين مع قليل من المقبلات…
انا منافق بامتياز ولهذا السبب بالذات يدفعني الموضوع بقوة  بين اليوم والليلة  وكلما اجلته يزاحمني في قيلولتي لاكتشاف ذاتي الجامعة  فيكم خارج دائرة الانا فالجزء مرتبط بطريقة ميكانيكية بالنحن ‘ يبقى السوال ما مدى جدية هذا النفاق وما الذي يدعوني دون سواي لطرحه بطريقة مقززة ينفر منها الجميع وهل باستطاعة الافراد والمجتمعات المعنية الرادحة في تقاليد العصمة ان تناقش هذا الموضوع مع نفسها ولو على سبيل الاكتشاف ليس الا؟
انا منافق بامتياز والا ما تدافعتم معي في تحليق ميؤوس بعين مفطومة  في مديات نعرفها جميعا داخل حدود الطوق المُبخر بتسريبات مازلنا نردح في ثناياها غير مبالين ببعيد ما يمكن ان يكون عليه الحال فتجانسنا جماعات فجماعات نحس بالغربة مجرد خروجنا قليلا عن مغلفاتنا وهكذا غدونا  كحيوايات تسبح في مستنقعات راكدة راضية مرضية تنعم بطوفان ساكن خامل لا حراك فيه لذلك حين تحصل المفأجاة كأن يُلقى حجر من بعيد في المستنقع نستشعر جديدنا ونكتشف قدر مقاماتنا لكنه ليس اكثر من طيف يمر سريعا سرعان ما نعود الى سباتنا الازلي لنردد ذات النشيد القديم سمفونية الموت المحقق؟!
الجواب بالنفي اقرب منه الى الاثبات لسبب يتوجس منه الجميع كون المجتمع لا يرحم وانه قائم على الكذب والحيلة والمداراة والتقيّة لان هذه المسلمات وغيرها لا تكلف الفرد جهدا ً ليمرر ايامه بسهولة ويُسر خارج دائرة المواجهة التي تكلفه صراعات ونزاعات مع الذات والمجتمع ولكونه يعرف بالسليقة انه سيكون الخاسر المؤكد اعتمادا على غريزته التي هي غريزة غير منفصلة وبتماس مع غريزة العقل الجمعي حتى غدا النفاق وسيلة متفق عليها وكأنها الصدق كُله تماشيا مع ركود وزيف وتسلط ونفور عام وحاكمية حديدية غافية بالتوازي  تعتمد في مناهجها منذ رياض الاطفال على التلقينية والانشاء والسطحية والحفظ بعيدا عن الغوص والمواجهة والتصدي لذلك صار حتى تصدينا للنفاق نفاق مبطن ومعارضتنا للفساد معارضة فاسدة مفسدة ومواجهتنا للمشاكل المستعصية هروب الى الامام حتى تحول النفاق الى مبرر مشروع البسناه الف ثوب وثوب وتفنّنا في تغطيته بالحيل الشرعية والاخلاقية والايديولوجية وصار الواحد منا يكتشف بطريقته هو ان المقابل وإن صدق فهو منافق بامتياز بالمقاربة مع منهجه التحليلي القائم على الشك المُرعب لذلك نحن نجيد  بطراوة وانسيابية القَسَم باغلظ الايمان في كل صغيرة وكبيرة وهذا اول النفاق كآخره…
يروي لنا التاريخ ان اثنين من الرهبان كانا يسيران باتجاه الفلا  وصادف ان كان بطريقهما سيدة تسير على مقربة منهما وحينما ارادا اجتياز النهر استنجدت بهما السيدة لمساعدتها فحملها احد الراهبين حتى الضفة الاخرى وسارت الامور على ما يرام كل في طريقه فكان من الراهب المُغيب ان استشاط غيضا من صاحبه وبيّت له حقدا حتى تبدلت علاقتهما الحميمية فكان ان صارحه الراهب الثاني سرَ تغيره فكاشفه الثاني بأمر السيدة على اعتبار ان الراهب لا يجوز له ذلك شرعا. نظر اليه الراهب الذي ساعد السيدة باجتياز النهر وقالها حكمته ( اخلعها من نفسك)؟
ترى كما راهب بيننا يحمل امراضا نفسية مستعصية  في نفسه لا يمكن تجاوزها وإن وصل الى مراحل متقدمة في التقشف والتوحد بالله او الوطن او الاديلوجية  هذا السوال يفضي الى سوال آخر ترى كيف لنا تجاوز امراض المجتمع المفروضة علينا وقد تلقمناها بالتوارث عبر الاجيال وهل بمقدورنا اذا ما تغلفنا بمناهج تدعونا للترفع وقول الصدق والالتصاق بالحق ان نتجاوز بين ليلة وضحاها وننقلب على ذواتنا بمراجعات نقدية كذا نقولها وهيهات لنا ذلك؟؟
الحقيقة نحن نسير باتجاه لا يمكننا تغييره لان مقدماتنا لم تكن سليمة يوما وكانت قائمة على القمع وانكار الآخر والتسليم بالقول الفصل اعتقادا منا وتماشيا مع سيرورة ألفناها فتعاشقنا معها حتى صارت جزءا لا يتجزء من حركاتنا وسكناتنا فصرنا نكتشف ونكتشف زيف المقابل ونصدقة تلاقيا مع زيفنا لاننا لو انكرنا الاول نكون قبالة مواجهة لا نريدها لانفسنا
هذا الواقع المؤلم انعطف كتحصيل حاصل على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها ولانه جزء منا صرنا  لا نكلف انفسنا عناءَ الاصطفافت كجزء من ميولاتنا العرقية والمذهبية والطائفية ولاننا جبناء بامتياز صار الوطن او العمل من اجل العقل الجمعي مجرد شعارات نرددها كالببغاء بعيدا عن فقهها ولا غرابة ونحن في حاضرة الموت والانقراض ان نُسلم انفسنا قرابين لمذابح جماعية نعرف انها تحصدنا وعزائنا عسى ان يطول بنا الوقت وثمة بارقة امل في مجهول مخلِص؟
انا منافق اذن انا موجود من يستطيع ان يسلم بها جميعنا نكون على مقربة من تعرية انفسنا بالكامل واعادة تشكيلنا  حينذاك قد يسعفنا الحال  للنظر والقراءة دون تحفظ بكل مسيرة التاريخ ومجرياته لنكتشف كم كنا مُعطلين لدرجة السُبات وابائنا واجدادنا الذين سبقونا لنسلم لجهة العقل اقول كلامي هذا من باب اليأس لا من باب الامل عافانا وعافاكم على اعتبار اننا بمنآى عن هذا الافك الجميل!

شاهد أيضاً

كيف سيغدو شكل العالم بعد فايروس كورونا؟ هناك أربعة احتمالات مستقبلية بقلم: سايمون ماير ترجمة: د. رمضان مهلهل سدخان

أين سيحلّ بنا المقام بعد ستة أشهر، أو سنة، أو عشر سنوات من الآن؟ أستلقي …

ا. د. محمد كريم الساعدي: فلاسفة التشويه الغربي وقصدية الإساءة للرسول محمد

محمد كريم الساعدييعد الفيلسوف والاجتماعي والروائي والمؤرخ (شارل لوي دي سيكوندا) المعروف بأسم (مونتسكيو 1689-1755) …

مؤسسو مصر الحديثة
مهدي شاكر العبيدي
أوستن / تكساس

هناك سلسلة كتب تصدر بعنوان ( تعرَّف إلى العالم ) ، أغلبها مترجَم عن اللغات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *