فاروق يوسف : عامر العبيدي في حكاياته ذات البعد الأسطوري (ملف/2)

عامر العبيدي في حكاياته ذات البعد الأسطوري
العبيدي فنان يجدد نفسه وفنه ويهب المزيد من الأمل في حياة لا يزال في إمكانها أن تكون مصدر إلهام.

في الصحراء ولد عالمه
كان ماكرا في تعلّمه من الصحراء التي يعود إليها بين حين وآخر باعتبارها فضاءه الوحيد. إنه يستحضرها بالطريقة التي تحقق لروحه النشوة التي تنتظرها. نشوة أن يكون هناك دائما حتى وإن كان بعيدا. يتصفح أوراقها في كتاب شخصي.

وإذا ما كانت المدينة التي ولد فيها تطل على الصحراء، فإنه عاش في شبابه تجربة أعادته إلى يوميات طفولته. لا شيء سوى السراب الذي يحمل وقع خطى قد لا تصل وصهيلا قد لا يُسمع.

الحلم بشيء يظل عالقا بين الوهم والواقع. شيء من أحلام اليقظة الذي تنجزه الحكاية التي تتألف من فصول لا تنتهي. كل لوحة من لوحاته هي حلقة في سلسلة مترامية الأطراف من الحكايات.

يحق لعامر العبيدي أن يقول “لم أكمل الحكاية بعد” بالرغم من أنه يرفع يده بثقة عن لوحة، تكون جاهزة للذهاب بعيدا عنه.

توقيعه لفتة حصان
على مستوى الشكل كانت خيوله بمثابة توقيع شخصي. الأشكال التي ابتكرها صنعت ذلك الطابع الشخصي الذي تميزت به لوحاته. لم يكن المحتوى ليشكل عبئا ثقيلا بالرغم من تلك الخيوط التي تقود إلى مجال رمزي تتحرك فيه مفردات حكاية هي أشبه بالمتاهة.

في ظل تعامله مع الأشكال باعتبارها ضالة شخصية لا يمكنه أن يقول “لست أنا من فعل ذلك”، فلا أحد يطلب منه أن يكون لرسومه معنى. تخلص بطريقة ذكية من عبء المعنى وهو يسعى إلى أن يقف عند حدود الرمز.

عالم العبيدي غالبا ما يتألف من خيول لا تذكر بالواقع، فهي لا تنتمي إليه. هي مجرد مفردات سيكون علينا الالتفات إلى مخترعها لنسأله عن أصول لعبته لا عن هدفه الذي لم يصل إليه

لقد امتلك ناصية التعبير عن نفسه من خلال اللجوء إلى حكايات لن يكون مضطرا لروايتها بعد الرسم. مفردتها الأساسية ستمكنه من خيالها. حينها تكف الحكاية عن أن تكون مرآة لما جرى. تنفتح على الرسم ليكون ذريعة وجودها.

شيء من الإثارة المصحوب بشيء من القلق يكفي للتعرّف على عالمه.

عالم العبيدي غالبا ما يتألف من خيول لا تذكر بالواقع، فهي لا تنتمي إليه. هي مجرد مفردات سيكون علينا الالتفات إلى مخترعها لنسأله عن أصول لعبته لا عن هدفه الذي لم يصل إليه.

في خدمة الآخرين
حسب ما أتذكر فإن العبيدي لم يكن مولعا بالنظريات الأدبية. كان الرسم هو امتحانه الوحيد. ولأن الصحراء لم تكن بالنسبة إليه تراثا بل فكرة عن العيش، فإنه لم يجد في معادلة التراث والمعاصرة المفتعلة ما ينفعه.

العبيدي هو ابن تجربته الإنسانية التي اهتدته أشكالا، صارت بمثابة مفردات في لعبة حياته التي تغص بالألم.

ولد العبيدي في النجف جنوب العراق عام 1943. درس الرسم في معهد وأكاديمية الفنون الجميلة وأنهى دراسته عام 1969. عمل بعدها مدرّسا للرسم في المملكة العربية السعودية. بعد عودته إلى بغداد عمل في تصميم ورسم الكتب الشعرية بعدها انتقل إلى العمل في دائرة الفنون التشكيلية حيث قام بإدارة المتحف الوطني للفن الحديث كما تسلّم مسؤولية تنظيم المعارض الفردية والجماعية والإشراف عليها إلى أن انتهى به الحال مديرا عاما للدائرة المذكورة.

ولأن دائرة الفنون التشكيلية كانت تلعب دورا مركزيا في الحياة الفنية، فقد أدى العبيدي من موقعه الإداري خدمات جليلة للحركة التشكيلية في العراق لا أعتقد أن أحدا آخر يجاريه فيها.

انتمى العبيدي إلى جماعة المجدّدين التي أقيم معرضها الأول عام 1965. يومها كان الفنان لا يزال طالبا. كانت تلك الجماعة مختبرا تجريبيا لما سيكون عليه الفن في ستينات القرن العشرين. وكان هدف تلك الجماعة تحرير الفن من وصاية الرواد. ذلك ما دفع بأفراد تلك الجماعة إلى الانفتاح على التجارب الفنية العالمية، وهو ما وهب فن العبيدي خصوصيته منذ البداية.

غير أن العبيدي وقد قضى في ما بعد الجزء الأكبر من حياته المهنية في الاهتمام بالإرث الفني العراقي ومن ثم بتنظيم معارض الآخرين نسي نفسه، لذلك كانت معارضه الشخصية قليلة بالرغم من غزارة إنتاجه.

بعد الاحتلال الأميركي عام 2003 غادر العبيدي العراق ليستقر في الولايات المتحدة ويقيم معارضه هناك. وهو اليوم يقيم معرضا مشتركا مع الفنان إياد الموسوي في قاعة “العويس” بدبي.

هناك هاجس ملحمي لا يفارق خيال عامر العبيدي. من خلال ذلك الهاجس تمتزج الأصوات بالأشكال كما لو أنها تصدر من المكان نفسه. وسواء أوحى الرسام بالمكان مستعملا مفرداته أم أنه أدار له ظهره، فإن للمكان في عالمه سلطة لا يمكن التغاضي عنها. المكان هو سيد المشهد الملحمي الذي يخلقه الفنان وهو يسعى إلى التعبير عن مكنونات نفسه. وليس ذلك المكان سوى الصحراء. تلك الخزانة الجمالية التي انفتح من خلالها الفنان على عالم رحب من الحكايات التي تشبه المتاهات.

صحراء العبيدي ليست ككل صحراء. إنها ليست تلك الأرض الشاسعة، الممتدة حتى الأفق. بل هي حياة لا نهائية، تصنعها قوافل تمتد بأصولها إلى الرغبة في امتلاك المصير برخاء أسطوري. قوافل العبيدي المرسومة بأسلوب قريب من المدرسة التكعيبية تجمّد الزمن وتخضعه لأصوات المحاربين والغزاة وأبطال الأساطير الشعبية.

هل رسم العبيدي مدفوعا بتأثير الحكايات التراثية ـ الشعبية؟ ذلك ما لا يمكن الجزم به، لأن العبيدي نفسه لم يصرّح به. لربما اختلق الفنان حكايات من الإلهام الذي مارسته عليه الصحراء. لربما كانت الأصوات المبهمة أكثر تأثيرا عليه من الأشكال التي صار يميل إلى تقطيعها على هيئة دوائر ومثلثات.

رسام حيوات نافرة

مثلما فلت العبيدي من المعنى فإنه نجا من الوقوع في فخ التراث. إنها حكاياته الشخصية. حكايات الرسام الذي يمزج أمسه بغده ليخلق زمنه الخاص. ملاحمه هي ملاحم فرسان منسيين هم أقرانه الذين يراهم في الأحلام.

في غير مناسبة سعى عامر العبيدي إلى أن يتحرر من عالمه الشكلي الذي عُرف من خلاله. لقد أقام في بداية تسعينات القرن الماضي معرضا شخصيا ببغداد لم يظهر فيه أي أثر لخيوله. غير أن الصحراء كانت فكرة ضاغطة والغزاة حاضرون باعتبارهم الأشباح التي تملأ المكان بصفيرها.

هذا رسام حيوات نافرة. ما رسمه، ما يرسمه، ما سيرسمه إنما يعود بالثناء على تلك الحيوات.

في مواجهة رسومه سيكون علينا أن نتذكّر مشاهد سبق أن تخيلناها. مشاهد لم تكن تحتمل التأجيل بالرغم من أننا ندرك أنها لن تقع. هنا بالضبط يقوم الرسّام بدوره في صنع النبوءة التي تجرنا إلى الماضي. شيء من التناقض يحله الرسم بطريقة ماكرة. لقد اجتهد العبيدي في رسم مشاهد مستعارة من وقائع لم تقع غير أن تلك المشاهد بعد أن رسمت صارت جزءا من الماضي.

الفنان هنا خلق ماض بقوة المستقبل.

الكثير من الحزن الشفاف والكثير من الفرح المبهم يمتزجان في عالمه ليصنعا عجينة أمله وهو الذي يرغب في أن يكون متفائلا. لقد اكتشف الرسم من أجل تلك الصرخة التي تُطلق في مواجهة الصحراء. هي صرخة العثور على كل شيء في اللاشيء. وهي صرخة اللاشيء نفسه.

رسوم العبيدي تعدنا بأكثر مما تُظهر. إنها تعدنا بأن نكون جزءا من ملحمتها الاستثنائية التي تحتفي بالحياة باعتبارها مناسبة أخيرة للثناء على الجمال.

عامر العبيدي يجدد نفسه وفنه ويهبنا المزيد من الأمل في حياة لا يزال في إمكانها أن تكون مصدر إلهام. أكان ذلك ممكنا لولا الصحراء؟

*عن صحيفة العرب اللندنية

شاهد أيضاً

صباح هرمز: التناص والإيحاء في رواية (المنعطف) لحنون مجيد (ملف/12)

إشارة : يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر ملفها عن الروائي والقاص المبدع …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (13) أدب السيرة الذاتية العراقي (ملف/68)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

“رؤيا الغائب” للعراقي سلام إبراهيم رحلة في الجحيم العراقي
عبد الحسين إبراهيم (ملف/67)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *