د. حميد نعمة عبد : من روايتي (الحي الجمهوري)

من روايتي (الحي الجمهوري )
تتصل الشقة بالأرض عن طريق سلم يكاد يكون عمودياً، يتجه مباشرة إلى فمها ،الذي يتمثل بباب حديدي متين ، ينفتح على صالة ضيقة ، تتداخل معها ثلاث غرف صغيرة ،ومطبخ لا يتسع لأكثر من شخصين وقوفاً ،فيه باب جانبي يؤدي إلى الحمام ، وقد طليت الشقة بألوان صارخة، تنم عن حب يائس للحياة، وتشبث ناشز بالجمال ، فقد أخذت كل غرفة لوناً مغايراً تماما لباقي الألوان فغرفة خضراء ،وأخرى زرقاء وهكذا … ، والشقة بمجملها ذات ديكور مغلق لا حياة فيه، ولا تحظى بأشعة الشمس ،لما يحيطها من عمارات ، إلا من تلك الغرفة التي تشرف على السوق ، وقد اتخذتها جنان مستقراً لها.أما الأمّ فقد تقاسمت هي وأبنها الغرفتين الأخريين، وبذلك استقل كل واحد من العائلة في غرفة . أمّا الفسحة الكائنة تحت السلم فقد اعتبرها الرجل ملكية عامة ،تستظل تحتها بعض النساء القرويات لدقائق ،وقد استغلها في فترة ما شاب فقير، وفتح كشكاً صغيراً لبيع الشاي ،لكنه سرعان ما طرده ، مدعياً أن فضلات الشاي تبعث روائح منفرة ،والحقيقة هي أن نظرات ذلك الشاب كانت تضايقه ،فهو يراقب كل صغيرة وكبيرة، مما يعكر عليه صفو جلسته.ولكي لا يخامر الشك أياً من أصحاب المحلات بنواياه، عاد ليعلن أن المكان مفتوح لأي كان، شرط أن لا يكون مكانا ثابتاً للتكسب . والمالك هذا ،وهو رجل مرح في العقد السابع من العمر، يشغف بالنساء إلاّ أنه لم يحظ بميل من أية امرأة سكنت تلك الشقة ،ومع ذلك تساهل كثيراً في عقد الإيجار ، إذ كان مصراًعلى دفع ستة أشهر مقدماً، لكنه تنازل عن ذلك الشرط أمام جنان وأمها، وقد صور لهم المكان وكأنه بيت الأحلام ،وأنه سيكتفي بالمرور مرة واحدة كل شهر لاستلام الإيجار ،ولحسن الحظ ، يوشك تنفسه على التوقف حين ينتهي من صعود السلم ،فيبدو وكأنّه يوشك على مفارقة الحياة ،وهذا الأمر أسهم أيضا، بالتنازل عن مقدم الإيجار دفعة واحدة ،كما أن من أهم أساب تساهله ،هي النبرة التي اعتبرها عاطفية في صوت الأم ، برغم خشونتة ،وقد فسرها تفسيراً شخصيا بعيداً عن الواقع،إذ اعتبر تلك الخشونة إنما تتأتى من طول الضجر الذي عاشته المرأة بلا رفيق،كما فهم ،وبالإمكان أن يتغير كل شيء لو أنها عاشت حياتها بمرح.أما شعور الأم بالأسف لأّنها لم تحصل على مكان أفضل، فقد بددته جنان ،وأقنعتها بأن تلك الشقة مريحة وأمينة ،وبعيدة عن العيون، وفي منتصف السوق ،وأفضل من ذلك الحي الشعبي ، والأهم من كل ذلك أنهم تخلصوا من مشكلة الطبخ ،فالوجبات الخفيفة لاتبعد سوى أمتار ، فلا التزام بمواعيد الوجبات، ليس هناك إفطار، وغداء ،وعشاء ،فلربما كان الإفطار في الثانية ظهرا ،والغداء في السادسة مساءً..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. عاطف الدرابسة : ها أنا أعودُ ..

قلتُ لها :   ها أنا أعودُ ، لأنتشلَ الكلماتِ من رحمِ الحريقِ ، ثمَّ …

| بلقيس خالد : قميص من مرايا الزهور .

سماءٌ معشوشبة ٌ على الأرض، جزرٌ ملونة بالأزهار ولكل لون ٍ عطره، المكان منتبذٌ عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *