تابعنا على فيسبوك وتويتر

” 111 ”
الهاتف
أفقتُ عليه ، بعد منتصف الليل ، يهبّ من الفراش ، متمتماً : الهاتف .
واعتدلتُ لأعلمه ، أنّ الهاتف مازال عاطلاً ، لكنه فتح الباب ، وهبط مسرعاً إلى الطابق الأول .
عاد بعد قليل ، وعيناه تتقادحان في العتمة . هربتُ بعيني من عينيه ، دون أن أجرؤ على النطق بكلمة ، فقال : لم تسأليني من كان على الهاتف .
نظرتُ إليه صامتة ، وقد أخرستني نبرته المتهمة ، فتابع قائلاً : زيد .
وتدفقت بكلمات تخنقها الدموع : أقسم لك للمرة الألف ، إنني لم أعرف زيد هذا يوماً .
واندس في الفراش ، إلى جانبي ، وقال : كان خطيبك .
وقلتُ وكأني أقسم له : لم يكن خطيبي ، لقد خطبني ، ورفضه أبي .
وقال مؤكداً : رفضه أبوك .
وأكدت له قائلة : ما يرفضه أبي أرفضه أنا .
وتمدد متوجعاً ، وسحب الفراش فوق وجهه ، وهو يتمتم : أعرفه .. هذا اللعين .. شاب .. وسيم .. جذاب .. ساحر .. آه .
مرت دقائق ، انقطعت خلالها أنفاسه ، يبدو أنه نام ، نعم، لقد نام .
انسللتُ من الفراش ، ونزلتُ إلى الطابق الأول ، وبهدوء رفعتُ السماعة ، وأنصتّ ُ ، كان التلفون ما زال عاطلاً.
ندت حركة خلفي ، فالتفتُ مرعوبة ، وإذا هو يقف في مدخل الغرفة ، وعيناه تتقادحان : آه ، أرعبتني .
تقدم نحوي ، دون أن ينطق بكلمة ، ويداه المتشنجتان تمتدان إلى عنقي .

” 112 ”
الرصاصة
استيقظ مبكراً ككل يوم ، وككل يوم تناول فطوره ، وارتدى ملابسه ، وحمل سلاحه ، وخرج نشيطاً ، معطراً ، ممتلئاً بالثقة والحيوية .
وعند الباب الخارجي توقف ، فقد تناهى إليه صوت يحذره : أيها القاتل ، لا تخرج ، وإلا قتلت .
تلفت حوله ، وأصاخ السمع ، إنه وهم ، نعم ، وهم .وهمّ أن يواصل سيره ، لكنه تسمر في مكانه ، فقد سمع الفحيح ثانية : أيها القاتل ، حذار .
لم يخرج ، في ذلك اليوم ، ورغم إلحاح مسؤوليه وأصدقائه وأهله ، بقي في البيت ، لا يبرحه . ووقف ليلاً عند النافذة ، يحدق في النجوم ، وإذا رصاصة ، تنطلق من الظلام ، وتخترق رأسه .
في اليوم التالي ، وجدوه متكوماً عند النافذة ، وليس في جسده خدش واحد .

” 113 ”
زياد
أيقظتني ، عند منتصف الليل ، نقرات خافتة على الباب . فاعتدلت منصتة ، لا شيء سوى البرد ، والصمت ، والظلام . وعبثاً حاولت أن أعرف ، إذا كان ما سمعته في الحلم أم في الواقع .
نهضت حائرة ، ونزلت السلم متسللة إلى الباب . ووقفت منصتة ، وإذا زياد يهمس لي عبر الباب : نادية .
وفتحتُ الباب ، فرأيته بملابسه العسكرية ، يقف مرتجفاً في الظلام ، فهتفتُ : زياد
ومرق إلى الداخل مغمغماً : ما أبرد الجو اليوم .
وأغلقتُ الباب ، ولحقت به هاتفة بصوت خافت : مهلاً ، سأوقظ والداك ، إنهما ينتظراك .. مثلي .
وقاطعني قائلاً ، وهو يرتقي السلم إلى غرفتنا : إنني متعب ، تعالي ، أريد أن أرتاح إلى جانبك .
وتوقفت لحظة ، يا إلهي ، أهذا حلم ؟ لقد قُتل زياد في الجبهة ، أو فُقد ، هذا ما قالوه لنا . ولحقتُ به إلى غرفتنا، ففتح يديه لي هامساً : ناديه .
لم أشعر بيديه تطوقاني ، فحدقتُ فيه ، وقلتُ : زياد ، قالوا لنا إنك قتلت في الجبهة أو ..
ودفعني كالعادة إلى الفراش ، وقال : دعك منهم ، إنني مشتاق إليك .
أفقتُ صباحاً على أم زياد ، تناديني بصوتها الشائخ الحزين : نادية ، الفطور جاهز .
وأيقظته هامسة : زياد ، انهض ، فطورك جاهز .
فأجابني ، وهو يضمني إلى صدره : إنني لا أحتاج الفطور ، وإنما أحتاجك أنت ، ابقي إلى جانبي .
ونادتني أم زياد ثانية : نادية ، انزلي يا بنيتي ، الفطور سيبرد .
ودفنتُ وجهي في صدره ، ليبرد الفطور ، لن أنزل ، وسأبقى حتى النهاية إلى جانب .. زياد .

” 114 ”
الرسالة
أفاق الأسد ، والجوع ينهش معدته ، وفوجيء بغزالة فتية ، مكتنزة ، مطروحة على مقربة منه . ونظر إلى لبوته متسائلاً ، فقالت : جاء بها ذئب من الذئاب ، الذين حلوا في طرف الغابة .
ومن بعيد ارتفع عواء ذئب ، وسرعان ما تردد صداه في أرجاء الغابة . وقطب الأسد قائلاً : هذه رسالة ، يريدون موطيء قدم في غابتي ، لكن هيهات .
ووقف الأسد على مرتفع ، ورفع رأسه ، وزأر بأعلى صوته : آآآآآ .
ولابد أنّ الذئاب فهموا الردّ على رسالتهم ، فقد ولوا الأدبار ، دون أن يلووا على شيء .

” 115 ”
الخروج إلى الليل
نامت زوجتي ، ونامت ابنتي ، وكذلك ولداي . لقد انتصف الليل ، وبقيتُ كالعادة أنتظره ، متوجعاً ، وإن كنت في أعماقي ، آمل أن يؤجل مجيئه ، ولو يوماً آخر.
ودُفع الباب ، ربما قبيل الفجر ، ورغم عتمة الغرفة ، عرفته . وتوقف قرب سريري ، وقال : انهض .
ورفعتُ عينيّ المتعبتين إليه ، وأجبته : لا أستطيع ، إنني كما تعرف ..
ومال عليّ ، وقال : جئتُ لآخذك ، انهض .
نهضتُ ، كأني لم أرقد في فراشي ، طوال أشهر عديدة ، وخرجتُ معه إلى الليل .

” 116 ”
ملك الغابة
رافق ملك الغابة ، في أرذل عمره ، حماراً عجوزاً. وأعطاه كلمة ملك ، أن لا يؤذيه ، مهما كانت الظروف . واشتدت الظروف على ملك الغابة ، فقد مرت عليه أيام عديدة ، لم يستطع خلالها ، أن يصطاد ما يسدّ به جوعه.
وأوشك على الهلاك جوعاً ، وهو يرى رفيقه الحمار ، الذي يعيش في حمايته ، يرعى طول النهار ، وينام ليلاً ملء جفونه .
وذات ليلة ، أيقظ ملك الغابة رفيقه الحمار العجوز ، وقال له : أيها الرفيق العزيز ، أنجدني ، أكاد أموت من الجوع .
وردّ الحمار مندهشاً : عجباً ، الغابة مليئة بالطرائد ، اصطد غداً طريدة ، وكل منها حتى تشبع .
واعتدل ملك الغابة قليلاً ، وقال : لكني يا رفيقي ، لم أعد أقوى على الصيد .
وحدق الحمار فيه ، وتساءل بشيء من الخوف : ماذا تعني ؟ آه ، فهمت ، تريد أن تأكلني ،لكنك رفيقي ..
ولم يكمل الحمار كلامه ، فقد لطمه ملك الغابة لطمة قوية ، طرحته على الأرض . وفي اليوم التالي ، أفاق الحمار العجوز ، وتلفت حوله مذهولاً ، ثم مضى إلى الخارج ، لكنه لم يعثر للأسد على أثر .

الفهرست
ــــــــــــــــــ
1 ـ طفل
2 ـ فوق المصطبة
3 ـ الأرض تدور
4 ـ حب
5 ـ الحرب
6 ـ الظلال الأربعة
7 ـ الظل العجوز
8 ـ ظلان باتجاه الشمس
9 ـ الظل المرح
10 ـ التنين
11 ـ أنا الذي أرى
12 ـ إنسان من هذا العصر
13 ـ البئر
14 ـ المطر وهي
15 ـ الرمال المتحركة
16 ـ غفوة
17 ـ يوم ممطر
18 ـ لماذا ال .. لا ؟
19 ـ هذه الكلمة الحلوة
20 ـ اللغم
21 ـ الكابوس
22 ـ الغراب
23 ـ الكبش
24 ـ الخروج
25 ـ قطرة ماء
26 ـ الغيمة والفلاح
27 ـ وطن السنونو
28 ـ حب !
29 ـ أنت شبل
30 ـ الصفصافة المزهرة
31 ـ وعمّ السلام الغابة
32 ـ حيرة
33 ـ الثعلب
34 ـ الحاكم
35 ـ الحمار يتظلم
36 ـ إنها أفعى
37 ـ الأيل وقرونه الضخمة
38 ـ العقاب
39 ـ الأفعى والبلبل
40 ـ رأي آخر
41 ـ الغيمة الجميلة
42 ـ جمال دسم
43 ـ البلبل والقمر
44 ـ ما أطيبه
45 ـ ارنب لا
46 ـ البلبل والغراب
47 ـ أزهار الحزن
48 ـ قمر فوق الغابة
49 ـ عقاب
50 ـ قلق
51ـ دبدوب والنحلة
52 ـ الملك
53 ـ الديك والثعلب
54 ـ البلبل و الأسد
55 ـ يحيا الملك
56 ـ زهرة التفاح
57 ـ بعد المعركة
58 ـ البلبل
59 ـ بشرى !
60 ـ أسد نباتي
61 ـ العصفور
62 ـ الأسد والحمل
63 ـ لا تلوميني
64 ـ الفراشة والنار
65 ـ رأي الدب
66 ـ خطيئة الحمل الأولى
67 ـ نحن ارانب
68 ـ المنتظر
69 ـ أغرودة أبي
70 ـ الكلاب الوحشية
71 ـ الثمن
72 ـ الشرارة
73 ـ إجماع
74 ـ الغابة الأولى
75 ـ الأسد
76 ـ الكلاب
77 ـ عدالة الأسد
78 ـ الثور
79 ـ الأسد والضبع
80 ـ الجائزة الأولى
81 ـ الاستعراض
82 ـ برونز
83 ـ هولاكو
84 ـ أنت حر
85 ـ نصيحة
86 ـ الأرض كروية
87 ـ شمعة لأبي
88 ـ شجرة التوت
89 ـ غفوة
90 ـ ليل الغابة
91 ـ الملك يبني
92 ـ الزهرة
93 ـ النباح
94 ـ التفاحة
95 ـ ليلى والتفاحة
96 ـ الباب
97 ـ الخاتم
98 ـ تيمورلنك
99ـ مونودراما
100 ـ الرقم خطأ
102 ـ موبايل
103 ـ الصورة
104 ـ ليل
105 ـ الخروج
106 ـ البلبل يعلن الحرب
107 ـ ما فائدة القرون ؟
108 ـ الضبع
109 ـ الجندي
110 ـ النهر
111 ـ الهاتف
112 ـ الرصاصة
113 ـ زياد
114 ـ الرسالة
115 ـ الخروج إلى الليل
116 ـ ملك الغابة


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"