الرئيسية » ملفات » علوان السلمان : محاكاة الواقع بتنوعه في..(دوي على ايقاع متزن) (ملف/5)

علوان السلمان : محاكاة الواقع بتنوعه في..(دوي على ايقاع متزن) (ملف/5)

محــــاكـــــاة الواقـــــع بتنوعــــه فــــــي..(دوي علــــى ايقـــــاع متـــــــزن)
علوان السلمان

كل نص قصصي وليد مقومات وعوامل تخييلية تشكل نسيجه الحامل لاحداثه من اجل تحقيق المتعة المنبثقة من عوالمه الحالمة من جهة..ولذة التأمل القرائية(المنفعة) بالتحليل والتساؤل واستبطان حكايا الشخوص من جهة اخرى..مع قدرة على مواكبة الواقع المجتمعي الذي يولد فيه ويحاكيه بتنوعه ووعيه بنسج متزن وملائم لمسيرة النص التصاعدية..
والمجموعة القصصية(دوي على ايقاع متزن)..التي بعثت في جوانحها حياة الوجود بكل تناقضاته انامل القاص والروائي راسم قاسم موسى واسهمت دار مدارك للطباعة والنشر في نشرها وانتشارها/2015.. لتفردها بحيازتها جائزة الطيب صالح للابداع الكتابي الدورة الخامسة/2015.. ولتميزها بحمولاتها الاجتماعية والنفسية واشتغال منتجها على تيمات حكائية متعددة داخل نسجه السردي.. فخلق عالما مليئا بالمفارقات المتشابكة التي تقوم على المتناقضات المتصارعة بحركة دينامية لاتعرف السكون بانفتاحها على واقع متعدد الشرائح الاجتماعية..ابتداء من العنوان العلامة السيميائية التي شكلت على مستوى الدال نسقا لغويا بفونيماتها الاربعة جملة اسمية دالة على الثبات والوصف مبنية على علامة اسنادية بين مسند ومسند اليه(مبتدأ وخبر)..مثل عنصرا من عناصر تشكيل الدلالة المتوهجة ونافذة رؤيوية منحت المستهلك(المتلقي) وعيا مضافا بما يحمله من طاقة ايحائية تشده للولوج في عوالم النص وسبر اغواره واستنطاقه من اجل حل شفراته..
(أمره الجندي ان يضع الكيس الذي يحمله على الارض ..لم يفهم ما اراد الجندي..اصابته الحيرة من صياح الجندي وهو يرطن بلغة لم يفهمها..اشار الجندي بعصبية الى الكيس آمرا اياه ان يضعه على الارض..
توزعت نظراته بين الكيس الذي يحوي ملف عمره وبين الجندي الغاضب..قدح فكره وذهب الى هناك وسط الشلة التي تصور انها تنتظره في المقهى.. وان صديقه المتحذلق الذي يجلس الآن متوثبا كالقط بانتظاره..كيف له ان يثأر منه وهو بهذا الموقف وامرأته التي ضاقت ذرعا بهذا الملف..كيف له بعد اليوم ان يغيظها باعتنائه به وحفظه بعناية.. وهو الذي لم يجازف يوما باخراجه من الدار لاي سبب كان.. ظل مشتت التفكير بين الخوف الذي شل حركته وبين هاجس ضياع كنزه الذي يحمله..
وضع الكيس على الارض ورفع يديه كمن يتبرأ من ذنب اقترفه وتراجع الى الخلف..ظلت عيناه مسمرتين على الكيس الملقى وسط الشارع..تقدمت المدرعة الهمر مثل عنكبوت حذر..اطلقت اجهزة استشعارها..اقتربت من الكيس حتى اصبح تحت عجلاتها الثقيلة تناثرت الاوراق البيضاء المصفرة وتمزقت مع دوي هائل مرعب..) ص73 ـ ص74..
فالقاص(المنتج) باكتناز ذاكرته ووعيه الثقافي (الذي هو مجموع ما انصهر في ذهنه من جهد قرائي) يركز على تفاصيل الاحداث والمواقف المتوالدة منها و المتفاعلة مع الشخصية وتاثيرها في توجيه حركية النص وترابط تيماته..حتى انه يشكل بؤرة مركزية تجتمع فيها خيوط النص وتمنح نسيجه وحدة موضوعية بلغة انفردت بمستواها التعبيري المتدفق وخصوصية الفاظها الايحائية.. التي تعرض افكارا ذات ابعاد نفسية وتنقل قيما انسانية..كون اللغة روح المعنى باعتبار علماء السيميولوجيا ..لذا فاللفظة المكثفة تشكل وظيفة محفزة في استفزاز ذهن المتلقي وفي تكوين مستويات المعنى..
( بقامة قصيرة ووجه داكن وعينين جاحظتين كان يسير قرب حائط مهدم وكان يملأ تصوري بكل هذه الابعاد الجسدية والخلقية وكنت استغرب بداخلي من كيفية استطاعة مخلوق بهذه المواصفات ان يحظى بكل هذا الاهتمام وفوق ذلك انه يقطع طرقات المدينة مناديا على بضاعته المقرفة من السمك المشوي او المقلي والخبز..وتصاعدت الى انفي تلك الرائحة المقرفة..يسدل الليل سدوله فيجمع ما حصل عليه من مال ليعطيه طواعية وبطيبة خاطر لاحد الوراقين ليكتري دكانه ويبيت فيه ساهرا يقرأ كل ما يجده من كتب مستنسخة او اوراق مرزومة على شكل كتب قام اصحابها بايداعها لدى الوراقين بغية استنساخها لعدة نسخ ويقضي الليل بطوله ساهرا يقرأ بشغف منقطع النظير من هذه الكتب.. الى ان ينبلج الفجر فيبادر الى مغادرة الدكان ويذهب ليزاول عمله في بيع السمك قاطعا طرق المدينة يغفو هنا او هناك في اوقات متقطعة من النهار بعد ان يأخذ منه التعب مأخذه..أهذه حياة يحياها أي انسان؟ لا استطيع الجزم بصحتها او بخلاف ذلك لكن هذا ما ورد في سيرته التي تناقلتها الاجيال وما ثبت كهوية له منذ قرون..
الجاحظ جاحظ العينين وذو وجه قبيح حتى انه كتب عن قبحه مرارا وتكرارا وانه اقرب لوجه الشيطان لان امراة جميلة استدعته مرة ليسير معها مشوار واتت به الى صائغ للذهب لينقش وجهه على صفحة خاتم وقالت له انقش لي وجها مثل هذا واشارت الى الجاحظ ولما سالها ماذا تقصد بمثل هذا قالت له مثل وجه الشيطان لانني اردت ان انقش وجه الشيطان على صفحة خاتمي ولم اجد شخصا اقرب بصورته من الشيطان اكثر منك..) ص32 ـ ص33..
فالنص مكتظ بالملامح الاسلوبية وتوظيف التراكيب الفعلية الدالة على الحركة والدرامية..مع التزام المنتج(القاص) الاختزال والتكثيف واعتماد بلاغة الايجاز والتضمين الحكائي من تاريخ الادب..فضلا عن انه يوظف الحدث الذي يتوارى خلف رمزية ترسم عالما يقترب بملامحه غير المألوفة الى بوح ذهني مستتر خلف الاقنعة الرامزة..اضافة الى انشطار الذات الساردة بين البوح والاسترجاع والتذكير والتذكر من اجل دعم موقعه الفني والفكري عبر بنية مكانية مؤطرة للسرد وموسومة بالتنوع ضمن رؤية فكرية تتناول عدة تيمات منتزعة من الواقع الاجتماعي وصراعاته التي انعكست على الشخوص القلقة بحكم صراعاتها النفسية واحاسيسها بالاغتراب..اضافة الى ان القاص ينفتح على الكائن الانثوي من خلال فعل الرغبة مع رصد الجماليات على مستوى اللغة او الاسلوب او المعمار او البلاغة او التراكيب وتعدد الاصوات السردية المنبثقة نتيجة تعدد الضمائر(الغائب /المتكلم/المخاطب..) مع تضافر الدلالات لتشكل جزءا من التكوين الانساني الذي هو جزء من التجربة الذاتية..
(لاشيء يوقف نزف الفكر عندما تتدفق اليه المراة التي امتزجت يوما بذكرى جسدية تقبع دائما في زوايا ومنعطفات حياتنا التي هي..لاندري أهي مصادفة محضة تمر بنا أو نمر بها لكي تتلبسنا وتجعل منا شخصية من شخصيات المسرحية الكونية لتكتب لنا نصا ندور في مساحته في حيز من الواقع حتى تسدل الستارة وتغيبنا في متاهات النسيان..كلنا يحدونا امل منذ بدايتنا وحتى نهايتنا اننا سنبقى مخلدين لا نغادر هذه الملهاة..يالهذه الحياة التي نعشق..انها جميلة جدا وقصيرة جدا.. هذه الحياة الاكذوبة من يعرف كنهها؟ أو يعرف حقيقتها؟ انها فقاعة تبدأ بالظهور مثل برعم جميل يكبر ويتفتح ثم فجأة ينفجر ويتلاشى مثل كل الاشياء..) ص104..
فالقاص يبني نصه الذي هو حدث تتوافر فيه معايير فنية على المستوى الموضوعي والذاتي على امتداد الهاجس النفسي المشكل للمشهد من خلال تداعي الزمن في الذاكرة مع توظيف الحوار الذي هو (نمط من التواصل القائم على اساس التبادل والتعاقب على الارسال والاستلام) بشقيه الذاتي(المونولوجي) والموضوعي(الواقعي) بسمة مشهدية تعبر عن مظاهر الصراع الفكري..اضافة الى انه يزاوج بين الفضاء المغلق والمفتوح بقصدية التضاد..فضلا عن انه يعمد الى تشظي الحدث مع اضفاء عنصر الادهاش بفضل ما حوته بعض النصوص من الاستبصار والاستشراف لما سيكون..
وبذلك قدم القاص نصوصا سردية سابحة بين عمق الرؤية وجمال التشكيل.. اضافة الى تنوع البناء السردي ما بين الطابع الشعري اذ تظهر تجليات الاحاسيس المركزية وبواطن الذات وصراعاتها ازاء الواقع بلغة مكثفة.. وايجاز جملي مع اشتغال على تيمات حكائية منتزعة من الواقع الاجتماعي وصراعاته داخل نسجه السردي فرسم بذلك فضاء غير محدود وعالما مكتظا بالمفارقات المتشابكة..مع تاكيد على البنية المكانية المؤطرة للسرد الموسوم بالتنوع ضمن رؤية فكرية تحققها شخوصه المنحدرة من شرائح اجتماعية متفاوتة تشعر بالاغتراب والضياع الوجودي..

*عن صحيفة التآخي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *