الرئيسية » نصوص » رواية متسلسلة » الدكتورة إخلاص باقر هاشم النجار : رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (الجزء الخامس والاربعون)

الدكتورة إخلاص باقر هاشم النجار : رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (الجزء الخامس والاربعون)

الجزء الخامس والاربعون
على الرغم من ثقل الإمتحانات على نفوس الطلبة للمرحلة الرابعة إلاّ أنها تضع حداً فاصلاً ما بين الحياة الأكاديمية والحياة العملية والإفتراق بين تجمع وفراق بعد لقاء ، ولكن أنامل القدر حددت اليوم الأخير للإمتحانات واليوم الأخير لبقاء سبأ في العراق ، وإن الطائرة التي ستقلع بهم من مطار البصرة الى بريطانيا ستكون اليوم في الساعة الثانية ظهراً ولكن بديهي أن يتوجهوا الى المطار قبل هذا الموعد أي مباشرة بعد الإمتحان ستجد سبأ ذويها بإنتظارها في سيارة أجرة وبحسب ما أتفقوا معها ، كان اليوم ثقيلاً عليها تشعر وكأن روحها تصعّد الى السماء وقد غارت البسمة على محياها وهي تدخل الصف لا تريد البوح لأحد ، غير الهرب ومواجهة الحياة الجديدة ، ومن حسن طالعها أن أسهل المواد وأيسرها توضع في نهاية الجدول الإمتحاني ، وبعد أن أنهت حلها كالمعتاد بسرعة الكتابة وهذه من صفاتها ، خرجت ضيقة الصدر مكدرة لا تريد أن ترى أحد غير أيار التي أطلّت عليها من باب قاعتها المفتوح وراحت تتحدث في دخيلة نفسها وكأنها تسمعها ، ولكن أنتبهت إليها مشرف القاعة وقال لها من بعيد مبتسماً : ها … سبأ … مما دعاها الى الإنصرف بسرعة في مقصدها ، وقد إنتبهت أيار وحرك الموقف مشاعرها ورسم الإبتسامة على محياها وقالت في دخيلة نفسها : آهٍ حبيبتِ جئتِ تبحثين عني لتصالحيني كما أعتدنا … أنا أعذرك وأنت تعذريني كما أعتدنا دائماً ، إطمئني نصف ساعة أن شاء الله وسأنكفىء عليك كالموجة الباردة في هذا الحر القائظ وقبل أن ينتهي وقت الإمتحان .
وبعد أن خصّبت روحها المجدبة في رؤيتها من بعيد أتصلت بوالدها لتخبره بأنها ستكون عند باب الجامعة بعد نصف ساعة من الآن وقد أكدت عليه ان لا ينسى حقيبتها الخاصة التي تحوي على كل مذكراتها الثمينة في العراق ، راحت تتمشى بهدوء وفي نفسها رغبة عارمة وشعور جامح في تقبيل وإحتضان كل أروقة الكلية وجدرانها وأبوابها وأعمدتها ومصاطبها وأشجارها ، وحتى الأرض التي كانت تجمعها بمن تُحب وفي نفسها غصة بالبكاء المقيد ، تريد أن ترى كل شيء الآن تريد أن تملأ عدسة عينها بكل الصور واللقطات … والضحات وكل الحكايات … تدفع بجسدها الثقيل الى الأمام وعشقها وشوقها يشدها الى الوراء ، وبينما هي كذلك وقبل أن تخرج من القسم سمعت الدكتورة مروة تناديها وهي خارجة من سكرتارية قسم الإنكليزي … سبأ … سبأ … انتظري لحظة أسلم الدفاتر الإمتحانية أريد التحدث إليك … استدارت سبأ وسمعت الملاحظة للوهلة الأولى فكرت في تجاهلها والإنصراف بسرعة الى باب الجامعة ولكن للشوق والحنين قوة فولاذية … هذه جزء من أيار وبينما هي واقفة تنظر الى الجدول جاءتها الدكتورة مروة مسرعة مبتسمة قائلة : ها … عزيزتي … كيف حالك في الإمتحان … أريد التحدث إليك … لأعاتبك … ولأسألك عن موعد سفرك .
سبأ وقد أحمرّت عيناها وقد رمقت الساعة : الحمدُ لله رب العالمين ثم أستطردت قائلة : دكتورة عندي طلب .
مروة مبتسمة : أطلبي عزيزتي … فأن لك مكانة في قلبي كمكانة أيار .
سبأ وقد ترقرقت عيناها : دعيني أضمك الى صدري ، لم تستنكف ولم تستغرب مروة من هذا الطلب وفتحت جناحيها مبتسمة وغارت سبأ في أحضانها كالطفل الصغير ، وكأنها تعانق أيار وللمرة الأخيرة ، ومروة تربت على كتفها مبتسمة ، وفي هذه الأثناء سمعت وقع أقدام للطلبة على الدرج هنيهة حتى نزلت الدكتورة ريام وقد أصطادت أحد الغشاشين وكالمعتاد يتوسلون بها ويحاولون ثنيها عن القرار ولكن دون جدوى ، إنتبهت مروة إليها ولصوتها العالي وإستدارت صوبها لتسألها عن هذه الضجة وعن اسم الطالب وما هو دليل الغش ، ولكنها عندما إستدارت الى سبأ لم تجدها ، خرجت والدموع تتطاير من عينيها مسرعة صوب باب الجامعة وقد أقفلت نقالها ، فراحت مروة تواصل حديثها مع ريام وهي متجهة الى رئاسة القسم لتُسلم شكواها كالمعتاد وينتهي الأمر بالفصل ، وبعد نصف ساعة بالضبط خرجت أيار من قاعتها الإمتحانية والإبتسامة مرسومة على محياها تبحث عن سبأ وبديهي بحسب اعتقادها ستجدها في الإنتظار وستقبل اعتذارها وتعانقها حتى دون البت بأية تفاصيل لأنها من سفاسف الإمور التي لا داعي الخوض فيها ، ذهبت الى الحديقة الى حيث المكان المحبب لديهما ثم راحت تسأل بلهفة عنها كل من تراه أمامها من الطلبة ، وزادها سعادة عندما أبلغوها بأنهم رأوها مع الدكتورة مروة فأسرعت خطاها الى الدرج المؤدي الى القسم حيث غرفة عمتها هناك وطارت بجناحي نسر عاشق حتى وصلت فرأت تجمهر الطلبة وبعض التدريسين ومن ضمنهم مروة وراحت تتفحص الحاضرين وبلحظة خاطفة واحدة لم تجدها ، فإقتربت من عمتها وهمست في أذنها هل رأيتِ سبأ .
مروة مبتسمة وقد شدت على يدها وابتعدت عن المجموعة : نعم نعم إنها كانت هنا قبل دقائق .
أيار بفرح : الحمدُ لله … أكيد كانت تسأل عني … وأين هي الآن ؟
مروة : لا أعرف ، ولكن انشغلت بعض الشيء مع هذه المشكلة ولا أعرف أين ذهب ، لكن أكيد ستأتي لأني طلبت منها الإنتظار لأتكلم معها ، تعالي ننتظرها في غرفتي .
أيار متنهدة : كم أتشوق الى رؤيتها … ليتها تبادلني هذا الشعور .
مروة مبتسمة : أكيد ومؤكد تبادلك بل وتزيد في هذا الشعور .
أيار بفرح : عمتي أنا أثق في كلامك .
مروة : لكن قولي لي … متى ستُسافر الى بريطانيا .
أيار وقد غارت بسمتها : لا … أعرف … لكني أكيد سأسألها اليوم … أفكر في الذهاب معها الى المطار فهل ترافقيني يا عمتي .
مروة : أكيد … سأُرافقك … والى لحظة إقلاع الطائرة .
أيار وقد ترقرقت عيناها : وهل سأحتمل الموقف .
مروة : لابد ان تعتادي على الحياة بحلوها ومرها،لا أحد يحب الفراق ولكن لا أحد منا يعرف رسائل القدر المخبأة في عالم الغيب ، وأن كنت ترين للموقف صعوبة فلا تعرضي نفسك وصحتك الى الأذى ، وقد تتأذى هي عندما تراك متأثرة .
أيار : قالت لي ذات مرة وهي منزعجة بأنها لا تريد توديعي .
مروة : هذه عبارة بديهية ومنطقية فلا أحد يُحب فراق من يُحب .
أيار : ولكن أخبريني … أرجوك ماذا قالت لك عندما جاءتك ؟
مروة متنهدة : لم تقل شيئاً … لقد عانقتني بشدة … وأختفت … دون أن أنتبه .
أيار باكية : أذن … رحلتْ … سبأ … دون أن تودعني … أنا أعرفها جيداً أعرفها أكثر من معرفتها بنفسها .
صعدت سبأ في السيارة التي كانت تقل ذويها دون أن تتلفظ بالتحية على ذويها بعد أن رمقت الحقائب فوقها ، واعتزلت في الكرسي الأخير منها واستدارت الى الخلف لتودع كل مكان ، وسارت في مشهد كئيب على كل العائلة لا أحد يُحب لحظات الفراق حتى وأن كان الرحيل الى الجنة ، فكيف بمن سيفارق وطنه بكل ما فيه من ذكريات الطفولة والصبا والشباب والصحب والرفاق ، وراحت سبأ تتلذذ مع منولوجها الداخلي ودموعها تنهمر على خدودها وهي تودع الأماكن التي تقطعها السيارة … وراحت تكتب في خيالها …
رفيقة الروح والدرب … البصرة الحبيبة تشدُّ على يدي …
لكني لا أستطيع والفراق … رفعت أقلامه وجفت صحائفه …
وبريطانيا الغريبة بالإنتظار …. الشمس ترافقني بخيوطها الحمراء الذهبية …
والنخيل يصطف لي مودعاً على جانبي الطريق …
أما أنت حبيبتي فلا شيء يشبهك أبداً …
وليس لك مني إلا القلب والدموع … فأن الحياة علمتني معك … انه مهما إلتقينا لابد لنا من فراق …
وأنا على عهدي دائماً سأتذكرك مهما باعدتنا الأسفار …
مشوار سفري سينتهي … وسأصل إلى بريطانيا مدينة الضباب …
أما صداقتنا شلال أبدي لا ينتهي معه المشوار …
لأن الحب في الله شجرة شامخة … تنبت في القلوب الطاهرة …
وتحمل من طيب الجنة أجمل الأثمار …
حبيبتي لن أنساك ولن أتناساك … وهل تنسى الروح توأمها …
أحبك بعمق شوقي إليك الذي خصبّ الأحجار …
وصلت السيارة الى المطار والوالد يحمل الجوازات وقد وضعوا حقائبهم جميعاً على شريط الشحن عدا حقيبة سبأ الصغيرة التي تحملها في كتفها ، حقيقه حالما رأوا المطار لأول وهله ذهلوا لجماله بكل أركانه وأروقته طوابقه وكوادره على درجه عالية من الأدب والذوق فضلا عن الأجهزه الإلكترونية ، أروقة وصالات إستراحه للنساء والرجال ومصلى ومطعم ومختلف المرافق العامه وعلى درجه عاليه جدا من الدقه وعندما رفع الأذان صعدوا في المصعد الجميل الى الطابق العلوي حيث مصلى وقاعات إستراحة ، وهكذا حتى وصلت الساعة الثانية ظهراً بعد ذلك طلبوا منهم التوجه إلى الطائره العملاقة وقفوا في طابور ثم دخلوا الطائرة دون ان يروا شكلها في دهليز موصّل إلى داخلها مباشرة ، فطلب الوالد من سبأ أن تجلس بالقرب من النافذة ، وبعد التأكد والتنبيهات وشد حزام الأمان ، ثم سارت الطائرة على الأرض بعجلاتها الصغيرة دقائق حتى إرتفعت بصوت هز الروح في بوتقة الجسد إرتفعت الطائره في السماء كثيراً وراحت سبأ تشاهد من خلال النافذة بلادها ما أجمله ما أعذبه تارة ترمق حركة الطائرة على الخارطة الإلكترونية أمامها على الشاشة ، وأخرى تمد عيونها على شرايين بلادها ، ودموعها تنهمر بصوت ينشج دون أن تكترث لأي أحد ، وهكذا حتى إستقرت فوق الغيوم وكل الصور قد تلاشت .
مروة متأثرة وقد نهضت لتقفل باب الغرفة : لحظة لحظة … يا أيار … كوني قوية أرجوك … دعيني أتصل بها وأكيد سترد وسترين لأني قلت لها أريد التكلم معها … فراحت تتصل مراراً ولكن نقالها مغلق ثم تفحصت صفحتها على الواتس أب والفايبر فرأت أنها لم تفتح النت منذ أسابيع … وضعت نقالها في جيبها … وقالت نقالها مغلق ثم رمقت ساعتها فرأتها الساعة الواحدة وخمسة عشر دقيقة … ثم استطردت قائلة … قد تكون في الحديقة أو في الممر ، أو في أي مكان لا تقلقي ستأتي لإكمال أوراق براءة الذمة فإن الطلبة بدأؤا منذ الأمس.
أيار مسحت دموعها متنهدة : أطمئني عمتي أنا بخير … ولن أبكي بعد الآن … لكني كثيراً من الأحيان أشعر بالإهانه والإزدراء … وأن المشاعر اذا فاضت تداس بالأحذية وهكذا فعلت سبأ معي .
مروة : لا لا أرجوك … أبتعدي عن هذه التعابير .
أيار : أشعر بأن رأسي سينفجر … لقد أنقلبت شخصيتها انقلاباً جذرياً وكأنها ليست هي … راحت تتكلم جزافاً بكثير من المصطلحات التي لم آلفها من قبل ، تتكلم وأنا أنصت وقبل أن أتفوه تقول بأنها مضطرة للإنصراف وتترك أسئلة كثيرة وراءها بلا جواب ، وعندما أطلب منها تفسيراً أو تحليلاً تصدني بقسوة وتتهمني بعدم اللامبالاة واللامسؤلية وأني أتلذذ في تعذيبها وتقليب مواجعها ولا أكترث لها ولا لظروفها ، وكلما أردت معاتبتها وصفتني بالمجادلة والمماطلة .
مروة : دعينا نخرج … لعلها في الباب … وبالفعل خرجتا من الغرفة والطلبة ذاهبون وآيبون لإكمال تواقيع براءة الذمة … فرأت في ضمن المجموعة الطالبة ربى من شعبتها ، فراحت أيار تسألهن حول سبأ .
ربى وقد رمقت ساعتها : هل يُعقل هذا السؤال والساعة الآن الواحدة والنصف .
مروة بقلق : ماذا تقصدين يا ربى ؟ وضحي بدون أسئلة .
ربى : سبحان الله يا دكتورة … لله في خلقه شؤون ، كنت أظن بأني سأجد أخبار سبأ القادمة عند أيار ، لقد خرجت سبأ من الجامعة مباشرة بعد الإمتحان وقد كلفتني أن أكمل براءة ذمتها ، لتذهب الى مطار البصرة الدولي لأن الطائرة ستنطلق في الساعة الثانية ظهرا أي بعد نصف ساعة من الآن .
أيار لم تنبس بكلمة وراحت دموعها تنهمر من عيونها كالمطر ولا تعرف بماذا تتكلم وكأنها فقدت النطق ، كان النبأ كجلبة مدوية وقرت أسماعها .
مروة : أشكرك ربى على هذه المعلومات … ثم شدت على يد أيار ورجعت الى غرفتها … وتوجهت صوب الثلاجة واستخرجت قنينة ماء باردة وطلبت منها ان تغسل وجهها … وهي ترمق ساعتها … ثم أستطردت قائلة بآسى متنهدة : لقد أزف الوقت … المطار بعيد … ولم تبق سوى دقائق … أبكِ بها فرغي دموعك لترتاحي .
أيار وهي تمسح دموعها : لا لن أبكي … بعد الآن … لقد باعتني بسعر بخس .
مروة : لا عزيزتي … يبدو أن في الأمر ريبة … ولا أعرف سر انقلابها وتقلبها …
أيار : أنا أعرف يا عمتي لقد أنتهت صلاحيتي … كم أنا غبية … لقد أنتهت صلاحية أبنة أخ الدكتورة مروة .
مروة بآسى وهي تشبك يديها كشعور بالحيرة : قطعاً لا … هناك سبب أكبر … فبينكما سنين طويلة قبل أن تصبح عمتك دكتورة … سنوات من الجدب والخصب سنوات خلّدتها الذاكرة بأحرف من نور … ولكن .
وصلت عائلة سبأ الى صالة الإنتظار في مطار لندن متهيأة للخروج حال وصول اقربائهم بعد رحلة قاسية تقرحت جفونها من البكاء ، لكنها بدأت تنتبه الآن هي وعائلتها الى العالم الجديد الغريب ، بدءاً بالمطار المذهل الكبير الذي جعل مطار البصرة كقطرة في بحر ولا سيما السوق الحرة فيه ( الديوتي فري ) ، والعدد الكبير للطائرات الواقفة فيه وكأنه مرآب للسيارات وانهم لم يروا من قبل طائرات بهذا العدد وهذه الأحجام الكبيرة والمتوسطة والصغيرة ، جمال لا يمكن وصفه وسعة لا يمكن حتى التهكن بحجمها مساحات شاسعة فقط للسوق فكيف بأروقة المطار الأخرى ، بعد ان كان في مطار البصرة عبارة عن ثلاثة دكاكين أو اربع أما هنا سوق ضخمة بل أسواق ضخمة وطوابق عدة لمختلف أصناف البضائغ ، ذهلوا لجمال المطار وراحت البسمات ترتسم على محياهم كلما رأوا الإنكليز وأشكالهم البيضاء وهم يشيرون الى ألوانهم بنوع من المزاح ، وفي هذه الأثناء ورغبة من والدة سبأ للإطمئان عليها نادت … سبأ … سبأ … ما هو رأيك بالجو اللطيف الآن … لم تنبس سبأ بكلمة وراحت تواصل النظر الى المارة وهي تشدُّ الى حقيبتها في كتفها .
اطوار معاتبة بإبتسامة : سبأ … الوالدة … تكلمك .
أنهار : لقد قالت قبل هنيهة سبأ … سبأ .
سبأ متظاهرة : ماذا ؟! نادتني … لم أسمعها … يا سيدتي … ثم أن أسمي ماري … وسبأ ماتت هناك في العراق … فلا تناديني بسبأ بعد الآن فأذني لا تترجم بعد اليوم هذا الإسم .
الأب مبتسماً : حمداً لله على سلامتك يا ماري .
سبأ وقد خطت ابتسامة صغيرة على محياها بعد وجوم طويل:سلمك لي الله يا والدي.
أنهار بفرح وهي تتنفس بعمق : الله كم أشعر بالسعادة … وأشد ما أريد رؤيته بعد خطيبي ساعة بج بن ، ترى أين تقع يا والدي بالضبط حتى نذهب لرؤيتها .
الوالد مبتسماً : والله بالضبط لا أعرف أسماء المناطق هنا ولكنها في العاصمة هنا .
سبأ واجمة متنهدة : وأنا والله لا أشعر إلا بالتعاسة والوجع الممض الذي لا يمكن لأحد أن يعرفه ، ولكن سأخبركم عن ساعة Big Ben لأننا درسناها في الانكليزي ، يرجع اسمها إلى اختصار اسم بنيامين وزير الأشغال البريطاني آنذاك ، الذي أشرف على تنفيذ مشروع الساعة وتصميم برجها ، وتعدُّ من أهم المعالم التي يحرص السياح على زيارتها في بريطانيا ، ولمّا كان بنيامين ضخم الجسم، كانوا يطلقون عليه لقب بيج بن ، وتوجد الساعة في برج القديس استيفان في الجزء الشمالي من مبنى البرلمان في دائرة ويستمنستر في العاصمة ، منذ عام 1924 بدأت دقاتها تعلن الوقت عبر إذاعة الـ BBC يومياً ، ويبلغ عمرها حوالى قرن ونصف .
الوالد مبتسماً : كم أنا فخور بك يا بُنيتي ماري … فضلاً عن ذلك ستكونين مترجمتنا … وكلنا طلابك هنا .
الأم معترضة : أرجوك لا تناديها بهذا الأسم لئلا يعتاد الأخرون عليه .
الوالد مبتسماً : كل شيء ستطلبه ماري سننفذه وأول طلباتها هذا الأسم … أسمعتي …
أنهار مبتسمة : كم جميل يا ماري أن يجيد المرء لغتين .
الوالد مبتسماً يتقصد تغيير مزاج سبأ : أكيد كلنا سرنا خلفها وهي تحمل جوازاتنا وتملأ المعلومات وكأنها أمنا ونحن صغارها … لا نجيد ولا نفقه ما يقوله الأخرون سوى بعض المصطلحات التي درسناها .
سبأ : العفو … يا أبتي فأنت مثلي الأعلى في الحياة … وأنا مهما كبرت أو تقدمت في السن أو في الدراسة سأبقى طفلتك الصغيرة المدلله التي تبكي على صدرك لتُحضر لها لعبة قاطونية جميلة .
الوالد وقد ترقرقت عيونه : أتمنى أن أراك سعيدة كأخواتك .
سبأ : أعدك يا أبتي بأني سأكون عند حسن ظنك … أرجوك لا تحمل همي فأنا بخير.
وبينما هما يتحاوران رنّ هاتفه فإذا أخوه يعقوب وأولاده يخبرونه بأنهم موجودون هنا في المطار بإنتظارهم ، وما هي إلا لحظات حتى إجتمعت العائلتان وبعد التحية والسلام ودموع اللقاء واللهفة والشوق إرتقى الجميع الى السيارة لتنقلهم الى منزلهم الجديد المعدُّ لهم سلفاً ، وكما أرادت جلست سبأ في الأخير لكن قرب النافذة لتشاهد الطبيعة عن كثب حيث النافذة مفتوحة والسيارة تسير بسرعة معتدلة ، الأرض مفروشة بالأزاهير المختلفة الألوان على جانبي الطريق الذي يتلألا من النظافة ، كل شيء جميل هنا ولعل الأجمل نسمات الهواء الرقيقة الباردة القادمة من النافذة التي تداعب خصلات شعرها ، والكل راح يتكلم ويضحك ، أما سبأ فدخلت في صومعة منولوجها الداخلي لتختلي بخيال أيار الأسر لتُخصب روحها المجدبة … وراحت تتكلم في دخيلة نفسها …
صديقتي الحبيبة … هنا … بدأت أشمٌّ روائح الشتاء …
كعطر من نحب ومن نشتاق إليهم …
منعشة رقيقة … تذكرني بعطر شط العرب … فأنت نسمة باردة في جو الجنوب الملتهب …
ولا أحمل في نفسي الآن .. إلا … وجهك الحبيب …
الذي يرافقني كظلي في كل مكان أقصده …
أستنشقُّ الآن … نسمات باردة تقبـّل روحي المتعبة …
تذّكرني بتلك النسمات التي كانت تشقٌ طريقها إليّ … وسط تموز عندما ألمح وجهك الحبيب …
كنت أجلس معك يومياً … وكأن الحياة تعانقني … وتحملني على وسادة وردية …
وتهدهدني بين قطع الغيم …
أجمل شيء أتذكره عندما كنا نمشي تحت المطر …
والجميع ينظر بإستغراب ودهشة على صداقة روح بروح …
لكني أحبك أكثر من نفسي وسأبقى كذلك … فللقلوب رسائل لا يقرأها إلا إحساس المحبين …
وللنفوس حديث لا يسمع إلا في دعاء الصادقين …
فيا رفيقة الروح ليتك قربي الآن …
وليت روحك النقية … تلتقط رسائل روحي … وبينما هي مسترسلة في حديث النفس ، إنتبهت لوالدها وهو يمدُّ يده الكريمة إليها مبتسماً والكل قد نزل بإنتظارها ويقول حبيبتي ماري لقد وصلنا .. هيا أنزلي نحن الآن أمام منزلنا الجديد قرب منزل عمك يعقوب بالضبط .
لقد كانت الأيام الأولى لهم في لندن مليئة بالأحداث وقد أطلعوا على أماكن كثيرة جداً ، وتعرفوا على عدد كبير جداً من العراقيين الذين يسكنون ذات الحي مما جعلهم يستأنسون بهم ، ولكن الحدث الأبرز هو زفاف بنات يمان حذيفة أنهار وأطوار في الإسبوع الثاني على ولدي عمهما يعقوب ، وقد تعرفت سبأ بسرعة على عدد كبير من الأجانب وقد وجدت بيئة خصبة لتمارس وتطبق ما تعلمته من لغة على الواقع وعن كثب فوجدت ان الإنكليز لا يتكلفون في نطق الكلمات مثلما يتكلف من يدرّسها في الكليات العراقية ، ورحبت كثيراً بفكرة عمها في البحث عن عمل يشغلها ويدمجها في هذا العالم الجديد الذي يُثير الإنتباه في كل جانب من جوانبه ، وعلى الرغم من تخوف الوالدة من هذه الفكرة إلاّ ان الوالد رحب بها لتخرج سبأ من عزلتها وانطوائها على ذاتها بحسب وصفه لها ، ولكن سبأ يمان حذيفة تفضل المكوث في غرفتها قبل المساء لتعتكف بخيالها عن الأخرين تعيش لحظات الوهم الذي يجمعها بأيار ، ولاسيما نقالها الجديد برقمها الجديد وقد أدمنت النظر في النقال على صفحة الواتس أب والفايبر ، وترتاح كثيراً عندما ترى كلمة متصل وكأنها تراها تتكلم معها وكأنها تسمعها ، وبينما هي كذلك تذكرت الفيس بوك فنهضت بسرعة وجلست وسط سريرها وراحت تُفعل لها صفحة جديدة بأسم ماري يعقوب ، وعندما جهزت الصفحة ذهبت الى صفحة أيار فوجدت أنها لم تفتحها منذ أسبوع ، أو بالأحرى لم تجد لها مشاركات جديدة حديثة ، ولكن طرأت على بالها فكرة مراسلتها وعرض عليها الصداقة ، لتتواصل معها وتجسُ نبضها ، وتطمأن على حالها ، وبالفعل أرسلت لها رسالة … وراحت تكتب …
السلام عليكم … أنا فتاة جريحة الروح … مكدرة الخاطر … أحتاج الى المواساة … وقد مللتُ الناس قربي … فدخلت على قائمة البحث عن الأصدقاء في صفحتي … فرأيتهم كثيرون … ولكن أسمك غريب أثار انتباهي فدخلتُ على صفحتك وأطلعتُ على بياناتك وتخصصك في الانكليزي ، وقد فرحتُ كثيراً لأنك من جامعة البصرة لأني من كركوك … لذلك أرجو منك قبول الصداقة لأني بحاجة ماسة الى المساعدة ومد يد العون الروحي … أرجوك …
ماري يعقوب / كركوك
ولكن من حسن حظها بأن أيار كانت جالسة على النت ورأت الرسالة بالحال وإستغربت ولكنها سفهت الأمر وعاودت الى صفحتها ، ولكن سبأ عاوت ارسالها ثلاث مرات لأنها رأت بأن الرسالة تم عرضها أي تمت قراءتها ، وقد فرحت كثيراً عندما رأت ذلك ، مما دعاها الى إرسالها من جديد ، ولكن أيار لم تعتد من قبل بالرد على رسائل الغرباء ، ولكن روحها النقية وتأثرها دفعها الى الرد … فكتبت .
أيار : وعليكم السلام يا ماري … أيتها الفتاة الجريحة … فأنا شيخة كبيرة … لا أفقه لغة الشباب .. أبحثي عن غيري .لأني عليلة والعليل لا يداوي العليل ..
وحالما رأت سبأ رسالتها بكت بكاءً حاراً … أمتزجت به دموع الفرح بالوجع الممض الذي تشعر به ، ولكنها نافذة فتحت لها من هنا تطلُّ منها عليها … ولابد من التفكير في إستثمار هذه النافذة … لاحقاً … فراحت تكتب لها : يا لحسن طالعي أن أتعرف على سيدة ناضجة كبيرة تفقه الحياة جيداً … وليست مثلي لا تزال في بداية الطريق تخرجت للتو من كلية الفنون الجميلة … فأنا مكتئبة جداً … وقد كرهت الحياة لأني مجروحة ومخدوعة ، وقد أعتزلت العالم حولي فهل لديك أولاد وبنات … يا سيدتي ؟
أيار قرأت الرسالة وإبتسمت : الحمد لله ….
سبأ مبتسمة والدموع بللت خدودها : حفظهم الله لك …. أعتبريني واحدة من بناتك وساعديني .
أيار مبتسمة : أساعدك في ماذا يا ماري ؟
سبأ : أولاً … قبول صداقتي .
أيار : وكيف أعرف بأنك فتاة ؟
سبأ مبتسمة : أقسم لك يا سيدتي بأني فتاة ثم ما الضير أن كنت فتى وأحتاج مساعدتك كأمي … وأجعليني تحت الإختبار … يُعجبني حرصك … يا أمي .
أيار مبتسمة : حسناً … ولكن لماذا تناديني يا أمي … فأين أمك .
سبأ : موجودة حفظها الله ورعاها وعلاقتي بها قوية جداً ورائعة … ولكني لا أريدها ان تتألم بهمومي فهي الآن في بغداد .
أيار بإستغراب : بغداد ؟ وأنت في كركوك ، كيف ذلك وضحي أكثر .
سبأ : أنا متزوجة في كركوك .
أيار مبتسمة : ها … متزوجة … في كركوك … وما هي مشكلتك ؟
سبأ : مشكلتي … يا سيدتي … تحتاج الى الليل بطوله .
أيار : أيّ ليل يا فتاة … فالشمس لا زالت .
سبأ وقد تداركت الموقف : لا يا سيدتي لا أقصد الآن وانما قصدي يحتاج الى الوقت.
أيار : ها … حسناً اكتبي لي وسأردُّ عليك على وقتي سأنصرف الآن وداعاً .
سبأ : لا … ستذهبين يا زهرة الجنوب .
أيار : نعم عندي عمل … ثم اعلمي يا ماري بأني إمرأة (دقة قديمة) كما يقولون انزعج من المبالغة ولا أحب المجاملة … عندي واحد زائد واحد يساوي أثنين … لا زهرة جنوب ولا ثلج شمال .
سبأ مبتسمة : أعتذر يا سيدتي وأشكرك على قبول الصداقة … سنتواصل لاحقاً ان شاء الله ، ولكني اعتبرتها كنية وليس وصف ، والكنية لا تمت الى الوصف بصلة الى اللقاء … الآن … ثم راحت تمرر يدها على اسمها الموجود على الصفحة وكأنها تتلمس خصل شعرها المسترسل … وراحت تكتب .
يا زهرة الجنوب … لك يهتف الفؤاد … وترق أحلى الكلمات …
وتتهادى أصدق الدعوات … مثلما فرقتنا الأيام لابد تحت سحائبها تجمعنا …
أحبك بعظم شوقي إليك وبحجم المسافات التي رسمتها الأقدار …
لقد أنهى خالد امتحانات البكلوريا بكل جد وتعب وقد افاد كثيراً من أخته التي كانت في السادس العلمي أيضاً ولعل دافعه وطموحه في النجاح أكبر من كل الدوافع التي يتأملها الطالب ، وكما نصحته سُبل اعتكف للدراسة فقط وابلى بلاءَ حسناً ، ولم يُضيّع دقيقة واحدة إلاّ واستثمرها في الدراسة ، بعدها عاد للعمل في العيادة والى عمله في السابق في السوق ليعوّض ما فاته علماً بأن الدكتورة قدمت له مساعدة مالية استفاد منها خلال أيام الإمتحانات ، وما هي إلا أيام خلت من القلق والترقب لكل الطلبة حتى ظهرت النتائج الجامعية والأبرز نجاح كل من منذر وأيار وسبأ بمعدلات متوسطة ، ولكن المفاجأة إن الذي حصل على مرتبة الأول على القسم هو الطالب عبد الحافظ الذي لا يحب الأضواء وهو منكفىء على نفسه مهتم بدراسته يسمع أكثر مما يتكلم علاقاته محدودة كشخصية جادة غامضة ، وكالمعتاد يجتمع الطلبة في يوم استلام النتائج عند باب القسم ولهذا اليوم رهبة في النفس ورغبة في النجاح ، وجوه مستبشرة وأخرى باسرة ، وللنجاح فرحة لا تضاهيها فرحة في الحياة ، وبينما كان التدريسيون يهنئون عبد الحافظ على نجاحه الباهر ، لمحت الدكتورة مروة الطالب وعد وهو يلتقط صورة في نقاله لإحدى النتائج ويرجعها مبتسماً الى السكرتيرة ، وبعد أن أنهت حديثها توجهت لتستلم نتيجة أيار ومنذر وتطلّع على نتيجة سبأ علماً بأنها تعرف مسبقاً النتيجة ، فتولد في نفسها الفضول حول معرفة النتيجة التي صوّرها وعد ، وعندما سألت السكرتيرة أخبرتها بأنه صوّر نتيجة الطالبة سبأ التي سافرت الى بريطانيا ، وحالما سمعتها لم تنبس بأي كلمة وأسرعت خطاها لتلحق به لعلها تجد ضالتها ، ولكنها عندما خرجت لم تجده فعاودت أدراجها وفي نفسها مئة تساؤل وتعليق وقد شط فكرها لإيجاد اجابه ، فرأها عبد الحافظ تطيل النظر من بعيد على الطلبة فوقف قربها مبتسماً ، وراح يبحث عن أي حوار حتى يتحاور معها ، وفي هذه الأثناء دخل منذر القسم مبتسماً وهو بالطبع يعرف النتيجة مسبقاً من مروة ، وعندما رأته توجهت لغرفتها ليجلسا وبعد التحية .
منذر شدّ على يدها : حبيبتي أهديك نجاحي هذا … لأجلك أنت فقط … درست الإنكليزي .
مروة مبتسمة : أشكرك … أحلى هدية .
منذر مبتسماً : صحيح .
مروة : أكيد .
منذر : وهل الكلام … بالمال … أراك … تتكلفين في قول أي كلمة .
مروة : لا … يا عزيزي … ففكري مشغول بعض الشيء .
منذر : أولاً لا أحب كلمة عزيزي إما حبيبي … وإلا فلا … لأني أعتبر كلمة عزيزي تحصيل حاصل أما حبيبي فهي لغة القلوب التي لا يفهمها كل الناس ، ولكن بماذا فكرك مشغول ؟ بنتيجة عبد الحافظ ؟
مروة مبتسمة : تحليل سليم … يا … حبيبي … ( قالتها بكسل ) ، لقد رأيت وعد ( كيت وكيت ) ، فتمنيت أن أجد منفذاً أطلُّ منه يدخل السرور على أيار.
منذر متنهداً : يا إلهي … ليتك تهتمين بي مثلما تهتمين بالأخرين ، وليت فكرك ينشغل بي أنا فقط دون غيري .
وقد عدّت سبأ الساعات لتتلقَّ خبر نتيجتها كما أتفقت مع وعد … يرسلها على صفحتها في الفيس بوك ، وقد أبلغت والديها بذلك وكانوا قربها عندما فتحت الحاسوب ودخلت على صفحتها وبالفعل أرسل نتيجتها ثلاث مرات للتأكيد ، فطاروا فرحاً لنجاحها ، وبينما هي كذلك لمحت رسالة في الوارد ففتحتها فإذا هي نتيجة أيار،كانت مفاجأة جميلة جداً لم تكن تتوقعها فسالت دموعها مدرارة وهي تقرأ أسمها.
الأم متأثرة : مبروك نجاحك … يا سبأ .
الأب يمان متأثرا : الحمد لله رب العالمين كاد القلق ان يجهز عليّ من شدة التفكير بالنتيجة مبروك بنيتي
سبأ والدموع تتطاير من عيونها : أشكركما .
الأب يمان : أنظري كم جميل التواصل ولو كان عن بعد فأرجوك تحدثي مع أيار .
سبأ متأثرة : لا … أستطيع … لقد خذلتها .
الأم : لا يا أيار أنا أشدُّ على رأيك بقرارك الصائب هذا والأيام كفيلة بالنسيان .
سبأ : أطمأني يا … أمي … صحيح كلامك ان الأيام كفيلة بالنسيان ، وأعدك بأني لن أنسى أيار ما حييت ، وأنا أتواصل معها كل يوم .
الأم : لا .. بأس تواصل الخيال … ينعش الروح .
سبأ : لا بالواقع … أمس تحدثتُ إليها .
الأب مستغرباً : ماري … ما الخطب … هل أنت بخير … ؟
سبأ : لا … بل أنا جادة في كلامي أتواصل معها وأنا ماري ( كيت وكيت ) .
الأب أنفجر ضاحكاً : والله أنت داهية يا ماري أنطوانيت .
سبأ مبتسمة : لا يا أبي … أنا ماري يعقوب من كركوك .
الأم قلبت شفتيها : هذا الجنون بعينه … لا تريد التواصل … وتتواصل .
الأب : لا بل فنون … وقوة شخصية وقوة صبر وتأني لكني على يقين بأنك ستخبريها ان عاجلاً ام اجلاً.
سبأ : لكل حادث حديث يا أبتي فتعارفي عليها حديث وبالخدعة عطفاً منها عليّ.
الأب مبتسماً : أذن تحدثي إليها … ودائماً ثيري المواضيع التي تحبها … لتتفاعل معك … في الإعجاب أو المشاركة أو التعليقات … حركي أجمل ما فيها من مشاعر تجاهك وتجنبي الضد ، والآن خذي راحتك وتكلمي مع أيار … هيا هيا أفتحي صفحتها … وقولي لها ممازحة … أن أبي يعقوب يحييك .
سبأ مبتسمة : أشكرك يا أبتي على مآزرتك الروحية … ففتحت صفحتها وراحت تفكر بماذا تكتب وبعد التفكير … تذكرت بأنها كثيراً ما كانت تتحدث عن عدم أجادتها للرسم ولا حتى شكل نخلة ، وبالمقابل حب أيار لموهبة الرسم وحديثها الدائم عن بيكاسوا ودافنشي وأن كانت لا ترسم ، فكتبت لها : يا سيدتي … نسيتُ أن أخبرك بأني كنت في قسم التشكيلي وقد برعت في رسم اللوحات الزيتية والنحت بكل أنواعه وأصنافه ، وكان اساتذتي ينادوني بحفيدة بابلو بيكاسوا …. الخ .
مرت الأيام والأشهر سريعة وقد أعتادت أيار على رسائل ماري مجبرة كنوع من ملء الفراغ العاطفي الذي تعيشه ، ولا سيما بعد أن أخذت رأي عمتها في الأمر ، والتي حفزتها على التواصل والتعرف منها على بيئة جديدة ، وكثيراً ما كانت أيار تسألها أن تصف لها كركوك وطبيعة جوها اللطيف الرائع مقارنة بجو البصرة القائظ ، فكانت ماري تشغل والدها في البحث عن المعلومات في النت ثم تشكلها على شكل إجابة وبالصور ، ولكن في قلب أيار لوعة الفراق ولوعة خيبة الأمل الذي كان معقوداً بينهما في التواصل الروحي الذي أنقع وتينه على حين غفلة ، والشعور بالكآبة لمجرد تذكر مصطلحاتها الجارحة التي تدلل على الإبتذال وإنتهاء الصلاحية ، ولكنها أيقنت بأنها بالفعل تُحبها أكثر من نفسها ، فعلى الرغم من كل الذي حدث لم تتفوه قط بأي كلمة سيئة تجاهها ولم يعلم أي من ذويها ما حدث وكانت تتأمل الأحسن وتتوسم خيرا بكلام عمتها مروة التي تعتقد بأن هناك دوافع وراء هروبها بهذه الطريقة ولا تشك أبداً في حبها وإخلاصها تجاه صديقتها ، وأن تتلذذ في ذكراها دائماً ويخفقُّ قلبها طرباً لسماع اسمها ، ففي الوقت الذي تقول فيه عن نفسها بأن جزعت حياتها وكرهت روحها الكئيبة وفقدت الشعور بالرغبة بالحياة ، تقول سامح الله سبأ وحفظها وسدد بالخير خطاها في بلاد الغربة ، وقد تزوج أخيها قتيبة طيبة وهي الأخرى تعرفت على سبأ يمان حذيفة من خلال حديث العائلة عنها وعن علاقتها الروحية القوية التي قلّ نظيرها في الكون وعن سفرها القدري القهري ، فكثيراً ما كانت تسألها عنها وعن تواصلها فكانت أيار تخبرها بأنها على تواصل ، دون أن تنبس بأي كلمة من شأنها أن تفتح الباب على مصراعيه للتعجب والسؤال حول كيف ولماذا ؟! ، فإنتهت العطلة وأيار لم تعتد بعد على غياب سبأ لأنها تعيش في دواخلها في دمها وتسير معها كظلها.
مروة مبتسمة : ما هي أخبار ماري يا أيار ؟
أيار : مملة أحياناً … لا أعرف من أين تأتي بالوقت …فعلى الرغم من أنها أم إلا أنها تكتب كثيراً … وكل يوم … أجد رسالة بل رسائل عدة … وأحياناً أخرى تسعدني ببعض المسميات … مثل يا سيدتي يا أمي … أشعر بالراحة عندما أقرأها لا أعرف .
مروة : بديهي جداً ان كل انثى تولد معها غريزة الإمومة وهذا شعور جميل .
أيار: ومتى ستكونين اماً ؟ ما دمتِ تعرفين غريزة الامومة وقد تقدم بك العمر.
مروة وقد غارت بسمتها متنهدة : لن أترك والدي .
أيار مبتسمة : أتعرفين بأن سبأ كثيراً ما كانت تسألني هذا السؤال عنك ، وتقول بإستغراب إن مثل الدكتورة مروة بمثل هذه المزايا … حرام أن لا تفكر بالإمومة .
مروة مستغربة وقد خفت نبرة صوتها : سبأ … كانت تقول ذلك …؟!
أيار : نعم … كانت تقول ذلك … وأكيد كل مـَن يعرفك يقول ذلك … عنك وصديقتك والأخريات .
مروة : قريباً ان شاء … فالزواج رزق من الأرزاق قد ينزل وقد يُحبس بحسب إرادة السماء … وليس للإنسان مقدرة على تحريك خطة معدة مسبقاً … فالحمدُ لله رب العالمين .
وفي المساء راحت مروة تفكر بكلام أيار حول عمرها المتقدم ، لكنها من وجهة نظرها تعيش حياتها المرسومة بعرضها وطولها وبصورة طبيعية ، لكنها بدأت تسأل نفسها ، أيعقل بأنها تنتظر سُبل حتى تتزوج ، وماذا أن لم يتقدم لها أحد ، ولكن لماذا لا يتقدم لها من يناسبها وهي تتمتع بكل المواصفات الجيدة للفتاة ، ولماذا بإتجاهها المد وصديقتها الجزر ، ثم إستطردت قائلة : استغفرك يا إلهي … شاكرة لأنعمك غير متبطرة ، واتمنى ان تحظى سُبل بمثل ما أحضى به من قبول من الرجال ، ولكن للأسف لم يتقدم لها حتى إلاّ من لا تتوافق معه علمياً وبيئيا ومجتمعياً ، وبينما هي تحاور نفسها رنّ هاتفها ، فإذا به منذر وبعد التحية والسلام .
منذر : إشتقتُ لك حبيبتي .
مروة : أشكرك .
منذر : لا تقولي لي أشكرك ، بل قولي لي وانا أيضاً اشتقت لك يا حبيبي .
مروة مبتسمة : كان فكري مشغولاً عندما سمعت اتصالك … عذراً .
منذر مبتسماً : مشغول وبمن يا ترى ؟
مروة : بسُبل … كنت أفكر فيها .
منذر متأففاً : يا إلهي … ليتك تنشغلين بي يوماً ، ولكن لماذا تفكرين بها ؟
مروة مبتسمة بصيغة المناداة : منذر .
منذر مبتسماً : يا روح منذر .
مروة : متى سنتزوج ؟
منذر مستغرباً ضاحكاً فرحاً : ماذا ماذا ؟ يا لسماء … وأخيراً تذكرتي عاشقاً مسكيناً جالساً على قارعة الطريق يستجدي يد اللطف وعين الرحمة ، وأنا رهن إشارتك يا حبيبتي إن شأتِ في الغد .
مروة : تعالوا غداً وبحفلة عائلية صغيرة سنجري حفل الزفاف ما هو رأيك؟
منذر بجد : حبيبتي … أرجوك … إفهميني سكني في بيتك صعب .
مروة بشدة : وأين ستسكنني في غرفة صغيرة … في بيت أخيك … ؟
منذر واجماً وقد خفت نبرته : أنت تعرفين إمكانياتي وأنا أبني نفسي بالإعتماد على قدراتي ، ولم أجد كل شيء جاهزا أمامي مثل الأخرين ، لذلك لابد أن تعي ذلك إذا أردتي الإستمرار معي ، وإلاّ فأنت في حل من أي إرتباط لا ترتضيه نفسك ، وبأي لحظة تقررين سأنهي هذا الألم المستعر ، لقد تعبت روحي من إنتظارك كل هذه السنين ، وأنت تماطلين وتسوفين ، ولا أعرف موقعي في حياتك ، فهل أجبرك العم عبد الرحمن على الإرتباط بي أو هناك أمر أخر لا أعرفه ، أرجوك أصدقيني القول وأنا والله مستعد للخروج من حياتك والهجرة حتى من العراق ، سأهاجر بعيداً الى أبعد مكان في الكون .
مروة منزعجة : أستنكر كل كلماتك التي صببتها في اذني الآن كالماء المغلي ، ولو لم أكن أرتضيك زوجاً ، لما تمكنت قوة في الأرض على إجباري ، وأنت تعرف بعشرات الرجال الذين طلبوا يدي ، ولكنك تجافي الواقع للأسف ، ولا أريد أن أتواصل معك في الحديث الآن … وأغلقت الخط بوجهه ، فشعر منذر وكأنه تلقى لطمة قاسية على وجهه بطريقتها هذه ، وبقي ينظر الى الهاتف بيده وقد تحول الى كتلة من الألم واليأس وكأن كل السبل تقطت به الى العالم .
ومن جانب أخر في الوقت الذي يعاني منه أهل البصرة من قيظ الحر وناره الملتهبة نهاراً والرطوبة القاتلة مساءً ، بدأ الجو يبرد في لندن وراح الكل يرتدي الملابس السميكة ، والناس هناك كثيراً ما يقدسون التنزه وتغيير جو البيت ، وان يعقوب وأولاده كل يوم يدعون عائلة عمهم الى الخروج معهم ، حتى وأن عارضت ماري ذلك الأسم الذي لصق بها للوهلة الأولى التي وطأت قدمها لندن ، واليوم النزهه في شارع العرب الذي يقطنوه وترى كل شيء فيه عربي من المساجد والمقاهي والباعة والبسطات ، ومختلف العادات والتقاليد العربية ، يشعر السائح بالراحة عندما يجد المكان وكأنه ماكيت مُصغّر من بلاده ، وقد شعرت سبأ بالراحة في هذا المكان ، وفي كل مكان تقصده وكأن أيار قد تمشي معها خطوة بخطوة تتحدث معها في منولوجها الداخلي ، وبعد أن قضوا وقتاً رائعاً هنا ، توجهوا لجولة أروع حول نهر التايمز المحاط بناطحات السحاب ومختلف الأبنية الجميلة وجسر برج لندن ، مكان أكثر من رائع ماء سلسبيل قراح ، ونُصب مذهلة على الجسر ، وبراعة معمارية تذهل العيون وكأنها ترى امواج شط العرب وأن كان الوصف بعيد جداً والمقارنه مجروحة إلا أنه المتنفس المائي الوحيد للبصريين الذين يغسلون فيه همومهم ، والزوارق البيضاء الراقصة ببطىء كالأوز المغرور في وقوفه ، مَعلمْ مُذهل من معالم لندن ، لا يمكن لأي سائح إلاّ ويزوره ويملأ روحه الظمآنه بهذه اللحظات الجميلة الأخاذة .
وعلى الرغم من هذه السعادة المتناهية لكل من يرى هذا المكان تبقى أيار غصة ألم في صدرها ، شعرت سبأ وكأن روحها تُصعّد الى السماء أن لم تسمع صوتها ، فوقفت تنظر الى النهر الرائع وضحكات ذويها تتردد إصدائها في الأفاق فإستخرجت نقالها واتصلت بالحال بأيار ، وخفقات قلبها كادت ان تُجهز عليها ، فرنّ الهاتف في جيب أيار في ليلة خميسية قررت فيها المبيت مع عمتها مروة ، لتُطلعها على رسائل ماري وترى اسلوبها ، فمدت يدها بكسل الى جيبها وألقت نظرة فاحصة الى الرقم وعرضته على عمتها وقالت رقم غريب وغير معهود لدي .
مروة مستغربة : ردي … يا أيار .
أيار : كلا … رقم غريب … لا داعي … فإنتهى الاتصال ولم ترد … لحظات وعاودت الإتصال ، وتحت حث مروة ردت وقالت … ألو … ألو … نعم … ثم سكتت وراحت تسمع صدى أنفاساً وأن كان الصوت غير واضح ولكن شيئاً ما شدها ، أهتزت مشاعر سبأ الى درجة شعرت أن استمرت في سماع صوتها ستجهش في البكاء … فأغلقت الخط فراحت دموع أيار بالإنهمار على خديها.
مروة بقلق : خيرا … أيار … ماذا … حدث …؟!
أيار متنهدة والدموع مسترسلة : هذه سبأ … لقد سمعت أنفاسها المتعبة .
مروة مبتسمة : صحيح … هل سمعتي صوتها … عاودي الاتصال .
أيار : لا … لم تتكلم … لكنها …سبأ … روحي تقول ذلك … فإطلّعت مروة على الرقم وقالت … هذا رقم دولي … ثم راحت تعاود الإتصال فوجدت النقال مغلق … فقالت متأففة … يا ليتها فعلاً … هي … ويا ليتني أعرف ما هي دوافعها ، وكلي ثقة بصدق مشاعرها وإخلاصها غير المتناهي لك يا أيار .
أيار باكية : عمتي … أريد أن أنساها … وأمحوها من حياتي … لقد تسببت في إيذائي وتعاملت معي بمنتهى الكراهية والإحتقار .
مروة مبتسمة : حسناً حبيبتي إكرهيها وتعاملي معها على إنها نسج من الخيال.
أيار : يا ليتني … أستطيع فعل ذلك … ولكنها تسكن في دمي .
مروة مبتسمة : أذن ( دع الأيام تفعل ما تشاء … وطب نفساً إذا حكم القضاء ُ) ، ولكن كيف تجزمين بأن هذا الإتصال من سبأ دون أيّ دليل قاطع أو بينة .
أيار : إن علاقتي بسبأ … علاقة روحية … ليس لها قرار .
مروة مبتسمة : لم … أفهم حبيبتي … بسطي المعنى لطفاً .
أيار : سلفاً كانت تتبع معي هذا الإسلوب ؟
مروة أقطبت حاجبيها وقلبت شفتيها : أيّ أسلوب بُنيتي ؟!
أيار بآسى : كانت تتصل بيّ بعض الأوقات عندما نكون على خصام لتسمع صوتي فقط .
مروة : وكيف ؟!
أيار : هي … تقول لي ذلك … تتصل وتسمع صوتي فقط … دون أن تكلمني … بحجة المشكلة في الإتصال .
مروة بآسى : أتمنى أن يكون حدسك صحيحاً بُنيتي .
وبعد جولة رائعة للعائلة حول نهر التايمز عاد الجميع الى منزل السيد يمان حذيفة القريب من منزل اخيه يعقوب أبا سيف الدين زوج أطوار وقد اشتد البرد فوق الحد الذي اعتادوه في جنوب العراق الحار ، وما هي إلا لحظات حتى تلبدت السحب ، وتعالى البرق والرعد ، ووسط هذه الأجواء الجميلة التي تجمع العائلتين إستأذنت سبأ وذهبت الى غرفتها ، إقتربت من النافذة لتعيش اللحظات التي تجمعها بالخيال ، استنشقت استنشاقاً طويلاً وهي تنظر الى المطر المصحوب بالبرد المتساقط من خلال النافذة ، ثم سحبت كرسيها وجلست تكتب …
صديقة الروح … لقد حلّ شتاء لندن … تساقط الغيث … وتراقص البرد اللؤلؤي … على البساط الأخضر … وكنت أنتِ أمامي … في كل قطرة تلألأت … وكنت أنتِ في كل بسمة … وجدت طريقها على ثغري … وبين حبات البرد رأيتك عليّ تتناثرين.
صديقة الروح ليتك هنا الآن … فالسماء سترسل غيثها …
وما هي قطرات تتساقط … بل قلوب تنثر حباً … وما تزيدني إلا ترابطاً وتآلفاً
ليس له قرار …أحبكِ بعمق شوقي إليكِ … فليتك تدركين ذلك …
وبينما هي تكتب وغارقة في عالم الخيال ، طرقت أختها أنهار الباب ودخلت وكان معها زوجها شمس الدين ، فقالت لها بأنه يريد أن يتكلم معك وهو الآن عند الباب.
سبأ : حسناً فلينتظرني في الصالة .
أنهار مبتسمة : انه شمس الدين يا ماري .
سبأ : أعرفه زوجك ولا أريده أن يدخل الى غرفتي ويطلع على خصوصياتي .
أنهار : حسناً هلمي إلينا سننتظرتك وبعد لحظات لحقت بهما ووجدتهما جالسين مع العائلة جلست بتكلف وقد ازعجوها وسحبوها من خلوة الخيال التي كانت فيه .
الأب يمان : يا بُنيتي ماري ان شمس الدين وجد لك عملاً .
سبأ : حسناً … ولكن ما هي طبيعة هذا العمل أولاً ؟
شمس الدين : العمل في مكتب افتراضي وبالضبط في مصرف ألكتروني .
سبأ اقطبت حاجبيها : لم أفهم … ماذا وكيف ؟!
شمس الدين : أي تعملين عن بعد في مصرف ألكتروني يُدعى البيبال .
أطوار ممازحة : أي تتحكمين به عبر جهاز التحكم عن بعد(الريموت كنترول).
شمس الدين مبتسماً : نعم تستلمين طلبات الزبائن وتردين على استفساراتهم وتنظمينها على وفق استمارات ألكترونية وتحولينها الى إدارة مصرف البيبال Pay Pal التي تعملين لصالحه وربما تزورين الإدارة ان تطلب الأمر .
سبأ مبتسمة : ومن قال لكم بأني متخصصة في العلوم المالية والمصرفية الالكترونية ؟! فأنا لا أفقه أبجديات هذا التخصص فكيف أعمل فيه .
شمس الدين : المطلوب فقط إجادة اللغة الإنكليزية … وستتعلمين الطريقة بسهولة.
أنهار : وما هي آلية عمل مصرف Pay Pal .
أم أطوار : صحيح … نحتاج الى التعريف والتثقيف بالأمر لعلنا نعمل معها .
يمان ضاحكاً : نعم نعم … نعمل وتحت أمرة ماري نحتاج المال لنواصل الحياة.
شمس الدين : أن منَ يريد أن يزداد دخله بأسهل الطرق يسلك طريق الإنترنت بالضغط على الإعلانات الإلكترونية وفيه تقوم الشركة بعرض مجموعة من الإعلانات للمشترك ويقوم بدوره بالضغط عليها مقابل الحصول على مبلغ عن كل إعلان ، والإعلان الالكتروني الموجه للمستهلك ما هو إلاّ نتاج عقد يبرم بين طرفين هما المعلن ووكالة الاعلان ، ويعدُّ عقد الاعلان الالكتروني من العقود التي تبرم وتنفذ عبر الانترنت ، وفي حالة الاتفاق على شراء مساحة اعلانية على الانترنت ، فانه يجب تحرير عقد مكتوب بين الطرفين ، والإعلان التجاري أما أن يكون سلعة الهدف من إنتاجها او توزيعها تحقيق الربح ، وأما ان يكون خدمة تقدم للمستهلك ، وتفهم الخدمات هنا بمعنى واسع تشمل أنشطة متنوعة ومختلفة مثل أعمال وكالات السفر والسياحة وأعمال الوساطة وتنظيم العروض والمؤتمرات .
سبأ مبتسمة : لكني أريد الإفادة من تخصصي لأكون مترجمة محترفة ، وألم بكل تفاصيل اللغة الإنكليزية هنا وعن كثب، هذا هو مشروعي الذي يدور في خلدي الآن.
الأب يمان : والله أثلجتي صدري بُنيتي بهذا المشروع الرائع .
العم يعقوب : نعم مشروع رائع وبإمكانها أن تتعاقد مع كبريات الشركات للعمل كمترجمة فهنا الكثير من المؤسسات العربية التي تحتضن المترجمين العرب .
كم تمنى خالد لو أحرز على درجة النجاح في امتحان البكلوريا التي بذل فيه قصارى جهده منذ بداية العام الدراسي مستعيناً بأخته التي كانت في الصف السادس العلمي ، ولكنه وعلى الرغم من ذلك أكمل في مادتين وهما اللغة العربية والإسلامية ، خيّم عليه الشعور باليأس والفشل والخجل من الدكتورة سُبل التي كانت تدعمه بكل ما أوتيت من قوة ، وبعد أن وضع خالد نتيجة امتحانه بوجوم بين يدي الدكتورة تمعنت فيها وتهلل وجهها سرورا وفرحاً : آه … وأخيراً … ظهرت النتيجة … ألف ألف مبروك يا خالد … أنها رعاية السماء لك .
خالد مستغرباً وقد أقطب حاجبيه : دكتورة أقرأي أرجوك أنا فاشل في درسين.
الدكتورة مبتسمة : والله أفرحتني هذه النتيجة … وأثلجت صدري … أنظر يا خالد … فأنت ناجح في الإنكليزي والكيمياء والفيزياء والاحياء والرياضيات … على الرغم من ظروفك الخاصة … ودراستك الخارجية وعدم تلقيك الدروس من مدرسين … أحرزت على معدل يمكن أن نقول (60) وهذا رائع يا خالد وأكثر من رائع …أما اللغة العربية والإسلامية فإعتبرهما مؤجلتين وأبدأ من الآن بالدراسة والحفظ … ولا أريد أبداً أن أسمع كلمة الفاشل … بمجرد إنك قبلت التحدي وواصلت الخطى للدراسة الخارجية هذا بحد عينه قوة عزيمة وإصرار وتحدي الظروف … واصل … ولا تتأثر … فالحياة لا تقدم الفرص على طبق من ذهب لأياً كان … والفرص تمرُّ على رؤوسنا كالسحاب فعلينا أن نتشبث بها بأيادينا وأرجلنا … وأسناننا … فقد لا تعود إلينا مرة أخرى … ثم استطردت قائلة مبتسمة وهو ينصت إليها ، تكلم .
خالد مبتسماً متنهداً : لقد أفحمتيني … بكلامك الرائع وتشجيعك الأروع ، وجعلتي الدماء تمشي في عروقي بعد أن تجلطت ، لقد تمنيت أن أحرز درجة النجاح لأقدمها إليك هدية على دعمك وتشجيعك … ولكن … ( ليس كل ما يتمناه المرء يدركه … ) .
الدكتورة مبتسمة : حسناً .. سأعتبر نفسي استلمت نصف الهدية … على أمل إستلام النصف الأخر … ما هو رأيك ؟
خالد : إن شاء الله سأبذل قصارى جهدي في الدراسة … وإن كنت في المواد النظرية ضعيفاً … لأنها تحتاج الى وقت أطول للحفظ والإسترجاع .
الدكتورة : لا لا هذا كلام غير معقول … وغير مقبول … ومن الخطأ الذريع أن يتكلم المرء عن … نقاط ضعفه .
خالد مبتسماً : أنا … أتكلم أمام أمي والثقات فقط .
الدكتورة : ولا حتى أمام والدتك .
خالد معترضاً : ماذا … ؟! والدتي … تفديني بحياتها … وتعاملني بقدسية لم أرَ لها نظيراً … وقد علّمت أخوتي بأني في مكانة أبي بالنسبة لهم .
الدكتورة : أولاً أن أمك ستتألم من تصريحك هذا،أما الأخرون فسيعلنون على الملأ بنقاط ضعفك ولا تعرف ماذا ستفتح لك الحياة بعد نجاحك إن شاء الله .
خالد مبتسماً : أشكرك … على كل هذا الدعم اللامحدود الذي يشعرني بأني … أحب الحياة … وأحب الإستمرار فيها .
الدكتورة مبتسمة : أنا … أدعمك … وأحفزك … لأني أرَ فيك طاقة كامنة بإمكانك أستغلالها وإستثمارها سكتت برهة ثم استطردت قائلة … أ … هل تؤمن بالصداقة.
خالد مبتسماً : ومن منا لا يؤمن بالصداقة .
الدكتورة : ومنَ … يا ترى … أقرب صديق لك …؟؟
خالد بهدوء : والله … كلمة الصداقة بحر عميق بلا شطآن … نعم لي أصدقاء في موقع عملي ومن منطقتي وهكذا … ولكن وقتي ضيق … مثلاً … فارس وطائف وعبد الحكم ووراث وأيوب و… ومنذر .
الدكتورة تريد التكلم عن منذر ولكن بشكل غير مباشر قاطعته : أ … صحيح … بالنسبة لمنذر أعرفه … ولكن الأخرون لا أعرفهم .
خالد مبتسماً : نعم صديقي منذر تعرفت عليه منذ أيام الدراسة … والله ذكرتيني به … مرت مدة طويلة ولم نلتق … لكني كلما إتصلت به أجد النقال مغلقاً .
الدكتورة : ماذا ؟! مغلقاً … ولماذا ؟؟!!
خالد مبتسماً : في الأيام الأخيرة بدء يغلق النقال لعله يكون مشغولا أو غيّر الرقم .
الدكتورة لم تحصل على أي معلومة منه متنهدة : حسناً … لننصرف الآن .
خالد : حسناً … دكتورة في أمان الله .

أكتأب منذر من إتصال مروة وكلامها الشديد وعلى الرغم من عشقه وشوقه لها ، إلاّ إنه توصل الى نتيجة مفادها بأنها لم ولن تحبه وأنها أجبرت على قبوله بسبب اصرار والدها ، ومخطىء لو أعتقد بأنها ستتقبله اليوم أو الغد ولكنها تتلاعب بمشاعره من وجهة نظره ، وتتلذذ برؤيته مشدود الوثاق إليها يستجدي رضاها ، وإلاّ لما تعاملت معه بإسلوب المماطلة والتسويف والإرجاء ، وعلى الرغم من شعوره بالأسى والألم تمنى لو تتصل وتعتذر له ، ولكنها لم تتصل طوال أيام عدة ، مما قاده للشعور بالإغتراب الروحي الى الخروج من المنزل حاملاً حقيبته الى جهة لم يبح بها ، متذرعاً بذريعة السفر الى الشمال مع اصدقائه للإستجمام لينآى بنفسه عن الشعور بالألم بحسب وجهة نظره ، ولا أحد يعرف بهذه المشكلة عدا سُبل التي أعتادت أن تشارك صديقتها أفراحها وهمومها ، ولعل سُبل أشدُّ تأثراً بالموقف من مروة التي عدت الأمر كنكتة سمجة ومهما حدث سيعود ويعتذر .
سُبل : آهٍ … يا مروة … كم تغيرتي .
مروة منزعجة : لم أتغير وكم يزعجني عندما يصفني الأخرون بالتغيير.
سُبل وقد تغير صوتها منزعجة : ومنذ متى … تصفيني بكلمة (أخرون) .
مروة بهدوء وقد ترقرقت عيناها : أعذريني … أرجوكِ … فأنا متعبة ويشتدُّ تعبي كلما رأيت حالة والدي تتأزم ولا أعرف ماذا أفعل تحمليني أرجوك .
سُبل متألمة : أنا … أعذرك دائماً … ويؤذيني ما يؤذيك … تكلمي معي … أكتبي لي أن شئتي … فرغي همومك في صدري لأتشاطره معك كما أعتدنا … ألا ترغبي في الحديث معي .
مروة وقد تحشرجت العبرة في صدرها : كيف تقولين ذلك وهل لي غيرك؟ أبوح له بما يجول بصدري ؟
سُبل ورغبة منها في تغيير مجرى الحديث : حبيبتي … قرأت قبل سنين في أحدى كتب قصص الأنبياء بأن الله سبحانه وتعالى عندما خلق سيدنا أدم وضع عجينته قبل نفخ الروح فيه ، في بحر السعادة سنة واحدة وفي بحر الحزن أربعين سنة .
مروة قاطعتها : أوه … يا سُبل قد تكون المعلومة من الإسرائيليات .
سُبل : وأن يكن … نأخذ من الحديث عبرة .
مروة متنهدة : وأين مربط الفرس ؟
سُبل مبتسمة : أأ … لأنك شخصية قيادية … دائماً تسألين عن مربط الفرس … وبالتحديد … يا مروتي … هل إتصلت بمنذر … هل تصالحتما … لماذا لا تحدثيني ؟ لماذا لا تكتبي لي كالسابق … ؟!
مروة مبتسمة : ولماذا … لا يتصل هو بي … ويعتذر … لم أخطأ بحقه لكنه عنيد ويتدلل كالطفل … ثم لا تقلقي عليه سيتصل وربما سيأتي أطمئني .
سُبل : أتعرفين أفكر بالإتصال به .
مروة بشدة : إياك … سُبل إياك والإتصال به … لقد تكلمتُ لك عن كل الذي دار بيننا ولم أخطأ بحقه ولا قيد أنملة … ( مـَن أعتذر بغير ذنب أوجب على نفسه الذنب ).
سُبل : يا حبيبتي … حاولي بحكمتك … أن تستوعبي شعوره بالتهميش والإقصاء ، لقد حاولت أن أسمع أخباره بصورة غير مباشرة من خالد ، ولكني أخفقت في الحصول على أي معلومة منه، يبدو إنه لم يبح بالأمر لأي أحد .
مروة : أكيد فهو كتوم … كانت فريال صديقته المقربه ويتحدث لها عن كل شيء ، ثم إني نبهته أنفاً عن عدم التحدث مع أي كان عن خصوصياتنا ، أهٍ … يا سُبل … لقد كرهت أسلوبه وكرهت عناده وغيرته وشعوره بالتهميش ولاسيما كلامه اللاذع ( لابد أن تعي ذلك إذا أردتي الإستمرار معي ، وإلاّ فأنت في حل من أي إرتباط لا ترتضيه نفسك ، وبأي لحظة تقررين سأنهي هذا الألم المستمر ، لقد تعبت روحي من إنتظارك كل هذه السنين ) ، مللتُ هذا الحوار مللته .
سُبل : ولماذا بإعتقادك يتولد لديه هذا الشعور ؟
مروة متنهدة : فلينسحب من حياتي … إن أراد … وفي ذلك راحة لكلينا … لا يوجد توافق بيننا … وهذه حقيقة اكتشفتها اليوم .
سُبل : يؤلمني والله … ما سمعت … ويُخيفني منك .
مروة منزعجة : ماذا تقولين ؟!
سُبل بألم وقد ترقرقت عيناها : نعم … تتخلين وبهذه السهولة عن رجل عشقك بصدق منذُ صباه ، ماذا لو دخل الشيطان بيننا … هل ستتخلين عني بهذه السهولة وكأننا تعرفنا صدفة على قارعة الطريق …. يا لسخرية القدر يا مروة يا لسخرية القدر … على كل حال … هذا شأنك … في أمان الله .
مروة تأثرت وقد بان في صوتها : لحظة لحظة لا تغلقي الخط أرجوك … كيف استطاع لسانك ان ينطق هذا الكلام … أنا مروة أتخلى عنك ،أتخلى عن نفسي ولا أتخلى عنك والله أنت أحب لي من نفسي والأقرب الى روحي،ثم إستطردت قائلة مبتسمة والدموع تنهمر من عينيها،أتعرفين حبيبتي ومن شدة حبي لك وإنشغالي بك في بعض الأحيان يغار منذر منك ، ويُعاتبني ويقول يا ليتك تمنحيني جزءاً من هذا الحب وأدور في أفلاكك مثلما سبل تدور في أفلاكك .
سُبل متأثرة : أذن لأجلي أمنحيه فرصة ثانية وأمنحي نفسك فرصة للصفح والتفهم .
مروة متأثرة بشدة : لقد أذتني كثيراً عبارته غير المسؤولة بقوله : ( لقد تعبت روحي من إنتظارك كل هذه السنين ) ، لا يقدّر ظرفي ولا يتفهم حاجة والدي لي في مثل هذا الظرف الصحي المتأزم ، يربط كل شيء بالكرامة ، ولكني لم ولن أتخلى عنه … بيد أني أحتاج الى الوقت لتتصاغر الأزمة .
سُبل مستبشرة : الحمدُ لله … فمنذر نصفك الثاني الذي طالما تمنيته لك ،وهو الشخص الوحيد الذي لم أغار منه عليك،أتذكرين كم أنا غيورة في الثانوية .
مروة مبتسمة : نعم أتذكر … وغيرتي أشد … عليكِ … كم كانت أيام جميلة .
سُبل مبتسمة : اليوم أجمل حبيبتي … لأننا متواصلتين ولن يفرقنا إلا الردى ، ولكن حتى لا نبتعد عن الموضوع هل ستتصلين بمنذر بعد يوم واحد هل يكفي (24)ساعة ،أو هناك أمر لا أعرفه،ولكن على كل حال أوعديني بالإتصال به .
مروة مبتسمة : أعدك سأتصل … ولكن بالضبط متى لا أعرف .
سُبل : لقد وعدتيني … وأنا بإنتظار أخر الأخبار .
مروة متنهدة : أشعر بتحسن الآن أيتها الطبيبة الرائعة لا تتركيني … أرجوك … أحتاج الى جلسات أخرى … تجعل الدم يجري في عروقي .
سُبل مبتسمة : حبيبتي … أنا معك في حلك وترحالك … أنا معك قلباً وقالباً .
لقد أعتادت سبأ أن تتناقش بأي موضوع تقبل عليه مع أيار وتسمع رأيها في الأمر ، واليوم لديها موضوع ستراتيجي ومهم وهو الوظيفة التي باغتتها والتي لم تفكر بها يوماً ، ولكنه منفذ جديد الى العالم الجديد والدخول في عالم التقنية التي لا يفقه أبجدياتها أكثر من نصف الكرة الأرضية ، المهم الآن أن تختلي بخيالها في غرفتها وتفتح صفحتها في الفيس بوك وتكتب لها حتى وأن لم تجدها جالسة ، ولكنها تعرفها وتعرف أوقاتها وبالدقة المتناهية ، وان الفرق ما بين توقيت العراق وبريطانيا ثلاث ساعات ، أي إذا كان الوقت لدى سبأ الثالثة ظهراً فيكون لدى أيار السادسة مساءً ، وراحت تكتب … وقد وجدتها جالسة على النت .
مرحبا … سيدتي الفاضلة … كيف الحال والأحوال والأطفال ؟؟
أيار إنتبهت الى رسالتها قرأتها والإبتسامة تشدق شدقيها : حياك الله وبياك وجعل الجنة مثواي ومثواك .
ماري : كيف البصرة ؟ عنكم وكيف جوها ؟ … هل تحسن ؟
أيار : البصرة … حارة رطبة … تصهر الأرواح في بوتقة الجسد … في الصيف … وتنشرها في الخريف … أتعرفين أن ربيعنا في فصل الشتاء ، ولكن الحمد لله الآن نحن في الشهر العاشر وقد ذهبت الرطوبة المقرفة .
ماري ضاحكة : هنا الجو أكثر من رائع .
أيار : نعم صحيح كركوك باردة منطقة شمالية جميلة .
ماري وقد كادت ان تنسى انها من كركوك : ها … صحيح … كركوك رائعة وقد تذكرتك قبل مدة عندما أمطرت السماء هنا الجو رائع كم أتمنى أن ألتقيك ِ .
أيار : أأأ … ممم … لا أحب الكذب … وأقدس الصدق .
ماري : خيراً … سيدتي … أرى الشيطان واقفاً ينظر لنا .
أيار توقفت وتمعنت بهذه العبارة وكأنها سمعتها وتأثرت بها سحبت كرسيها للوراء بجسدها ثم عاودت تكتب : كيف تذكرتيني ؟؟!!
ماري : تذكرت حديثك عن البصرة وقيظها ولكن ماذا تقصدين بالصدق والكذب .
أيار : لا لا … عذراً … لا تهتمي … لقد شط فكري الى الوراء .
ماري : تحدثي إلي بإمكانك الوثوق بي … هل لديك مشكلة … ألست صديقتك.
أيار : لا … لست صديقتي .
ماري : ولكن لماذا تتواصلين معي ما دمت لستُ صديقتك ؟
أيار : تواصلت تحت إصرارك … ولم أعدك بأي نوع من الصداقة .
ماري : آهٍ … كم كانت عبارتك قاسية على كل حال أشكرك سيدتي ، وأعتذر ان فرضت نفسي عليك وأشكرك على تواصلك معي لبعض الوقت وداعاً.
أيار متنهدة وقد شعرت بالذنب : أرجوك … لا تتألمي من كلامي … فعلاقتنا ألكترونية … وهذا واقع الحال … محكومة بمجموعة من الأسلاك الخالية من الروح ، وأعذريني أن لم أتفاعل معك … بسبب ذكرى أليمة جاثمة على صدري أفقدتني الثقة حتى بنفسي … أحاول أن أتناسى كلمة صديق أو صداقة .
ماري : أتعرفين بأن كلامك أبكاني ؟
أيار مستغربة : لماذا ؟ أبكاك … هل خدعتكِ صديقتك ِ ؟
ماري : نعم خدعتني بعد قصة حب عميقة .
أيار : وهل لا ما زلتي تذكرينها ؟
ماري والدموع تتصبب من عيونها : كلا … كرهتها … كرهتها … لأنها لا تستحق دمعة واحدة تسقط من عيوني .
أيار : وكيف كرهتيها ؟؟!!
ماري : تعرفتُ على صديقة غيرها … وأكتشفت بأن كل شيء في الحياة يتغيير وبإمكاننا أن نتغيير وأن نُغير أنفسنا وأن لا نسمح للأخرين التحكم بمصائرنا ، وأنا أدعوك دعوة صادقة … بالبحث عن صديقة أخرى ومحو الأولى بممحاة الأيام والتعلم من الماضي وإعتباره درساً أو أمتحاناً اجتزناه … بنجاح أو فشل … مجرد امتحان في الحياة ، ولا توجد قوة في الأرض تمنع الإنسان من التكييف مع كل ما هو جديد .
أيار متأثرة : آه …. كلامك رائع و يا ليتني أستطيع إجتياز هذه الأزمة ، ولكنها رحلت وتركت أسئلة كثيرة خلفها وعلامات استفهام كألغاز لم أجد لها حلولاً.
ماري متأثرة : نعم … هذا هو ديدن الأشباح … تحطيم الأخر والرحيل دون وداع ،فلا تستحق منك هذه المخلوقة غير الإحتقار،ورميها في مكبات النسيان .
أيار : ليتها كانت شبحاً .
ماري متنهدة : وماذا كانت أذن ؟
أيار : كانت كتلة من المشاعر … هكذا … كاللون … كالضوء في ظلمة الليل .
ماري مبتسمة والدموع تتصبب على خديها : أنا … أعجب لقولك سيدتي .
أيار : ولماذا العجب ؟!
ماري : أنت سيدة كبيرة … وأم … وزوجة … ولك حياتك الخاصة … ألم تنسيك زحمة الحياة … وقفة سابقة مع مجرد صديقة .
أيار مبتسمة : الحب الحقيقي لا يموت … وان كانت لا تستحقه … فقد كنت اهتم لوجودها في حياتي كأهتمامي بعائلتي كجزء لا يتجزأ من حياتي .
ماري والدموع تتصبب من عيونها : وهل تتمنين رؤيتها ؟
أيار متنهدة : أكيد ومؤكد لا ، لأستجدي عطفها وشفقتها لأنها لا تستحق حتى الذكرى،وإنما لأسألها فقط لماذا هجرتني دونما سبب ؟ سؤال أقض مضجعي؟
ماري : ولكن ألا ترين من العجب أن تتحدثين عنها بكل هذا النبل والأخلاق العالية وهي التي خدعتك وهجرتك وأذتك ؟
أيار : لم تؤذيني … بمعنى الأذى الذي تفهميه … ولكن أوجعني فراقها .
ماري : ألم تخبرك بأنها ستُهاجر .
أيار : نعم … أخبرتني .
ماري : أذن وأين المشكلة ما دامت قد أخبرتك .
أيار : ذهبت بغتة دون وداع .
ماري والدموع تتصبب : أذن الأمر معروف وواضح .
أيار : ماذا تقصدين بمعروف وواضح ؟
ماري : معذرة على عبارتي التي سأكتبها … أقصد كما يقولون عند نهاية كل فلم … النهاية … لو كانت تكترث لك لودعتك ولكنها لم تأبه حتى بتوديعك … فمثل هذه المخلوقة لا تستحق منك إلا الرمي في مكبات الماضي السحيق .
تشهد عائلة سراج الدين فرحة غامرة اليوم بمجيء حفيدهم الأول الى الحياة وكانت مروة من ضمن الذين رافقوا طيبة الى مستشفى الولادة ، وبينما كانت تجلس مع أم قتيبة في صالة الإنتظار رأت رجلاً ومعه أمرأة تحمل طفلاً على كتفها يدفعان كرسياً متحركاً عليه شابة تتأوه من ألام الولادة ، وحالما دخلت أقدامهما باب الصالة بدءاً بإسلوب الشحن والتعبئة للموظف الجالس عند باب صالة الولادة ، وراح الرجل يقول … رأيت هذه السيدة في الشارع وأنا في طريقي الى المنزل مع عائلتي ولم أحتمل الموقف فحملناها بسرعة الى هنا ، أرجوكم ساعدوها لقد أوشكت على الولادة فنهض الموظف متعاطفاً وحرك الكرسي الى الداخل بسرعة وأستلمتها احدى المرضات وسارت بها الى حيث غرفة الصالة ، وكل الحاضرين أنشغل في الدعاء لها ولغيرها ، فالأجواء هنا مقرفة ومحطِمة للأعصاب من شدة الصراخ المتعالي وشد الأعصاب للمرافقين ، التي لا تهدأ إلاّ بإعلان البشرى من قبل الممرضة ، لا سيما وأن مروة بكت اليوم على وفاة إحدى النساء بعد إجراء عملية قيصيرية شهدت فشل في إداء إحدى الطبيبات ، ولعلّ أكثر ما أبكاها أنها أماً لعدد من الأطفال ، المهم بعد الفينة والفينة تظهر الممرضة لتزف النبأ وبعد مرور نصف ساعة خرجت مبتسمة لتزف البشرى بولادة طفل جميل للسيدة هالة ، وهي تنظر مبتسمة بوجوه الحاضرين ولكن الحاضرين أنفسهم ينظرون بوجوه بعضهم البعض والكل يتساءل من هالة ؟! وأين ذويها ؟! وعندما لم تجد إجابة غارت البسمة في جوفها وراحت توجه الأسئلة الى الموظف عنها وطلبت منه أن يراجع الاستمارات ويخرج لها استمارة هالة .
وبعد أن راجع الموظف الإستمارات لم يجد استمارة بهذا الاسم ، فقالت كيف ذلك ومن أين دخلت هذه السيدة وكيف لم تنظم لها استمارة دخول كما هو معتاد عليه في هذا المكان ، وعلا صوتها بتحميله المسؤولية كاملة على هذا الخرق فلابد عليه ان ينظم استمارة بالإعتماد على هوية الأحوال الشخصية للزوجين ، عندها تذكرت مروة الموقف الذي أثار عاطفة الناس السيدة التي وجدوها بحسب زعمهم انها في الشارع ، فتذكّر الموظف وراح يركض الى خارج الصالة فلعلهم ينتظرون في الخارج ولكنهم اختفوا دون أن ينتبه لهم أي أحد ولا حتى الموظف المسؤول عند باب هذه الصالة .
خيّم الذهول على وجوه الحاضرين حول هذه السيدة إذ كيف لعائلتها أن ترميها في المستشفى وتذهب دون أن تسلم على الأقل أوراقها الثبوتية ، وما هي إلا خطرات حتى دخل أثنان من رجال الشرطة الى المستشفى وراحا يستفسران عن الأمر من الموظف المسؤول ، ثم انفردا بعدد من الأطباء وراحا يُدونان أقوالهم ، فإستشفت مروة والحاضرون بأن هناك أمراً جللاً استدعى حضور رجال الشرطة وفتح محضر للتحقيق عن الأمر ولكنها لا تعرف بالضبط ماذا ؟! ففكرت بفكرة سديدة تجعلها تحصل على الأخبار من الداخل وبالدقة المتناهية ، فقامت بإعطاء إحدى العاملات في داخل الصالة مبلغاً من المال جعلها تطير بجناحي نسر ، مقابل ان تتقصى لها أخبار السيدة هالة وماذا يحدث لها وما سبب وجود الشرطة ، وبالفعل نجحت الخطة وانطلقت عاملة التنظيف والسطل يتدلى بيدها اليمنى والمكنسة في اليد الأخرى ، لتتقصى الأمر ولا تعود إلا وتجلب كل البيانات المطلوبة منها ، وبعد أن جمعت البيانات جاءت الى مروة لتقصُّ لها القصة .
مروة : ها … سيدتي … هل رأيتي هالة وهل هي وطفلها بخير ؟
العاملة مبتسمة : أولاً … أراك مذهولة … لا تتعبي نفسك كل يوم يمرّ نرى فيه الأعاجيب … فهالة وطفلها بخير ، فقد أعترفت بأنها مخطوفة منذُ سنة وهي تعيش عند هؤلاء الناس الذين أحسنوا عليها طوال هذه المدة .
مروة وقد احمّر وجهها وارتعدت فرائصها : يا للهول … يا رب سلم سلم .
العاملة : وتقول بأنها تعرف أبا هذا الطفل وإنه في السجن الآن وأهلها يعرفون بذلك ، وهناك محضر في مركز الشرطة والقضاء يوثق كل أقوالها .
مروة وقد بدء العرق يتصبب من على تقاسيم وجهها : وماذا عنها وطفلها الآن ؟
العاملة : ستبقى محجوزة … في غرفة خاصة هنا … ويمنع عنها الزيارة … الى حين مراجعة والتثبت من وضعها القانوني والعائلي .
مروة بآسى : أسأل الله أن يلطف بها وبطفلها ، سأعطيك مبلغاً من المال وأرجو منك ان تشتري فيه كل مستلزمات الطفل ، فهذا طفل برىء لا يُعاقب بجريرة أبيه .
العاملة : حسناً … أعدك بذلك … وكثّر الله من أمثالك … يا أبنتي .
على الرغم من برودة الجو في لندن إلا جمالها الساحر يدعو كل قاطنيها الى إغتنام كل اللحظات في الإطلاع على معالمها الجميلة ، فكلما خرجت أطوار وأنهار في نزهة إلا وأخذوا العائلة معهم ، ولعل الدافع الأكثر هو زج سبأ في الحياة الجديدة وإخراجها من صومعة الحزن غير المبرر من وجهة نظرهم ، واليوم توجهوا الى حديقة سانت جيمس بارك في قلب لندن ، بجوار قصر بكنغهام ، قصر الملكة ، صدق من قال ( لكل غريب وحشة ولكل جديد دهشة ) ، الجمال يريح القلوب ويجدد الأرواح المتعبة ، وبعد أن قضوا وقتاً رائعا لا يمكن ان يُنسى موثقاً بالصور توجهوا الى بعض الأماكن الترفيهية الأجمل ، وقد لعبوا كثيرا عند تساقط الثلج والكل مهتم بسبأ التي راحت تتكيف معهم وتبادلهم رمي الثلج وسط الضحكات المتعالية ، وبعد قضاء وقت رائع للعائلة توجهوا الى أحد المطاعم القريبة وتناولوا مشروبات ساخنة وبعض المقبلات ، وقد تعرفت سبأ على عدد كبير من الأصدقاء بسهولة لأنها تجيد اللغة الإنكليزية ، ثم عادوا أدراجهم الى بيوتهم والبشر يطفح على وجوههم ، وقد توجهت سبأ الى غرفتها ورمت بجسدها على سريرها وهي تنظر الى نافذة غرفتها ، كان منظر الثلج رائعاً ولأول مرة في حياتها تشاهده وتتلمسه بيدها ، ثم نهضت بسرعة وفتحت النافذة على الرغم من برودة الجو وأخرجت يدها لتلامس الثلج المتساقط برقة ، لقد تحركت مشاعرها بقوة وتمنت لو ترى أيار هذه المناظر الجميلة معها ، فأغلقت النافذة وراحت تخاطبها كما أعتادت رسائل بأنامل القدر ولعلها تسمع .
صديقتي الحبيبة …
ما أجمل ما تراه عيني هنا … وكأني في حلم جميل …
أقف خلف النافذة الآن … والثلج يتساقط بنعومة على الأشجار …
كم هو رقيق ذلك المخلوق … يحمل كماً كبيراً من المحبة …
وكأنه لمسة حب وحنان … من الله على قلوب أنهكتها الحياة …
أتمنى لو يحملك لي الثلج … وينزلك بنعومة عليّ الآن في غرفتي …
كم أشتاق لك … ليتك تدركين عمق شعوري … ولهفتي المجنونة …

ثم سحبت حاسوبها اللابتوب لتفتح النت (الفيس بوك) لتتواصل مع أيار وراحت تكتب … مرحبا … سيدتي الفاضلة … ألم يبرد جو البصرة ؟
أيار ممازحة : حياك الله … بُنيتي … نعم … برد وتساقط الثلج .
ماري مبتسمة : هل رأيتي تساقط الثلج في الشمال ؟
أيار : لا … والله … زرت بغداد فقط وجوها يشابه البصرة تقريباً .
ماري : آهٍ … يا سيدتي … كم أتمنى لو ترين الثلج … والله منظره أكثر من رائع … كأن يد خفية ساحرة تربت على الأجساد المتعبة التي أنهكتها الحياة .
أيار مبتسمة : حسناً … سأشاهده في التلفاز .
ماري : يا ليتك ترينه على الواقع فيه طاقة هائلة من المشاعر النقية الفياضة ، ولاسيما عندما ينزل بلطف ويُدغدغ مشاعرنا المتوارية تحت ملابسنا الثقيلة .
أيار : أسلوبك رائع … يُذكرني بملفات قديمة أكره فتحها .
ماري : أسفة … سيدتي … أنا … لا أريد أماطة اللثام عن ماضي متهرأ … أتفقنا على دوسه بالأقدام العسكرية … دون رحمة ولا رأفة … ولكني أحببت أن أفتح عينك على مصدر من مصادر الجمال في الكون رأيته بعيني … وتمنيت لو يكن أمامك .
أيار : أتعرفين يا ماري … أنتِ تثيرين التساؤل … والحيرة .
ماري : لماذا سيدتي ؟!
أيار : أنت تعرفين بأن علاقتنا ألكترونية … ولم نرَ بعضنا .
ماري : وماذا … تريدين قوله ؟؟!! يا … سيدتي …؟
أيار : وكل لحظة … تنهالين عليّ … بموجة … عارمة من المشاعر .
ماري متألمة : وأين المشكلة … يا سيدتي … ؟!
أيار متنهدة : أرجوك أنسي … الأمر ففكري مشتت وأحتاج الى الوقت لكي أتكيف على نفسي الجديدة وعلى الأخرين،فجرحي غير ملتأماً ولا يزال ينزف .
ماري متألمة : بإمكانك الوثوق بي … افتحي لي صدرك .
أيار متنهدة : لا … أرجوك … اتركيني الآن فصدري ضيق … لا إله إلا الله .
ماري وقد ترقرقت عيناها : حسناً … سيدتي … محمد رسول الله .
كانت سُبل بإنتظار اتصال مروة لكنها راحت تتصل بمنذر قبل مجيئها الى العيادة ولكن نقاله مغلقاً فأثار في نفسها التساؤل وقد سمعت هذه المعلومة من خالد قبل أسبوع وعندما وصلت الى العيادة وجدت (خالد) بالإنتظار حالما جلست على كرسيها راحت تسأله بالحال خالد ،أتصل بمنذر أريد أن أسأله حول الأجهزة هنا كما تعرف بأنه هو من زودني بها … رغبة مني حول تجديدها .
خالد : والله .. يا دكتورة أنا أتصلت به أكثر من مرة ولكن نقاله مغلق ولا أعرف السبب .. مرّ اسبوع كامل ونقاله مغلق وكأنه غيّر رقمه .
سُبل : ما هي أخبار … الدراسة ؟!
خالد : والله اليوم … لم أفتح كتاباً … صدري ضيق ، كان لدي عمل في العشار على مقربة من شط العرب فرأيت جمهرة من الناس على الشط فإقتربت وسألت فقالوا … للأسف شاب رمى بنفسه في الشط ،وتسارع الصياديون محاولين نجدته لكنهم للأسف وبعد نصف ساعة من التجمهر لم يجدوه … حقيقة ألمني الموقف … والمشكلة لم نجد أحداً من ذويه ،وأنا أتساءل كيف لإنسان أن يقترف هذه الخطيئة بحق نفسه وبحق ذويه، ولكن حقيقة لا أحد يعرف ظروفه ربما قاسية ولم يحتملها ، لا أريد أن أبرر فعلته هذه ، لأن قتل النفس من الكبائر وطوال اليوم الموقف ماثل أمامي ، يقول الله تعالى : {{ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلاّ بالحق (151) }} سورة الانعام .
سُبل وقد أرعبها الخبر وثار في نفسها الشكوك : اللهم نسألك اللطف بنا جميعاً … الله أعلم بحاله وبظروفه … ولكن هل يعرفه أحد أو على الأقل أوصافه .
خالد : لا … فقد قالوا شاباً … لقد باغت الجميع بفعلته هذه .
سُبل متنهدة : والآن أرجوك … أدخل المرضى لننتهي على وقت .
خالد : دكتورة بالنسبة لمنذر … ربما سأذهب الى منزله أن سمح لي الوقت للسؤال عنه … ماذا أقول له عندما أراه … ؟
سُبل : لا … أشكرك … أسرع بإدخال المرضى .
لقد توجست سُبل خيفة من كلام خالد وأسرتها في نفسها وراحت تعمل بسرعة لتنهي عملها وتذهب للبيت مباشرة لتتصل بمروة ، وبالفعل ذهبت الى منزلها إلا أنها أنشغلت مع والدتها في المطبخ وبعد جلسة عائلية على العشاء ومراجعة شاملة لأحاديث النهار في المنزل توجهت الى غرفتها وفكرها مشدود فرمت بجسدها المتعب على سريرها مستلقية على ظهرها شادة بيديها على صدغيها شاعرة بنوع من الصداع ، فنهضت متوجهة الى ثلاجتها الصغيرة عند زاوية في غرفتها مستخرجة قنينة ماء صغيرة وقرصاً مهدئاً ، فتناولته وشربت القنينة كاملة ، ورمتها على الارض كشعور بالإنزعاج وجلست على كرسيها خلف مكتبها الصغير ، مصوبة أنظارها الى القنينة المرمية على الأرض وهي تقول في دخيلة نفسها : طبيبة وترمي على الأرض فلا عتب على الصغار ، ثم نهضت ورفعتها ووضعتها في سلة قريبة من مكتبها ، وسحبت الدرج مستخرجة حقيبتها لتستخرج نقالها وتتصل بمروة : مرحبا د.مروة .
مروة مبتسمة : أهلاً حبيبة قلبي … يبدو الخطب جللاً … من مناداتي دكتورة .
سُبل منفعلة : نعم … جلل … مرّ أسبوع وأنا بإنتظارك تركتيني على الشحن .
مروة ضاحكة : يا للهول … أهدئي … حبيبتي … ما هذه المصطلحات الرنانة … أنا … مروة أضعك على الشحن وأنساك … لكني … أنشغلت أعذريني .
سُبل منزعجة : وبماذا ؟ انشغلتي … بحق السماء .
مروة مبتسمة : باركي لنا … جاءنا مولود جديد أول حفيد لأخي سراج الدين أبن قتيبة … والله لقد فرحت كثيراً … وأنشغلت معهم .
سُبل : ها … ما شاء الله … تبارك الله … مبروك مبروك يجعله الله من أبناء السلامة.
مروة مبتسمة : وقد ذهبتُ مع أم قتيبة الى المستشفى وقد كان الجو مآساويا … للنساء ، حقيقة تحطيم للأعصاب … ولكن الشيء الابرز الذي أثار ذهولي وخوفي … وجود حالة هالة ( كيت وكيت ) ، هذه المرة الأولى التي أدخل فيها مستشفى الولادة.
سُبل بعد إنصات : مروة … وقّفي الحديث عن الأخرين وأهتمي بنفسك .
مروة وقد غارت بسمتها : سُبل … لماذا تُكلميني بهذه الطريقة الموجعة ؟
سُبل بجد : مروة … أين ذهب منذر ؟!
مروة مستغربة : ماذا تقصدين بأين ذهب منذر ؟ لقد أتصلت به كما وعدتك … ولكن نقاله مغلقاً منذ يومين .
سُبل : بل نقاله مغلق منذ أسبوع يا … دكتوره وأنت تضحكين دون مبالاة .
مروة بهدوء : وكيف عرفتي ؟؟!!
سُبل : خالد أخبرني بأنه قلق عليه وإنه قد إتصل به منذ أسبوع ولكن نقاله مغلقاً ، وتصوري بإنه تصوّر واهماً بأنه قد يجد أخباره عندي من خلالك .
مروة : منذ أسبوع … يعني من حينها .
سُبُل : نعم من حينها وأنت لا تعرفين عنه شيئاً هل إتصلت في بيته لتسألي عنه.
مروة : ومن هم بيته … أنت تعرفين … هو ذاته بيت أختي أسيل … وماذا سأقول لها ها … تعاركنا … الأمر … محرج … كانت فريال حلقة الوصل … ولكن ماذا نفعل للأقدار التي تحيك حتى ملابسنا .
سُبل : ألا … تخشين … من إصابته بمكروه … إذ ليس من عادته غلق النقال … وقد أعتاد كما تذكرين أن يُكلمك كل يوم … ماذا دهاك يا مروة تفرطين بهذه السهولة برجل يعشق البسمة على محياك منذ صباه تعاملينه معاملة الغريب … والذي أثار خوفي ورعبي خبر انتحار شاب في شط العرب بمواصفاته .
مروة وقد ارتسمت علامات الخوف على وجهها : يا … إلهي من قال لك ذلك .
سُبل : الحادث مروّع من البارحة وكل الناس تتحدث به .
مروة مرتبكة : حسناً … اغلقي الهاتف الآن لأتصل بأسيل وأسألها عنه .
سُبل مبتسمة : حسناً … سارعي سارعي الى اللقاء وبالحال إتصلت بأسيل .
أسيل مبتسمة:أهلاً حبيبتي مروة من زمان لم نسمع صوتك كيف حال والدي .
مروة مرتبكة : أعذريني … على التقصير فمشاغل الحياة كثيرة … والدي ان شاء الله سيكون بخير ، هل منذر موجود … اتصلت به ولكنه لم يرد .
أسيل مستغربة : ماذا ؟ تسألين عن منذر …ألا تعرفين ؟ بأنه مسافر منذ مدة .
مروة : ماذا ؟ مسافر ! متى وكيف وأين ومع من ؟!
أسيل مستغربة : أخذ حقيبته وخرج … لكن ألا ترين … الأمر غريباً … يسافر دون أن يخبرك … أهناك مشكلة بينكما … يا مروة .
مروة منزعجة : لا لا … لا شيء … لكن أرجوك … إذا إتصل أخبريه بأني أحتاجه ، الى اللقاء … فأشتعلت نيران القلق والخوف والتساؤل في صدرها من كلام سُبُل حول الغريق ، وهل يُعقل بأنه هو … لا … لا … هذا عمل طائش ومنذر أنضج من ذلك بكثير … ولكنه يُحبني بجنون كما يذكر لي … أيعقل بأني دفعت به الى هذا المصير يا إلهي دبر لي الأمر ماذا أفعل وراحت تستذكر بعضاً من كلامه الأخير ، ( أنت تعرفين إمكانياتي وأنا أبني نفسي بالإعتماد على قدراتي ، ولم أجد كل شيء جاهزا أمامي مثل الأخرين ، لذلك لابد أن تعي ذلك إذا أردتي الإستمرار معي ، وإلاّ فأنت في حل من أي إرتباط لا ترتضيه نفسك ، لقد تعبت روحي من إنتظارك كل هذه السنين ، وأنت تماطلين ، ولا أعرف موقعي في حياتك ، وأنا والله مستعد للخروج من حياتك والهجرة حتى من العراق ، سأهاجر بعيداً الى أبعد مكان في الكون ، رنّ نقال سُبُل لكنها تجاهلته ، لم تجد في نفسها الرغبة في الرد وبالأحرى لا تمتلك أجوبة على أسئلتها التي تعرفها مسبقاً فأرجأته الى وقت أخر ، ثم راحت تتكلم في دخيلة نفسها … نعم يا مروة … لقد قال … سأهاجر بعيداً الى أبعد مكان في الكون ) قد تصرفتي بغباء وغرور وعدم اكتراث … وتصورتي بأنه سيبقى مشدوداً الوثاق على بابك … دون كرامة … ولكني لم أتقصد الاساءة إليه … فقد أردته أن يتفهم وضعي … ويعيش معي هنا في بيتي … بعيد عن تلك الكرامة التي تخلق حاجزاً كونكريتياً بيننا كلما أقتربنا من بعضنا … فترقرقت عيانها بالدموع وهي تقول … كم أشتاق لك يا فريال … صحيح ان الإنسان لا يعرف مكانة الشخص في حياته إلاّ بعد أن يفقده رحمك الله وأسكنك فسيح الجنان … والله أحبك يا منذر وأحتاجك كثيراً ، كم أشتقتُ إليك وكم أتمنى رؤيتك سالماً مُعافى … ثم إلتفتت الى مكتبها وتناولت نقالها وراحت تتصل ولكن الرد ذاته النقال مغلق … فشعرت بأنها وسط بركان من الحيرة والألم والقلق … وراحت تردد ( اللهم لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف بنا ) ، وسُبُل مستمرة في الإتصال دون إنقطاع ، حتى جعلتها تفتح الخط .
سُبُل بتوتر : ماذا دهاكِ … لماذا لا تردي عليّ … ألم تسمعي إتصالي .
مروة بفتور متنهدة : أعذريني … يكاد القلق يجهز علي لا أعرف ماذا أقول وصدري ضيق .. أشعر بأني وسط جلبة مظلمة .
سُبُل بتوتر : أرجوك .. يا مروة أرجوك … تكلمي معي بإسلوب مباشر وأبتعدي عن هذه العبارات … هل إتصلت بأختك أو فريال ؟
مروة : نعم أتصلت بها وقالت بإنه أخذ حقيبته وخرج منذ أسبوع ولم يقل لهم الى أين.
سُبُل بتوتر : يا إلهي … كل الإحداثيات … تتكلم من نفس الوقت .
مروة متأثرة : سأذهب بعد ساعة الى شط العرب .
سُبُل متعاطفة : يا مروة لا تقولي … بإنه .
مروة : لا … وألف لا … فمنذر ناضج … ولا يُلقي بنفسه الى التهلكة … ولكني أشعر بموجة عارمة من الكآبة تجتاح صدري .
سُبُل : حسناً … سأستأجر سيارة وأمر عليك بعد ساعة ان شاء الله .
مروة : لا … لا تُكلّفي نفسك … فلديك عيادة سأذهب بمفردي .
سُبُل بتوتر : مروة نبهتك آنفاً من هذه الطريقة التي تُعامليني بها،ولكني وبسبب هذا الظرف سأتجاوز وأعتبر نفسي لم أسمع،سأجدك بعد ساعة لدى الباب .
مروة برضا : حسناً … سأنتظرك … فأغلقت سُبُل الخط وراحت تتصل بخالد وبعد التحية قالت : لا تذهب للعيادة … اليوم إستراحة .
خالد : خيراً … ان شاء الله دكتورة … عساك بخير .
سُبُل : لا … لا شيء سأذهب مع د.مروة الى شط العرب للإستجمام ، ولكن هل سألت عن منذر كما قلت لي البارحة .
خالد : أن شاء الله سأذهب عصر اليوم الى منزله واسأل أخاه أبا فريال عنه ، ولكن لماذا لم تسألي د.مروة عنه فهو زوجها .
سُبُل : لا تعليق لدي يا أبا الوليد .
خالد مبتسماً : ها … فهمت … ان شاء الله سأوافيك بأخباره قريباً .
سُبُل مستغربة : وماذا فهمت ؟!
خالد مبتسماً : الآن فهمت … هناك زعل ثقيل لدى منذر مع د.مروة … وهو بطبيعته يهرب من الواقع أن شعر بالزعل فكيف وإن جاء من عشق روحه وحياته ، وإلا لماذا تسأليني عنه ولديك زوجته …. أيعقل ذلك يا سيدتي .
سُبُل متنهدة : تحليلك صحيح … ولكن أرجو أن يبقى الأمر بيننا … لأن مروة لا تحب التحدث عن مشاكلها أمام الأخرين .
خالد : أفهمك يا سيدتي … وسنعمل جاهدين على ردم ذات البين ان شاء الله .
سُبُل : حسناً … أشكرك … سأذهب الآن وسأكون بإنتظار إتصالك .. فخرجت مسرعة الى الشارع واستأجرت سيارة أجرة والمسافة ليست بالطويلة لأنها في ذات المنطقة وقبل ان تصل لدى الباب اتصلت بها لتخبرها بأنها ستكون قريبة حتى تخرج إليها وعندما اتصلت بها كانت مروة في الحديقة تداعب عبد الرحمن الصغير قرب زكية وما ان جاءها الإتصال حتى أعطته لأمه وخرجت ، وهكذا سارت بهما السيارة وفي قلبيهما تساؤل وخوف كبير من مصير منذر ، فهل يكون هو الذي أنهى حياته على محراب العشق تحت وطأة وتأثير من أحب ، شعور بالذنب يحوم حول مروة وتشتت فكر وانعدام تركيز ، وهكذا حتى وصلتا الى شط العرب وبالتحديد الجلوس في ظل تمثال السياب هذا المكان المحبب لكل منهما ورغبة في استنشاق الهواء العذب ورؤية الأمواج الرائعة ، ولكن حالما وصلتا وقبل أن تجلسا ، شاهدتا جمهرة كبيرة من الناس والشرطة والغواصين وجلبة متعالية ، فأنقبض قلب مروة وراحت دموعها تتصبب من على وجهها : سُبُل ماذا لو … كان … الغريق منذر .
سُبُل بتأثر شادة على يدها : أذكري الله حبيبتي .
مروة : تعالي نقترب من الناس … أرجوك … لنقترب قليلاً .
سُبُل متنهدة : حسناً لنقف على مقربة فقط ، وبينما هما تقتربان ، حتى تعالت الأصوات بالبكاء من ذوي الشاب وتناقلت الأفواه معلوماته بعد إخراجه من الشط ، وقد تشابكت كل الأيادي لنقله الى سيارة الإسعاف ، وقد كان عمره عشرون سنة وأسمه شاهين ، فأجهشت مروة بالبكاء الحار دون إنفكاك وهي تضع رأسها على صدر سُبُل ، ولم تعرف سُبُل هل جاء بكاؤها هذا ، لأنها أطمأنت على منذر ، أم لأن الموقف المآساوي حرك ذكرى أليمة جاثمة في ذاكرتها لأبنة أختها فريال .
إحتدم جدال مُعاذ مع عائلته حول عمله الجديد في الفرقة الموسيقية التي تعمل في فندق قصر النور الملكي ، ولعلّ أشد المعارضين والدته التي تزدري هذه المهنة وتعتبرها مُعيبة في حقه وعائلته ، ومضيعة للوقت ولكنه يُحاول أن يقنعهم بأنها مهنة كباقي المهن ووظيفة يتمناها الجميع ، والساحة التي سيبدع فيها ويطبق ما درسه على مسرح الحياة ، وإن الموسيقى وسيلة رائعة لغذاء الروح لا تضاهيها وسيلة ، ثم إنها تدرُّ عليه شهرة وأرباحاً كثيرة وقد تتعاقد معه شركات موسيقية كبيرة ، ولو لم يكن لقسم الفنون الموسيقية جدوى لما تهافت عليه المئات كل عام ، ثم إن مُعاذ وبعد أن درس الفنون الموسيقية إحترف الإختصاص وراح يشار له بالبنان في قسمه وكان يحي الكثير من المناسبات الوطنية في كليته ، واليوم يُطلعهم على قراره نعم إنه يناقشهم في الأمر ولكنه يعتبر قراره مصيرياً ولن يُثنيه أحد ولابد على عائلته احترام قراره وعدم الوقوف في طريقه ، وليس المعيب ان يعمل الفرد في اختصاصه ولكن المعيب عندما يجلس بدون عمل في المنزل ، ويأخذ مصروفه من ذويه وهو بهذا العمل وقد تخرج من الكلية هذه هي وجهة نظره ، التي يريد أن يثبت للجميع بأن نظرة المجتمع قاصرة للموسيقى فليست المشكلة في فنها ، ولكن المشكلة في من يُسيء فهمها ويُسيء استخدامها ويجعلها ذات طابع سلبي بالضبط كالفرق ما بين الموسيقى الصاخبة التي (تصم) الأذان وما بين الموسيقى الهادئة التي تغذي الروح وتغازل النفس البشرية التواقة للتواصل مع من تُحب ولو في لحظة خيال .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *