علاء كعيد حسب : الغرابة في “بلاغ في الولع” للشاعر العراقي سلمان داود محمد (ملف/27)

إشارة :
سلمان داود محمّد – وببساطة شديدة جدا ولكن معقّدة – هو “عاهة إبليس” في المشهد الشعري الراهن ؛ العراقي – وحتى العربي لو هيّأ له الأخوة النقّاد “الأعدقاء” فرص الانتشار. وكمحاولة في إشاعة فهم بصمة روحه الشعرية المُميزة الفذّة التي طبعها على خارطة الشعر ، ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي الاحتفاء به عبر هذا الملف الذي تدعو الأحبة الكتاب والقرّاء إلى إغنائه بالدراسات والمقالات والصور والوثائق.. تحية لسلمان داود محمد.

الغرابة في “بلاغ في الولع”
للشاعر العراقي سلمان داود محمد

علاء كعيد حسب

نجح الشاعر “سلمان داود محمد” بقصيدته “بلاغ في الولع” في إماطة اللثام عن أفقٍ شعري لا يبلغه غير المتفردين، حيث أضحت الغرابة مفتاحاً لإقتران العاطفةِ بتفصيلاتها و ملامحها الخفية، دون تغييبِ عناوين رئيسة وأخرى صغيرة، مما ارتقى بالقصيدة ومعها المتلقي إلى مستويات بعيدة عنه ولا يُدركها، تفصح عن وجدان الشاعر وما يشهده من مخاض و صراعاتٍ بين عدة مكونات شعورية، تتحد و تنفصل و تتوحد و تتجزأ، ليغدو المد جزراً والجزر مداً في المخيال الشاعري، و تصير تراكمات الذات و المرحلة و المحيط، بكل تناقضاتها، لَبِنَاتٍ متراصة في أفقٍ من نوع أخر، يعيدُ صياغة مفاهيم القارئ الجمالية من جديد، و يخلق صلة حسيةً بينه و بين كل ما هو غرائبي.
لا يتجادل اثنان في أن الشاعر “سلمان داود محمد” بارع في إبداع و خلق ما قد يعتبره البعض مبهماً وغير مألوف، فلكل إحساس عنوانه الخاص و سيرته الذاتية ، و حيث يتقاطع السؤال واللاوعي يتجلى البوح صورة وتكمن عاطفةٌ بين أسارير اللغة، وحيث الفرح طفيف هناك وجع متقد يرمي بشرر، ما يتيح سلسلة من الإرتدادات في فكر المتلقي، تفرض عليه استحضار النتائج و مراجعة أسبابها، بملامح وجدانية تتفتح على المجاز المطلق، فتتخذ كل بسمة عنواناً و كل دمعة توقيعاً، و غير ذلك محض افتراء:
( كل دمعة
لا تحمل توقيعك
باطلة … )
لن نبتعد عن الألم و نحن نغوص في قصيدة “بلاغ في الولع”، و لو قليلاً، فهي رحلتك ورحلتي..هي مسيرة الإنسان المثقلة بالأسى، إلا من هنيهات يسرقها دون قصد من فكي السبيل. كما أن الطفولة تستوقفك مرات أمام تفاصيل جامدة في الذاكرة، لا تزعزعها الرتابة أو الأيام، فتحضنك أرصفة الوجع بكل قوة وتعتصرك النوافذ المترعة على طوابير الضوء:
(.. وكما القميص المشنوق بحبل الغسيل
أتقاطر بكل نداي على سطح أيامك
و أشتم الغيوم
تلك الواقعة في طابور الوضوء )
لقد خط الشاعر “سلمان داود محمد” عواطفه على حقيقتها، مطمئنا لصدق رؤياه، فكان وطن نفسه وكل متاهة كانت له بيتاً فيما الخطى عائلة. لذلك تحمل جزاء عناق الزهر و تدمير الحدائق بذنبه، في بيئة انتشرت فيها (باسم الجمال) العقد والجراثيم:
( لأني مشتبه به
في اعتناق أزاهيرك،
اعتقلوا الحدائق كلها
في ثكنات تصنع العطور …)
و بين همس وهمس، عالم غرائبي نسجه الخيال المفرط، و من الفوضى خلق ما هو بديع التكوين. هذا الأسلوب الفريد الذي اختاره “سلمان داود محمد” يحسب له ويميزه عن الكثير من الأصوات الشعرية، و يضعه في خانة خاصة مع أخرين يسهمون في تجديد الروح الشعرية بعالمنا العربي. و لأن كل شيء غريب، فوحدها الغرابة ينطلق منها الشاعر إلى عاطفة المتلقي، ليترك بصمته في ذائقته و يشعل بذلك شراراتٍ في وجدانه، ربما انطفأت، في واقع غير ثابت، يغير فيه العصفور صوته و تتقمص فيه الفراشة دور الحمار:
( على فراش الموت تهذي حدائقي
زئير عصافير
نباح زهور
ونعيق فراشات … )
ولحظة تكره من تحب تكره ذاتك مباشرة، لكنه كره مزيف لا يتحقق مع الحب، فالبداية والنهاية هي الأخر، وكل المظاهر التي ترافقها عواطف وانطباعات، تغدو دون معنى في غياب المقصود الذي تشكلت به الحكاية وصار العنوان و المدلول:
( لقد كنتِ البلاد..البلاد..البلاد
و كنتُ القرابين
ولكنك.. با للأسى .. ضائعة
و دليلي ضرير..
سأكرهني كثيراً..)
ورغم الألم الذي يفضح الشاعر و يكشفه لقارئه على امتداد القصيدة، فإن الرضا بالمصير والطمأنينة واضحان كنجمين سماويين. فهو سبيل العاشق إلى معشوقته، و ما أجمل العشق إذا ارتبط بوطن هو البدايات والنهايات، يستحق التضحية لأجله في لحظة محسومة عند قارعة الغروب، بكل شجاعة ونبل:
( فألقيت التحية على بقايا رماد احتراقاتي معك،
ثم افترشت دمي
على قارعة الغروب
ومتُ.. )
قصيدة “بلاغ في الولع” نقطة مشرقة في شعرنا العربي الحديث، تجعل الشاعر العراقي “سلمان داود محمد” في مكانة خاصة، تخول له الإبلاغ عن كل ما يكتنف الإنسان، من أسى تحفظه المسافات والجمال، وفرح خفيف بعمر نبضة قلب، وهذه القدرة الفريدة في التعبير، يؤكدها في “بلاغ في الولع” .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *