د. جمال خضير الجنابي : المستوى الدلالي واللغوي في شعر هشام القيسي
الفصل الخامس : أثر الفكر في جماليات الموضوع الشعري عند هشام القيسي (8/أ)

الفصل الخامس
أثر الفكر في جماليات الموضوع الشعري عند هشام القيسي

من المعلوم انّ لكل شاعراتجاهه الفكري الذي يترك أثره في نمط لغته من حيث الألفاظ والتراكيب التي يستعملها، كما انّ له معجماً شعرياً يمثل ذخيرته اللغوية، إذ إنّ الشاعرالمبدع لابد من أنْ يتأثر فكره بما يدورحوله من أحداث فينقل إلينا تصوره.
وثمة أمرآخر، هو أنّ لغة الشعرتختلف باختلاف تجارب الشعراء وطريقة رؤيتهم للأشياء، فلكل غرض ألفاظه ولغته التي تميزه من غيره، إذ(إنّ اللغة في الشعرليست ألفاظاً لها دلالات ثابتة جامدة ولكنها لغة انفعال مرنة بل أميزما فيها هو هذه المرونة التي تجعلها متجددة بتجدد الانفعالات)(1).
ولعل أول شيء ينتبه عليه فكرالشاعر، هي الألفاظ بوصفها (سر الشعروروحه)(2).
لانها اللبنات التي تتكون منها اللغة التي تبرزعواطف الشاعر وأفكاره المتباينة التي تختلج في ذهنه، لأنّ(الألفاظ لا تكتسب قيمتها من كونها رموزاً إيحائية للتعبيرعن موقف انفعالي أو حدس داخلي في مخيلة الشاعر، بل من كونها دلالات لتشخيص مداليل ذات طبيعة واقعية)(3).
لهذا فقد تضمنت نصوص الشعراء العراقيين ألفاظاً ذات اتجاهات فكرية واضحة الدلالة على المعنى المقصود.فإذا كان الشعرتمرساً بالحياة، وأثراً من أثارها عند الشعراء، فلا مندوحة له من أن يلابس مشكلاتها، بل لابد لهذه المشكلات من أن تأخذ طريقها الى الشعروان تجعل الشاعر يعنى بها، كما يعنى بها صاحب الفكر.وما الفرق بينهما الا انّ صاحب الفكريصوغها مفهومات
على نحو من التجويد متوخياً الاهتداء الى سبل حلها، اما الشاعر فيصوغها صوراً ومجازات مبينة عن وقعها عليه من غيران يسعى الى توخي حل لها، أنّه يكفيه ان يحيط بالمشكلة، وان يضيء نواحيها.
لانّ الشاعرلابدّ انْ يكون عميقاً في إدراكه لمشكلات الكون والإنسان وان عليه ان يكون عظيماً وواضحاً في إدراكه لتلك المشكلات(4) ومن هذا فلا شك أنّ الفكرهو الذي يخلق الفنان العظيم.
لقد كانت حركة الشعرفي العراق تساوق حركة المجتمع منذ بداية القرن العشرين، فاتخذ الشعراء فيه منحىً يذوب فيه الفكر في الشعرجاعلين من توليف اللفظة مظهراً تتراءى من خلاله رؤية فكرية للإنسان وللعالم، إذ تمتلك قدراً من الاتساق، يمثله عدد من الشعراء العراقيين.
فهم يتفاوتون في مدى ملامستهم مشكلات الحياة، فمنهم من يقف عند الظواهرلايكاد يتعداها، ومنهم من أوتي مقدرة على النفاذ الى جوهر مشكلات عصره، وصياغتها شعراً.
مما لاشك فيه أنّ الشعرصناعة فنية تعتمد الذهن قبل الجهد وهذا ما أشاراليه الجاحظ (ت 255هـ) بقوله:(إنما الشعرصناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير)(5).
وكأنه قصد العملية الذهنية التي تصنع الشعر(6).فلم يتحدث الجاحظ عبثاً، ولكنه كان يعني ما يقوله تماماً بعقل المفكر وإحساس الفنان.
فالشعر لايمكن أنْ يسمى شعراً مالم تدخله الصناعة الفنية الدقيقة لتبرز معانيه وتضعها في صوررائقة جميلة يضفي عليها الخيال ألواناً جذابة فتعلق بالنفوس وتناط بالعقول ويحس الإنسان معها بمتعة الحس ولذة القراءة والتفكيرمعاً.
إذ ان المعاني المجردة قد تكون أساساً في حقائق العلوم والمعارف الإنسانية، ولكنها لايمكن أن تكون أساس الشعروغايته ، بل لابد ان يصوغها الشاعرصياغة جديدة تظهرفيها جمالية إبداعه وقوة تخيله ودقة براعته الفنّية وصدق إحساسه.
لقد تركت قضية اللفظ والمعنى أثراً كبيراً في الفلسفة الجمالية، فتساءل أصحاب هذه الفلسفة!هل الجمال المعنى أم المضمون وحده أم هو في اللفظ والصورة أم الشكل وحده ؟
ويبدو أنّ الأكثرية منهم رأت أنّ الفصل بين الجانبين غيرممكن، فهما وحدة واحدة، إذ تتجمع في نفس الاديب مجموعة من الاحاسيس فيأخذ في تصويرها بعبارات يعمل بها أنموذجاً أدبياً لا يمكن تصورمضمونه وشكله من غير قراءته .
لذلك لا نستطيع القول، أنّ شاعراً يفضل آخرفي قدرته اللفظية او قوالبه الشكلية؛لان الفضل لايرجع الى القالب أو اللفظ كما يبدو في الظاهروإنما يرجع الى القدرة الفنية العامة التي تنبع من الأحاسيس والأفكار أو المعاني نفسها(7).
إذ إن الذين لهم علم واسع وسلطان على اللغة يدركون الأدب عقلاً وعاطفة وبياناً(8).
ولابد من الاشارة الى ان الأديب حين يبدع، إنما يظهرإبداعه من خلال المجتمع.إذ يبين لنا مقدرته الشعرية في تصويرالحياة الاجتماعية.ويتخذ لنفسه دائماً موقفاً فكرياً من مجتمعه(9).
يظهرفيها تمكنه من تقويم المشاعرالجمالية التي تسهم في تبيان طبيعة الوعي الجمالي، ليرسم من خلاله صورة المجتمع .
فالشاعر يظهر قواه العقلية من خلال ما يقدمه من قدرات أبداعية للوصول الى الكمال في الأدب.إذ نلمس ذلك في شعرهشام القيسي.
فيمكن القول أن الشاعرخلق انسجاماً بين لغته وميوله الفكرية، مما منحه فرصة للتعبيرعن تأملاته الفكرية، ففي قصيدة(طيف) يقول:
(حين انظر اليك
تبدو الايام زهرة
تنصت للعشق
وتصرح
وحين افتح نافذتي
وسط الصباح
تتوهم الاوراق
وتلوح
احلم بنفسي
في قلب يتنفس امسي
لا احد غير ما ترسل ايامي
وما سيأتي
فانت فرشة
تطوف لتصدح شمسي
ليتني فم يشكو
وهمسي)(10)
إنّ القيمة الجمالية للتجربة الشعرية لدى الشاعرتركت أثراً في العمل الادبي، ولاسيما في الشعرالحديث إذ أخذت هذه القيم من صميم طبيعة العمل الفني.
كون الشعرأخذ يصنع لنفسه جمالياته سواء أكان ما يتعلق بالشكل إنّ القيمة الجمالية للتجربة الشعرية لدى الشاعرتركت أثراً في العمل الادبي، ولاسيما في الشعرالحديث إذ أخذت هذه القيم من صميم طبيعة العمل الفني.
كون الشعرأخذ يصنع لنفسه جمالياته سواء أكان ما يتعلق بالشكل والمضمون ام في نسيج النص لتحقيق هذه الجماليات، التي تتأثر بحساسية العصروذوقه ونبضه(11).
ويبدوأن قدرة الشاعرعلى صياغة الفاظه باسلوب جميل مؤثر، يدلّ على توظيف الشاعرلافكاره في النص ومزجها بالشعر، لتحقيق جماليات في الاسلوب الادبي.لقد عمق هشام القيسي أفكاره في شعره، اذ يؤكد ان ابتعاد الشاعرعن عصره، يجعله قريبا من الجمهورفيحظي منه بالاهتمام فيقول:
(الف ميم لام
شرفة
ةكنة كلام
في شمال القلب
تصغي الى حب
بفقه كل درب
وفي مسارات عديدة
تسكن الحلك باحرف جديدة
وضاءة
لا تشهر الحزن في المدى
انها دمعة فرحانة
تضحك للمدى
حيثما تمر
يدبر الغياب
ويهجس اليباب

تجيئني
اصغي اليها
مسورا بالمواقد
وبدم القصائد
وبخضرة الطرقات
هكذا في مواسم الاشجار
اوقد الكلمات)(12)
إنّ جمالية التعبيرفي النص ناتج عن نضج الفكرة عند الشاعر التي يقدمها بتعبيرجميل وصورة من الواقع الرهيف، وما يحمله من جمال وسعادة.إنّ أهمية الشعرتبدأ من صلته بالواقع.لذا فالشعر يجب أن يبهرالنفوس والاذواق بما ينشئ فيه الخيال من الافكاروالصور، ويجب أن يسحرالاذان والنفوس معاً بالالفاظ الجميلة التي تنمازبالرصانة والرقة واللين(13).
لذا يمكن القول إنّ العمل الادبي محتوى وصورٌ.فالمحتوى يقصد به الافكاروالعواطف التي يشتمل عليها العمل الادبي.في حين ان الصورة تشمل كل العناصرالشكلية التي تعبرعن ذلك المحتوى.
ومن هذا فإن القيمة الجمالية في العمل الادبي تتطلب قدرة مبدعة من الشاعروقدرة تذوق مرهفة عند المتلقي ومنها تتحدد الكيفية الجمالية في التقييم.أضف الى ذلك أن القيمة الجمالية نسبية تحكمها ظروف الحاضرالمحيطة بها في لحظة معينة(14).
لذلك زعم بعض أصحاب الفلسفة الجمالية، أن لاعبرة بالاحاسيس والمشاعرالتي يتضمنها النص الادبي وما يعبرعنه من معانٍ اجتماعية وفكرية، إنما العبرة بحقائقه الجمالية والفكرية التي يعرضها الشكل عن طريق العلاقات بين الاصوات والافكار، ومدى الاحساس بهذه الحقائق(15).
وقديماً قال افلاطون:(إنّ الجمال ليس شيئاً طبيعياً كالذهب، وإنما هو علاقة الاشياء بعقولنا، أو قل بأغراضنا)(16).
لقد نفذ هشام القيسي بشعره وفكره الى ما ينتاب الانسان، واستطاع أن ينظرفي اطرافها وان يصورها بأدوات الشعر.
فكان كثيرالانصراف الى ما يقع تحت سمعه وبصره فينطلق على لسانه بالشعرالفصيح وصدق العاطفة واستقامة الذوق في اختيارالالفاظ والموضوعات التي تتصل بحياة الناس فقد كان يرسل شعره عفواً فلم يفارق اللفظ الرشيق والتركيب الدقيق قوافيه التي تستوقف النظربجمالها وتسحرالذهن ببلاغتها وتروي النفس بفتنتها.
لقد تجلت ثقافة الشاعرفي شعره كله، فكان معبراً عن غزارة افكاره وسعة اطلاعه، لا في الموروث من التراث فحسب، وانما عبرعن عمق الفكرلديه في كثيرمن الظواهروالاحداث.وان شعره عرف بتصويرالافكارالعميقة التي يستوحيها من واقعه.
لقد افاد الشاعرمن افكاره فزاد الالفاظ عمقاً وجمالاً لاسيما أنها جاءت في مواقعها الصحيحة، وابتكاره دلالات أظهرت فيه محاسن شعره وجعلت له طابعاً متميزاً من الجمال الفني، إذ يقول:
( أهناك ما لا يكفي منك ؟
وسور البيت ما تعودنا منه
سوى الحب المتكلم
أهناك ما لا يكفي ؟
ورحيق البيت ما تعودنا منه
سوى الصوت المعلم .
تعرف كيف يكون الكلام
وتعرف كيف يضيء الكلام
وفي كل مكان
تقف ذاك المغني
في شهادات الحروف
وتطوف
مثل أغنيات
تفتح للبحر
ذكريات
وذكريات .
المحبة دين
والبث شمعة لا تموت
واني لفرط الدهشة
أرسم أسمك
نخلة باهرة المنازل .
شاغل السمع
صوتك دالة تستطيب التوحد
نقتفي بها
وحولها سنوات طوال
توقع خطواتها عميقا عميقا
وصوتك كما هو ينطق بعهده
ولم يكتف سوى من كلمات
وكلمات
يا نهاد نجيب سلاما
والسلام على أبوابك
يدون دهشة الكلام .)(17)
إنّ قدرة الشاعرعلى استثماراساليب اللغة وحسن توظيفها جعل لغته الشعرية جزلة الأسلوب، قوية التركيب، متينة السبك، رقيقة اللفظ، انيقة التعبير، فنجد فيها نوعين من الجمال، جمال اللفظ وجمال المعنى، وكلاهما يساند الاخر روعته.
إذ نلمس في هذه السطورهدفاً سامياً يسعى اليه الشاعر وهو يمضي مازجاً ومضات عقله بنبضات قلبه موضحاً موقفه من الطبيعة والانسان ليجعل من شعره طابعاً من الجمال.
وقد امتزجت لديه(نوازع العقل منه بنوازع القلب، ونزوات العاطفة بعرى الصبر، وذابت بدوات الانفعال في طيات الرصانة فجعل من الحكمة شعراً)(18).
لذا فأن الثقافة بوصفها فكراً مبدعاً متحركاً تولد من ثنائية الاندماج بين المادة والفكرة، أو بين الطبيعة والمثال، لتخلق من خلال هذا التفاعل المتحرك روائع الفكر في الشعر.
نرى ان لابد للشاعرمن ان يدرك مشكلات الكون والانسان وان يصلها وصلاً وثيقاً بذاته.فقد عبرهشام القيسي تعبيراً جميلاً صادقاً، مزج فيه الفكربالشعر، وهو يظهرالخاطرة التي طافت برأسه، فأحسن التعبيرلما تحمله من عمق الفكرة والاحساس بواقع الحياة الانسانية، فتعد تجربة شعرية صادقة لانجدها الا قليلاً في شعره. فنسمع فيها رجفة قلبه، إذ يقول:
(كنت
ولم يزل وجهك
يقرأ طوال النهار
نافذة تكبر ،
ولم يزل يخضر
في كل دار
ففي شرفات الماء
يمسح النهار
ليالي الغبار
وفي ظل غيمة طليقة
تعبر بلا أسرار .
نمضي معا
وحيث يموت الليل
تقدح اللهفة
حتى البكاء
وإذ أحلم
بمدى مفتوح
توقظني عيناك
فالهوى ملتهب
والدرب لا يكره الأشياء .
ربما نحلم الآن
وربما لا نحلم
لكن الباب مشرعة
لا يحجبها جدار
ففينا وردة حمراء
تعلو باسمة
بين أرض
وسماء .)(19)
تكاد السطور تفصح عن صراع نفسي يعبر عن دواخل الشاعر، مفاده استعذاب الموت، فهي قصيدة تنبض بالحيوية وتفيض بالحركة تنسجم مع عاطفة حزينة.
فالشاعربسط افكاره في هذه التجربة الشعرية التي جاء بها من عناصرتجربته وأركانها التي تتراءى له وتمتزج بنفسه، فتحدر الفكر تحدراً منسجماً مع العاطفة، فهو منها كما هي منه.
فرسم أجمل الصورالتي تركت النفس حيرى مولهة تترمض وهي تثيرصورالرمضاء بكل حرارتها وجمرها، فوفاها حقها من ويبدو أن الشعرفي هذه المرحلة له أثر مهم في حياة الناس، لانه يحفل بالفكرووجهات النظر.لصلته بالحقائق العلمية، عندما يعرض قبحها وجمالها، وليس من حيث البرهنة فحسب(20).
أي ليس الشعرتقليداً لاجل التقليد، وانما هو شعريجلو ما كان يضطرب في نفس الشاعر.لان الأدب الأصيل في فنونه وألوانه ومعانيه وافكاره هو الادب الذي يصورحياة صاحبه، ويمثل العواطف والامال للأمة او للجماعة التي انتجت تلك الالوان الادبية تمثيلاً صادقاً(21).
في حين نجد مخيلة القرن الحاضرهي مخيلة صناعية غيرماهرة حتى تبدوفي أضعف أشكالها ودرجاتها قدرة على التركيب والتجديد، ويخلص الى ان النتيجة النهائية لهذا النوع في المخيلة يقدم عادة صورة تزيينية.
وهي في رأي هنري ويلز اكثر الاشكال فجاجة من الناحية الجمالية(22).
لقد حرص الشاعرهشام القيسي على تزيين قصيدته بالصور والالوان والحركة وبالنتائج النهائية التي يقصدها، إذ يقول:
(لاشيء غير عاشق يأسره عشقه
ولاشيء غير حطب لايطفيء أرقه
فكم من ولهان تعثر فيه
وكم من أسئلة نبتت على يديه
حيثما يتناغم فيه الشوق
ويحصد نيرانـه .
يتشبث بي
يوقد شموعه بنبضات قلبي
فماذا أفعل الآن
والذاكرة تفاجئني بخافق يشدو
ومطر يجري في لهبي ،
يأتيني في اشتعال الوقت
حيثما يتخطى محطة
يستميل روحي
ويكتب قصائده بالجمر
يا لهذا الأمر
يساند همي
ولا يهدأ على أبوابي
فهو الوقت
وكل الذي فيّ منـه
قلق منسوخ لا ينتـهي
وقلق يراهن
حينما يستبد بي
وحينما يغدو نارا في صوتي ،
لا شيء إذن غير عشق
لا يحصي عشاقه .)(23)
الشاعرلابد أنْ يكون مرهف الحس يدقق في الفاظه ومعانيه، فينتخب لكل فكرة ما يناسبها من الكلمات التي تمكنها من الرسوخ في ذهن المتلقي، فيبثها في شعره لتشحذ فكره وتجعلهُ متواصلاً مع بقية افكارالقصيدة وأن الشعرالخالي من الفكرة لا يغني القلب شيئاً، ومثله قول (جييو):(البلبل في القفص، يكون خافت الصوت، كسيرالجناح، لانشعرتجاهه الا بالشجي والإشفاق، فإذا فُكَّ جناحه، وهوّم في الهواء الطلق استوحى عاطفتهُ)(24).
إذ لابد للفكرعند الشاعران يكون صورة من صورالتجربة الحية والمعبرة عن الحالة النفسية لإنشاء النص. لذلك فأننا نهتزعندما نقرأ نصاً فيه فكرعميق لكثرة تجارب الشاعروعلى حسن فهمه للحياة والناس؛واذا ما خلا الشعرمن الجدة في الأفكارلم تكن هنالك شمولية أو عمق أو سمو.
لذا نحن نبحث عن الجدة في الأفكارفضلاً عن سموها وشموليتها وعمقها وبعدها عن الفساد والاهتمام بالصياغة الجميلة والإحساس الصادق، لتحقيق التوازن بين الشعوروالفكرفي النص الأدبي.لكي يكون تأثير الشعرفي النفس أعمق وابعد غوراً.
فنجد هشام القيسي انمازفي قصيدته(جوع)عن غيره من الشعراء المحدثين لما لها من شاعرية وجدة واصالة أظهرت الثقة بالنفس والبراعة في مزج الفكربالعاطفة، إذ تتحد فيها تأملات لا يثقلها العقل، فيقول:
(من دون ان تمر على سهو جديد
تولد مشيئة الايام على مهل
وبمحاذاة الانتظار
لا شيء اذا ينتشي
سوى قعود في الفصول
***
الكائنات تجلس على اسئلتها
والدروب لا تحاور سكانها
كذلك الجوع الذي لن يشبع
لديه كل الاشكال
والمعاول
والمقاطع القديمة
كل مجيء وسيلة
وكل طريق غير مزدان
بسلسلة لا تنتهي من العرق
يغدو منحوته بلا ابتسامة
هكذا تقريبا تتكىء الرحلات
واصغاء الكلمات تجارب نائمة
بعد منتصف الليل
فالانفاق ارث الاشياء
والنهار ليس على ما يرام
هذه الليلة
حيث يغنض عينيه
ولا يساير تساؤلات
لافراح الشريدة)(25)
هكذا نلاحظ ان النفس تبحث عن الحقيقة أو عن الخير، لانها تبلغ السر ثم لا تلبث ان تنفر، ولكنها تخشى ان تكون الاشباح واقعاً في وحشة القبروجوداً، اما في الدنيا ربيع ينثرالوانه الزاهية على المغالق الموحشة، فالنور يدق ابواب هذه الموحشات وجنح الليل معتكر.
لقد أظهرت براعة الشاعرفي هذه الصورة المنبثقة من دنيا نفس تحتشد فيها الهواجس والقلب لايستقربه القرار، فيقول:
( ها انت في نهاية المحطات
وعلى ارصفة الرحيل
توقد الذكريات
***
كنت على شجيرات الروح
تحلق باسرع من الريح
وكنت هناك
تهرع لترحال جميل
يطوف ثانية
وثانية
وفي كتابك لهفة
لا يتسع لها فرح الكلام
يا اقامة تنبض خطوات لا تنام
هذي اوراقك تتنفس نبضاتها
وهذي اقمار ايامك تتلاصق
باسرار محترقة
وهذي
كؤوسك المثقلة
جائعة
تتناسل بلا انقطاع)(26)
إنّ هذه الهواجس تكشف لنا عن نفس الشاعروما يحملهُ من افكارعن مكونات شخصيته، وهي التي تهبه هذه القصائد ذات الستائر الخفية، وبعد ان يطول التوجس ويستوي الوجود والعدم تبدأ النفس تبحث لها عن مخرج أجدى .
وان بحث النفس عن المخارج طبيعي وأنها لواجدة في العقل – المجرب سنداً ومنهضاً وحادياً، فيقول:
(قد صحبت الزمان
في عالمك الان
تنتصب الايام مسلة
سعتها بروعةالنهار
وفي عالمك الفريد
حلم وحيد
يقضي كل ساعة نزهة
ممزوجة بالمواعيد
هل عليك
ان تبقى وحيدا
تسحرك ممالك الاحلام
وهل عليك
في دوراتك البهيجة
ان تبقى نافذة
يندفع الضوء منها
بسرعة لا تتوقعها اية ومضة
ما انصع حبا
يمطر كبهجة الاطفال
وما احلى خطى
ينحني لها كل محال )(27)
هكذا خيل للشاعروالقارئ، فيستريحان ويطربان الى هذا المرسى الجميل الذي بلغاه بعد طول الاين والنكد، إن هو الا خيال أسهم العقل البطرفي عمله لان الهواجس هي الغالبة وهي الاصل.ويبدو ان براعة الشاعرفي مزج الفكربالعاطفة تأخذ في الشعربمنهج الفكرمزية وفضيلة ودليلاً على تشرب الشاعر بروح العصروجدة مع تمكن من القديم(28).
إنّ الشعرغذاء الروح الذي يشارك مع الفنون والعلوم والجماليات في صقل الروح وتنميتها، وعندما يتحدث الانسان عن الجمال انما يعني به الجمال الذي يصفه هو، وعندما يطلق كلمة الفن يقصد به الابداع في هذا الميدان(29).
لتجسيد هذه الرؤية فنياً وفكرياً في النص الشعري.فالشعرليس اقتصاراً على القصائد فحسب، بل إنّه روح موسيقية يدخل في العالم من خلال النوافذ الجمالية العديدة، ففي قول هشام القيسي:
(بما شاءت الأقدار
بما عزفت حكمة النـهار
فصول تنشد للأبدية
فصول تفور في يقينـها
فصول تئن في أفلاكها
فصول تجيء ،
كم تشتـهي الأرض مهنتـها
كم تشتـهي الأرض بـهجتـها
كم تتأمل مسافاتـها
وتتبلور
كم تتأزم ، تفقه ، تقضم
لكنـها بصمت دقيق
ترحل صوب أقاص
تعرف خلاصة الحقول
فهي في صلابة الأشياء لا تنام
وهي في خلايا الحكاية
تكتسب غبطتـها كل عام
ومن حمرة الشمس
تغني للبحار
هي النفس تبقى
تمطرنا
بعيداً بعيداً تدثر طقوسها
في مشيئة الأسفار
فلا الرعشة تسأل
ولا المخيلة تقبل
ولا الساعة تؤجل
فمن البَر إلى البِر .)(30)
لقد تحول العمل العقلي الى صنعة دقيقة حاذقة.تلقاها ذهن خصيب رهيف قادرعلى جلو الافكاروالارتقاء بها.لدفع المتلقي الى التأمل الفكري والمشاركة الوجدانية التي تحمله الى الجو الذي يتنفسه الشاعر.
فالشعرالذي يغرق في النظريات المحدودة، والحكم الجافة ليس شعراً بالمعنى المراد.وانما مقياس القصيدة الجيدة تعتمد بلاغة العبارة وصدق العاطفة وجمال الشعوروالتصوير.لذا نجد هشام القيسي (يغترف من مناهل الجمال ماء شعره، فإنّ اختياراته الوجدانية وصبواته كانت تأخذ طريقها الى شعره فوراً).

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

كريم الأسدي : أمنيات لو

أمنيات لو    مثنويّات ورباعيّات عربية *..   شعر : كريم الأسدي      لو …

تجلّيات اللغة التعبيريّة في السرديّة التعبيريّة
وجهي.. صبحٌ مدلهم الشروق للشاعرة “رحمة عناب”
بقلم : كريم عبدالله

اذا كان السرد النثري هو سرد قصصي – حكائي يقصد الحكاية او توصيلي بشكل خطاب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *