الرئيسية » فكر » جابر خليفة جابر : جِيم جَديد قَص
(10) خان الإستنساخ

جابر خليفة جابر : جِيم جَديد قَص
(10) خان الإستنساخ

إشارة :
كتاب (جيم جديد – قصّ) للمبدع جابر خليفة جابر الذي ينشره موقع الناقد العراقي في حلقات هو واحد من أهم الكتب الثقافية التي صدرت بعد الاحتلال. فبالإضافة إلى أنّه يتناول مفاهيم وأحداث وشخصيات ثقافية وفق نظرة جديدة وبعضها يُطرح لأول مرة ، فهو أيضا تشريح لمعضلاتنا الثقافية ومحاولة طرح حلول لها بدلا من النواح والتشكي. أمّا أسلوبه السردي الهادىء و “الحياتي اليومي” فقد أزال عنّا التباس وصفه على الغلاف بأنه “قص” لأول مرة. وللأسف لم يحظَ هذا الكتاب المهم بالمناقشات المطلوبة التي نتمنى أن تثيرها محاولة نشره هنا. تحية لجابر خليفة جابر.

(10)
خان الإستنساخ

ضحى الجمعة والزحام على أشده في سوق الكتب بالسراي فافترقت عن عمار ابني، استدرنا إلى القيصرية، يسار شارع المتنبي، كانت الكتب والشايات والكراسي وكانت الوجوه الصديقة وحديث القصص والقصائد والروايات وكان الاختلاف الجميل..
آخر القيصرية، ومن باب يقابل مكتبة حنش من الجهة الأخرى سرنا في زقاق ضيق طويل بدأ يتسع تدريجا ويزداد عتمة كلما توغلنا فيه، استقبَلَنا العنوان المخطوط بصبغ رمادي ثخين وبشكل يماثل شواهد القبور، انتصب أمامنا كأنما يجرنا إليه، قال رياض إبراهيم: خان الاستنساخ..
كان رياض قد مات مطاردا في زاخو، ما الذي جمعني وإياه؟ قلت لنفسي، وكان مشغولا عني يتصفح كتب الهندسة الوراثية وعناوين الجينات المعدلة ،وكيف ولدت النعجة المستنسخة دولي، وفجأة وقعت عيني على كتاب صغير لقصص الخيال العلمي ترجمة عبد الكريم خليفة كان عنوانه (أنا وذاتي ونفسي ) استنسخ بداية تسعينيات القرن الماضي، إحدى قصصه تحدثت عن نسخة بشرية لأحدهم، ثمة صور أيضا لتماثيل جزيرة الفصح ذات الوجوه الصخرية المكررة والمتشابهة حد الملل..
بعض الكتب بدت لي كالمرايا كنت أرى نفسي على أغلفتها، أقلب أوراقها فأرى وجهي أيضا، فرحت، استمتعت قليلا، ثم بدأت أضجر، بل, خشيت أن افقد القدرة على التركيز وعلى الاحتفاظ بذاكرتي أمام ذاك التكرار ..
– هل ترى هناك، أعداد إصداراتكم (البصرة أواخر القرن العشرين) قال رياض.
نظرت، فعلا كانت مبعثرة على بسطة واحدة تراكم بعض الغبار عليها وبدت مهملة وبعض أوراقها ممزقة.
– ولماذا هنا؟ لأنها طبعت بطريقة الاستنساخ؟
– لا أدري، ربما يريدون تكرارها لتموت، التكرار موت وسكون وسكوت، التكرار لغة السلطة يا صاحبي، استنساخكم الحي الجميل يريدون إماتته أيضا بتكراره.
لم أفهم بعد لماذا أدخلني رياض رحمه الله لخان الاستنساخ، أشار إلى مؤلفات تتحدث عن البنيوية والتفكيكية وموت المؤلف، وكأنه قرأ ما بداخلي قال: في عملية الاستنساخ الجيني، يأخذون خلية من أي مكان في جسدك، أية خلية، وأول عمل يقومون به قبل تحويلها إلى كائن آخر مستنسخ عن الأصل: أول خطوة هي عملية تجويعها حتى تفقد تخصصها!
– كيف؟ لم أفهم، سألته باستغراب.
– لنفرض أن الخلية المأخوذة خلية تحسس أو خلية ذاكرة، عندما تجوّع تفقد هذا التخصص وتتحول إلى خلية عامة لا خصوصية لها ولا ذاكرة!
– الآن فهمت، لكن ما علاقة الاستنساخ الجيني بهذي الكتب المعرفية والأدبية؟
– هذه المدارس تقوم بالعمل الاستنساخي ذاته لعقولنا وذواتنا، في الاستنساخ الجيني يجوّعون الخلية، وبعد أن تفقد تاريخها وخصوصيتها تكون جاهزة لإنتاج جسد آخر مكرر ومستنسخ طبق الأصل، البنيوية والتفكيكية وغيرها أيضا، أول عمل تقوم به هو إقصاء التاريخ : تفريغ النص الادبي من القيمة ومرجعيات المؤلف وامتدادات الواقع وعلائق التاريخ، هذه أول خطواتها: وحين تنجح سيكون سهلا تنميط العقل وفقا لما يريدون، وفقا للقولبة أو للنمط المُعولم..
أدهشني ما يقول وأنا الذي أنفقتُ أوقاتا طويلة مع هذي الكتب، فقلت:
– هذه البنيوية، فعلا كما تقول، لكن ماذا عن ديريدا والتفكيك؟ ألم ينظّّر لإنزال المركز من عليائه، بدلا من تكون أوربا مثلا هي المركز ونحن في الشرق هامشا، جعل المركز هو الحوار بيننا وبين أوربا أو هو نقطة الالتقاء الوسط بين المركز والهامش، وهذا إيجابي وجيد ولا يمكن وضعها في رتبة واحدة مع البنيوية.
– ما تقوله صحيح، لكنه مجرد تمويه لإنزال التاريخ من مرتبة الثابت والمركز مقابل الأدب، وهي هنا لا تختلف عن البنيوية في إقصائها للتاريخ، وبتعبير آخر أكثر وضوحا، خلخلة منزلة التاريخ يعني تجويعنا فكريا لنفقد خصوصياتنا الثقافية والحضارية، وبعدها قولبتنا وفقا لما يريدون! وقد نجحوا مع أغلب نخبنا المثقفة والمبدعة مع الأسف والأسى! لذلك فطن لوسيان غولدمان ونظّر للبنيوية التركيبية المزيج بين الواقعية الاشتراكية والبنيوية.
سكت قليلا وأضاف: هل لاحظت الفرق بين دراسته عن قصيدة القطط لبودلير وبين دراسة جاكوبسن وشتراوس البنيويين لها؟ أعد قراءة الدراستين جيدا وسترى.
فعلا الأمر هكذا، قلت، وتحسست نفسي، شعرت إني لست أنا، تذكرت عنوان قصة الخيال العلمي (أنا وذاتي ونفسي)من يدري، ربما كنت مستنسخا، قشعريرة ما سرت بعقلي، قلت له : لنخرج رياض، أرجوك لنخرج بسرعة، لكنه اختفى، تلفتّ، لم أره، كان خان التاريخ مضاء من بعيد، من كوة صغيرة لمحته، وعبر واجهته المشرعة رأيت إبني عمّار، رأيته يلوّح لي مبتسما، واتجهت إليه..

=====

تعليق واحد

  1. سرمد الشلاه

    جميل .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *