مهدي شاكر العبيدي: فؤاد يوسف قزانچي.. صورة قلمية وسيرة حياة

حينَ سمعْتُ به منذ سبعينيات القرن الماضي مديرا ً للمكتبة الوطنية العامة ببغداد ، تداعَتْ بي الذاكرة إلى قريبه الرَّاحل كامل قزانچي من ألمع المحامينَ في وقته والذي امتهن التدريس إبَّان شبيبته عام 1928م ، وفي ثانوية النجف أيَّام ولاية المرحوم المربي عبود زلزلة عليها ، حيث تبعد هذه المدينة المقدَّسة ذات الإرث الحضاري والثقافي بمسافة أميال عن موطن نشأته في كنف أحد أقاصي الموصل وأطرافها ، وتختلف عنها في تقاليدها وأعرافها ، سوى أنـَّها تنخرط في كيان العراق الواحد الذي تلتئم مجهودات بنيه وتنعقد على نصرته والذود عنه , على تباين مشاربهم ونحلهم واختلاف عناصرهم وطوائفهم , وعلى ذكر كامل قزانجي الذي دفع حياته ثمنا ً لمواطنته الحقة , نقول أنـَّه كان أحد اثنين أبعدتهما السُّلطات القائمة في أمس البعيد وفرضَتْ عليهما الإقامة الإجبارية في تركيا بغية إشاعة الرُّعب والخوف في نفوس بقية المواطنينَ المتنوِّرينَ الذين يعارضون أساليبها التعسُّفية في حكم   البلاد , تمهيدا ً لسياسة الأحلاف مع الدَّوائر الغربية , ولا أسهب في تصوير حال المنفي العائد إلى الوطن غداة استدعائه للمثول أمام المحكمة العسكرية العليا الخاصة التي شكلت بعد قيام ثورة 14تموز عام 1958م ، للإدلاء بشهادته وهي تقاضي أحد أزلام النظام القديم , لا سِيَّما أنـَّه جاءها حاملا ً حفنة من ترابه كان يتسلى بها في منفاه , مجسدا ً إخلاصه وولاءه للعراق حتى وإنْ ترجم بعض الكتابات السِّياسية ، ومنها ( سقوط الجمهورية الفرنسية الثالثة ) بجزأين ِ أو ثلاثة ، مبتغيا ً بها ومنها نشر قدر من الوعي السِّياسي وتعريفا ً بتململ الشُّعوب وقراعها للمحتلينَ , ممَّا أشَّرَ تجاوزه للخط المرسوم والذي يقف عنده منتسبو حزبه الوطني الديمقراطي , فرامه غير واحد بالتطرف وأنـَّه لا يلتزم بمنهاج حزبه في الوصول لأهدافه وغاياته بالتدرج وبالخطوات الوئيدة , فكان أنْ أخرج من بين صفوفه على ذلك النحو المؤسي والحري بالرِّثاء ، خصوصا ً وقد شاع يومها في الوسط السِّياسي ما قيل عن إظهار بعض أقطابه مقتهم وازدراءهم لما خالوه انحرافا ً وزيغا ً في السِّيرة اللائقة بمحام ٍ ينتمي إلى النخبة الموكول إليها التنظير وتوجيه سياسة الحزب ! ، وبعد سنين يلقى مصرعه في الموصل وسط حوادث مروعة يطول شرحها , وهنا تنبري الأصوات لتعلن أنـَّه شهيد الحزب الوطني الديمقراطي من بعض منتسبيه في القصبات الجنوبية فتقام المناوح ومهرجانات العزاء , ويظلُّ الطرف السِّياسي الذي حُسِبَ عليه خطأ من قبل بعض المتسرِّعينَ في إرسال آرائهم وتوزيعهم للأعلام البارزينَ في خانات , متردِّدا ً في تبنيه واحتضانه لغرض المباهاة بانضوائه لهم ومشايعته لمبادئهم وأفكارهم بعد أنْ خسره حزبه وفرط فيه ! ، فلا مراء أنْ يعتب فؤاد يوسف قزانجي على جريدة ( طريق الشَّعب ) لتغاضيها وإحجامها عن اعتباره من شهداء الحزب الشيوعي ذوي المضاء والصَّلابة والثبات ولو عَدِمَ بطاقة انتماء ! ، علما ً أنـَّه يتحاشى في حياته اليومية أنْ يعرض لسيرته هذه في حديث عابر مع خلطائه وأصفيائه العارفينَ بخفايا الأمور , مع أنـَّه كان أيضا ً وفي مرحلة من حياته يفع أثناءها صبيا ً ، ودرج ناشئا ً فتيا ً ، واستوفى تعلمه وتثقفه وتحصيله على غاية الافتراق هو والتوجُّه الفكري الذي ترسَّمه الشَّهيد كامل واتخذه قبلته وعلى ضوئه يفسِّر الحوادث ، ويعلل الظاهرات , ويستند إليه في تحديد مواقفه واستجاباته حيال المستجدَّات والظروف , وربَّما جنح لاستغلال اسمه وهو في عقده الثاني غير واحد من المقيمينَ في الخارج معترضينَ على حكم الزَّعيم عبد الكريم قاسم بشكل مبالغ  فيه , وعلى صفحات مجلة ( الآداب ) للتنديد بما خالوه امتهانا ً للحريات , وفي ذلك الظرف نـُكِبَتْ عائلة القزانجي بافتقاد الوجه التقدُّمي والمناضل البارز والمحامي الشَّهير والمثقف المرشَّح لأنْ يغدو مشروع مترجم مقتدر من عيون الآداب الغربية لو مدَّ في أجله وأمهلته الأيَّام فتأمَّل ! ، على أنـَّه جهر مرَّة وبمشهد ومسمع منـِّي بشجبه واستهجانه منوال الكاتب عباس محمود العقاد في رفضه المنطق الماركسي وانـَّه ليس الوسيلة الناجعة في إشاعة الرَّخاء والرَّفاهية لدى المجتمعات الإنسانية ولا كفيل بمعاونتها على التخلص من السَّوءات والشُّرور ، وموفٍ بها على السَّعادة القصوى الموعودة بها من قبل فلاسفته ودعاته , وانَّ هذه الوسيلة ما هي إلا أسلوب رخيص باعث على التندُّر والضَّحك ولا يستند إلى الدَّلائل والحجج القوية في تخطئته وتفنيده , وأطرى عين الوقت على تأثيره في تقدُّم العلم وتطور الحياة في هذا العالم مذ هيمنته على الفكر الإنساني في القرن التاسع عشر ولسنوات طويلة بعده , مع أنـَّه يستريب بنوازع خصومه ومناوئيه ويصمهم بالضَّحالة وسطحية التفكير .

وكذا هجر فؤاد يوسف قزانچي أحاديث السِّياسة وعاف منتدياتها وانصرف للهمِّ الثقافي وانشغل به بصورة كلية , وأوقف جهده على تلمس الجوانب المضيئة والمتميزة في تاريخ الحضارات العراقية القديمة كالسُّومرية والأكدية والبابلية والآشورية , مهتديا ً إلى الكثير من الحقائق والمسلمات التي أضافها إلى ما توصَّل إليه سابقوه من الباحثينَ في التاريخ الإنساني من استنتاجات وشواهد , ومنها معرفة الأصل في تسمية مدينة الرُّصافة في بلاد الشَّام , فقد أثبَتَ أنـَّها مدينة آشورية شُيِّدَتْ عام 830 قبل الميلاد من قبل أحد ملوك الآشوريين , وكانَ اسمها في السَّابق رصابا ثمَّ استحال إلى سرجيوس بوليس بعد مضي قرون إثر مقتل حاكمها الرُّوماني المسيحي سرجيوس عام 307 للميلاد إلى أنْ دالتْ سطوة الرُّومان شمالي سورية فتغيَّر الاسم إلى رصافا , وكذالك استدلاله على موقع مدينة عاقولا في القرن الثالث الميلادي واستقراؤه تشييدها من لدن الأقوام الآراميينَ الذين توطنوا هذه الدِّيار مقابل الكوفة الحالية التي بناها المسلمونَ واتخذوها معسكرا ً لجندهم ومقاتليهم على أطراف الصَّحراء المترامية بعيدا ً عن حياة الترف والحضارة , وإنَّ هذه التسمية تغيَّرَتْ بمرور الزَّمن من الآرامية واستقرَّتْ عند اللفظ المألوف والمأنوس في العربية .

وأخشى أنْ يكون الأستاذ فؤاد قزانچي قد أقحمنا أو زجَّ  بنا في لدَدٍ وإرجافٍ أو منافسات حادة بشأن أيٍّ من الفئات والعناصر سبقتْ غيرها في انتجاع هذه المرابع واستيطانها ، وعكفتْ على عمرانها وتشييد معالم الحضارة فيها , لو تفرَّسْنا في محتويات مقالاته وبحوثه وفصوله المحيطة بهذه الشُّؤون المعرفية والمنشورة في المظان والدَّوريات المعنية بحضارة الإنسان منذ نشوئها وحتى الوقت الحاضر ، ووكده من هذا الجهد الشَّاق والمضني أنْ يستثير في بني النوع عنصر التفرُّغ لاستيحاء ما درج عليه الأسلاف من النشاط والانقطاع الكلي لترسيخ أسس حضارتهم , ومن تفننهم في ابتكار الوسائل الآيلة لازدهارها وإيفائها على ضروب شتى من نظريات الهندسة والرَّي والزراعة وعلم الحساب والاقتصاد والتجارة ، مهيبا ً بهم أنْ يعكفوا على دراسة التاريخ ويستقصوا وقائعه أملا ً في حسن التوصُّل لحقائق لو أحسن تأويلها وتحليلها وشرحها لغدَتْ ذات مساس وصلة بالحاضر ومتعلقة به ، خاصة أنـَّه ابتلي في عهده الأخير بالكوارث والمآسي , وامتحِنَ بالفاقة والاحتياج إلى أبسط مقومات الحياة وشروط العيش الضَّرورية لأنَّ سبيل المتنفذينَ فيه  هو غير سبيل الغالبية من الحرص والنزاهة والدِّراية .
وكلُّ هذا أضرَّ بمصلحته وبانَ منه أنـَّه ينتظره مستقبل مظلم , لا يرتجى منه خير أو فلاح , وانـَّه وجدَتْ من بين شرائحه وفئاته زمر تحللتْ من حسِّ المواطنة ، ولم تعُفَّ من الاندفاع في النهب والإغارة والإضرار بالمنشآت والمرافق والبنى التحتية ، وكأنْ عدِمَتْ أيَّ صلة وارتباط بها ، أو انـَّها لم تفتكر في آن ٍ أنْ تؤول الاستفادة منها للأجيال التالية من الأفراد مستقبلا ً ، على النحو الذي شهده الناس غداة الاحتلال الأمريكي لبلادنا .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.