تابعنا على فيسبوك وتويتر

قراءة نقدية تطبيقية في قصة (أخاديد ذاكرتي) من مجموعة (كاريزما) للقاصة هدى الغرّاوي

أ. م. د. وسام حسين العبيدي

أستاذ أكاديمي..

للقصة القصيرة أعرافها الأدبية التي تشكّل حدودها الفاصلة عن غيرها من أجناس الأدب بعامة، وممّا يُحايثها من حدود للقصة وللقصة القصيرة جدًا بخاصة، وعلى هذا الأساس يتمايز القُصّاص فيما بينهم بحسب ما تُمليه عليهم إمكاناتهم الذاتية وخبراتهم في جوس عوالم هذا الفن.. وقصة (أخاديد ذاكرتي) للقاصة هدى الغراوي، المنشورة في مجموعتها (كاريزما) تمثّل بحسب رأيي عيّنة اخترتها على اعتبار أوّل قصة أقرأها للقاصة، فكان لي أن أجد فيها من الشروط الفنية ما يجعلها مستوفيةً شروط الفنّ القصصيّ بامتياز؛ لما فيها من تلميحٍ ذكيٍّ ابتدأ بالعنوان، وانتهى بآخر كلمةٍ قبل نقاط الختام، فالعنوان “أخاديد ذاكرتي” يحمل بصفة عامة دلالة الألم، الضيف المقيم دون سواه في الذاكرة الإنسانية، ولولا هذا الألم لما كان للذاكرة أن “تتخدّد” فتُبقي مضمونه في سواقيها؛ لتنتعش الصور المُصاحبة له، وتنتفش المشاهد الحياتية المؤدّية إليه انتفاش العهن في يد الصوّاف.
اشتغلت القصة ضمنًا على ثنائية (الحركة/ السكون) فكان للقاصة أنْ تُوازن في عرضها مشاهد تشي دلالتها بالحركة بدءًا بالأصوات التي تشقّ سكاكينها جسد الصمت المحيط بالأماكن التي تقف في زاويةٍ منها بُغية تصويرها بدِقّة، وانتهاءً بحركات أولئك المراجعين الذين تقف تصوّر بدقة حركاتهم ولا تكتفي بذلك بل تحاول تأويل نوازعهم الذاتية وما يدور في أذهانهم. وما كان للذكرى أن تلعلع برأسها ما لم يُحفّزها المكان.. بوصفه مثيرًا – بحسب بافلوف- رغم أنّ الذكريات لم تظهر بصورة متّصلة، فهنالك مشهدان يفصل بينهما مقطع زمني، هكذا أرى بوصفي قارئًا، ويمكن أنْ يكون المشهد واحدًا إلا أنّ فيه عرضًا لمكانين: الأول الشارع المؤدّي إلى المستشفى وفيه يقف شرطي المرور، وتلك العجوز المُسِنّة، وتلك الطفلة التي حيّت (السارد) بدلع لسانها، وبادلتها بالتحية نفسها، ومن ثم كان للسارد أن يستعرض أحوال من اجتمعوا في مكانٍ واحد (المستشفى)، الذي يُفترض أن يكون مندوحةً للتنفيس عن معاناتهم، ولكن يتّضح أنه ليس إلا مُثيرًا لدفين معاناتهم، ما جعل السارد ينشغل بوصف كل واحدٍ.. وغير ذلك من حركات كانت بين أصوات مشي الطبيب المتهاون وانتهاءً بصوت المنادي باسم “سليم ثائر علي”..
كذلك لم تغفل القصة رسم ملامح الشخصيات التي جمعها القدر في هذا الممر، فكلٌّ له عالمه المختلف عن الآخر، فيما بقي السارد مشغولاً باكتشاف عوالم كل شخصية محاولاً التنبؤ بما يحيط كل شخصية من ظروف..

وإذا أردنا التنبيه على ما ينبغي الابتعاد عنه في النص الأدبي – أي نص- هو رعاية الإحالة إلى الضمائر، وهذا أمرٌ مهم يتصل بسلاسة وصول الفكرة ويضمن انشداد القارئ بأسرع وقت للفكرة التي يبتغي المؤلف من عرضها على القارئ. وكما هو معلوم فقد أصبح الخطاب على وفق مقولات التداولية الحامل اللغوي لمقاص المتكلم موجِّهًا إلى المتلقي، فيُولد في سياق تخاطبي وبلغة مشتركة لأنه يقوم على افتراض مسبق . وهذا ما يمكن تأشيره على عبارة وردت في بداية عرضها لمشاهد من ذكريات تمرّ وكأنها شريط سينمائي في القصة، وهو قولها (يمضي أمامي بخطوات سريعة) تأتي هذه الجملة غفلاً من وجود الفاعل، فيبقى على القارئ أنْ يؤوّل من هو الذي يمضي بخطوات سريعة من أمام السارد..؟ وهنا لدينا عدة احتمالات يمكن أنْ نُرجّح أحدها في تعيين فاعل الجملة:
– بما أنّ القاعدة النحوية العامة ترى أنّ الأولوية في إحالة الضمير إلى متقدّم في أقرب الجمل التي سبقته، فتكون الإحالة على اللسان.. في جملة (حييتها أنا أيضًا بإخراج لساني مددته على شفتي بشكل عرضي) ولا أرى أنّ المعنى سليمًا في هذه الإحالة.
– وإذا لم يكن المعنى سليمًا في الإحالة الأولى التي يُفترض بحسب القاعدة النحوية أن تكون المرجع في إحالة الضمير.. بقي لنا أنْ نُحيل الضمير في جملة (يمضي..) إلى ما قبله.. وبما أنّ الفعل يُشير إلى أنّ الفاعل مذكّر، بقي لنا أنْ نحيل الضمير إلى جملة (شرطي المرور الذي ابتسم في وجهي دون أيّ مقدَّمات) لكن حين نتابع جملة (يمضي.. الخ) لا نجد أيّ رابطٍ يدعو السارد أنْ يصف شرطي المرور يمضي سريعًا، والواقع يُخبرنا أنّ شرطي المرور يقف دائمًا في مكانه منظّمًا حركة السير، فهل وجد مثلاً مخالفة مرورية وأسرع لها؟ ولو فرضنا ذلك واجهتنا مشكلة أخرى في سبيل الفهم المنتظم لمجريات الأحداث التي استرجعتها القاصة في هذا المقطع تحديدًا، وهو لو فرضنا أنّ شرطيّ المرور مضى سريعًا فما السبب الذي دعاها أن تلحق به لدرجة اللهاث من المشي السريع..؟ لا أعتقد أننا نصل إلى جواب سوى أنّنا نفترض أنّ للسارد مركبة توقفت لعطلٍ مفاجئٍ في وسط الشارع ما جعله يستنجد بشرطي المرور، ويسقط هذا الاحتمال حين لا نجد ما يُفصح عن هذا الحدث الأهم الذي ينبغي للسارد أنْ لا يُفرّط بعدم ذكره فيستدعي ذكر طفلةٍ صغيرة مدّت لسانها إليها ببراءة، ولا يُشير لهكذا حدثٍ يُفترض أنْ يحفر إخدوده في الذاكرة.
– ممكن أن تكون إحالة الضمير إلى قولها في أول سطر من القصة (عندما شاهدتُ المكان آخر مرَّة) لكن يتهاوى هذا الافتراض حين نعلم أنّ المكان يتّصف بالثبات ولا يمضي بخطوات سريعة.. ولا يمكن أنْ نتمحّل تأويلاً يُفضي بأنّ المكان يتحرّك..
– بقي لنا أنْ نُحيل على أول فاعلٍ مذكّر ورد في القصة وهو قولها (هدوء يقطع الممرّات) وهنا لا أعلم كيف نجسّر المعنى المنسجم بين الجملتين؟ حين نُحيل فعل المُضيّ بخطواتٍ سريعة لهذا الهدوء المتّصف بالسكون..؟ فيستحيل إذن أنْ تكون إحالة الضمير بحسب القاعدة النحوية إلى ما تقدّم عرضه من جمل.
– بقي لنا أنْ نقطع بأنّها جملة سيأتي فاعلها فيما بعد، أي أنّ الإحالة فيها إلى متأخّر.. وهنا أيضًا نعجز عن الإمساك بتلابيت الفاعل الذي مضى بخطوات سريعة فجعلنا مع السارد نلهث من شدّة التعب علّنا نلحق به، ولكن من دون جدوى، وما يزيد الحيرة أنّه ذُكِر بفعلٍ آخر وهو المضارع (يتوقف) من قولها ((يتوقف عند بائع يضع أمامه إناءً مليئاً بالماء)) فهل عرفناه أولاً حين مضى حتى نعرفه حين يتوقّف عند بائع الماء..؟
كذلك ممّا استوقفني بوصفي قارئًا مثيرًا أسئلتي قولها بعد ذلك المشهد ((غمرتني فرحة قصيرة لهذه اللحظات التي جعلتني أقترب منه أكثر، يناولنا آنية بحجم كفه، خال لي أنه دسَّ السم فيها، رغم عطشي رفضت أن أشرب الماء خوفًاً من تلك النظرة المريبة التي رأيتها في عينيّ الرجل، أخبرته إنني لا أريد)) فهنا أتساءل: لما كان السارد يقصّ لنا سرعة لحاقه بهذا المجهول ما جعله يلهث، فهو بحاجة إلى أنْ يشرب الماء من هذا البائع، والفرحة التي اعترته طبيعية جدًا تتحقّق لكل ظامئٍ يشتدّ قربه بالماء، فما السبب الذي دعا السارد أنْ يتصوّر أنّ هذا الماء قد دُسّ فيه السمّ، ما جعله يرفض، في حين أنّ هكذا افتراض ممكن أنْ ينقدح في الذهن حين يكون الماء موزّعًا بالمجّان، وبمكان بعيد عن أنظار مؤسسة مهمة مثل المستشفى، أما واقع الحال فالماء يُباع من قبل هذا الشخص، بما يدفع مثل هكذا تصوّر ولا معنى له، إلا إذا افترضنا أنْ يكون السارد مصاب بهلاوس أو مرض نفسي يجعله يُشكّك بكل شيءٍ حوله، وهذا ما لم ينكشف لنا لا فيما قطعناه من القصة ولا في نهايتها.. كذلك يواجهنا سؤال آخر: إذا كان مثل هذا التصوّر قد استحكم على السارد وجعله يرفض أنْ يشتري الماء من هذا البائع بناءً على نظراته المُريبة فحسب، أو لأنّ الآنية كما ذكر أوحت له بهذا التصوّر، بما يمكن أنْ نستسيغه على أنه انتقادٌ لاذعٌ لأولئك الباعة الذين لا يُراعون شعور مرضاهم فلا يعتنون بالأواني التي يبيعون فيها الماء، وكأنها من التلوّث قد خُصّصت لتنقيع السم.. هنا نتساءل: لِمَ لم تجابه أباها وهو يشرب الماء من هذا البائع بما استحكم عليها من تصوّر..؟ وبقيت تنتظر ما سيكون عليه والدُها بقولها: (أتأكد من أبي أيموت بعد قليل؛ أم سينجو من تأثير السُّم؟! مرّت لحظات، أبي ما يزال كما هو) لا نعلم هل كانت تعاني من عقدة نفسية من والدها فجعلت تنتظر ما سيحلّ حين شرب من هذا الماء الذي تصوّرت أنه مسموم..؟ ولم تُفصح لنا القصة عن أيٍّ من تلك النوازع النفسية عند الشخصية الساردة.. ويُلاحظ فيما بعد أنّ والدها قد اختفى من بين المنتظرين دورهم للدخول على الطبيب..؟
ومن المؤاخذات التي يُمكن أنْ تُضاف على ما ذكرنا آنفًا، قولها بُعيد أنْ أخذت بوصف تلك الفتاة المراهقة التي وجدت مكانًا تنتظر دورها للدخول على الطبيب، وصفًا دقيقًا يُشعر باهتمام السارد بها وبعد ذلك تعقّب بقولها: (لقد مللتُ من حركاتها المصطنعة) فهل يُتيح الملل لصاحبه فرصة ذلك الرصد الدقيق، بل العكس من ذلك، يجعله لا يأبه بمن حوله ولا ينشغل بتفاصيله. كذلك لم نعرف السبب الذي جعل مثل هذه الفتاة تأتي مكانًا لم يكن فيه غير من أُصيب بعجزٍ في مفاصله نتيجة شظية، أو غيرها من الابتلاءات، فمثل هذا الوصف الدقيق لهذه الفتاة كان أولى به من أتى ليجد تشخيصًا لعلّته أو دواءً لمرضه.. ولا أجد ثمة إضافة تصبّ في دلالة هذا الاستذكار لشخصية ثانوية لم نعرف ما سبب وجودها في هذا الوسط.. بمعنى أنه لو حذفنا وصف هذه الشخصية المحشورة في ثنيّات سرد القصة، فهل سيتغير شيء من دلالتها..؟ وفي المقطع الأخير من القصة، أجد أنّ السارد صرّح أنّ (الممر فارغ إلّا من سليم ثائر علي) بمعنى أنه تم حذف مدة من الزمن القليل كما أشارت إلى ذلك، أنّ كل المراجعين انفضّوا وذهبوا وبقي السارد – ولا نعلم ما سرّ مجيئه إلى هذا المكان ولم يُفصح بذلك ولم يتبرع أحد المراجعين بوصفه لفضوليًا كما هو المعتاد في هكذا أماكن فيسأله عن سبب مجيئ السارد إلى هذا المكان- لكنّنا نتفاجأ من جديد بوجود خمس شخصيات تظهر لنا في الممرّ من غير السارد (أعمى يمدُّ يده في الفراغ؛ واضعاً قدميه على حواف الضَّياع) ينشغل السارد بوصفه والتأمل فيه حدّ استبطان مشاعره الدفينة (يتمنّى أن يرى شكل الحروف فقط، لم يحلم بعد ما الأخبار التي يريد أن يشتريها الناس) ثم وجود شخص آخر مبتور اليدين، يتعثّر فيما بعد بشخص (أكثرُ من حركة يده وهو يتكلّم في الهاتف) وقد علمنا من السارد قبل هذا المقطع أنّ سليم ثائر علي كانت بيده مسبحة، وقد ذكر في حواره مع السارد أنّه فقد ساقيه، ولكن العبارة (فيتقدّم الّذي بعده سليم ثائر علي.. مبتور اليدين) توحي أن مبتور اليدين هو سليم، ويتأكّد لدى المتلقّي أنه هو في مشهد الاصطدام مع ذلك الشخص المشغول بالحديث في هاتفه (اصطدم بكتف سليم ثائر علي؛ فسقط المراجع أرضاً) فيظهر لنا بلا يدين، ما جعل السارد يقول (لأوّل مرَّة أتخيَّل نفسي أنهض بلا يدين) فكيف بُترِت يدا سليم ولم يُلمّح السارد قبل هذا المشهد سوى أنه ذكر عطب قدميه..؟ وقد ظهر لنا أخيرًا أنه لاعب كرة قدم وهو يدخل بكرسيه المتحرّك للطبيب بعد مناداته أكثر من مرّة.. وهنا ظهرت له يدان يستعين بهما على تحريك كرسيّه فيدخل إلى الطبيب.. ثم شخصية بائع الماء الذي ظهر لنا فجأة من دون مقدّمات بقول السارد (يضحك ويضحك من قدره الّذي جعله مجنوناً، يحمل سطلاً فيه قليل من الماء وآنية مزخرفة.. الخ) وأرى أنّ إقحام شخصية بائع الماء في هذا السياق يوهم أنه سليم ثائر علي. ولكن ما بعد هذا المشهد يظهر لنا (سليم ثائر علي) يدخل بكرسيّه المتحرّك إلى الطبيب، بما ينفي كونه الشخصية السابقة (بائع الماء) التي بقيت لنا مجهولة لنا ومُربكة لوتيرة السرد، فضلاً عن كونها شخصية تبعث على نفور السارد واشمئزازه وخوفه منه في كل مرّة يظهر فيها.. ولا يمكن تأويل أنّ مبتور اليدين هو الشخص الأعمى الذي انشغل السارد بوصفه، وذلك لأنه يُفترض أنْ يكون لهذا الأعمى من يأتي معه ليعينه على القيام والمشي ويدخل معه غرفة الطبيب، فضلاً عن الفعل الفنطازي الذي يقوم به هذا الأعمى من حمل جرائد يتلمّسها ويتمنى أنْ يقرأ فيها.. وهو مُجافٍ للواقع الذي يجعل المتلقي أكثر انشدادًا بالسرد ويُبعده عن احتمال أنْ يكون هذا الأعمى مصابًا بحالة نفسية تجعله يحمل الجرائد حتى حين يذهب للطبيب.. فضلا عن كون مراجعة هذا الطبيب يُفترض أنْ تكون للمصابين في مفاصلهم ممّن يعانون فقدانها مثلاً أو أوجاعًا مزمنة لم يشأ السارد أنْ يُشير إليها ولو من بعيد..
ولنا أنْ نُشيد أنّ القصة لم تخلُ من المجازات مثل قولها في بداية السرد تصف العجوز (عجوز تخفي تحت عباءتها كرة وتمشي ببطء شديد كي لا تسقط من ظهرها) وهي تريد بذلك تقوّس ظهرها المحدودب، وكذلك تصف سليم ثائر علي وهو على كرسيّه أنه يبدو (مقيّداً بأغلال الحرمان) إشارة إلى دلالة ما يفقده من نعمة الحركة وكأنه مقيّد، ناسبة تلك القيود إلى الحرمان من الحرية بالتحرّك من دون كرسيّ تدفعه يداه. وبعض العبارات الشعرية مثل قولها: (الأفكار خزانة قديمة كُسر بابها، لتصبح مكشوفة للجميع، لكن لا أحد يجرؤ على ارتدائها) كذلك ما تحمله بعض العبارات من مفارقات ضدّية تعمل على تحريك دهشة المتلقي، مثل قولها (تسمع صوت الصَّمت السَّاري بين الجدران) فهل للصمت صوتُ يسري بين الجدران..؟ وهذا ما يتحسسه السارد بوصفه عليمًا بالمكان المحيط به، مستشعرًا ما يدور فيه وما يختبئ وراءه، بما يجعله وكأنه كائنٌ حي.. ولعل القاصة تولّعت على نحوٍ ما باستنطاق الصمت وجعله ناطقًا بدلالة الصور التي تأتي بها، مثل قولها راصدةً عجوزًا تنتظر دورها: (عجوز تُفضّل أن تجلس على الأرض لتسرد صمتها في أُذن الحائط) وقد نلحظ في بعض الحوارات بُعدها عن المتداول اليومي من استعمال، مثل قولها مجيبة ذلك الرجل الذي يجلس بقربها عن الوقت: (السّاعة الحادية عشرة وعشرون دقيقة) وكان بإمكانها أن تجيبه بما هو متداول من مختصرات لتحديد الوقت، فتقول: الحادية عشرة وثلث، ولا أجد مسوّغًا لاستعمال الفصحى في الإجابة عن سؤال ذلك الرجل. مثلما نجد أنّ بعض العبارات يمكن أنْ تمثّل وجهة نظر السارد ينفثها على لسان أحد شخصياته، لدواعٍ فنيةٍ تُسهم في بناء الرؤية الكلية للقصة، مثل قولها على لسان ذلك الرجل (في هذا اليوم أصبح الطبيب علامة تجارية، عندما تصاب بإعاقة جسدية عليك أن تصبر على برود الأطباء هنا وليس على مرضك، يجعلون منك حقل لتجاربهم) فهو قول يعكس رؤية واقعية لما يُعانيه المريض في بلادنا من الطبيب أكثر من معاناته من المرض، ويُحسب للسارد أنّه بقي مخلصًا لشخصية سليم الذي اختار اسمه بعناية، فما يُعانيه من أوجاع وآلام أبعد ما يكون عن دلالة اسمه فهو كما قال بعبارته الختامية التي أقرب روحًا إلى الشعر (مقطوع الرّأس، مقطوعُ الأمل، مقطوعُ الحياة، أشباح تجرُّ أشباحاً، سليم ثائر علي..)
وأخيرًا إذا كان لا بُدّ من إبداء رأي، فإن القاصة هدى الغرّاوي لوّحت من خلال ما رسمته من معاناة لفاقدي الأطراف ما تعانيه شخصيًا بصورة غير مباشرة، فبثّت تلك المعاناة بأصدق مشاعر ما جعل القصة على الرغم ممّا شخّصناه من إرباك، لم تفقد حرارة الجذب التي يرتهن القارئ إليها.. وهذا بحسبي يصبّ في صالح هذا النص ويُبقيه حيًا..

 

ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

تعليق واحد لـ “أ. م. د. وسام حسين العبيدي : قراءة نقدية تطبيقية في قصة (أخاديد ذاكرتي) من مجموعة (كاريزما) للقاصة هدى الغرّاوي-”

  1. انور محسن يقول :

    قراءة رائعة جداً.

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"