الرئيسية » نصوص » رواية متسلسلة » الدكتورة إخلاص باقر هاشم النجار : رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (الجزء الرابع والأربعون)

الدكتورة إخلاص باقر هاشم النجار : رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (الجزء الرابع والأربعون)

الجزء الرابع والأربعون
جمع السيد عبد الرحمن أولاده وأحفاده في إجتماع عائلي وهو ما يزال كئيباً ويحتاج الى الراحة وعلامات الإعياء بادية على وجهه ليطلعهم على ما قرره بشأن أختهم مروة حول زواجها من منذر ، وهي تسترق السمع جالسة مع والدتها قرب الباب ، وقد بدأ كلامه لهم : أوصيكم بأختكم الصغرى خيرا ً ، وأريد أن أخبركم بأن منذر تقدم لخطبتها في وقت سابق قبل الحادث ، وأنا وافقت ولا أجد أفضل منه زوجاً لها فضلاً عن ذلك بأنه أبننا وتربى في أحضاننا.
نائل منزعجاً : وما هو دورنا هنا وقد حسمت أنت الأمر ووافقت .
سراج الدين : أنا بالنسبة لي مسرور جداً بهذا الخير … ومنذر أحد أولادي .
قتيبة ومُعاذ : ونحن كذلك فهو نعم الشاب المثابر الخلوق الصدوق … والكل يعرف بأنه يتمنى الإنتساب لنا من سنوات خلت من أيام الإعدادية .
عبد الرحمن : وهل في الأمر ريبة يا نائل هل تعرف عنه شيئاً لا نعرفه ؟
نائل : أولاً أنا غير موافق … ولا أتشرف به .
سراج الدين : ولماذا الرفض ؟!
نائل وقد أثار انتباه واستغراب الجميع : بإختصار … فهو لص … إنتظرت الى ان يتحسن الوالد ويخرج من حزنه وأطلعه على الأمر ، ولكن اليوم لابد من حقيقة تتبلور حول هذا اللص الذي أستطاع ان ينال رضا الجميع ، ثم انه أكيد ومؤكد طامع بما لدينا هذا الجرذ الشحاذ الذي يعيش في قبو أخيه ، ثم إن مروة ملكة وألف من يتمناها ولا أعرف لماذا صدرت الموافقة بهذا الوغد .
عبد الرحمن اقطب حاجبيه : ماذا ماذا ؟؟ لص كيف ومتى ؟ أطلعنا فلا زلنا على البر كما يقول المثل .
قتيبة : هذا إتهام غير معقول يا عمي وتصريح خطير … فلابد من بينّه .
سراج الدين : حسناً أطلعنا على الأمر .
نائل : قبل مدة أخذ النقود من الشركة وسرقها ( كيت وكيت ) .
عبد الرحمن منزعجاً وقد تصبب العرق على تقاسيم وجهه : لماذا لم تخبرني بالحال؟
نائل : يا أبتي … لم أرد ازعاجك … وقررت بأن أخبر عليه الشرطة لينال جزاءه العادل لولا الحادث.
عبد الرحمن : إياك إياك … واتخاذ مثل هذا الإجراء … وبينما هو كذلك أخرج قتيبة نقاله من جيبه وإتصل بمنذر وطلب منه الحضور بالحال لأن جده يريده … ومن حسن طالعه إنه كان قريباً من دارهم … وقد امتهن مهنة سائق الإجره عندما ترك العمل في الشركة …وعندما سمع طلب قتيبة استبشر وقال له بالحال سأكون عنده … وما هي إلاّ لحظات حتى دخل عليهم والكل نهض مرحباً به عدا نائل .. وعلى الرغم من ذلك مدّ منذر يده ليصافحه ولكن نائل أجابه بغلظة قائلاً : لا أصافح اللصوص .
منذر وقد غارت بسمته متوتراً : إلزم حدودك يا نائل … أنا لست بلص وأنت تعرف من اللص .
عبد الرحمن محاولاً التهدئة : أجلس الآن يا ولدي … ولدينا أسئلة تحتاج الى إجابة .
مُعاذ وقتيبة : يا منذر أن عمي نائل يتهمك بالسرقة ونتمنى ان يكون إتهامه غير صحيح .
منذر متوترا عصبياً : أنا … أنزه من النزاهة … وجميعكم تعرفوني … واتهامه باطل ومردود عليه .
عبد الرحمن : يا ولدي أرجو ذلك … وأنت ملزم بتوضيح الأمر .
نائل : أرجع المبلغ الذي سرقته ليلتئذ ، وإلاّ لن ترى منا حسناً .
منذر : أرجوك عمي … نادي مروة .
نائل ساخراً : لن تأتي … يا هذا … ولا تغير الموضوع .
سراج الدين : ما الخطب يا منذر هل فقدت صوابك .
منذر : عند مروة الإجابة .
قتيبة : حسناً يا جدي فلنستدعي عمتي ولنرى .
عبد الرحمن متنهداً : حسناً نادها … علماً بأنها كانت تسمع وقبل ان يصل قتيبة دخلت عليهم وهي واجمه وقد أساءها ما سمعت ولا تعرف سبب استدعائها .
سراج الدين : تعالي يا مروتي أجلسي قربي .
مروة واجمة : نعم يا منذر عن أي إجابة تتكلم أكاد أختنق من موقف اليوم .
منذر : يا مروة قبل الحادث سلمتك حقيبة وطلبت منك إعطائها لعمي عبد الرحمن أتذكرين وهل أعطيتيها .
مروة واجمة : أولاً … تكلم بهدوء … وأخفض درجة توترك … لنفهم الأمر ، أما بالنسبة للحقيبة … فهي في غرفة المكتب الآن وحقيقة أردت أن ينآى والدي هذه الأيام عن مشاكل العمل لذلك لم أطلعه عليها .
عبد الرحمن : بُنيتي … أجلبيها لنا ولنرى … ما فيها .
مُعاذ : أتقصد بأنك خبأت النقود فيها ؟
قتيبة : ماذا يوجد فيها ؟
منذر : لتأتي الحقيبة أولاً فأسرعت مروة خطاها ووضعت الحقيبة بين يديه ، وعندما استلمها فتح رقمها السري وأخرج محتواها ووضعها على المنضدة أمام عمه ، وقال : عمي هذه حقيبتك التي أستأمنتني عليها وكلانا فقط من يعرف رقمها السري ، وهذه كل الأوراق التي كانت موجودة في الحسابات والتي كانت في ذمة المالية .
مروة : وماذا عن المبلغ الذي يتكلم عنه نائل ؟
منذر بعد أن قلب الأوراق التي أمامه : وهذا الصك فيه أكثر من المبلغ الذي ذكره ، وهذه الأوراق التي تثبت كل فلس استلمته .
مروة منزعجة : وما سبب الفجوة أذن بينكما .
نائل : يا أختي الغالية … انه لم يستأمنني على المبلغ … يا لسخرية القدر .
منذر : لا … يا نائل … انك طلبت مني المبلغ دون ان توقع على أوراق استلام تبرى ذمتي المالية .
سراج الدين وقتيبة : منذر … على صواب … فهو المحاسب … وهذه مسؤوليته .
عبد الرحمن وقد تنفس الصعداء مبتسماً : الحمدُ لله … تبددت الظلمة .
مروة : يا منذر … اعتذر لأخي نائل لأنك أسأت الظن به … وأساءة الظن بلاء على النفوس .
منذر : لم أخطىء يا مروة حتى أعتذر .
قتيبة مبتسماً : عمتي انه سوء فهم … وقد تم توضيحه .
مروة : أطلب منك الإعتذار لأخي نائل .
سراج الدين مبتسماً : يا منذر نحن نعاملك كأحد أبنائنا وتحدث في كل عائلة مشاكل.
عبد الرحمن مبتسماً : كيف ستطلب منه يد أخته وفي صدرك غل عليه … وحالما سمعت مروة ذلك شعرت بالحياء وإنسحبت بسرعة الى والدتها التي إستقبلتها بإبتسامة رائعة وعانقتها وقالت لها وهي في أحضانها كم أتمنى أن أراك في ثوبك الأبيض … فأجابتها متنهدة لكنه عنيد يا أمي وأكره هذه الصفة فيه .
الأم فاطمة : لا … لا تكترثي … منذر يعشقك منذ الصغر والكل يعرف بذلك سيعتذر لأخيك وسيقبل يديه ان إقتضى الأمر ، ولكن كلمة الحق تقال بأني أثق بكلام منذر ولولا حرصه وأمانته لما فعل ذلك .
مروة متنهدة : مهما يكن يا أمي … لابد أن يحترم أهلي إن لم يحترم أهلي لن يحترمني .
فاطمة مبتسمة وهي تشدُّ على يدها ممازحة : دعينا … نواصل التنصت يا فتاة .
أما منذر فحالما سمع كلام السيد عبد الرحمن إهتزت مشاعره ونسى كل شيء ترقرقت عيناه فرحاً وإرتسمت البسمة على محياه ونهض بالحال وأعتذر لنائل على الرغم من وجهه الغليظ تجاهه .
عبد الرحمن : أتمنى ان أراكم دائماً على وفاق .. ومروة وصيتي لكم جميعاً .
مُعاذ : أطال الله في عمرك يا جدي .
قتيبة : وأدامك ذخرا لها ولنا جميعاً .
عبد الرحمن متنهدا : لقد بلغت من العمر عتيا … تسعين عاماً ونيف .
سراج الدين : يا أبتِ … أنت بخير … أرجوك .
عبد الرحمن : لستُ صغيراً … يا ولدي … ونهايتي قريبة … وهذه الجلطة انذار بسرعة الرحيل … ثم ألتفت الى منذر وقال له … مروة وصيتي لك يا ولدي .
منذر تأثر وتكسرت العبرة في صدره : يا عمي … أن مروة أغلى عليّ من روحي .
مُعاذ محاولاً تغيير الموضوع وإخفاء تأثره : والآن … أخبرنا يا جدي متى نحتفل بالخطبة ؟
عبد الرحمن : غداً ان شاء الله تعالى … وخير البر عاجله .
سراج الدين مسح على وجهه متنهداً : على خير ان شاء يا والدي … سيكون كل شيء على ما يرام أطمأن .
مُعاذ مبتسماً ممازحاً : وأنا سأذهب معك يا عمي الجديد الى قبس الحلاق … فلديه قصات شبابية .
قتيبة باسماً : لا … يا منذر … انه يتمازح معك فالحلاق قبس رجل كبير ولا يُجيد القصاصات الشبابية .
عبد الرحمن مبتسماً : أدام الله ألفتكم يا أولادي .
منذر بعد ان نظر الى نائل ووجهه الثقيل : أشكركم جميعاً وأن شاء الله سأكون عند حسن ظنكم … ومروة حلم حياتي ، أما مروة ووالدتها فعيونهن متواصلة بذرف الدموع وقد أحمرّت وجوههن من حرقتها ، وكأن كل كلمة قالها السيد عبد الرحمن ضربة خنجر مسمومة في قلبيهن .
الكلية مزدانه بأجواء الفرح وعلامات البهجة الملعقة في كل جانب ومكان وسبأ تنآى بنفسها عن القسم كلما رأت شاغر لا تريد أن تلتقي بأيار رغبة منها بتقليل وطأة الألم عليها ، ولكن تصرفها بالأمس لم يجد نفعاً ولم يبعد أيار عنها ولم ترفع رايات الزعل ولم تعلن الحداد ، بل بالعكس زادها الموقف إصراراً وفضولاً لمعرفة ما تخفيه سبأ ، تعبت من التفكير وخرجت من صفها ولا تطيق المشي مع احد ولا داعي للتمثيل ما دامت أيار في المحاضرة ، فسارت بخطى وئيدة تريد النزول من الطابق الأول حيث القاعات ونزلت سلمات الدرج المعلق الأولى وقبل أن تستدير لاحظت من فتحاته أيار تقف قرب الجدول ووجهها مصوب الى الدرج فراحت تنظر إليها والدموع تنهال من عيونها غير آبهة بالطلبة النازلين والصاعدين تتكلم في دخيلة نفسها ، كم أنا قاسية في نظرك ، تقفين هكذا بإنتظاري وعيونك الرائعة مشدودة إليّ والله لن أحتمل أكثر أحتاج الى أن أضمك الى أحضاني أشعر كشعور الصائم الظمآن الذي يتوق الى الماء ولكنه يتذكر بأنه صائم … نعم يا أختاه لابد أن أتذكر بأني صائمة لأجلك أنت.
وبينما هي كذلك صعد زميلها وعد ورءاها تنظر هكذا فإختلس النظر ووجد أيار … فأوقضها من سرحتها الذهنية مبتسماً يالجنون الفتيات … وعراكهن الذي لا ينتهي … هل زعلتك أيار من جديد … ابتعدي عن الطريق يا سبأ … قبل أن تلتقطك الكاميرات دون أن تنتبهي … ولماذا الزعل بين الفتيات … نحن الفتية نتعارك بالأيدي ثم نتصالح وكأن شيء لم يكن لا دموع ولا جروح … وعندما سمعته مسحت دموعها وابتسمت وقالت له أريدك في موضوع مهم وخطير جداً .
وعد مبتسماً : يا مُغيث أغثنا … جريمة قتل … أم مخدرات أم منشورات أم ماذا ؟!
سبأ : المهم … الآن .. تعال أنزل معي … وكأنك مشدود إليّ تتحدث معي ولا تتركني الى أن نخرج بسرعة من القسم وأنا سأوضح لك الأمر … أحتاج مساعدتك أرجوك … أنا في مآزق .
وعد : والله بدأت أخاف … من كيد النساء … ولكني أخوك …لا تبتأسي … وان كنت في الثالث … حسبنا الله ونعم الوكيل ، الدكتورة ريام لننزل مهرولين … وكما اتفقا نزلا مهرولين دون أن يصوبا أنظارهما الى الجدول المواجه لبداية الدرج وفي وجههما أيار كانت واقفة … لكنهما نزلا بذات السرعة حتى خرجا من القسم وتوجها الى جهة كلية الفنون … وقد أسرعت أيار الخطى خلفهما ولولا مجاميع الطلبة التي أعترضت سرعتها للحقت بهما ، ولكنها خففت خطواتها واتجهت الى المصطبة التي أعتادت ان تجلس عليها والذهول والريبة يقتلانها ، أما سبأ ووعد وصلا وهما يلهثان على مبعدة من الكلية في أروقة الجامعة وجلسا على إحدى المصاطب الموضوعة للمارة ، فقال وعد وهو يلهث : لماذا نجري هكذا كالمجانين ما هي المشكلة .
سبأ : أقسم لك بمقدسات السماء والأرض لا يوجد أية مشكلة .
وعد مسح على وجهه ورأسه : يا ألهي … زميلتي … مجنونة … كل هذا الجري لعب أطفال .
سبأ وقد ترقرقت عيونها : يا وعد أنا سأهاجر الى بريطانيا مباشرة بعد الإمتحانات بسبب (كيت وكيت ) ، وأنت تعرف علاقتي الروحية بأيار ورغبة مني في أن أجعلها لا تتألم لفراقي وتكرهني بشدة خططت بعض الخطط التي ستمحوني من ذاكرتها ، ولكن عدني بأن لا تحدثها بالأمر .
وعد متنهدا : أعدك بأن لا أحدثّها لكنك مخطئة … فالكثير يتواصلون عن بعد عبر وسائل الإتصال الإلكترونية.
ففي الوقت الذي تقضيه زكية في المطبخ تداعب مروة طفلها الصغير عبد الرحمن وقد أحبته كثيرا وأعتادت عليه وقد بلغ من العمر عاما ونييف ، وكثيراً ما تلح زكية في السؤال متى موعد الزفاف يا آنستي .
مروة : قريباً ان شاء الله تعالى .
زكية مبتسمة : اتمنى أن أراك أماً … فالإمومة شيء جميل يفوق كل الوصف .
مروة مبتسمة : أعرف يا زكية فهو الزهر والثمر ولون الحياة الزاهي … وزينة الحياة الدنيا بالوصف القرآني ، ولكني قبل أن أتزوج أريد نهاية قصة أم عابد لقد تركتي أسئلة كثيرة وذهبتِ في المرة السابقة .
زكية : سؤال واحد أجيبيني عليه وسأكمل أرجوك ، إذا سمحتي لي .
مروة مبتسمة : أسألي فأنت صدقيتي يا أم عبد الرحمن .
زكية : الله …. كم هي جميلة هذه الكنية تجعلني أفقد صوابي من الفرح … أشكرك … وسؤالي … أين ستقيمين عندما ستتزوجين ؟ أرجوك …. أجيبيني … حفظ الله لك والديك وحبيبك .
مروة صمتت برهة ثم قالت متنهدة : هذا الأمر موضوع نقاش … وأفهم قصدك … ولكن أطمأني … ولا تفتحي نافذة اخرى للحديث … اكملي ما بدأنا الحديث عنه يا أم عبد الرحمن.
زكية : حسناً … أتذكرين عندما قلتُ لك عندما وصلنا للبيت لم نجدها وأنتظرنا أيام ولم تظهر ، فبدأت الحيرة تارة أخرى تتقمصنا من جديد والآسى يدور حولنا والأقسى من ذلك ماذا نرد على منَ يسأل عنها ؟؟!!
مروة : أكيد أتذكر فذاكرتي قوية ، لكن هل تكون قد إنتحرت هذه المسكينة ؟
زكية ضاحكة : لا لا على قيد الحياة .
مروة مستغربة : ولماذا تضحكين ؟
زكية : لم … تنتحر … إطمئني … بل تزوجت .
مروة أقطبت حاجبيها : هل تتمازحين ؟!
زكية مبتسمة : لا … والله … ولكني أختصر لك الأحداث … وحتى لا تتألمي … وأن ولاء تعشق الحياة وأخر ما أتوقع بل لا أتوقع البته بأنها تضر نفسها قيد أنملة بوعيها .
مروة بإستغراب : ولكن … كيف … ؟ وأين … ؟ ومتى … ؟.
زكية : عندما فرّت ام عابد من دار المسنين لم تجد لها ملجأ يؤيها غير دار تثق به .
مروة : يا ألهي … ماذا تقصدين ؟
زكية : كانت عائلة صدقي فقيرة جداً أم طاعنه في السن وأخوين صغيرين … في بيت طيني محاط بالقصب ملاذها الآمن وقد أستقبلوها بحفاوة وبقيت عندهم أيام … ولم يتصلوا بنا حتى ليخبرونا بناءً على طلبها ، ولكن وجودها هناك ولأيام خلق في نفسها الشعور بالذنب ، فوجدت صدقي سائقها يعرض عليها البقاء معهم في البيت ويتزوجها ، لأنه يحبها بجنون وقد فقد صوابه عندما عادت الى زوجها السابق الى درجة البكاء ، وعندما نستذكر الأحداث الماضية نجد حقيقة ما يقول .
مروة ضاحكة : أهي سخرية قدر أم ماذا يعجز اللسان عن التعليق وكم سيبقى معها وعمرها جاوز الأربعين ؟
وبعد أن ألقت أيار نظرة خاطفة على الجدول لتتأكد من وقت إستراحة سبأ لتقف عند الباب حتى لا تفلتها هذه المرة وتعرف منها ما الذي يحدث ومن حسن الطالع إن وقت الإستراحة ذاته الساعة العاشرة ، وقد استأذنت من أستاذها أثناء جرده لأسماء الطلبة وأتجهت الى قاعة سبأ لتقف عند بابها ، وبينما هي كذلك مرّ وعد وألقى التحية وبعد أن ردت قالت له : قف أريد أن أكلمك .
وعد : تكلميني … عن ماذا !
أيار : عن سبأ .
وعد مبتسماً : ما بها سبأ .
أيار بغلظة : أبتعد … عنها .
وعد : والله أنا لم أجبرها لتقف معي … ولو لم ترتاح لي لما وقفت معي .
أيار بذهول : كيف تتكلم بهذه الطريقة عن سبأ .
وعد : يا زميلتي … هي تعرف مصلحتها … وبينما هي كذلك خرجت سبأ من القاعة ووجدت الكلام محتدماً بينهما ووعد بالحال إنصرف وبعد أن ألقت التحية سألتها ما الذي يحدث ؟ فشدت أيار على يدها وقالت لها : أشتقت لك حبيبتي … كيف حالك .
سبأ متنهدة : بخير … أشكرك .
أيار معترضة : أ … أشكرك … كلمة خالية من المشاعر … المهم لنجلس ونتحدث .
سبأ : حسناً … جلسنا .
أيار : لا تفقديني … صوابي … أرجوك … لماذا تتجاهليني هل بدر مني شيء؟
سبأ واجمة : كلا .
أيار : لقد تكلمت مع الوغد وعد … وحذرته … ولكن المحيّر متى أعدتي علاقتك به .
سبأ متوترة : عن أية علاقة تتكلمين ؟ ومن أعطاك الحق بهذا التدخل السافر ؟
أيار منزعجة : لقد رأيتكما البارحة مع بعض ولم ألحق بكما .
سبأ قاطعتها : مع الأسف … كل توقعاتي بك ذهبت أدراج الرياح … تراقبيني … تفقدين الثقة بي .
أيار : يا سبأ أسمعيني … أرجوك لم أراقبك ، وأن وعد يقول ( والله أنا لم أجبرها لتقف معي … ولو لم ترتاح لي لما وقفت معي ) ، فهل يعجبك هذا الإسلوب .
سبأ متظاهرة بالتوتر مشيحة بوجهها عنها : لقد ذقت ذرعاً بتدخلاتك ، وإقحامك نفسك بيني والأخرين وسوء ظنك ومراقبتك وقلة ثقتك بي ، وقد نبهتك وحذرتك من هذا التصرف غير الرشيد ، من سمح لك بالتحدث مع وعد دون أن تأخذي رأيي ، ثم أنا حرة قلت لك آنفاً أنا حرة في أي تصرف يعجبني وليس لك الحق في التفوه بأي كلمة ، انتبهي الى نفسك ، لست ملاكاً يا أيار لست ملاكاً فأنت إنسانة ولك أخطاؤك وأكبر أخطاؤك التدخل في شؤون الأخرين ، ومعاملتهم بكبرياء وعجرفة ودونية وكأنك النزيهة الوحيدة في العالم ، تُحرمين على الأخرين ما تحللينه لنفسك ، فأنا أقول لك مرة أخيرة إياك ثم إياك تكرار هذا الغلط .. إياك .
أيار رفعت يدها بوجهها بألم وقد أحمرّت عيناها : كفى كفى … لقد أكتفيت .. وأمتلأت … أتركي الحقد الباقي في قلبك ثم إنصرفت … وأنظار سبأ تراقبها والدموع تنهمر على وجهها بحرقة ، لم تكن والدة أيار من النوع الذي يهتم بمشاكل مثل هذا النوع وكثيراً ما تقول لأبنتها إن كان لديك مثل هذه المشاكل حليها قبل ان تصلي الى البيت لأنها عابرة وغير مهمة لذلك فحالما وصلت الى المنزل قررت ان تبيت اليوم مع مروة في بيت جدها لأنها الوحيدة التي تخفف عنها وطأة الألم الذي لا يشعر به إلا من خاض هذه الدراما ، كان يوماً خميسياً رائعاً وله نكهة خاصة لدى مروة كنكهة العيد بعد التعب ، وأنظار كل المحبين موجهة إليها ، ذويها وصديقتها أم عبد الرحمن في حلقاتها الإسبوعية ، ولكن وصول أيار يعني تأجيل كل هذه المهام ، وبينما أيار تتكلم لعمتها بعد العشاء … رنّ هاتف مروة .
منذر مبتسماً : كيف حالك حبيبتي …. ؟ اشتقت لك .
مروة مبتسمة : أشكرك … وهل لحقت … البارحة رأيتني ؟
منذر : والله أشتاق لك حتى وأنت قربي ولكني أريد التحدث إليك عن موعد الزفاف.
مروة : ليس قبل ان تحل مكان الإقامة .
منذر : أنت تعرفين ظروفي جيداً .
مروة : لا أريد الدخول في عنق الزجاجة … ولكن من الأفضل أن نناقش الموضوع في وقت أخر لدي ضيف .
منذر منزعجاً : ماذا تعنين بالضيف أهو أفضل مني حتى تأجلين هذا الموضوع .
مروة مبتسمة : أيار الليلة تبيت معي … كما تعرف نهاية أسبوع .
منذر متأففاً : متى تنتهي مثل هذه العراقيل … يعني لا أستطيع التفوه بأي كلمة رومانسية .
مروة ضاحكة : في الغد ان شاء الله … اشكرك .
منذر : حسناً .. امري لله … في امان الله .
مروة : في امان الله … وحالما أغلقت الخط وقبل ان ترجع النقال الى مكانه وقبل ان تتفوه أيار لتكمل حديثها رنّ الهاتف من جديد ففتحت الخط مبتسمة .
سُبل مبتسمة : حبيبتي … مع مـَن كنت تتكلمين … فكلما اتصلت يظهر في الإنتظار.
مروة مبتسمة : حياك الله وبياك حبيبتي كنت أتكلم مع منذر .
سُبل مبتسمة : الحمدُ لله غلق الخط … أنا قلت لن أجدك للفجر وتوقعت منذر … أحتاجك كثيراً عندي كلام كثير أريد أن أتكلم به وأسمع رأيك به .
مروة : أ .. خاص أم عام ؟
سبل : ما بك … ولماذا خفّت نبرتك ؟
مروة مبتسمة : أيار اليوم تبيت معي .
سُبل منزعجة : ما هذا كل ما أردت أن أتكلم معك … تحول بيننا أيار … هذا غير مقبول …ألا تستطيعين الانتقال الى مكان أخر ؟ ولكن ماذا أفعل أمري لله سأتصل بك في الغد … لا إله إلاّ الله .
مروة : حسناً … حبيبتي أنا سأتصل بك … محمد رسول الله .
أيار : أعتذر عمتي … لقد غيرتُ نكهة خميسك .
مروة شدت على يدها : صحيح لقد غيرتي النكهة لتصبح بمذاق أجمل وألطف … لا عليك أكملي حديثك حول سبأ .. ولكن ألم تحاولي سؤالها .
أيار : لقد نقلتُ لك الصورة من الألف الى الياء .
مروة : ومتى ستسافر الى بريطانيا ؟
أيار : بحسب ما قالت لي قبل أشهر في العطلة الصيفية ولا أعرف بالضبط في أي يوم ، وكل شيء مهيىء لهم هناك من قبل أعمامهم … المنزل والإقامة والعمل وغيره ؟
مروة : ألم تحاولي سؤالها عن سبب تصرفاتها ؟
أيار وقد أحمرّت عيناها : مللت ُ وأنا أطلب منها تفسيرا … ولكني كلما مددتُ إليها جسورا تحولها الى سور بالحال … أكاد أفقد صوابي من غرابة تصرفاتها وكلامها الأخير الذي أشعرني بالذل والهوان … ولم أكن أتصور أبداً بأن في قلبها كل هذا الحقد وهذا الغيظ ، وكأنها تريد معاقبتي وأن تجعلني مشدودة الوثاق تجاهها تريد تعذيبي … هذا ما فهمته من كلامها الأخير … ولا أعتقد أبداً بأن الحب والحقد يجتمعان في قلب واحد .
مروة : لا … كلاكما … تستخدمان مثل هذه التعابير الرنانة … ولكن أكيد ومؤكد … هناك أمر ما … دفعها لمثل هذا التصرف … ثم أن سؤالك لوعد تصرف خاطىء .
أيار : بسبب خوفي وحرصي عليها .
مروة : هي مسؤولة عن تصرفاتها .
أيار بآسى : والله أشعر بأن رأسي سينفجر من شدة التفكير … لقد تناولت قرصين من الُمهدىء ولم أهدأ … كيف أكون الأقرب الى روحها بل توأم روحها … ولا تسمح لي بالدفاع عنها .
مروة : وماذا عن عبد الحافظ … أشعر بأنه معجب بك وأظنه يخاف الوصول إليك.
أيار : أنا لا أثق بالرجال وأعلن على الملأ هذا الكلام فالصادق يدخل من الباب ولا يقف عند النافذة .
مروة مبتسمة : كم أنت رائعة وذات خلق رفيع … بوركت حبيبتي … الصادق يأتي من الباب ، ولكن دعيني أتصل بسبأ وأعرف منها الأمر ولعلها هي تتصل بي وتخبرني بالأمر .
أيار معترضة : لا لا أرجوك … يا عمتي لا تتصلي بها أرجوك فأنا أشعر بالإهانة من كلامها ولابد أن تعرف خطأها وتعترف به وتعتذر … وأن إتصالك يعني أني المخطئة وأوجب على نفسي الذنب .. سأدعها تقرر ما تريد ولن أفرض نفسي عليها ولعلها أعدت العدة لبهرجة الحياة الغربية الجديدة … وأقتنعت برأي والدتها بؤد أية علاقة يمكن ان تؤثر على صفو حياتها عندما تسافر … نعم لعلها أتخذت هذا القرار وضربتني عرض الحائط غير آبهة بمشاعري الصادقة تجاهها .
مروة : والله يؤلمني ما يحدث بينكما من شد وتوتر غير مقبول ، وبينكما فراق وشيك وقد لا تلتقيان الى الأبد في هذه الحياة القصيرة الضيقة فحالما سمعتها أيار بكت بحرقة وراحت تنشج كالطفلة على صدر عمتها .
وجدت أميمة فتاة مناسبة لأبنها قتيبة وهي طيبة أبنة صديقتها أم فارس تعمل معلمة في الروضة القريبة من منزلهم وقد أعدت حفلة صغيرة بمناسبة الخطبة ضمت الأهل والأصدقاء المقربين فقط ، وكم كانت تتمنى مروة لوكانت صديقتها سُبل تجلس قرب قتيبة ، وهي تتكلم في دخيلة نفسها أثناء جلوسها عصراً في حديقة المنزل وهي تداعب الصغير عبد الرحمن وقد أعتاد عليها بشدة ، والله أن سُبل أجمل بكثير من طيبة هذه ، وقد أقتنع قتيبة بها لولا والدته سامحها الله ، ولكنها مسألة حظ نعم مسألة حظ أسأل الله تعالى أن يرزقك بمن هو أفضل من قتيبة على الرغم من روعته.
زكية وقد أحضرت لها عصير الليمون : حدثيني عن طيبة هل هي جميلة .
مروة مبتسمة : ليس الجمال كل شيء في الحياة يا أم عبد الرحمن .
زكية أقطبت حاجبيها : يعني … ليست جميلة … مع الأسف قتيبة شاب رائع ..
مروة ضاحكة : لقد بنيتي تصوراً على مجرد كلمة أطمئني هي جميلة وتناسبه كثيراً ،وهي أبنة صديقة والدته أم فارس وتعمل معلمة في الروضة القريبة من المنزل .
زكية : رائع حتى أوصيها على عبد الرحمن عندما أدخله الروضة أن شاء الله تعالى .
مروة : أن شاء الله عزيزتي … الأيام سريعة أسرع من البرق .
زكية : رأيتي البارحة السيد عبد الرحمن متأزم وقد سمعته يخبر والدتك بأن لا تخبرك عن تعبه .
مروة بقلق : متى حدث ذلك … ؟
زكية : عندما كنت في الجامعة … ولكن لماذا لا تأخذونه ليتعالج في الخارج .
مروة : لا يقبل … تكلمنا معه كثيرا … ولكنه اليوم أفضل أن شاء الله .
زكية : لا تنسي … المهدئات .
مروة : نعم صحيح … أسأل الله أن يلطف بي وأن يحفظه لي أنا أعيش في قلق دائم .
زكية : أنا لا أُريد أن أثير همومك والله … ولكن أتمنى لكم جميعاً كل الخير والسلامة لأني أعتبركم عائلتي التي أحتضنتي وأوتني وأنا صغيرة وأسكنتني في منزل كنت أحلم به ، وبينما هي كذلك جاء شامخ إليهن وأخبر مروة بحضور منذر مما دعا زكية الى النهوض حال وصوله .
مروة : تفضل بالجلوس حياك الله .
شامخ قبل ان ينصرفا : يا زكية خذي الطفل من الانسة مروة لئلا يؤذيها .
مروة : لا لا دعيه في أحضاني إنه مصدر سعادة لا يؤذي .
منذر : أرجوك … حددي موعد الزفاف .
مروة : التحديد في يدك … متى ما أردت … ووالله لو أعرف بأني لن أتزوج أبداً ، ما تركت والدي ووالدتي وأنت تعرف وضع والدي الحرج وقلقي الدائم عليه .
منذر : وأنا … لا أستطيع العيش هنا في بيت والدك ماذا سيقول عني أخوتك والناس .
مروة : أذن … القرار لك … وقد سمعت رأيي مراراً وتكراراً لن أبتعد عن والدي في وضعه الحرج الحالي.
لم تنفك سبأ عن البكاء حال عودتها من الجامعة مخاصمة والدتها وأعتزلت عائلتها وأمتنعت حتى عن الأكل مما أثار قلق ذووها وأحتشدوا عند الباب ومعهم صينية العشاء وتحت ضغط والدها فتحت الباب.
الأم غاضبة : لا تكرري هذا العمل … وتصرفي بعقل … وأهتمي بدروسك حتى تجدين فرصة عمل هناك .
الأب : أتركيها يا أم أطوار … لتفرغ ألم الفراق بهذه الدموع .
الأم : أيّ ألم وأيّ فراق …؟ كم حذرّتها من هذه الأفعال الصبيانية … التي لا تجلب سوى الأسى .
الأب مبتسماً : يا أم أطوار هذه المشاعر لا تسكن إلاّ في الأرواح النقية مثل أبنتي سبأ وأنت لا تعرفين مثل هذه المشاعر الصادقة لأنك لم تجربيها .
الام منزعجة : نالني من الصداقات ما نلت من الأذى .
الأب : حبيبتي سبأ … أرجوك تناولي الأكل لأجلي .
سبأ مشيحة ببصرها عن والدتها : حاضر أبتي ، لا تهتم سأتناول العشاء أعدك .
الأب : حسناً حبيبتي أشكرك … سنتركك الآن لتتعشي … خرجوا وبقيت معها أنهار .
أنهار : أنا أقدر شعورك … ولكن ألا تلاحظين بأنك تتصرفين بمبالغة في علاقتك بأيار ، ولو كانت هي المسافرة هل ستحزن عليك هكذا ، ثم نحن لا نعيش في عزلة ولدينا صديقات وسنتواصل معهن من هناك ، ولكن إعلمي بأن هذا الشعور سيتبدد وينصقل ويتحول الى مكانه المناسب .
سبأ وهي تأكل : وأين بإعتقادك سيكون في مكانه المناسب ؟
أنهار : حب الزوج والعائلة ، عندما ستتزوجين ستجدين مشاعرك منصبة لزوجك وأطفالك وستأخذك الحياة من زحمة الألم والإنفعالات هذه الى زحمة الحياة والإنشغالات ، وخذي مثلاً أنا كم أتوق الى السفر والإلتقاء بزوجي المستقبلي وبيتي الجديد الذي سأعيش فيه في بيئة الجمال هناك في بريطانيا ، سننتقل من هذه البيئة الشاحبة المملة الى بيئة الجمال والأمل والتجديد ، وسأتواصل مع من أريد من صديقاتي عبر الفيس بوك أن أردت أنا التواصل وأن لم أرد لن أتردد في نسيان هذا التعارف ووضعه في أرشيف الذاكرة هكذا هي الحياة متغيرة ومتجددة دائماً ومن الخطأ رؤية الحاضر بعين الماضي ، وأكيد بل مؤكد ستتعرفين على صديقات جديدات وقد يكن أفضل بكثير من أيار .
سبأ متنهدة : مع الأسف … وكأنك نسخة من والدتي … تتعاملين مع الأشخاص وكأنهم أشياء تباع وتشترى وبالإمكان إستبدالها بسهولة كأي قطعة جماد خالية من الروح ، والمضحك المبكي بأني سأجد صديقات انكليزيات أفضل من أيار رفيقة روحي … يا لسخرية القدر … يا أنهار … إعلمي بأني لو تزوجت وأنجبت سبعة عشر ستبقى ساكنة في روحي ودمي تسير معي كظلي أينما ذهبت .
أنهار ضاحكة : سبعة عشر … أكيد ستكونين حديث وسائل الاعلام الأوربية ، وأن الكل يتكلم هكذا في البداية عن المشاعر والأحاسيس ولكن سترين الحياة الجديدة تغري حتى العجائز ، هذه بريطانيا يا أبنتي وليست البصرة المالحة الكالحة ، وإعلمي بأن هناك جالية عراقية كبيرة جداً أكثر مما تتوقعين .
سبأ بجد : فلتخسأ بريطانيا … حبة ملح واحدة منها تعادل أوربا المليئة بالخمور بأكملها .
تشهد الدراسة في الجامعة أنفاسها الأخيرة وكالمعتاد قبل الإمتحانات النهائية بمدة وجيزة يتم إلتقاط صور التخرج وحفلات التخرج والأجواء مشحونه فالكل يركض لشأنه هذا للصورة وهذا للحفلة وهذا للمكتبة الخ ، ولكن ليوم الصورة نكهة خاصة وفرحة يتمناها كل من يراها ، صورة ناطقة حية تجسّد خلاصة أربع سنوات للجامعية في أرواب التخرج وقبعاتها الجميلة التي تتوسد على الهامات ، والكل اليوم اجتمع في يوم مشمس من الشهر الرابع في جو البصرة القائض ، العدد كبير والكل يريد أن يقف في المنتصف ومن يقف على الأطراف قد لا تظهر صورته ، ولكن هناك لجنة مشرفة من الطلاب تأخذ على عاتقها مهمة التهيئة للصورة وبالإستعانه بخبرة المصور ، والكادر التدريسي يجلس على الكراسي أمام الحشد والكل مبتهج عدا أيار التي تغطي وجهها كآبه عارمة وسبأ لم تحضر وأنظار مروة مصوبه تجاهها مفتقدة رفيقتها ، وبينما المصور يقف أمام الحشد يحاول العد وقبل أن ينطق جاءت سبأ بعد إصرار والدها على الرغم من قرارها بعدم المجيء ، ولكنها جاءت وحالما رأتها مروة من بعيد حيث أعطت نقالها لوعد ليلتقط الصورة ، نهضت وقالت بلهفة للمصور لحظة لحظة أرجوك نهضت من مكانها ومسكت بيد سبأ ووضعتها بيد أيار التي كانت دلال واقفة مستندة على بيديها على كتفها ، وكلتاهما بذات الشوق وذات اللهيب الذي جعل الدموع تنهمر على خدودهن ، فراح المصور يبدأ العد وإلتقط الصورة التذكارية لكل هذه الوجوه التي ستتتلاشى عن هذا الميدان ، وبعدها تفرق الحشد والكل ذهب الى مقصده فقالت تعالي نجلس نتكلم على هذه الكراسي الجميلة عند بوابة القسم .
سبأ : حسناً نجلس … ولكن عن ماذا نتكلم .
أيار : في لقاءك السابق … تكلمتي بسرعة وتركت خلفك أسئلة أخرى دون جواب .
سبأ متأففة : لا إله إلا الله …. لقاء سابق … لقد نسيت … نسيت … نسيت … لا أتذكر فهمومي أكبر من هذه السفاسف التي تحتفظين بها وتدخرينها لمثل هذا اليوم .
أيار بحزن : أرجوك أريد أن أفهم .
سبأ تتكلم وأنظارها تجاه المارة : أنت … تخنقيني … ولا ترعوي … عن الشد .
أيار مسحت على وجهها : أنا برأيك أقحم نفسي بحياتك أنا أخنقك يا لسخرية القدر.
سبأ متظاهرة بالإنزعاج : أنت أمرأة جدلية … وتحبين الجدال … أقول لك نسيت ما تحدثت عنه … تكررين الكلام وكأنك لا تسمعين … وكأن في أذنيك وقر … حتى في القرآن الكريم يوجد نهي عن الجدال … فلماذا تبالغين في الجدال … والأدهى من ذلك أنت تخطئين وتتعمدين الخطأ ولا تعترفين .
أيار بتوتر وألم : حسناً … أنا جدلية وطوبائية … ومتسلطة ومتعجرفة … ومماحكة … وغيره من المفردات التي إنثالت من فمك عليّ كالوابل ، لقد أخطأت في حقك وأطلب منك الإعتذار … ولكن أين موضع الخطأ .
سبأ : وفوق ذلك تتهكمين .. كنت أتوقعك إنسانة كاملة بلا أخطاء ، لكنك عقوبة السماء لي فالكمال لله وحده … وأستغفر الله تعالى من هذا التصور .
أيار بآسى : أنت تعاقبيني …. وتعذبيني … بهذا الأسلوب الفج … تتكلمين وكأني سلعة رثة بيدك انتهت صلاحيتها واصبحت غير صالحة للإستخدام .
سبأ متنهدة : أحسدك … على مشاكلك الطفولية … فما عندي من هموم يفوق التصور وليس عندي وقت لأقضيه بمثل هذه المواضيع التافهة اسمحي لي بالإنصراف للتهيؤ للإمتحانات ورائي عالم مجهول ينتظرني.
أيار بخيبة أمل : لن أثقل عليك أبداً … ولكن أقول لك … لا تظلميني … والظلم ظلمات يوم القيامة … ولن أفرض نفسي عليك بعد اليوم … وأنا عند كلمتي .
سبأ : لن أسمح لك بتكرار هذه الكلمة لستُ ظالمة لم أظلمك ولم أظلم غيرك وأحذرك من تكرارها .
أيار بخيبة وقد خفت نبرتها : وماذا بعد التهديد والوعيد وقلة الإحترام وزعزعة الثقة.
سبأ متنهدة : لا أعرف من أين تأتين بهذه الطاقة … كفى كفى لقد سئمت لقد سئمت.
أيار متأثرة : هل تودعيني بهذا الإنقلاب الروحي المفاجىء الذي كسرني كالزجاج .
سبأ متأثرة وقد همت بالإنصراف بهدوء : لن أودعك … ثم ذهبت خارجة مسرعة والدموع تتطاير من عيونها كالمطر متجنبة ان يراها أحد ، وتركت أيار كالطير المذبوح الذي فقد النطق في لحظة وهم كان يعيشها ، فعادت أيار الى المنزل وكأنها عجوز بظهر محدودب قد تقدم بها العمر خمسين سنة فوق عمرها وحال ما وصلت والألم يعتصر قلبها ويخنقها ، أسرعت خطاها الى غرفتها لتتوارى عن الأنظار وتفرغ البكاء الذي في صدرها وتغسل وجهها المحمّر وتأوي الى فراشها لتهرب من الألم وتلتف بلحافها … ولكن والدتها انتظرتها ونادتها دون أن تسمع الرد فصعدت إليها ووجدتها في فراشها ترتجف … لا تريد الطعام وقد أكتسحتها رجفة البرد في صيف قائظ، تريد أغطية أخرى مما دعا بوالدتها الى تجميع الأغطية فوقها وقد ملأها خوفاً وقلقاً .
الأم بقلق : ماذا دهاك … يا أيار ؟
أيار بإرتجاف : رأسي سينفجر … أريد قرصاً مهدئاً أرجوك ، والبرد ثلج كل أعضائي ،فأسرعت الوالدة وأحضرت لها المهدىء وحاولت ان تسندها لتتناوله وهي ترتجف، ثم قالت وهي ترتجف يا أمي مثانتي ممتلئة وستنفجر من الإمتلاء والبرد سيوقف قلبي.
الأم بقلق : أرجوك ماذا دهاك … لكن حاولي النهوض والذهاب الى الحمام … وسأتصل بوالدك ليأخذك الى المستشفى … ثم أوعزت الى أم سالم بمناداة مروة بالحال … فأسرعت لتناديها … ثم قالت لها … سأتصل بها أفضل … نعم سأتصل وأخبرها … لنوصلها للحمام ثم أتصل فذهبت بهذه الحالة الغريبة وعادت بصعوبة .
أيار بعد عودتها للغرفة : لا لا لا داعي للمستشفى صداع وسيذهب ، لن أذهب الى أي طبيب غطوني فقط .
الأم : قد تكون ضربة شمس .
أيار : نعم … ضربة شمس أكيد … ضربة قاصمة … أتركيني أرجوك لأهدأ .
الأم : كيف أتركك !
أيار من تحت الأغطية : سأكون بخير … سأكون بخير … المهم غطيني … غطيني … يا أمي … وبينما هي تتكلم تجمع أخوتها ووالدها وراحت مروة تطيل النظر إليها وهي تستنتج السبب .
الأب وضع يده على جبينها : حرارتها مرتفعة … لنأخذها الى المستشفى .
قتيبة ومعاذ : هيا … هيا … لنسرع فالحرارة خطرة … قد تكون حمى طارئة .
أيار : لا لا … لن أذهب … فقط عندي صداع شديد … أريد مهدىء أخر .
الأم : كلا … أنهضي … للمستشفى .
أيار : لا أرجوكم … أنها ضربة شمس وسأكون بخير .
الأب : حسناً … لنضع لها كمادات … فالحرارة خطرة .
مروة : نعم أنها ضربة شمس ..فقد وقفوا اليوم طويلاً تحت الشمس لإلتقاط صورة التخرج .
الأم : مُعاذ إسرع وأحضر لي الكمادات وراحت تستخدمها بسرعة بمساعدة أبنائها .
أيار تأثرت جداً وهي ترى لهفة ذويها عليها وعدم إكتراث مـَن تُحب : أرجوكم أشعر بتحسن وقد خفت موجة القشعريرة التي إنتابتني .
الأب : الحمدُ لله … للكمادات تأثير كبير … ولكن لابد من زيارة الطبيب عصراً .
أيار : لا أرجوك … يا أبتي لا تقلق … سأكون بخير … لا تشغل بالك أنها مجرد ضربة شمس فقط أعطيني قرص مهدىء أخر يكاد رأسي ينفجر من الصداع .
قتيبة : حسناً … لننتظر الى العصر ونرى وضعك .
مُعاذ : إن شاء الله ستكون بخير لكن المهم الآن لنحضر لها الغداء أكيد تشعر بالجوع.
الأم : إن شاء الله … يا مُعاذ .. لقد أرعبتني قبل ساعة من شدة الإرتجاف … والحمد لله الآن أفضل بكثير .
الأب : الحمدُ لله … نسأل الله تعالى أن يبعد عنها الحمى .
مروة بعد صمت : ستكون بخير إن شاء الله فهي شابة قوية … وستكون بخير بعد قليل … خذوا راحتكم جميعاً سأبقى قربها .. وسأتناول الغداء معها .
سراج الدين : أشكرك حبيبتي … فأنت أيضاً متعبة … وتحتاجين للراحة .
مروة مبتسمة ممازحة : لا داعي يا أخي لهذا الكلام … فالجار أخ … ونحن جيران .
أميمة : حفظك الله من كل سوء … سأنصرف لأهيأ الغداء الى العائلة فالجميع جياع .
مروة جلست على سرير أيار قرب رأسها واضعة يدها على جبينها وهمست بعد أن خرج الجميع : هل هذا التعب بسبب سبأ يا بُنيتي ؟
أيار من تحت الغطاء : نعم .
مروة مسحت على وجهها استغراباً متنهدة : سنتكلم لاحقاً ولكن هل هدأ صداعك .
أيار : قليلاً .
مروة : هل تريدين النوم لتهربي من الواقع ؟
أيار : أتمنى الإختفاء من الحياة .
مروة : أرجوك يا أيار .. لا تقولي ذلك .
أيار بآسى : ولمَ لا وقد مات الإحترام بيننا وتزعزعت الثقة ، ومسخ العتب المقدس الى لجاجة ومماحكة وكأني أعيش أحداث فلم للإثارة والرعب .
مروة : حبيبتي أفضّل أن تهدأي الآن … ثم نتكلم لاحقاً … سأنصرف قليلاً ثم أعود إليك … فنزلت ووجدت العائلة جالسة على طاولة المائلة المستطيلة بإنتظارها فجلست على أحد الكراسي .
الأم بلهفة : ها … هل خفت حرارتها …؟
مروة : اطمئني هي أفضل الآن بعد الأقراص المهدئة ، لقد وقفوا اليوم كثيرا تحت الشمس من أجل الصورة .
الأب : والغداء !
مروة : أكيد ستتناول الغداء … لتذهب موجة البرد من جسدها .
قتيبة : والله عجيبة مسألة البرد هذه في وسط هذا الحر القائظ .
مُعاذ : هذه هي ضربة البرد .
أنس : ولكن لماذا هي بالذات ضربتها الشمس فكلنا رأى الشمس اليوم .
الأب : أشك بأن هناك مسألة وترتها وأثارت إنفعالها وعرضتها لمثل هذه الحالة .
الأم بقلق وهي تصوب أنظارها الى مروة : ولماذا تشك في ذلك … ؟
مروة : لا … لم يحدث شيء .
الأب : لا … لا أقصد … مشاكل بل إنفعالات .
قتيبة : ماذا تقصد يا أبتي .
الأب : أن مثل هذه الحالة ليست غريبة عني وأم قتيبة تذكر عندما أتألم من شيء ما تجتاحني مثل هذه الحالة وألتحف بالأغطية في وسط تموز .
مروة : لا لا … لا يوجد … أي شيء من هذا القبيل .
الأب : قبل أشهر قالت بأن سبأ ستهاجر الى بريطانيا أليس كذلك .
الأم : نعم صحيح … وأين مربط الفرس في ذلك .
قتيبة متنهداً : لقد أصبت يا والدي … إنه الشعور بالألم .
مروة : نعم صحيح ستسافر بعد الإمتحانات .
الأب : إن أيار فتاة مرهفة الحس … وشديدة التعلق بصديقاتها … ولكن للأسف كلما تعلقت بصديقة وإعتبرتها صديقة للعمر يفرق بينهما القدر .
الأم : انها مبالغة … منها وغباء …تأتي صديقة وتذهب أخرى هذه هي الحياة .
مُعاذ بجد : ولكنها تعتبرها صديقة روح … فكيف ستتقبل فكرة الفراق الأبدي .
الأم معترضة : لا تكثر الحديث معها بمثل هذه المفردات وحاول تسفيه الأمر … ثم منذُ متى وأنت تعرف هذه المصطلحات الرنانة … صديقة روح … وفراق أبدي …
قتيبة : ليس من السهل الحصول على صديق تآلفه الروح في عالم غاب فيه الصدق والمصداقية .
أنس : أتمنى أن لا نفترق أنا وصديقي علي سأتأذى إن فاجئني القدر بذلك
الكل يتكلم ومروة تأكل بإنصات مكتفية بإيماءة أوهزة رأس لتوافقهم الرأي وهي الوحيدة التي تعرف السبب .
بعد أن سجّل خالد في الدراسة الخارجية ودرس بكل جد وهمة وعزيمة وإصرار وإشترك في إمتحانات نصف السنة ظهرت النتيجة أنه راسب بثلاث مواد ومن محاسن الصدف إنه مشمول بدخول البكلوريا للسادس الإعدادي العلمي ، وقد استبشرت الدكتورة سُبل بهذه النتيجة وعدتها نجاحاً حتى وإن لم يحقق النجاح .
خالد : هل صحيح أنت راضية عني … أو ؟
الدكتورة مبتسمة : لا … والله … أنا أعتبر هذه النتيجة نجاحاً هذا وإن لم تنجح في الإمتحان النهائي يكفيك شرف المحاولة والمشاركة ، وإعلم بأن هناك طلاباً مستمرين في الدوام ولسنوات ولا يحققون النجاح ، ولا سيما البكلوريا فهي مسألة حظ ، لذلك تفائل وما كان لك لن يفلتك .
خالد : الحمدُ لله هذا بفضل دعمك وتشجيعك .
الدكتورة : أنا أريدك … أن تكون رجلاً واقعياً … المهم المحاولة … وأنت حاولت وستحاول … وإن شاء الله تعالى سيكون حليفك النجاح وإن لم يشأ الله تعالى لن تنجح .
خالد : أفهمك … أكيد … المهم سأبذل قصارى جهدي … ولا تنسي أختي فهي ذكية وقد أستفدت منها كثيراً .
الدكتورة : أنت تحتاج الى الوقت لتستثمره في الدراسة لذلك يجب أن لا تخرج الى العمل قبل وأثناء الدراسة لذلك لابد من إغتنام هذه الفرصة الذهبية وان لا تأتي حتى الى العيادة .
خالد : ماذا ؟ هذا مستحيل كيف ذلك .
الدكتورة : لا تهتم … فمرتبك … لن يتوقف .
خالد أقطب حاجبيه : للأسف لم تفهميني ليس هذا هو قصدي .
الدكتورة مبتسماً : ما هو قصدك ؟
خالد : لقد تعودت … أن آتي الى العيادة كل يوم ، والإطمئنان عليك وعلى عائلتك … وكلما يحل العصر أجد قدميّ تأخذاني بسرعة الريح الى هذا المكان حتى وإن كانت العيادة مغلقة ، أخاف من رؤية فرج وأمثاله تارة أخرى … فكيف تطلبين مني أن أغيب عنها شهراً ! كيف سأتحمل ؟
الدكتورة مبتسمة : أشكرك على إهتمامك بالعيادة .
خالد : يسعدني رضاك عني .
الدكتورة مبتسمة : أنا راضية عنك كل الرضا … وأشكرك على شعورك الرائع … وعلى كل ما تقدمه من خدمة لعائلتي خارجة عن إطار عملك ، ولكن إعلم بأن والدتي تحبك كثيراً وتسأل عنك دائماً وكذلك التوأم وكأنك من أقربائهم .
خالد مبتسماً : كقريبهم فرج مثلاً ؟
الدكتورة ضاحكة : لا لا لن يتجرأ على المجيء … ولن ينسى أبداً ذلك اليوم … لو تعرف كم أنا فخورة بك لأنك دافعت عني .
خالد : أنا أفديك بروحي دكتورة .
الدكتورة مبتسمة : أشكرك يا خالد … هيا لننصرف .
ستكون حياتي ناقصة بدونك يا أيار وسيبقى مكانك خالياً ولا يمكن لأي أحد مهما كان حجمه أن يملأه ، والله يعزُّ عليّ أن أكلمك بهذا الإسلوب الفج ولكنك لو لاحظتي لم أتجرأ الى النظر بعينيك الرائعتين ، يا يا لقساوة لساني ، أعرف بأنك بدأتي تحتقرين تصرفاتي غير المسؤولة الى أن تكرهيني ، يا إلهي صبرني على الشعور الذي يصهر روحي في بوتقة جسدي ، وإمسح اسمي من حياتها ، لتتكيف بعد سفري ، أما أنا فلا أعرف ماذا سيحل بي عندما أفارق العراق ، وبينما هي تتكلم مدت يدها بكسل الى نقالها لتتصفحه قد تكون أيار إتصلت أو أرسلت رسالة ، لكنها لم تجد شيئاً … وراحت تتفحص الفايبر وتطمأن كلما رأت كلمة متصل تحت أسمها ، ولكنها وعلى الرغم من ألمها تحاول الدراسة حتى تحقق النجاح لاسيما وأن سفرها على الأبواب ، وبينما هي كذلك تاهت في سرحة ذهنية رسمت الإبتسامة على محياها الى وقت إلتقاط الصورة وموقف الدكتورة مروة والأجمل من ذلك الصورة الرائعة التي التقطها وعد بنقالها ، ثم راحت تقلب النقال من جديد وهي تطلُّ على نافذة أيار ثم تمتع نظرها بالصورة التي رأتها مرات ومرات ، وبينما هي كذلك طرق والدها الباب بطرقاته المعهودة الرقيقة .
سبأ : تفضل … أبتي .
الوالد : كيف حالك اليوم … وماذا عن صورة التخرج التي طلبت منك أن تلتقطيها ..
سبأ متنهدة : أما حالي … فأرجوك لا تسألني … لأني لست بخير وأما الصورة فهذه .. ووضعت النقال بيده .
الوالد مبتسماً : دائماً قولي الحمدُ لله … على كل حال من الأحوال … ولا تنسي بأن أقدارنا مكتوبة وليس لنا يد في كتابتها … وراح يتمعن بالصورة وهو مسرور .. الله كم هي رائعة … وجميلة وواضحة … والأجمل يدك في يد أيار … لقطة فنية نادراً ما نراها وسط هذا الحشد ولكن قولي لي هل هي فكرتك أم فكرتها .
سبأ متنهدة : أنها أنامل القدر التي رسمتها وليس لأناملنا أي تخطيط مسبق فيها .
الوالد : بُنيتي أريدك أن تكوني قوية فأمامك حياة جديدة ليست سهلة .
سبأ وقد أحمرّت عيناها : ومن أين … تأتي هذه القوة ؟ دلني عليها .
الوالد : كوني قوية بإيمانك وأعلمي بأن للصوم حكمة بالغة على الرغم من أهمية الغذاء لحياة البشر .
سبأ : الكلام سهل يا والدي … أتعرف سأخبرك سراً ولكن بيني وبينك حصراً .
الوالد بقلق : ماذا سر … تكلمي تكلمي .
سبأ : إن سبب دخولي قسم الإنكليري هو أيار … لاحظ لقد غيرت مسار حياتي العلمية لأجلها ، وإنتقلت من جامعة البصرة كرمة علي الى جامعة البصرة باب الزبير عند ساحة سعد ولأجلها … وأنت تطلب مني أن أكون قوية … كلنا ضعفاء يا والدي كلنا ضعفاء … ولو كنا نتحلى بالشجاعة لوقفنا بوجه والدتي وقرارها الجائر هذا بالهجرة .
الوالد متنهدا ً : سبق السيف العذل … ولكن يا بنيتي … أنت تعرفين بأننا هنا مقطوعين من شجرة كل أقربائنا في بريطانيا … وكذلك مستقبل أنهار وأطوار كما تعرفين … المهم الآن … أصبح هذا الحديث عقيماً ولا يجدي نفعاً … أريدك ان تهتمي بدروسك وتحققي النجاح … ولا نعرف سنعود الى العراق أم لا .
سبأ ترقرقت عيناها : لن أغفر لأمي هذا الألم … ما حييت ما حييت …
مروة : أهي سخرية قدر أم ماذا ؟! يعجز اللسان عن التعليق على نهاية السيدة أم عابد ولكن كم من الوقت سيبقى معها وعمرها جاوز الأربعين ، نرى هل فقدت صوابها بسبب الصدمات التي تلقتها في حياتها أم ماذا يحار العقل عن تقبل الأمر وكأنك تمزحين .
زكية مبتسمة : والله … يا غاليتي … هذه هي الحقيقة وسبحان الله كيف دارت الأقدار لتستقر في هذا البيت الطيني الدافىء المليء بالهدوء والحب والحنان والإطمئنان .
مروة : وما هي ردة فعل عصام ؟
زكية ضاحكة : يقول أنها إبتلاء من السماء … ويعتبر قصور عقلها وتفكيرها السبب في كل ما حدث لها … وراح يتمنى لها الموت ليتخلص منها ومن بلائها ، المهم تعارك مع صدقي وضربه وطلب منه تطليقها ، وضرب ولاء وطلب منها العودة معه ، ولكنها رفضت وصدقي رفض ودافع عنها دفاعاً مستميتاً لأنها زوجته ، ولكن ماذا عساه أن يفعل لقد وضعه القدر أمام الأمر الواقع .
مروة : أخشى أن تكون نزوة لصدقي وعندما يستيقظ منها سيتخلى عنها لأنه شاب والمستقبل أمامه .
زكية : لا أطمئني فهي الآن بخير عميم ثم إنها مصدر رزق ساقته السماء لهم عادت الى وظيفتها والى الخياطة وقد حققت مكاسب كبيرة من هذه المهنة ، وقد عدت سنين وهي مستقرة معهم ، ثم إنها طلبت منه ان يتزوج وهي ستساعده ، لكنه يرفض .
مروة مبتسمة : سبحان الله اتمنى أن تكون عاقبتها بخير ان شاء الله لقد أنهكتها الحياة ولكن ماذا عن أولادها ؟
زكية : ولاء أم والأم تغفر لفلذة كبدها كل الزلات … يزورونها بإستمرار وتعطيهم مما تربح من الرزق ، وحتى عابد غفرت له … ولكنها لا تقبل منه أي نقاش … حول الأمر الأخير … أما عصام فقد تبرىء منها وقال لها لا أريد أن أراك بعد اليوم .
مروة : كلام الناس جارح وقاسي … أعانه الله … وتبرئته هذه بسبب الآسى الذي عاشه بسبب ضياعها … ولكن الأيام كفيلة بتغيير الأوضاع … ولا نعرف جميعنا … ماذا يُحضّر لنا القدر .
زكية : والله كلامك صحيح … لا أعرف متى تقررين الزواج يا أنستي الغالية .
مروة مبتسمة : المشكلة في منذر العنيد وليس لديّ أية مشكلة … لا أستطيع مغادرة هذا المنزل ولا أستطيع العيش في غرفة مع عائلة ، مع حبي لعائلة أختي أسيل وأولادها ، ولكني عشت وتعودت على الإستقلالية ، فكيف أخرج من الاستقلالية الى غرفة صغيرة في الطابق الثاني في بيت أختي .
زكية : أتعرفين بأني أتصور بأنه يشعر بذات الشعور كيف يترك البيت الذي ولد وتربى فيه وينتقل الى بيت أهل زوجته وهو يتصور بأنه يعيش وسط بيئة محاطة بالكاميرات .
مروة : أنا خيّرته … وعليه الإختيار … وهو يعرف بأن الطابق العلوي في بيتنا خالي … وأية كاميرات هذه وأية شعور هذا … وهو يعرف بأن والدي يحبه كثيراً … وسيكون مسروراً إن عاش في بيته .
زكية : أسأل الله تعالى أن يقرّب هذا اليوم لأني أربط حياتي وإستقراري بوجودك حبيبتي .
مروة مبتسمة : إطمئني يا أم عبد الرحمن … إطمأني … وكل الإطمئنان .
تجاوزت أيار أيام عصيبة بسبب الإنقلاب المفاجىء الذي شهدته وقررت أن لا تستمر بهذا الألم وأن تحافظ على كرامتها ولا تذل نفسها أكثر ، ما دامت صلاحيتها نفدت من وجهة نظرها ، وإن تقاوم حبها ووشلال شوقها العارم والأيام كفيلة بنسيان ومحو هذه العاطفة ، وراحت تمرُّ من أمامها واجمة دون أن تنبس بكلمة ولا تحية متظاهرة باللامبالاة ، وكل لحظة تنتظر مجيئها بشغف معتذرة متأسفة ولكن ينتهي الوقت ويتلاشى ويتبدد الأمل وترتسم الخيبة على الوجوه ، وما أقسى الموقف على سبأ وهي ترى رفيقة روحها بدأت تكرهها ولا تكترث لها وهي تعرف بأنها ستُسافر قريباً وقد لا تلتقيها بعد الآن ، وعندما تعود الى بيتها تفرّغ غصة الألم هذه في طوفان دموع مفضوح أمام ذويها ، الذين راحوا يتمنون لو تمكنوا من طي هذه الأيام بسرعة والسفر الى بريطانيا وهناك ستنسى كل هذا الآسى .
أطوار : عزيزتي … أنا لا أؤييد البته أسلوبك المراهق الذي تطبيقنه ضد أيار أفترقا وأنتم أحبة .
سبأ : أنت لا تعرفين أيار ستتأذى لفراقي .
أطوار : والله أنت تتخبطين خبطاً عشوائيا وهل تعتقدين ان إسلوبك هذا لا يؤذيها؟
سبأ : من وجهة نظري أنا أتبع الأسلوب الأمثل .
أطوار : تتزمتين بأرائك حتى وأن كانت خطأ هكذا أنت دائماً .
سبأ معترضة : والآن … ماذا تريدين … ؟
أطوار متنهدة : لا أريد شيئاً … تابعي درسك … الحديث معك عقيم … سأنصرف .
سبأ : أطوار … أرجوك لا تنزعجي مني فأن صدري ضيق وأشعر بالكآبه وكأن الدنيا كلها فوق رأسي .
أطوار : أريدك أن تعرفي بأن كل شيء في الحياة سيتغيير ولن يبقى حال على حاله ، اطمئني عزيزتي أنا أنزعج عندما أراك بهذا الحال الكئيب … المهم الآن … أن تحرزي النجاح .
سبأ : أطمأني … (فسعياتي) جيدة … والنجاح أكيد إن شاء الله … وكما تعرفين بإن الإمتحانات النهائية ستبدأ الإسبوع المقبل … أما الحال فلا أعتقد أبداً بأنه سيتحسن … وسأبقى أتظاهر بالقوة .
أطوار : ووالدتي … يا سبأ ؟
سبأ ترقرقت عيونها : لا أريد أن أكلمها … أرجوك … أغلقي هذا الحديث .
أطوار وقد تأهبت للخروج : حسناً حسناً … تابعي درسك سأخرج .
وبعد أن خرجت أختها واصلت بكاءها لتخفف من وطأة الألم الذي تعيش فيه ، شعور بالآسى لا يعرفه إلا منَ مرّ في دهاليزه المظلمة وإكتوى في لهيبه الحارق ، تعتقد أن أسلوبها صحيح لأنها ستساعد أيار وستحول شعورها من ألم فراق الى رغبة في الفراق بحسب وجهة نظرها ، غير آبهة بنفسها وصحتها ، وقد غادرت البسمة محياها ، بعد أن أعلنت الإعتزال الكامل عن كل وسائل الإتصال الإلكترونية غير النقال الذي أدمنت النظر إليه بين الفينة والأخرى ، شعور بداخلها إذ قد تجد إتصالاً مفقوداً أو رسالة يتيمة منها ، ولكن أيار أعتبرت الموضوع رصاصة في كيان الكرامة وجرح الكبرياء ، لكنها أكيد ستستقبلها أن جاءتها معتذرة لاسيما وهي تعرف بأن هذه الأيام فاصلة بينهما .
كم هي الأيام سريعة لا نستطيع اللحاق بها وان جرينا خلفها وما بين مد وجزر وكر وفر وفسحة وشد وقطيعة وصلح وزعل وابتسامة وضحكة ودمعة ، يضع التاريخ لمساته الأخيرة لكل شيء ولا يترك بداية إلاّ وحدد لها طريق النهاية هذه هي سنة الحياة شأنا أن أم أبينا ، بدأت الإمتحانات النهائية ودقت أجراس التأهب للرحيل ، وما أصعبها وما أقساها على القلوب المخلصة المحبة الصادقة ، الفراق يقتل البسمة وهي واقفة على منابر السعادة ، وكل الطلبة في أجواء الشد الإمتحاني والقلق الطبيعي من نوع الأسئلة وطبيعة بعض التدريسيسن وأسئلتهم التعجيزية التي لا تمت الى العلم بصلة أن نأت عن المادة ، ولكنها مادة أنكليزية ومن الضرورة بمكان أن لا تأتي بطريقة القص واللصق ، وانما على الأقل بطريقة الفهم والقواعد والترجمة والإنشاء فأن كانت الأسئلة خارجية فلا اعتراض يقبل منهم ، ولكن أيار أعتادت من سنواتها الأول أن تبقى في الصف الى أخر لحظة بحسب توصيات عمتها لتحضى بحل ومراجعة كل الأسئلة فضلاً عن احتمال مرور الدكتورة مروة على قاعتها عندما تنتهي وقد تعينها على أحد الأسئلة أن إستلزم الأمر ، لذلك أعتاد زملاؤها وأساتذتها على بقائها الى نهاية الوقت ، وسبأ وعلى الرغم من قساوة الظرف التي وضعت نفسها فيه قررت أن تواصل الدراسة ولكنها تحل الأسئلة بسرعة حتى وأن لم تضع الحل الأمثل لبعض الأسئلة ، لكن المهم لديها ان تضع حلاً ثم تبدأ بحساب درجاتها المتوقعة في الدفتر بأقل التقديرات متعكزة على سعياتها الجيدة ، وكلما خرجت من امتحان ذهبت لتطلُّ من باب قاعة أيار وتطمأن عليها وقد أدمنت رؤيتها وسماع صوتها ، لكنها دائماً ما تستأنس بكلام والدها الذي تعتبره مثلاً لها بقوله لها : بأن للصوم حكمة بالغة على الرغم من أهمية الغذاء لحياة البشر ، ولابد لها من الصوم ومن الآن لتعتاد الفراق وتتكيف على الحياة الجديدة بألمها وغصتها ، الحقيقة التي لابد أن تعيها جيداً ، المهم لديها أن لا ترى دمعة واحدة على وجه توأم روحها التي تراها أغلى من روحها التي تمدها بالحياة والتي تتمنى أن تودع الحياة قبل أن تودعها .
وعندما تخرج من القاعة تجد بعض زملائها فتتحدث معهم حول الأسئلة وحلولها والكل يعرف بأنها ستُسافر بعد الإمتحانات ولكنها لم تفصح لأحد بالضبط في أي يوم ، ولا أحد يعرف بالفجوة التي بدأت بينها وأيار ، لكنها كل لحظة ترمق بها الساعة لئلا يغلبها الوقت وهي تعرف جيداً بأن أيار لا تخرج إلا بعد أن تأخذ كل الوقت فضلاً عن أنها بطيئة في الكتابة وتتفنن في رسم الأحرف ولاسيما الإنكليزية والكثير من التدريسين أثنوا على خطها في اللغة الإنكليزية الذي يغاير خطها في اللغة العربية ، المهم تخرج مسرعة الى البيت لتراجع امتحانها القادم وتصب جام غضبها على كل من يعارضها ، وقد تغيّرت شخصيتها الى العدائية والكآبه وكأنها ستخرج من الجنة الى الجحيم بحسب تفسيرها للأمور ، أما أيار فعندما تخرج تبدأ تبحث في الوجوه المزدحمة متأملة رؤية سبأ وقلبها يخفق شوقاً وألماً تتحدث في دخيلة نفسها بمنولوجها الداخلي الذي عاشت معه ، لكن دون جدوى من رؤيتها بعد الإمتحان ، فقررت مع نفسها أن تدخل القاعة متأخرة بدقائق لتطلّ على قاعة سبأ وكأنها غير متقصدة ، شعور جميل وكأنها تستخدم جهاز الأوكسجين البخاخ عن بعد لتستنشق جرعة من الهواء يبقيها على قيد الحياة ، وقد قررت ان تتكلم معها وتلين جانبها لها وبشوق عارم في أخر يوم من الإمتحانات وأن كانت غير مخطئة ، ولكنها ستتحمل تكلفة الحكمة القائلة : ( من أعتذر بغير ذنب أوجب على نفسه الذنب ) .
تغير لون حياة مروة تلك الفتاة الناجحة المدللة من السعادة الى الحزن والإنشغال والقلق والتفكير بالمستقبل القادم وقد إنعكس ذلك سلباً على شخصيتها في عملها دون إن تنتبه أو تتقصد ولاسيما في علاقتها مع الطلاب ، ودائماً ينتابها شعور ورغبة بالبكاء فتهرب الى الملاذ خارجة من الجامعة بعد محاضراتها الى المستشفى حيث سُبل التي تشاطرها أفراحها وأحزانها كما أعتادت منذ سنين خلت فتضطر الأخيرة الى الإستئذان والتفرغ إليها وسماعها في مكان بعيد عن المرضى ، وبعد أن أنهت مراقبتها إتصلت بسُبل .
مروة كئيبة : أنا أشعر بالضيق وكأن في صدري طوفان من الدموع .
سُبل : حبيبتي أرمِ أوجاعك في صدري … أتشاطرها معك … ولكن هل من خطب جديد يستوجب هذا ؟ّ!
مروة وقد أحمرّت عيناها : لا … لم يحدث شيء … ولكن تنتابني موجه من الكآبة … ويكاد القلق يجهز عليّ لا أحتمل الحياة بدون والدي ولاسيما وضعه الصحي المتردي … ومنذر هو الأخر لا يريد أن يفهم ذلك ويطلب مني أن أتعامل معه وكأنّ حياتي فارغة وسعيدة … وذكرى فريال الأليمة … وتوتر علاقة أيار مع سبأ وتردي حالتها النفسية ومسؤوليتي تجاه عملي الذي لا يعترف بكل هذه الإمور يكاد رأسي ينفجر من شدة التفكير .
سُبل مبتسمة : حبيبتي … لقد تعلمتُ التفاؤل منك … وأن التشاؤم لا يجدي نفعاً سوى صهر الروح في بوتقة الجسد … فلا تكلفي نفسك ما لا طاقة لك به ، ولا تستعجلي الأمور فأقدارنا مكتوبة ومحسوبة في صحف جفت أحبارها ، ولا نستطيع مهما فعلنا تغيير ما خطته أنامل القدر ، هذه هي الحياة شجرة تنمو وأخرى تموت ولا يمكن ان تتوقف مع توقف حياة أحد فهذه سنتها في الحياة ، ومنذر زوجك الآن شرعاً وقانوناً … وقد قضى سنين عديدة في إنتظارك وأنت تعرفين ذلك جيداً … فأرجوك أبدأي حياتك معه … فمن منا لا يعرف العاشق الولهان … ولا تنسي أن علاقته بفريال كالأخوة وعلى الرغم من ذلك يواصل حياته وهذا هو الصح ، ولا يجوز لك أبداً أن تحمليه مسؤولية كل ما ذكرتيه آنفاً ، أرجوك العمر يمضي من أمامنا دون أن نعلم … أمنية حياتي الآن أن أراك في ثوبك الأبيض ، ومن الخطأ أن نقضي ساعاتنا في القلق … وباب السماء مفتوح للدعاء … ولنا أسوة حسنة في سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ، كان في أحلك الظروف يبتسم ، والحمدُ العالمين على كل حال من الأحوال ، تتكلم وفي نفسها رغبة عارمة للاستمرار بالحديث لتهدأها وهي منصته ولإمتصاص كآبتها وتغيير جوها الغائم المتبلد ، ثم استطردت قائلة : لنخرج من المستشفى الى مكان أعشقه .
مروة وقد تبددت كآبتها : الى أين … ؟!
سُبل مبتسمة : هيا هيا إنهضي وتعالي لنستأجر سيارة وما عليك سوى الصعود والنزول عندما تقف ، وبالفعل أستأجرت السيارة من أمام المستشفى وصعدتا وسارت في شوراع البصرة الى أن توقفت قرب شط العرب (شارع الكورنيش) فإبتسمت مروة حالما رأت المكان الذي ترتاح فيه النفوس حال رؤية البحر وسماع أمواجه المتلاطمه منظر يشرح الصدر ، وبالضبط الجلوس قرب تمثال شاعر البصرة الكبير بدر شاكر السياب.
مروة وهي تنظر الى الماء : الله … كم أحتاج الى كل هذا الماء لأغسل كل أحزاني .
سُبل ممازحة : وأين أغسل أحزاني أنا عندما ينضب الماء أفي الصحراء أتلظى .
مروة : أشكرك حبيبتي … أشعر بالراحة الآن وكأني تنفستُ الصعداء بعد إختناق .
سُبل : لقد أنتصف النهار … أشعر بالجوع … قالتها مطولة للمزحة .
مروة : أعرف حبيبتي … ولديك واجبات أخرى في العصر حسناً لنعود الى البيت .
سُبل أقطبت حاجبيها : ماذا ماذا لم أسمع … ؟!! وعن أي واجبات تتكلمين … أقسم لك بكل مقدسات الكون بأن اللحظة التي أقضيها معك تعادل عندي كل أموال الكون … ولكم أتمنى لو إني أستطيع أن أوقف كل عقارب الساعة عندما ألقاك … وعن أي عصر هذا … سنجلس هنا قليلاً ثم نتغدى في أحد المطاعم القريبة .
مروة : أقصد العيادة .
سُبل مبتسمة : اليوم عطلة … أريد الرجوع القهقرى الى أيام الإعدادية والشقاوة والجري … والمشي تحت المطر … وأن اقتضى الأمر المشي معك تحت أشعة الشمس … ثم مدت يدها بسرعة الى الحقيبة وإستخرجت النقال وإتصلت بخالد وفتحت المايكرفون لتُسمع مروة صوته ولتبلغه بأن لا يفتح العيادة اليوم .
خالد بقلق شديد : لماذا دكتورة ؟ هل حدث شيء ؟ هل أنت بخير؟ هل بإمكاني تقديم خدمة ؟ وأين أنت الآن.
سُبل مبتسمة بفتور : لا لا … لا هذا ولا ذاك أنا بخير عميم ..وأجلس الآن على أكتاف شط العرب مع شخص أحبه وأعشق الإبتسامة على محياه منذ الصغر لا تكترث ولن أفرط بلحظات السعادة هذه من أجل عيادة .
خالد شعر وكأن العرق الحار يتصبب من على جبينه : هل من أوامر أخرى دكتورة .
سُبل تتكلم وهي تنظر الى مروة : لا أشكرك … مع السلامة .
خالد بوجوم : مع السلامة .
سُبل بسرعة : لحظة لحظة … خالد … لا تقفل الخط .
خالد بوجوم : نعم .
سُبل مبتسمة : ألا تريد … أن تعرف مع منَ أجلس الآن لاسيما وأن أمواج البحر اليوم متعالية .
خالد بوجوم :لا يهمني دكتورة … هذه خصوصياتك … مع السلامة عندي عمل وأقفل الخط.
مروة ضاحكة : أقسم بأن خالد يُحبك … ولكن كيف تمثلين عليه هكذا .
سُبل ضاحكة : والله … أنا جادة في كلامي لم … أكذب … فأنا أعشق البسمة على محياك ، يا مروتي أعرف بأنه يُحبني ولكن لا أعرف نوع هذا الحب … والخطوة غير المدروسة خطر ومغامرة .
مروة : وما هو رأيك فيه وأنت تعرفين بأنه يُحبك ؟
سُبل : وما هو رأيك ورأي المجتمع بطبيبة ترتبط بعامل يعمل لديها .
مروة متنهدة بجد : أرجوك إرتقي بمستوى خطابك معي كتوأم لروحك ، ولا تُحدثيني وكأني شخص عابر في حياتك ، حدثيني عن نفسك عن مشاعرك عن رأيك في هذا الرجل والعمل لا ينتقص من شأن الأخرين .
سُبل بهدوء : أعترف بأني أعتدت عليه كثيراً وقد أخبرتك آنفاً بذلك ، أما زوجاً … فلا أعرف ماذا أقول وأنت تعرفين بأني أطمح وأنتظر التوافق الوظيفي وأعلم بأن هذه المعادلة أصبحت صعبة الآن في مثل هذا العمر .
مروة : يا سُبل أنا … أيضاً أتمنى أن أراك بالثوب الأبيض فأرجوك أفسحي له المجال ليتحدث إليك ، ما دمتِ تشعرين تجاهه بنوع من القبول … نعم … لديك قبول ورضا ولا تكابري فأنا أعرفك أكثر من نفسك .
سُبل ضاحكة : لنرى درجة الإختبار أولاً ثم نقرر النتيجة وبينما هي تتكلم رنّ نقال مروة فإذا هو منذر يخبرها بأنه زارها في بيتها فأخبروه بأنها ستتأخر في الجامعة لديها محاضرات مسائية ذهبت الى الجامعة فسألت عنك ولم أجدك فخرجت الى العشار لقضاء مهمة مع خالد ، حبيبتي قلقت عليك أين أنت وهل أنت بخير ؟ّ!
مروة مبتسمة : أنا … بخير … وأجلس الآن على أكتاف شط العرب مع شخص أحبه وأعشق الإبتسامة على محياه منذ الصغر لا تكترث ولن أفرط بلحظات السعادة هذه من أجل محاضرات مسائية .
منذر وقد تغيرت ملامحه وتعكّر مزاجه وأقطب حاجبيه وقلب شفتيه وعلّت نبرته : يا مروة أنا زوجك فإحترمي هذه الصلة أرجوك ولا تكلميني بهذه الطريقة التي تفقدني صوابي .
مروة مبتسمة : وهل تريدني أن أكذب عليك … لقد قلتُ لك الواقع ، ثم لماذا التوتر ؟ّ!
منذر بحدة : مروة … ومن هو المعتوه … الذي تجالسينه الآن .
مروة : هاااااا … إياك والتجاوز لئلا يسمعك وقد طلبت منك سلفاً بأن تحترم كل أحبتي ، وبينما هي متواصلة في التمثيل ومسترسلة في الحديث وجدت بأن الإتصال مقطوع معه ، فضحكت وقالت لسُبل لقد قطع الخط .
سُبل : ولماذا تكلمينه بهذه الطريقة … لا لا ليس لك حق .. هيا إتصلي به الآن الآن وأخبريه بأنك تتمازحين معه وأقسم أن لم تتصلي به سأقوم أنا بالإتصال وهذا نقالي بيدي .
مروة ضاحكة : سبحان الله … ألم يكن الفلم من تأليفك .
سُبل مبتسمة : نعم تأليفي وتمثيلي وإخراجي لأختبر خالد ، أما منذر فهو زوجك وأسلوب (الأكشن) هذا غير مقبول ، هيا إتصلي … فراحت تتصل وتعاود الإتصال ولكن دون جدوى لا يرد عليها … فقالت لها لقد زعل وتزلزل … أنا أعرفه ويحتاج الى مدة حتى يبرد … ما كان له الحق في غلق النقال وأنا أتحدث معه … على فكرة نسيت إبلاغك بإنه قال إنه الآن في العشار ومعه خالد لديهم مهمة .
إن خالد لم يخبر منذر عن المهمة التي جاء من أجلها الى العشار حيث إلتقاه منذر صدفة وهو يقف في ساحة سعد ينتظر سيارة إجره ، وحتى منذر لم يخبره عن سبب مجيئه لئلا يرى الشخص الذي تجلس معه مروة في مثل هذه الساعة .
منذر : الى أين أنت ذاهب بالضبط ؟
خالد : أأ … أنزلني قرب البنك المركزي لديّ موعد عمل وسر أنت في طريقك لا أريد أن أشقُّ عليك ، فرآى الفكرة جيدة ليركن سيارته في مكان قريب ويذهب ويرى بنفسه وعن كثب وبعيدا عن أنظار خالد الذي بقي واقفاً على مقربة من البنك يتفحص المكان بحذر بخطوات بطيئة لئلا تراه من وجهة نظره ومن جهة اليسار دون أن يعبر الشارع ، أما منذر فبعد أن ركن سيارته ترجل منها وعبر الشارع وراح يتقدم بسرعة من جهة اليمين مقررا صفع المعتوه الذي مدحته أمامه ، وما هي إلا لحظات حتى تبدد غضبه وهو يصل عندها فنهضت إليه مروة مبتسمة وشدت على يده مشيرة الى سبل : هذا هو الشخص الذي كلمتك عنه فراح منذر يضحك دون أن ينبس بكلمة ، ثم إنتبه الى خالد من بعيد وهو ماشياً ، فقال يا له من رجل رائع ذا همة عالية يلتقط رزقه في أي مكان ولعله ضل المكان الذي قصده مما أثار البسمة على شفاههن هذا ما أرادت أن تتأكد منه سُبل .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *