تابعنا على فيسبوك وتويتر

* نص ونقد

قصة قصيرة جدا
علي السباعي

عبدعلي حسن

(بكماء

شــابةٌ حلوةٌ بكماء، تقدم لخطبتِها
شــابٌ اخرسَ، رفضـت الاقترانَ به،
مخافة أن يبكي طفلهُما وهما نائمـان.)

القص وامكانيات التأويل

يتوافر القص القصير جدا على امكانيات واسعة لمد خطوط متعددة مع المتلقي بغية تمكينه من المساهمة في انتاج قراءة جديدة تمنح النص حياة متجددة مع كل قراءة ، وقطعا فإن هكذا امكانيات تقدمها آليات الكتابة لهذا النوع السردي ، ومن هذه الآليات التكثيف والإيجاز الذي يترك فراغات كثيرة على المتلقي املاؤها لتشكل نصه المنتج ، كما وتسهم شعرية الرسالة النصية على تخليق بنية المفارقة المشكلة للدهشة او الصدمة المحفزة للحفر في سطح النص متجاوزة اياه الى باطن النص للوصول الى المضمر والمسكوت عنه في البناء الظاهر للنص .
ففي النص الآنف الذكر(بكماء) للقاص علي السباعي تتبدى ممكنات تعددية الفهم ، ونسبية الفهم هذه سيتبعها نسبية الحقيقة التي تتوصل اليها القراءات المتعددة عبر التأويل، فليس هناك حقيقة واحدة ومطلقةللنص الذي يحب أن يدفن حقيقته حسب (هايدجر) ، وتبدو لعبة النص في اضمار / دفن حقيقته منذ العنوان الذي يشير الى حالة الشخصية المركزية التي ستتمحور حولها مجريات النص الذي ينقسم الى قسمين ، الأول اخباري/ مرجعي يشير الى عملية طلب يد الشابة الجميلة (البكماء) من قبل
شخص (أخرس) ، ليبدا القسم الثاني في تصعيد الحدث الى اختلاق معلول / رفض البكماء لهذا الاقتران ووضع العلة لهذا الرفض ، وهي مخافة أن يبكي الطفل وهما نائمان، فجملة ( مخافة ان يبكي طفلهما وهما نائمان)تشكل القسم الثاني من النص الذي تكفل بتخليق المفارقة التي أحدثت انحرافا في بنائية النص من حيث الوظائف النصية ، اذ جرى الانتقال من الوظيفة المرجعية الى الوظيفة الشعرية التي حققت الدهشة والصدمة غير المتوقعة ، ففي القسم الأول يثبت النص حالتين لشخصين ، الاولى (البكم) للشابة والثانية (الخرس) للمتقدم للاقتران ، واذا ماعرفنا أن الأبكم هو الشخص الذي يسمع ولكنه لايتكلم فإن الأخرس هو من لايسمع ولايتكلم، ولعل عدم توحيد الحالة البكم أوالخرس وقصر خاصيةالبكم بالشابة هو لتكريس كفالةالطفل بالأم ليس عرفا وانما وظيفيا خاصة في الأشهر الاولى من حياة الطفل ، وبما أن الأم في هذه الحالة هي من سيسمع الطفل حين يبكي لأنها بكماء ، فالمخافة من عدم سماع الطفل باكيا لامبرر لها ، وسنسقطها من حيثيات فهمنا وتأويلنا ، لذا فإن المشكلة ستنتقل الى المفارقة التي تشير الى اثارة الشابة لمخاوف ان يرث الطفل المولود لحالة عدم التكلم (الخرس) وثم عدم قدرته على البكاء الذي سيبقيه صامتا دون أن يسمعه أحد ، وعندئذ سوف لن يتمكن أحد لا المراة ولا الرجل من سماع بكائه وهوماسيعرضه ربما للموت ، واذا كان الفهم السالف يشير الى البنية السطحية للنص فإن البنية العميقة التي تتكفل بتوكيد حقيقة النص تأويلا ستتحرك في منطقة أبعد من ذلك وهي تأكيد النص على بث خطاب ومنظومة وموقف انساني تبدى في وراثة العوق ليس المادي والعضوي فحسب وانما يتعدى ذلك الى وراثة العوق الفكري والمعنوي في حالة ثبات العوق في الساكن من الموروث ، وهنا تتجلى رؤية / وجهة نظر النص .
لقد تمكن القاص علي السباعي في قصته القصيرة جدا ( بكماء) من اختزال وتكثيف بليغ دون أن يحدث اختلالا في مكونات بناء القص القصير جدا ، ليقدم فهما جديدا ومؤثرا للعلاقة بين الوارث والموروث برؤية انسانية تلبست وضعا انسانيايبدو مألوفا الا انه نأى عنه عن منطقة الاستهلاك والسطحية الى تثبيت حقيقة نسبية الا ان أي قراءةستصل اليها بطرقها المختلفة .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"