تابعنا على فيسبوك وتويتر

في التنظير لشعر ما بعد الحداثة في العراق

قراءة في كتاب( الشعر بعد الحداثة) لأثير عادل شواي

د. نادية هناوي 

كثيرة هي الكتب النقدية التي تناولت مرحلة الحداثة الشعرية في العراق التي كان بدر شاكر السياب ونازك الملائكة فاتحيها الرياديين حتى توالت الدراسات وهي تنظِّر لهذا الشعر وتتفنن في التطبيق على القصيدة الحداثية من ناحية الصياغات والبنى والثيمات والرؤى والأساليب والتراكيب والإيقاعات..الخ.

لكن الدراسات عن شعرنا في مرحلة ما بعد الحداثة ما زالت خجولة وغير بادية للعيان وبالشكل الذي يمكنها من وضع الأساسات النقدية المشخصة لهذه المرحلة الشعرية والمحددة لتقاناتها والعارضة لمقترباتها والكيفيات التي تم بها الانتقال إلى ما بعد الحداثة وما علاقاتها أو تقاطعاتها والأشكال التي ابتكرتها خلافا لأشكال المرحلة التي سبقتها أو طبيعة الموضوعات التي اهتمت بها تمايزا عما قبلها.

ويدلُّ مصطلح ما بعد الحداثة على طريقة في التفكير والفعل ارتبطت بمرحلة بزغت في الستينيات في الغرب مع طروحات فكرية خلخلت المركزية الغربية لتبزغ مرحلة نفضت عن كاهلها الانغلاق البنيوي والانصياع السياقي محاولة الجمع بين الاثنين وهكذا كانت سيميائية بارت وحوارية تودوروف وسوسيونصية غولدمان وتحويلية جومسكي وحفريات ميشيل فوكو واستشراقية ادوارد سعيدد وثقافية ليتش وغيرها معبرة عن التوجهات الما بعد حداثية.

ولقد اتسعت مساحات التعاطي الغربي مع هذه المرحلة شاملة الادب والفن والفلسفة والنقد وما بعد النقد والثقافة والاتصال والتاريخ والمعرفة والسلطة وغيرها من ميادين العلوم والمعارف الانسانية.

 وما زالت الآراء النقدية بإزاء هذه المرحلة مختلفة فبعض الباحثين يرون أن بعد الحداثة ماتت في منتصف التسعينيات مع بزوغ عصر المعلومات بينما يرى آخرون أن المصطلح استقر بصورة مرضية ومقبولة ويرى فريق ثالث ان بعد الحداثة تظل مرحلة تقاوم الانتهاء والإقفال. 

وصحيح أن اطلاق مصطلح ما بعد الحداثة على الرواية العراقية كان اسبق بكثير من الشعر لكن بعض أدبائنا ونقادنا ما زال يتغاضى عن وجود مرحلة روائية توسم بما بعد الحداثية .

 وإذا كان هذا حال الرواية بمتطلباتها ورهاناتها ومقارباتها فكيف الحال اذن بإزاء الشعر الذي ما كاد له ان يغادر مرحلة الحداثة التي وطد أركانها الشعراء الرواد وما بعد الرواد إلا قليلا فكيف إذن سنستدل على مرحلة لاحقة لما سبق توسم بانها ما بعد حداثية؟ ثم ما اشتراطات هذه المرحلة؟ وما موجباتها ومحدداتها؟ وكيف سنؤسس نقديا لهذه المرحلة ولأطرها النظرية مدعمين  بها إجرائية التحليل والرصد ؟

ولعل جزءا كبيرا من الإجابات عن هذه الأسئلة وغيرها كامن في كتاب( الشعر بعد الحداثة) للباحث أثير عادل شواي والصادر عن دار الروسم للطباعة والنشر والتوزيع ببغداد 2016 والكتاب يتألف من 432 صفحة من القطع الكبير، ويتناول فيها شعر مرحلة ما بعد الحداثة من ناحية الرؤى وتطبيقاتها منطلقا من مرجعيات غربية دعم بها الجانب النظري ووظف إلى جانبها ذائقة نقدية واعية ارتكن إليها في تطبيقاته وانتقالاته تحليلا واستقصاء وانتقاء وتعيينا.

 وتتضح مقصدية الوعي بمرحلة ما بعد الحداثة من العنوان( الشعر بعد الحداثة) الذي ينطلق من تقسيم الشعر مرحليا إلى كلاسيكي وحداثي وما بعد حداثي وليس تجييلا عقديا لسبيين الأول أن لا رؤية تاريخية أو معيار زمني ينطوي عليها هذا التقسيم والسبب الثاني أن لا قطيعة إبداعية تفترض زج أسماء شعرية بعينها ضمن عقد عُشري أو عشريني او ثلاثيني.. وقد برر الباحث شواي صلاحية عبارة ( الشعر بعد الحداثة) دون عبارة (الشعر ما بعد الحداثة) بان الأولى تشير إلى شعر يقترن بمرحلة أدبية تاريخية في حين ترتبط الثانية بتوجه معرفي غير محدد على نحو قاطع .

ويبدو أن القسم النظري من الكتاب قد انطوى على تحد جلي في كيفية اثبات الباحث لسمات او قواعد الشعر في مرحلة ما بعد الحداثة كمصطلح له ماهيته التي تميز أشكاله الفنية واجتراحاته التي تعطيه مشروعية امتلاك الأصالة او التأصيل لمرحلة جديدة تنأى عن ان التشابه مع لمرحلة التي سبقتها وهي شعر الحداثة ومتحصنة ايضا من الانكفاء إلى المرحلة الكلاسيكية في نظم الشعر.. 

وقد عمد الباحث إلى وضع أساسات المصطلح كي يشيد عليها مواصفات ما يوسم بشعر بعد الحداثة ومنها النظم الحر والصمت الشعري والعاب المعرفة والمفارقة والقصدية والعزف والطفولية واللعب او الأعيب الهندسة الكتابية.

وأن شعر بعد الحداثة لا يفهم دون فهم طبيعة شعر الحداثة نفسه ومبررات الانتقال من الحداثة إلى ما بعدها منتفعا في هذا السبيل من رأي إيهاب حسن أحد مفكري ما بعد الحداثة القائل:” إن الحداثة وما بعد الحداثة ليستا منفصلتين عن بعضهما بعضا بستار حديدي أو بسور الصين. أظن أننا حداثيون وما بعد حداثيين في الوقت نفسه” الكتاب ص24 

وينقل الباحث عن كتاب(التصميم اللانهائي) للناقد جوزيف كونتي أن” الاندفاع ما بعد الحداثي المهيمن لم يعد تدميريا أو قاطعا وإنما هو التوجه نحو التمحور والانصهار” الكتاب ص25

ولا يكاد مفهوم القصد عند هوسرل يغادر ذهن الباحث وهو يصوغ مباحث الكتاب على هيأة بنى متعالية للذات ومقاصد تجعل الإطار الفكري ليس مجرد مقتضى حال أو متطلب صدفة بل هو تفلسف مسبق واجتراح مرهون بقصد الما قبلية. 

وبهذا الاجتراح يكون الناقد أشبه بالتجريبي الذي يغامر وهو يرصد النظرية أو يحدد الأشكال مؤشرا على الرؤى داخلا إلى غابة الشعر بانتهاج أكاديمي يبدأ بالنظري ويدعمه من ثم بالتطبيق الإجرائي. 

 وقد نأى في الحيز الإجرائي عن اعتماد جيل شعري يطبق عليه رؤاه مكتفيا  بتعيين شعرية واحدة مثلتها تجربة الشاعر الدكتور أحمد الشيخ علي.

 وعلل الباحث اختياره التعييني هذا على أسباب مختلفة منها تأصيلية ترتبط بكون الشاعر أحمد الشيخ علي من المتقدمين من شعراء جيل طالما ظل محافظا على التجريبية غير قادر على تجاوز  شعر الرواد أو ما بعدهم.. ليكون الشاعر الشيخ علي مختلفا عنهم في الممارسة الشعرية بنصوصه التي عكست” لحظة اندغام سلس وهادئ للحداثة وما بعدها ..لأنها تقع في المنطقة التي يمتزجان فيها” الكتاب ص120

ومن أسباب الانتقاء أيضا إعلانية الشاعر الشيخ علي قطيعته مع مرحلة الحداثة الشعرية متسلحا بالاختراق والابتكار في كتابة( الشعر بطريقة تعتمد على وجهة النظر الذاتية والنهل من السيرة الشخصية والتشظي في النظم) ، ولهذا كان فريدا في نجاته من فخ وقع فيه شعراء آخرون. الكتاب ص22

 وأن دواوينه ليست دفاتر يوميات أو سجلات خواطر.. وانه يجمع وهو يقف على الأطلال بين الصمت والموت ورثاء النفس ومرثيات أخرى وأن ” تجديده على المستوى الفني لم يكن وليد رفاهية حضارية جذبته إلى الشكل وحده”الكتاب ص132 وإنما أيضا المستوى الموضوعي الذي تضمنه شعره وما فيه من أسئلة في معنى الموت والحياة والوجود . 

وقد وجد الباحث أن التناظر الذاتي ميزة فنية مهمة أعطت لشعر أحمد الشيخ علي ملمحا اعترافيا ليكون الحوار أهم خصيصة ذاتية فيه فضلا عن رفضه الأشكال الشعرية الجاهزة ناظرا إلى الشعر بوصفه نصا مفتوحا ذا فجوات وأنه يمتزج بالتنظيم السردي..مع أن هاتين الصفتين موجودتان في شعر الحداثة أيضا ومن ثم لا يمكن عدَّهما اشتغالا شعريا ما بعد حداثي.

 ويبدو أن إيراد الباحث لهما متأتٍ من مسوغ كمي يتمثل في غلبتهما اعني الانفتاح والسردية وهيمنتهما الأسلوبية على جسد القصيدة بعد الحداثة. 

ومن التقاطات الباحث النقدية إشارته إلى البنية الدائرية التي أخذت تظهر في شعر ما بعد الحداثة ومثّل على ذلك بقصيدة ( شجرة العزاءات) التي يقف فيها الشاعر على أطلال بغداد منطلقا من رؤية مناوئة للمركزية مرتابة بالسلطات وهنا يفترض الباحث أن” لو سوغت ذاتية أحمد الشيخ علي وسائر شعراء ما بعد الحداثة لهم ان يتمركزوا في القصيدة لكان من الصعب تمييز قصائدهم عن الرومانسية ” الكتاب ص142 

ومعلوم أن الذاتية باطارها الميتا كولونيالي لم تعد تعني التوحد والتمركز والانعزالية بل العكس أنها تعني التشظي والانكسار الذي تتهاوى الذات فيه مفضلة الصمت على البوح فلا هي كوجيتو منتمية بهوية كما انها ايضا ليست غيابا بلا حضور. 

وقد عدَّ الباحث الصمت لسانا أعمى يتحقق على أرض القصيدة فضاء شعريا يحتمل دلالات شتى وشخَّص طقوسا رثائية في قصيدة الشيخ علي وهي تعود إلى الأقدمين ناسجة على منوال طقوسهم احتفالا مهيبا للموت.. 

ويلتفت الباحث التفافة نقدية مهمة وهو يرصد تبني قصيدة الشيخ علي لمفهوم التاريخية برؤية ما بعد حداثية معيدة تقويم الماضي عاقدة حوارا معه في ضوء الحاضر مما سماه الباحث حضور الماضي مستندا إلى رؤيتين بإزاء الحاضر وعلاقته بالماضي إحداهما لجاك دريدا والأخرى لاندرو مكينا ونذكر هنا أن المفكر عبد الله العروي كان قد عد التاريخ هو الماضي الحاضر في كتابه (مفهوم التاريخ ) . 

وإجمالا؛ فان الكتاب( الشعر بعد الحداثة) حوى كثيرا من الوقفات المهمة التي تؤطر قصيدة بعد الحداثة وترسم آفاقها فالتكرار مثلا كتقانة صوتية يحقق مستويات مختلفة تنسجم مع قصيدة بعد الحداثة كما أن النظر للأشياء صار يتم بإيهامية اليقظة والحلم وهذا وغيره هو ما يجعل قصيدة بعد الحداثة مختلفة عن القصيدة التقليدية ولكنها ليست متقاطعة بل تلتقي معها التقاء طبيعيا بمعجمية أصوات ورؤى ومبادئ.

ويستمر الباحث في تعداد سمات شعر بعد الحداثة ليكون هذا الكتاب خطوة نقدية مهمة تضع أمام القارئ العربي خميرة صالحة يمكن أن يتوالد منها او يبنى عليها ما ينعش المشهدين الشعريين المعاصر والراهن بنقاشات غنية ومحاورات خصبة مما كانت النقدية الغربية قد شغلت بالها به وما زالت تشغله واضعة الابداع الجمالي عموما والشعر والسرد تحديدا في موازين نقدها ومعايير تقييمها لمرحلة ما بعد الحداثة. 


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"