الرئيسية » فكر » جابر خليفة جابر : جِيم جَديد (قَص) (9) حوت الخواجة

جابر خليفة جابر : جِيم جَديد (قَص) (9) حوت الخواجة

إشارة :
كتاب (جيم جديد – قصّ) للمبدع جابر خليفة جابر الذي ينشره موقع الناقد العراقي في حلقات هو واحد من أهم الكتب الثقافية التي صدرت بعد الاحتلال. فبالإضافة إلى أنّه يتناول مفاهيم وأحداث وشخصيات ثقافية وفق نظرة جديدة وبعضها يُطرح لأول مرة ، فهو أيضا تشريح لمعضلاتنا الثقافية ومحاولة طرح حلول لها بدلا من النواح والتشكي. أمّا أسلوبه السردي الهادىء و “الحياتي اليومي” فقد أزال عنّا التباس وصفه على الغلاف بأنه “قص” لأول مرة. وللأسف لم يحظَ هذا الكتاب المهم بالمناقشات المطلوبة التي نتمنى أن تثيرها محاولة نشره هنا. تحية لجابر خليفة جابر.

(9) 
حوت الخواجة
تسرب إلى أذهان العراقيين وارتكز فيها اقتران الحج بالشيخوخة، بينما مناسكه الرياضية الدقيقة والمرسومة بانضباط عال، تحتاج إلى الأبدان الشابة والأرواح البريئة والأذهان المتوقدة لاستلهام سيمياء دواله وإشاراته الثرية التي ما زالت إلى الآن تنتظر من يعيد قراءتها ، إنثربولوجيا، ليس هي فقط وإنما اغلب تراثنا واستخداماتنا الشعبية المعاصرة بحاجة إلى جيل جديد متجدد يقرأها!
أستحضر منها المثل الشعبي ( ماكو عجاجة- أي غبار- تهب إلا من ارض بابل) في إشارة إلى تكرر الاجتياح العراقي لممالك اليهود..
إنتبه صاحبي وهوعراقي أيضا، لكنه مقيم في مشهد وقال:
– هناك مثل آخر، جميل ومعبر، كنا نستخدمه ونحن نجتاز الحدود العراقية هاربين من البطش، نقوله حين نطمئن لسلامة الطريق
( ماكو وراء عبادان قرية) وهذا موروث شعبي من قصة (الغربة الغربية) للسهروردي الشهيد، والتي لا يعرف الناس عنها شيئا سوى هذا المثل.
دار هذا الحوار بيننا ونحن نرتقي بجهد جهيد النتؤات والمتعرجات الصخرية إلى غار حراء، كنت ألهث تعبا ومرهقا من الصعود البطيء المتقطع حين تذكرت صديقي ميثم الذي كان يتلهف للحج وقرأت له الفاتحة.
– لنقعد لاستراحة قصيرة، وقلت: لا أتذكر في أي تفجير شهدته البصرة قتل صديقي ميثم، لكننا مساء يوم 15/حزيران/ 2011كنا معا نتمشى في احد أزقة حي الحسين حين مرت بنا جماعة من الأطفال وهم يرددون..
(يا حوتة يا منحوسة ردي كمرنا العالي) ويشيرون إلى السماء، حيث القمر الذي بدأ بالخسوف..
كيف استطاع أطفالنا أن يطيروا بالحوتة إلى الفضاء قبل غاغارين وارمسترونغ وفوق هذا جعلوها تأكل القمر!
وحتى بعد ساعة حين وصلنا العشّار ، للتنزه على كورنيش شط العرب وكان الخسوف يتزايد والمآذن تكبر وجماعات الأطفال هم هم، يرددون العبارات المنغمة ذاتها. أي خيال خصب هذا الذي حلق بالحوت إلى الأعالي؟

– طارت الحوت إلى القمر من قلعة آلموت!
– والله، من قلعة الإسماعيليين، كيف؟
– حينما احتل هولاكو القلعة ذبح الجميع عدا طبيب وأسير في القلعة ادعى انه عارف بتحركات النجوم، وللتدليل على معرفته ادعى إن القمر سينخسف بعد إسبوع، فأمر هولاكو بسجنه وبذبحه إذا لم يصدق.
وكما قال الرجل بدأ الخسوف منتصف الليلة المحددة، لكن هولاكو كان غاطا بشخيره ولم يجرؤ الحراس على إيقاظه.
– هل هو عالم معروف يا حاج؟ سألته وأنفاسي تتلاحق.
– نعم لكن ذكر اسمه قد يزعج بعضهم! فكل الخواجات يثيرون إعجابنا حتى أصيب أغلبنا بعقدة النقص والتقزم والدونية تجاههم، إلا الخواجة نصير الدين فقد اتهموه باحتلال بغداد و، و، ولم يكن الرجل غير أسير!
– ها، الخواجة نصير الدين الطوسي دفين الكاظمية ومشيد أكبر مرصد في التاريخ العربي والإسلامي، مرصد مراغة.
– نعم، وقد شيده في عصر هولاكو الرهيب! هل تصدق؟ هولاكو السفاح للأرواح والمكتبات في عهده يُشيّد مرصد مراغة ومكتبته تضم أربعمائة ألف مجلد أنقذها نصير الدين بحسن تدبيره من همجية المغول!
مسافة قصيرة تفصلنا عن الغار، فقلت له: ولكن ما جرى ليلة الخسوف فيما بعد؟ فضحك ..
– قال لحراسه الغلاظ بعد أن يئس من إقناعهم بإيقاظ هولاكو الذي سيقتله في الصباح إن لم ير الخسوف بعينه: انظروا يا رجال إلى الحوت وهي تأكل قمر الخان العظيم هولاكو وإذا لم تطردوها وتنقذوا قمر الخان فسيذبحكم جميعا!
خاف الحراس وتساءلوا عن كيفية الوصول للحوت وطردها.
وكان الجواب عند الخواجة جاهزا : اضربوا بكل قوتكم على القدور والقصاع وانفخوا بأبواقكم وستهرب من أصواتكم القوية، ففعلوا واستيقظ هولاكو منذعرا- ظنها الحرب- ورأى الخسوف. هذه قصة الخواجة مع أطفالنا والحوت الطائر!
– حكاية جميلة ،يا صاحبي .
وكنا واقفين عند صخرة الغار نمد أنظارنا تجاه الكعبة من أعلى الجبل، ومن هناك أيقنت أننا بحاجة إلى تأمل لواقعنا الثقافي والانثربولوجي، ليس العراقي حسب، وإنما العربي والإسلامي كله، بكل ثرائه وتنوعه وتعدده..
مسني برفق وقال: الم تذكرك حكاياتنا بشتراوس والفكر البري؟
– لا، لا ليس هنا مكانه، نحن بحاجة إلى الارتقاء، نحن ومنظومتنا الثقافية، وبحاجة إلى غار حِراء ثقافي،
لنقرأ..
=====

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *