الرئيسية » نقد » فن تشكيلي » رياض ابراهيم : تهشيم الأطر السائدة :
المعرض الشخصي للنحات محمود عجمي

رياض ابراهيم : تهشيم الأطر السائدة :
المعرض الشخصي للنحات محمود عجمي

تهشيم الأطر السائدة :
المعرض الشخصي للنحات محمود عجمي
رياض ابراهيم
تعد الوظيفة الجمالية لفن النحت كسائر الفنون التشكيلية الحداثية لها الأثر التكويني للذائقة المتحركة وفق حركة الزمن وتجدد الأمكنة ، لذا تحولت من نمطيتها التقليدية التي تعبر عن حاجة تؤديها الى ضرورات العمل الهندسي والبنائي وحسب الذائقة والتوجه السائدين والى أنماط أكثر صيرورة وديناميكية غير متشبثة بمبادئ الحرفة الفنية الشائعة ، لذا بات الخزاف أكثر مرونة بالتنصل من أبجديات الخزف في تكويناته الشكلية وأفكاره والافلات من تلك القبضة الكلاسيكية المهنية المحافظة ليغدو حرا بالتصرف في خلق تشكلاته وكينوناته الخزفية لغرض مسايرة حركة الزمن والتطور .
بنائية الشكل وهندسة التكوين لا يمكن أن تقوض المحتوى الفكري والجمالي لدى النحات من خلال استخدامه لخامات معينة بذاتها لذا توجب عليه توظيف كل ما توفر له من خامات لتعبر عن فكرته وما يناسبها من شكل معين أو استخدام عدة خامات والوان تجسد فكرته كي تتوائم مع مخيلته أولا ومن ثم انسجامها مع ذائقة المتلقي وفق بصريته وحدسه ووعيه ومدى تلبيتها الحسية والفكرية له .
يعد الفن الخزفي السومري في مراحله المتقدمة هو اللبنة الحقيقية لجوهر هذا الفن الذي ازدهر كثيرا تبعا للتطورات السياسية والثقافية للمجتمع وتماشيا للتقاليد والأطر الحياتية والدينية ولإشباع عدة عناصر نفسية وذوقية وايدلوجية سادت في تلك الفترة وتعمقت في مراحل لاحقة من البنية السياسية والمجتمعية لأبناء الرافدين وحضاراتهم المتعاقبة ، فانتقلت تقنياتها من الجانب الفطري الى أسس فنية رصينة حداثوية من ناحية الاشتغالات الفنية الحرفية عالية الدقة لتجسيم الأعمال وادخال عناصر فنية جديدة عليها وفق المتاح في البيئة الرافدينية أو الاستعانة بالخامات المستوردة ، ونضف الى ذلك تأثرها بالفنون للحضارات القائمة في حينها .
لا يمكن أن نفصل حركة الحضارات ونعدها تدور في فلك زمني ومكاني بعيدا عن حركة الحضارات الأخرى كبنية الدول والجيوش والاقتصاد والثقافات والروحانيات ، نعتقد ان الحضارات العالمية شئنا أم أبينا فإنها تتسق وتتكامل فيما بينها ، فالزمن في دورته لا يمكن ان يقفز ويدور في أفلاك خاصة به دون المرور بمدارات ثانية ، لذا رأينا كيف تشابهت الأديان والأفكار منذ الخليقة وكيف فسر الفلاسفة وكما جاءت بها كتبهم أو الوثائق والألواح أو كما جاء به الأنبياء فلا نجد اختلافات جوهرية في تفسير الخلق والنشئ والتطور للخليقة والكون وكيف تم نقل ما دار من أحداث وتطورات منذ العصور الأولى ، وقد نجدها في بعض الأحيان مستنسخة من حضارة الى أخرى ومن جيل لآخر ومن الصعب ان نميز بين فكرة وفكرة ونظرية واخرى .
الفنان النحات ( محمود عجمي ) قد انتبه لهذه الحركة الكوكبية لصنائع الانسان كحقيقة تاريخية وجغرافية فالملاحظ عن أعماله قد تميزت بهذه السعة المعرفية والفلسفية اذ كان واعيا الى هذه الحتميات والمسلمات فأتت أعماله وفق هذه الأسس والحقائق .
الحجارة والطين والحصى والألوان هي خامات اعتمدها ( العجمي ) في أغلب أعماله وخاصة في معرضه الشخصي السابع الذي عنونه (( ترنيمة الحصى )) وضم المعرض الى جانب الاعمال الخزفية أعمال الرسم فتضمن أكثر من عشرين عملا تشكيليا في الرسم الى جانب نفس العدد قد يزيد أو يقل من أعمال نحتية .
في هذا المعرض كانت الحصى والجلمود والفخار هي العنوان البارز واللافت فيه ، اذ حافظ على جسم الخامة من حيث الشكل والحجم دون تغيير ولم نجد لأدواته وآلياته بالتقشير والحفر والتنعيم أثرا لها على جسد الخامة باستثناء ما أضاف لها من ألوان و بعض الأشكال لكي تفصح عن كائن أو بيئة ما لتتخذ عمقا جماليا وفكريا دون أن يخوض في الخطاب الفلسفي المغرض الذي يبتعد عن فطرة موضوعاته ويشتت رؤى المتلقي . وأراد القول بان الوجود بكليته خلقا واحدا وجمالياته يكمل أحدهما الآخر ، وأحال السكون في الطبيعية الى ترانيم وغناء يشدو بالجمال والأمل .
لقد لعب ( محمود عجمي ) على ثيمة السكون ودلالاتها شكلا ومضمونا فصيّر الجلمود الهامد حيوانا ناطقا بالحياة والحصى الصغيرة جعل منها فم طفلة مزهر بالمرح وجاورها بحصى أخرى لتشكل قططا وحشرات وحلازين وسلاحف وكائنات مختلفة ، لذا جاءت حصاه وحجاره وطينه المفخور حافلا بالحياة الصاخبة بالجمال والديمومة والحركة فبدت أعماله جسدا واحدا من ناحية شكلها العام وقدرة المتلقي على استقبالها وتأويلها دون جهد فيتلقاها بنفس فطرة صانعها ومخلقها .
في معرض ( العجمي ) عدد من لوحات الرسم يمكن وصف البعض منها بلوحة ( كولاج ) اذ مزج بين الجسد التصويري المتخيل ولصق الى جانبه كتلة فوتوغراف لأعماله الخزفية فحاكت رسوماته منحوتاته لكي تشكلا موضوعات مهادنة ومحاكية لبعضها .
امتازت هذه الأعمال ( الكولاج ) بصفة الجدة والتجديد على أقل تقدير في تجربته الشخصية وأعطت سمة التعبير والتجريد لقسم من لوحاته حيث تجد جسدا بلا رأس مدد على أريكة بهيئته السومرية الأنثوية التي اتصفت بالسمنة كما في ثقافة السومريين الذين يرون جمال الأنوثة يكمن بتضخيم مكامن الانوثة في جسد المرأة وابراز مفاتنها فترك نسائه ( العجمي ) بلا رأس لاعتقاده بان النظرة الذكورية للمرأة تكمن في جسدها دون فكرها وثقافتها ووظائفها الحياتية ومشاركتها كعنصر ثان في صنع جماليات الحياة وعلومها ومعارفها ومساهمتها في بناء وارساء دعائم التطور والتقدم ، أي نقل بحرفية واشارات ظاهرة وباطنة نظرة الشرقيين للمرأة واقصائها عن الفعل الحضاري والمنتج الثقافي وترسيخ فعل المرأة بالإنجاب وتلبية غرائز الرجل وحاجاته فقط غير آبهين بصفاتها الألوهية كصنيعه للحب والجمال والزهو والحنكة السياسية في الادارة والقيادة كما وردت الينا من السفر البابلي والسومري والأكدى .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *