الرئيسية » نقد » فن تشكيلي » النحات رائد العبيدي
غرائبية الأشكال واختلاف الذائقة
رياض ابراهيم / كاتب واعلامي / العراق

النحات رائد العبيدي
غرائبية الأشكال واختلاف الذائقة
رياض ابراهيم / كاتب واعلامي / العراق

النحات رائد العبيدي

غرائبية الأشكال واختلاف الذائقة

رياض ابراهيم / كاتب واعلامي / العراق

النحات ( رائد العبيدي )  يحاكي الفراغ المتسع بفضاءاته على الكتلة النحتية ويملأه برموز وبشيفرات ودلالات مستوحاة من لبنة أفكاره فتوحي الى اشارات وجودية وفلسفية متكئا على الكم الهائل من الفكر الرافديني ممثلا بحضاراته الخالدة ، محنة الوجود هي اقسى من محنة الموت وما بعده فما كان عليه أي رائد العبيدي  الا ان يمتطي ثورا مجنحا نفضت الحروب غباره ليحلق باحثا عن عشبته وضالته في مدينة ( انتويربن ) البلجيكية عاشقة الفن ليجلس على ضفاف نهرها هر ( سخلده ) في مدينة ( انتويربن ) هذا النهر الذي نقل اليه صمته وتأملاته وهمومه التي كان يحكيها الى شط ( المحاويل ) الذي يجري محاذيا لقريته المتفرع من نهر ( الفرات ) هذا النهر الذي كان شاهدا على المراكب التي كانت تقل الصخور والاحجار والخشب ليبني بها ( نبوخذ نصر ) دولته ويخوض غزواته  ويؤسس ( حمورابي ) قوانينه وشرائعه ، نهر ( الفرات ) كان شاهدا ايضا كيف تغنجت ( عشتار)  على حبيبها ( تموز ) ليوقع بشرك عشقها حتى انصهرت روحه مع روح الغرين لذا حافظ ( الفرات ) على لون مائه الغرين كما يحافظ ( رائد العبيدي)  على ألون خزفه ومنحوتاته بلونها البني الشبيه الى غرين ( الفرات ) وبياضها بلون نقاء وفطرة وطيبة قلبه .

البيئة التي احتضنت العبيدي هي بيئة قروية اتسمت عليها العصبية القبلية والامر الغريب ان هذه الحاضنة لم يخضع لاشتراطاتها النفسية والثقافية ولم يأبه لها ومن الصعب على مثل هذه البيئات ان تصنع فنانا مبدعا حقيقيا صوفيا تجريديا متحررا من هذه العصبيات ، انه تمرد على كل هذه العصبيات والحروب وحول نيرانها الى افرانا تنتج اجمل الاعمال الخزفية نيران الحروب والاقتتال صاغ منها مصنعا له وورشا للإبداع وحول الدمار الى جمال واملا لشعبه الموجوع الذي لم يستكن من خوض الحروب منذ الخليقة ومازال .

حينما حطت قدماه في اوربا قد أدهشته  الحداثة  ومدارسها أول مرة  في وقت الذي انحدرت الحداثة في اوربا وتقهقرت الى ما بعد الحداثة وهي العودة الى الكلاسيكية والجذور والاصالة  بعد أن خذلت الحداثة متذوقيها وباتت عبث فني وأدبي واقتصادي وسياسي لا يخضع الى مفاهيم القيم الانسانية والذوقية لذا ما كان على ( رائد العبيدي )  أبى الغوص والغرق فيها فلجم النظر عنها ولم يلتفت اليها وخاصة قد سبقته شعوبها برفضها ، لذا عكف لينهل من جماليات تراث بلده الثرّ ممثلا بحضاراته العريقة من فنون ولقى وآداب واثر قل نظيرها بالعالم .

لو تمعنا اعمال العبيدي الخزفية تجدها متفردة  باسلوها وموضوعاتها وطريقة اخراجها وتصميمها والتقنية التي يشتغل عليها فيحول الطين الى فخار نحتي بعد ان يدخلها في افران صهر لتتحول الى قطع سيراميك محافظة على شكلها وقياساتها ونقوشها وحفرياتها ويجزئ اجامها الكبيرة الى عدة قطع ليحافظ على تكوينها الشكلي والتعبيري وبعد ان تصهر يعيد تشكيلها كجسم وكتلة واحدة مدهشة بذات القياسات ولم يجري عليها اضافات لونية لتحافظ على لونها الترابي لتشعر المشاهد وكأنها قطعة اثرية صنعت منذ الاف السنين فيضيف اليها الاكاسيد والاون البني الخفيف او الابيض الشفاف لتصبح جوهرة نحتية مدهشة .

الاسلوب الفني الذي يميز رائد العبيدي عن غيره فيه عنصر الدهشة وفيها القدرة على التالف مع الرائي لها تبعث في نفس المتلقي حميمية وروح محاكية لروحه بجو صوفي روحاني تجذبه وتثير مشاعره وفكره دون وعي منه .

(( يقول عفيف البهنسي، إن العقيدة الوحدانيّة الراسخة في روحيّة الإنسان العربي، فرضت على الفن العربي مبدأين: الأول هو (تصحيف الواقع). أي تحوير معالمه الخاصة، وتعديل نسبة أبعاده وفق مشيئة الفنان. والمبدأ الثاني هو: إغفال الشكل الواقعي. أي الابتعاد عن تشبيه الشيء بذاته.. ومن هنا تحديداً ولد الرقش العربي الذي هو عبارة عن أشكال تجريديّة لا علاقة لها بالواقع))

ان اسلوب العبيدي بالنحت الفخاري يعد مبتكرا وخاصا به فيحيل أكبر الأعمال شكلا وحجما ورشاقة ليأخذ طريقه الى الأفران الحرارية العالية الحرارة لينصهر ويتحول الى خزفا ( سيراميكيا ) هذه الجزيئات والقطع  بعد ان تكتمل تضاريسها وقياساتها محافظة بالوقت نفسه على كل حفرة وشق أو تطريزة وشفرة ثم يجمعها وينصبها لتتخذ قوام تمثال ونصبا شامخا بامتداداته فيبلغ ارتفاعها  من مترين وما يزيد عنه  دون أن تشعر بمياسته ورهافة ملمسه وتكوراته وانحناءاته وكأنها شجرة تخشى الظل والبرد وتأبى تعرضها للحرارة فكيف تحافظ على ديمومتها كما في تمثال ( الشجرة الخالدة والأم الآلهة والمرأة النعناع  ) وغيرها من أعماله  .

 أعمال ( العبيدي رائد ) تبدو للرائي  رهيفة ورشيقة وناعمة وقد تكون خفيفة الظل كيانا لكنها صلدة ومتينة ومتماسكة  كما في عمل ( الشجرة الخالدة )  وكأنها  شجرة تفاحة (  آدم أو عشبة كلكامش ) وهذه الشجرة كقطعة خزفية اتخذت من ثدي المرأة قاعدة لها  لتسقيها بالحياة والنماء والجمال  ، هذه الشجرة الغرائبية الشكل تمثل المخيلة الخصبة للنحات ( العبيدي )  شجرة بعيون صقر وبرشاقة غزال وبضفيرة بنت مدللة تستند على عود ( الآراك )  الذي يبعث عطر الطيب والمسك  ، انه ثيمة ارسال وبعث لعطر الحياة وجمالها  ، انها لوحة تجمع بين السريالية والفنتازيا التي اتصفت أعماله بها والتي تجاوزت  في منظوماتها الفنية والجمالية حدود الخيال الى المطلق من التفكير والايحاء والتيه .،  وعند التمعن تجد بابا في أسفل قائم الشجرة فهو بمثابة باب الجنة ،  هذه  الجنة الشجرة التي غلقت أبوابها بوجه ( آدم ) الذي ارتكب معصية الغواية بقضمه تفاحة ( حواء ) أو نشوة شهدها .

ثمة نموذج آخر وهو عمل فني نحتي كبير لفت نظري لاختلافه عن سائد الأعمال النحتية شكلا ومضمونا وتقنية  وهو تمثال ( المرأة النعناع  )  فقد جمع النحات بين جسدين متضادين في فعلهما ووجودهما فالأول هو المرأة بكليتها وما تحمله من صفات وجودية وحياتية والأمر الآخر ( النرجيلة ) وهي احدى الوسائل وأداة للتدخين الشائعة في مناطق الشرق أي عمل يجمع بين المرأة ( والنرجيلة ) وهو تمثال لامرأة برأس ( نارجيلة )  هذه الفنتازيا الغريبة قد تجدهما متضادين فكيف يتجرأ الفنان لجمع المتضادات في معانيهما  ألم تعد مجازفة فنية وفكرية ؟

لو تمعنا الى جسد المرأة ككتلة وتضاريس أنوثتها ان كانت رشيقة طبعا لوجدت الخصر النحيف والأرداف البارزة والأثداء أيضا كتكورات جاذبة للعين واذا ما نظرت الى أداة ( النارجيلة ) ستجد لديهما ذات الصفات الجسمانية من نسق  قاعدتها وخصرها وحتى فوهتها فهي هنا قد اقتربت شكلا من ناحية التضاريس الجسدية بينها وبين المرأة ،  ولكن في حقيقة الأمر لم يكن هنا النحات يقصد ذلك بل أخذ الجانب الروحي والفكري بين الثيمتين اذ ان المرأة تمثل لدى الرجل النشوة والشهوة وجمالية الوجود وهي تمثل أنفاسه الصاعدة والنازلة ولا يمكن أن يحييا بدون وجودها وعطرها وزكرشة ملابسها وزينتها ومفاتنها لذا تشكل المرأة بالنسبة للرجل ذاته الأخرى ، وتخيل الفنان هنا أن ( النارجيلة ) ومن كثرة الادمان على تعاطيها كدخان رطب ومعطر بمختلف العطور واللذائذ تمثل له نشوة كبرى قد أدمن طعمها وعطرها فهو يشهق دخانها كما يشهق عطر أنثاه ،  فقد تشابهت شكلا ذات اللذة الروحية فيما بينهما ، حقيقة هذا ما نسميه الرقش أي  العمل او النموذج الذي لا علاقة له بالواقع لسبب لان ليس كل الناس لديها ذات النظرة والقدرة للجمع بين نشوتين فانها لا تغدو فنتازيا جميلة قد ابتكرها الفنان في عمله هذا وهي تبدو  صادمة لذائقة وفكر وخيال المتلقي وهذه احدى أهم السمات التعبيرية لدى ( رائد العبيدي .) 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *