الرئيسية » نقد » ادب » حميد الربيعي : مقبرة الكتب المنسية

حميد الربيعي : مقبرة الكتب المنسية

مقبرة الكتب المنسية

حميد الربيعي
رواية ثلاثية ، كل جزء منقصل عن الاخر لكنها جميعا تدور ضمن هذا الحدث والثيمة ، للروائي الاسباني كارلوس زافون ، من مواليد 1965 ، الرواية الاولى بعنوان ( ظل الريح 9 وقد صدرت بترجمتها العربية قبل عامين . الرواية الثانية باسم ( لعبة الملاك ) .
تذوقا ومتعة قراءة فان هاتين الروايتين تنقلنا الى عوالم اخرى ، نادرا ما نجدها في الرواية العربية وبالذات الرواية العراقية ، من حيث طبيعة السرد وبناء الشخصيات والاحداث ، فهما يختلفان كلية عما هو سائد ، اذ يقتحم الكاتب ” الواقعية السحرية ” من باب اخر ، اقرب الى الشكل البوليسي سرديا ، بيد انه يمرر لنا ، من خلال ذلك ، تشابك العلاقات الانسانية وتشظيها في مرحلة مهمة من حياة مدينة برشلونة ، بالذات في الفترة الممتدة من عام 1905 ، عندما بدأت المدينة تدخل في عصر التصنيع ، وصولا الى سقوط الجمهورية ومجيء فرانكو الى الحكم .
تلك الفترة الزمنة ، على اهميتها من ناحية تاريخية ، لكنها ايضا ، وهذا ما كنا نغفل عنه كقراء ، تحكي التفاصيل اليومية لحياة الناس ازاء التحولات الكبرى ، ليس متابعة وقائعها فقط ، انما تعيد كتابة الوقائع وتقيم تلك الفترة .
في كلا الروايتين يقسم المؤلف الزمن الى وحدات سنوية ، بان يتناول زمن 1905 مثلا ، او زمن احداث 1945 ، ورغم اهمية هذا التقسيم ، لكنه لا يخرج عن لعبة زمن الروائي ، زمن سرد الاحداث .
“مقبرة الكتب المنسية ” ،كما يقول عنها الروائي ، هي سراديب عميقة وطويلة ، لا يعرف اهل المدين عنها شيئا ، لقد تراكمت فيها الكتب ، ابتداء من زمن محاكم التفتيش ،حيث الاهالي كانوا يخبئون المخطوطات فيها ، خوفا من حرقها ايام القساوسة القتلة . اصبحت هذه السراديب مقبرة للكتب ، التي لم يعد يقرئها احد وبقيت الارواح تسكنها ، ارواح من الفها او قرائها او نضدها ، وهي برايي فكرة جميلة وان لم تكن على ارض الواقع ، لكن افتراض وجود مقبرة للكتب المنسية ، انما هي وسيلة للاحتجاج على ما الت اليه الاحوال ، بعد هذا التطور الصناعي المذهل خلال القرن الماضي .
لا احد يدخل هذه المقبرة ، ومن ارتيحت له الفرصة بالدخول ، فعليه ان ينتقي كتابا واحدا ، يحرص على ان لا يعلم عنه و لا يفرط به ، بهذه الحالة يصبح الكتاب المستعار احجية وتعويذة لحياته ، ولابد ان تخرج الارواح من دفتي الكتاب للتشابك مع حياته القادمة ، بعد الاقتناء .
كنت قد توقفت عند الرواية الاولى ( ظل الريح ) ، بقراءة واستعراض ، ثم نبهني احد النقاد الى اهمية اكمال المشوار مع الرواية الثانية ( لعبة الملاك ) ، التي سأحاول هنا استعراضها ، تعميما وحث الى متتبعي السرد ، كتاب وقراء ، مع امل بان تدرس هذه الروايات بعمق من ناحية السرد وطريقة الكتابة .
لعبة الملاك :
برشلونة، عام ١٩٠٥، يفتتح فيها لأول مرة ،المعرض الدولي للصناعات والذي سيؤدي الى مجموعة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية ، به تدخل المدينة عصر النهضة وتغادر مرحلة ملاك الارض الأرستقراطيين ،حيث كان الناس يعيشون في حالة من الفقر المدقع .
بهذه الفترة من التحولات يأتي شخص غامض على هيئة ملاك ويطلب من كاتب مغمور ، طلبا غريبا :
– اصنع لي ديانة جديدة .
هنا مكمن لذة السرد، التي ستسير الرواية ، فبدلا من تمثيل المدينة بامرأة مقهورة ( كما جرت عليه روايات ” الواقعية النقدية ” ) او رصد التحولات من خلال حركة الشخوص والحكاية ( كما الروايات الحديثة ) ، يجعل من موضوعة الديانة الجديدة هي الثيمة ،التي سترصد ما يجري على المدينة من تحولات ، من خلال خطين يسيران معا ،مع تطور الاحداث ونموها، الاول يتمثل بمجموعة القيم والاخلاق والمفاهيم التي كانت سائدة في برشلونة قبل التحول . الثاني يتمثل بالرؤية القادمة التي ستؤول اليها الاوضاع ، وهي النقطة / المسار الذي اتاح للروائي ان يطرح وجهة نظره بما يجري، وفق نظرة شمولية ، ليس ما يخص هذه مدينة برشلونة ، انما تجاه العالم كله .
ان “صناعة” ديانة جديدة سوف تبحر بنا للدخول في العملية الفلسفية لفكرة الدين ، من حيث نشأته و تطوره، وصولا الى بسط سلطته على حياة الناس .
مع ان هذا المبحث عميق، لكن الكاتب لم يغرق في الرؤيا النظرية للموضوع ، انما رصده من خلال تمثيله بحكاية مركزية ، مفادها احداث بوليسية ، تأخذ بخناق الشخصيات وتقودهم حتما للانغماس بتشعبات مفاهيم الدين الجديد وصراعه مع الدين القديم ، الذي يتشبث البعض به .
٥٨٠ صفحة من الرواية والكاتب يحبك حكايته ،ضمن هذه المؤشرات ومن ثم في ١٠٠ صفحة الاخيرة يجعل القارئ يلهث وراءه في فك طلاسم حكاية الملاك الغامض .
لعبة السرد الجميلة ونحن نتابعها في ١٠٠ صفحة الاخيرة، تبدا بالتشكيك فيما قيل من حقائق الحكاية الاولى( وهي رؤية رجال الدين القديم ) وذلك بإعادة صياغتها ثانية، بشكل مغاير ( حسب رؤية رجال الشرطة والناس لمجريات الاحداث )، ثم قبل الاقتراب من الخاتمة نجد ان تلك الكشوفات ايضا مزيفة وان ثمة حقيقة اخرى ، جرت بموجبها الوقائع ، حقيقة تنطوي على مفهومية الدين الجديد المراد له ان يسود في المدن الصناعية والعالم ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *