الرئيسية » نصوص » شعر » د. جمال خضير الجنابي : المستوى الدلالي واللغوي في شعر هشام القيسي
(6) الفصل الرابع : البنية اللغوية

د. جمال خضير الجنابي : المستوى الدلالي واللغوي في شعر هشام القيسي
(6) الفصل الرابع : البنية اللغوية

الفصل الرابع
البنية اللغوية

القصيدة موضوعاً لغوياً

لم يعد موضع خلاف أن القصيدة موضوع لغوي من نوع خاص(1) يعالجه الشاعر بتوظيف متميز، يختلف جذرياً عن السياقين: المعجمي والنثري. وذلك يعني أن الشعر لغة داخل اللغة(2) لا تُجترح إلا بعد تحطيم الألفاظ، واستكناه دلالاتها وإعادة صياغتها-عبر الخوض في أعماق التجربة الانفعالية- مولوداً جديداً مطابقاً لمواصفات المنتج الذاتية والموضوعية وبصورة أنساق تركيبيته وعاطفية مبتكرة. وبذلك تكون اللغة (شعرية)لأنها على وفق هذا التكوين ستقيم علاقات جديدة بين الإنسان والأشياء، وبين الأشياء والأشياء، وبين الكلمة والكلمة(3).
وبمعنى آخر فإنها تقدم (صورة جديدة للحياة والإنسان)(4) ولأن وظيفة اللغة الشعرية (تعبيرية جمالية انفعالية تستخدم للتعبيرعن أحاسيس واتجاهات وإثارتها عند الآخرين)(5) فإن تميزها عن اللغة الإشارية تحصيل حاصل، لأن هذه الأخيرة قاصرة (عن أن تصف منظراً طبيعياً أو وجهاً إنسانياً)(6) ولذا كان ميدانها هو العلم، إلى جانب كونها لغة الحياة اليومية.
ولكي(يحرك الشاعر خيال قرائه. . . بحيث تجاربهم بقدر الإمكان تقليداً صحيحاً لتجاربه)(7)
فإن عليه أن يقوم بعملية اختيار دقيقة لألفاظه تضع المتلقين في عمق التجربة لا على سطحها. وهكذا يكون لكل شاعر معجمه الشعري الخاص، ويظل اختيار المفردات (سراً لشاعر نفسه)(8) في ضوء تجربته الانفعالية.
إن الشعر(صفة علوية، أي نقل مفاجئ تقوم به الألفاظ تحت تأثير خاص كما يقول الناقد هربارت ريد)(9) ولذلك كانت لغة القصيدة لغة تكثيف وغرابة، تتخذ الكلمات فيها(وزناً أثقل من الوزن الذي تحمله الكلمات نفسها عندما نصادفها في الكلام العادي أو في صفحة جريدة أو حتى في صفحة من الكتابة النثرية)(10) مما يشير صراحة إلى أنه ليست هناك كلمات شعرية وأخرى غير شعرية وإنما هناك ثقل خاص لهذه المفردات تكتسبه في الشعر إذ أن (السياق وحده هو الذي يمنح الألفاظ شاعريتها أو العكس، والشعر الجيد أيضاً هو الذي يُكسب ألفاظه قسوة ونضجاً)(11) وهذا ما أكده عبد القاهر الجرجاني في القرن الخامس الهجري في نظرية النظام حين ذهب إلى أن موقع المفردة من السياق هو الذي يمنحها الدلالة المناسبة والمؤثرة. (12)
وبذلك يكون الجرجاني قد ركز(على عمل العناصر في البيئة اللغوية من أجل إنتاج المعنى، وليس على العناصر ذاتها)(13)
وهو ما اهتم به النقد الحديث، فها هو الناقد الإنكليزي ريتشاردز يقول: (إن النغمة الواحدة في أية قطعة موسيقية لا تستمد شخصيتها ولا خاصيتها المميزة إلا من النغمات المجاورة لها.. كذلك الحال في الألفاظ فإن معنى أية لفظة لا يمكن أن يتحدد إلا من علاقة هذه اللفظة بما يجاورها من ألفاظ)(14)
إن وضع الألفاظ في سياقاتها المناسبة لا يتم اعتباطاً، على الرغم من استغراق الشاعر في لحظات شعرية هي أقرب إلى اللاوعي منه إلى الوعي، فلا مناص للشاعرمن اختيار(الجميل المناسب، والأنيق الحسن)(15)
من الألفاظ، لكي لا يدع (الحالة الشعرية وما صاحبها من توقد ذهني وإيقاعية ملحة تسرع إلى قوالب مألوفة محددة بجاذبيتها الموسيقية، ومحددة بصداها في النفوس، وكذلك بمضمونها المقرر)(16) لأنّ(الشعر.. طبع ومهارة). (17)
ولكي يتم(تحويل آلام الدم إلى حبر)كما يقول اليوت، (18)كان لابد من تأسيس معجم شعري لكل شاعر كبير. ولأن الشعر ذو جلال خاص، (ولولا هذا الجلال لما عد الشاعر بمنزلة النبي)(19) فإن ثمة اشتراطات على الشاعر أن يحيط بها كالوعي والخبرة، والقدرة على استيعاب الحاضر والماضي والإفادة من تجارب المعاصرين والأسلاف(20) كيما يكون جديراً بملكوت الشعر. وهذا ما كان عليه شعراؤنا الرواد مجسداً بمنجزهم الشعري، ببنائه الهندسي، وتقنياته المتقدمة، ومعجمهم الشعري.

المعجم الشعري:

لكل شاعر لغة متفردة إنْ على مستوى اللفظة أو على التركيب أو على مستوى البناء. ومنذ العصور الأولى كان(في كل شاعر مخترع لغة)(21)
فحين جدد أبو تمام في لغته الشعرية أثار حفيظة النقاد وكان معظمهم لغويين ليس لهم (بصر بالشعر ونقده)(22)
فحاكموا الشعر على أساس الدلالات المعجمية، والتزامه بقواعد النحو والصرف. ولكن العصور الأولى لم تفتقد واحداً مثل الخليل بن أحمد الفراهيدي(ت 175هـ)يقول عن الشعراء أنهم: (أمراء الكلام يصرفونه أنّى شاءوا، ويجوز لهم مالا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده، ومن تصريف اللفظ وتعقيده، ومد المقصور، وقصر الممدود، والجمع بين لغاته، والتفريق بين صفاته. واستخراج ما كلت الألسن عن وصفه ونعته، والأذهان عن فهمه وإيضاحه، فيقربون البعيد، ويبعدون القريب، ويحتج بهم ولا يحتج عليهم)(23)
وبهذا يقترب الفراهيدي -الذي سبق عصره-من الموقف النقدي المعاصر الذي يؤكد أن(اللغة فنّ الشعر)كما يقول بول فاليري(24).
وما دامت(الألفاظ تَخْلق كما يَخلق كل شيء يمر عليه اصبع الاستعمال في هذه الحياة المتغيرة(25)فمن حق الشاعر أن تكون له لغته الخاصة التي تعبر بدقة عن تجاربه الانفعالية في لحظات التأسيس الشعري. ولا يتم تأسيس المعجم الشعري بمعزل عن ذوق الشاعر ومزاجه (26)لأن استعمال مفردات معينة لدى شاعر معين يشير إلى أن حالة نفسية خاصة وراء هذا الاستعمال، ولذلك كان لكل شاعر فنان معجمه الشعري وهو حصيلة تكوينه الثقافي، وقدرته الخاصة في التقاط المفردة التي تعبرعن معاناته.
وفي معاجم شعرائنا الرواد خصوصيات كل منهم فالمعجم هو الشاعر نفسه، فما يميز معجم السياب هو جملة المشبه والمشبه به كما يرى عبد الجبار داود البصري، (27) وهو بتعبير الدكتور جلال الخياط ملئ (بأدوات التشبيه وأحرف النداء، وعكازات لغوية لا حصر لها) (28) أي أن معجمه الشعري أقرب إلى التراث منه إلى الأسلوب المعاصر، وهو شيء طبيعي، ولا يعيب السياب، لأن(أكثر الكتاب أصالة إنما هو إلى حد بعيد راسب من الأجيال السابقة، وبؤرة للتيارات المعاصرة، وثلاثة أرباعه مكون من غير ذاته)على حد تعبير لانسون، (29) والجملة عند نازك الملائكة(لم تخرج عن قواعد التشكيل التقليدي للقصيدة فيما كان حراً وفيما لم يكن حرا)(30).
أما جملة البياتي فقد اتسمت بالتركيز(31) وقامت على اختراق (العلاقات المألوفة بين الكلمات، [والبحث]عن النقيض والتضاد واللامعقول في تلك العلاقات)(32). كما أن الاستعارة هي أهم ما يميز جملة الحيدري فلا تكاد تخلو قصيدة منها، بل إن القصيدة الواحدة أحياناً تتسع لعدد كبير من الاستعارات.
ولابد من الإشارة إلى أننا ونحن نسوق هذه العلاقة لا نريد التوقف عندها لأن ما يهم هو معجم الاغتراب الشعري، ولذلك لم نشأ، أن نمثل لما ذكرنا بالنص، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن معجم أي شاعر لايقتصر على الجملة الشعرية بل يقوم على البناء الفني للقصيدة حيث تشكل البنى اللغوية والتصويرية والإيقاعية كلا لا يتجزأ، يعرف الشاعر من خلالها، كما تعرف قسمات وجهه.
أما معجم الشاعر هشام القيسي بالغربة والاغتراب فقد توافر من خلاله على أربعة أمور هي: ألفاظ الغربة، وألفاظ الطبيعة، والتجسيد، وألفاظ الصوت وسوف أتطرق لكل حالة بأمثلة محددة خشية الإطالة.

ألفاظ الغربة:
حفل معجم الشاعر هشام القيسي بكل الألفاظ التي تدل على الاغتراب والغربة، وما يتصل بهما من أوجاع المكابرة، وآلام المعاناة مثل: تعودنا/ ذكريات/ لا تموت/ تسقط الاسوار/ الالم/ سفر/ افق المدينة/ لا تنطفىء/ تذكار/ الجرح/ النداء/ وتلوح لمسافة/ يأتي زمان/ تحلق فيه الايام/ تجيء/ يخرج/ مسافة اثرمسافة/ يوجعك ظمأ بعد/ الالام/ يدفن في وجع المحب/ سفر ذكريات/ ينتهي/ الانتظار/ الصبر/ اهاجر/ الحزن/ اوجاعه/ بعيد/ اخاف عليك من خوفي/ همومي/ اهاتي/ تسكن في البكاء/وغيرها. . . . .
من الألفاظ والمفردات المشابهة والبديلة. ولم تسقط هذه الألفاظ من معاجم الشاعرهشام القيسي بزوال المؤثرالرومانسي بل استمرت بسبب الخيبات الفردية والجمعية التي عاشها او تأثر بظلالها. وإذا كان حقاً (إن ذلك المزاج الحزين كان مزاج العصر)(33) فالأولى أنه مزاج شعراء العصر قبل غيرهم.
يقول هشام القيسي في قصيدته:
(نحمل الى احياء الرحلة بفم الاحشاء نغرق
ونهوي تحت ايام لا تفكر لقد كانت قبل
ايام الاسبوع حياة لا تفيق
والاشهر تدفن نيران اطمئنان
مكسورة تلك
السنوات تبحث عن طريق لاحلام تتناسل في
الافق، وجوع يخنق صوره
في الحياةو يغادر العصر
في تراتيل الدوائر مفأة لا تزيح الانهيار
في وحدة من خلوة خراب يبصر كل
شيء
في ساعة لاتحفر
يرجع
* * *
هكذا النار
هكذا اغمض عيني
هكذا تنساب جداول النفس)(34)
تتجوهر القصيدة في عبارة(السنوات تبحث عن طريق لاحلام تتناسل في الافق، وجوع صورة)، فالسنوات هي بؤرة التي تتحكم بمسار الانسان حيث تلعب دور مهم في عبور الفترات العمرية التي تتصارع في داخل حياة أي فرد من افراد المجتمع، لهذا يصور لنا الشاعر هشام القيسي حقيقة لا مجال لهروب منها، انها
مسيرة التي تكون داخل حياة الانسان حيث لا عودة الى الوراء، بل انها اوراق تتساقط وسط ريح قوية لا يمكن لبشر ان يصدر عليها.
(هكذا النار
هكذا اغمض عيني
هكذا تنساب جداول النفس)(35)
ويرسم هشام القيسي في قصيدته(امل) صورة فيها بعض الامل، في نوع من الحلم في الصراع مع الوقت، حيث يصور ان الوقت سوف يمنحه شيء من السعادة التي هربت منه في غفله، لهذا يبني احلامه على ما سوف يأتي به الوقت من هبات وهي في علم الغيب. ولكن هشام القيسي يبقى رغم كل هذا الحزن، بصيص من الامل من ان غدا سيكون اجمل، وسوف تعود الحياة لها من خلال الامل حيث يقول في قصيدة (الامل)
(ربما يمنح الغياب صفحات تسهر فيها
ثم توقد النيران
ربما الليل لا شأن له
سوى نشر اسمال
لا تورق احشاء ملتهبة
ربما تكون المحطات
اخر مفترق لا تراهن عليه
لكنك تبقى تعلن فيها
غير منسية، تخفف من وطأتها
وتتعلم كيف لا يجهش الصمت بالبكاء)(36)

ألفاظ الطبيعة
في كل شاعر مغترب نفس رومانسي هو محور الذات الحالمة حين تلجأ إلى الهروب من قسوة واقع خارجي، يصبح احتماله. . أكثرمن أن يطاق(37)
والطبيعة أحد ملاذات الشاعرهشام القيسي في المرحلة الأولى من اغترابه في أقل تقدير، فربما كان(عالم الطبيعة البريئة مصدر راحة)(38)
الشاعر الحزين (بعيداً عن التعقيد والتكلف والرياء الذي يلازم الحياة المادية)(39)
فحين ينقطع ما بين الإنسان والإنسان، وعندما يضيق المكان أو الزمان بالشاعر، يقيم هذا فضاءه في داخل ذاته، أو يقيمه خارجها في غابة، أو في كوخ، أو في ريف ناءٍ، ولذلك فلا غرابة إذا ما امتزجت مشاعر القربى بين الشاعر وبين الطبيعة الريفية بمشاعر الغربة وينصهر لديه الحنين والتمرد في بوتقة إبداعية واحدة(40) فليست الطبيعة إلا صورة لحياتنا النفسية.
لقد توافر معجم الشاعر هشام القيسي على العديد من ألفاظ الطبيعة -وإن كان يتفاوت من قصيدة إلى آخر(الاشجار/يوم/الحرائق/ النيران/الايام/الليالي/الخريف/الهواء/صحارى/كواكب/المحطات/الدروب/الليل/النهار/حديقة/الضياء/الزهور/النوافذ/الدموع/الارض/الشتاء/الصيف/الامطار/الشجرة/الغيوم/حقول/الريح/بيت/الشوارع/النهر/طاءر/الرماد/المطر/اليوم/البحر/سدود/طيور/. . . . وغيرها.
يقول هشام القيسي في قصيدة (الدار):
(مرة أخرى هنا
طوال النهار
ينطق الدار
وعند كل صباح
بعينين حالمتين
يصغي إلى أوتار
فهو يرى ما نراه
وينير مداه،
ستشهر الريح إذا
كيف سوره الأبرار
وكيف تسقط الأسوار
فهذا حلمنا الجميل
وهذا هو الدليل
فقد خاب الزمن المحتال بلا شرار. )(41)
الشاعر هشام القيسي يكشف عن صلبة الدار، حيث يوصفه ذات حس بشري يرى ويتخيل ما يجري حوله من احداث، وتتناقض الصفات من حيث التشبه، لا ترتبط فيه الحياة بشيء، سوى وجود الشاعر نفسه فيه، فهو مركز الارتباط الرئيسي في القصيدة.
ويتشبث الشاعر بأمل كاذب حين يتصور أن شيء ما سوف يحدث، لان حلمه الكبير سوف يأتي مع الصبر، فالتشبث بما هو اتي احدى وسائل الشاعر في موجهة أحزانه.
فيقول في قصيدة (اليقين):
(أسترخ قليلا
فالدخان يطرق الباب
ولم يبق في الدار
غير تذكار
ما أطول اليوم
والجرح يفقأ النهار
استرخ قليلا
وكن كما تشاء
فالجمر سيتقد يوماً
وسيغني ظمأ النداء. (42)
كل شيء عند هشام القيسي هو زمن الحاضر، الى جانب ذلك يرى ان الاحلام هي مجموعة من الامنيات التي ربما تتحقق يوم ما، اذا وجد الصبر في ما يبغيه الانسان، لهذا يؤكد هشام القيسي ان خطوة الاولى هي بداية النجاح.
وهكذا نرى ان ورود هذه الالفاظ كثيرا ما يكون بشكل ثنانيات متضادة، فاليل الى جانب النهار، والنار بجانب اللهيب وهكذا.

ألفاظ الصوت

تفاوت إحساس عند هشام القيسي بأهمية ألفاظ الصوت مما أفضى إلى تفاوت في استعمالها نوعياً. فإذا كان الصوت في الكلمة الشعرية يلعب دوراً هاماً في تفسيرها ومضمونها(43)
فالأحرى بالألفاظ التي تدل على الصوت أن تلعب هذا الدور، لأنها فضلاً عما تمنحه للقصيدة من تجسيد صوري، ورنين إيقاعي، فإنها تعكس عمق تجربة الشاعر الانفعالية بتكثيف شعوري ودلالي معاً. ويتقدم هشام القيسي في هذا الميدان على الآخرين لأنه ذو إحساس حاد بالصوت في معنى الكلمة حينا وفي لفظها حينا آخر، وربما كان ذلك لأنه ذو مزاج حسي حاد يقول في قصيدة (بما شاءت):
(أي خطاب عليك
لم يوقد سره
وأي نداء
لم يرسم نبض الأرض
وقدره
من بدء الخليقة
لم يبرح أسمك مكانـه
ومن أهازيج الجموع
تملأ الكلم
وزمانـه،
محمد
لاشيء عندنا سواه
ولا نرتوي بغير مداه
محمد
بحبـه نحمد
وبجلال أيامه نتمدد
خشوعا فخشوعا
تورق أسفاره
وينـزل المطر
خشوعا فخشوعا
كل البيوت مبـهورة
فضاؤها مدى
وقدر)(44)
إن ألفاظ الصوت: شاءت /عزفت/تنشد/ترحل. . . وغيرها. امتلأت حتى أقصاها بالتجسيد لأن الشاعر زاوج فيها بين الاستعمالات المجازية، وبين الأفعال والأسماء المضعّفة كما أن خروج الأفعال من دلالاتها اللغوية إلى دلالات صوتية جاءت لتتضامن مع تكرار كلمة(فصول) خمسة مرات في بيان انسحاق الشاعر تحت وطأة غربة الروح القاسية، وحنين الى عالم اجمل مما هو فيه، كأن روح هشام القيسي هي التي كانت تتحدث بما انطلقت الطبيعة معها في بوتقة موضوعية/ وجدانية/ فنية مزدوجة توحدت الذات فيها بالموضوع بتلقائية واعية.
ويستعمل هشام القيسي نوعا خر من الفاظ الصوت هو الرباعي المضاعف ففي قصيدة (كائن غير اليف) استعمل الفعل رؤية: .
(الموت نقيض الطفولة
الموت إصغاء
وكل ثكنات الكلام
باتت ترتدي عروشا
لا تليق بالفصول،
هي الحرائق إذا
فراغ بلا رؤية
ورسائل بلا رؤية
مثلما المتاهة
تفقس لاحتفالات
بلا رؤية
فكل رؤية
تتكرر في رؤية
وكل رؤية
تغتصب رؤية نامية.
* * *
الأبواب متعاكسة
الأبواب تفاوض الخريف
من نافلة القول هنا
أن أوكد أن ساعات الأحزان
تحرس أشجار الوهم بالمجان
وفي كل مكان
زمان يضاجع المكان. )(45)
إنّ للفعل المذكور دلالة مضاعفة من الإيحاء فضلاً عن استعماله مجازياً، مما أفصح عما أوحاه الشاعر من الهمس بأدنى درجاته ربما إلى الدرجة التي يتماثل فيها مع الصمت تعبيراً عن تعب الشاعر وإعياء صوته المشبع بآه الحزن.

التجسيد والتشخيص

إلى جانب ما مر من عناصر المعجم الشعري فقد وجد الباحث أن الشاعر هشام القيسي يكثر من تبادل المحسوس والمعنوي، فيتحول المعنوي إلى محسوس قصد تجسيد تجربة الشاعر الانفعالية واستكمال بناء الصورة الشعرية، والتأثير في المتلقي، فلم توجد اللغة إلا للتعبير والتوصيل والتأثير(46).
يقول هشام القيسي في قصيدة (هذا العواء الطويل):
(اتكأت على الآلام
وإلى أيام وأيام
كان الزمن يحفر فيك
دونما صوت
وبلا قلب
تبت يداه
لم يفتح نافذة
في هذا العواء الطويل
ولم يضمد نزفا
يبكي من بعد
ومن طرقات أججها العويل
حكم عليك
وهو غير خجل
وهو ممدود للتيه
ثمل،
أنت أعطيت روائح طيبة
من حدائق تسكنـها الألوان
وحدقت في أوجاع الأيام
جنبا إلى جنب بكل وقار
وبكل فجر فتان
أنبكي قليلا
قليلا
أم نسكن الجمر بدموع تنطق.)(47)
فقد منح الشاعر الزمن صفة الكائن الحي الذي يطرق باب الحياة، وبذلك عبر عن خيبته في في الوقت الذي يصارع همسات انفاس دقات الوهم.
وتوغل هشام القيسي في هذا المظهر الفني لانه لا يرى في الزمن غير دقائق تهرب منه، فقد اكسب الندى صفة الكائنات المحسوسة فيقول :
(يا بن الآلام
ما أتعبتك المودة
وأنت وحيد وحيد
ولا أتعبتك ينابيعها
وسرها عميق بعيد
فقد حملتك حلما
باتساع الحلم
يضحك للندى
وحملتك معتمرا بالأفق
زاهدا يجمع شمل الصحب.
رغم نزيف القلب
منحت أحزاننا حزنا
يسكن مشاعل الحروف
ومنحت الذكريات نارا
تشعل الوقوف)(48)

مستويات الأداء اللغوي

لا يخرج أداء الشاعر هشام القيسي عن واحد من ثلاثة مستويات هي: الأداء بالكلام المحكي، والأداء بالموروث، أما الأداء الثالث فهو الذي تحرر من كليهما. على أننا حين نشير إلى مثل تلك المستويات، فإننا لا نقصد التقاطع والاستقلالية في النص الواحد. إذ أننا نجد تلك المستويات مجتمعة في نص واحد. وما هذا التقسيم إلا لغرض الدراسة النقدية.

.. يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *