أ. د. خضير درويش : أصالة التشكيل وكثافة الدلالة
في نص “ازدهارات المفعول به”للشاعر سلمان داود محمد
(الجزء الأول) (ملف/25)

إشارة :
سلمان داود محمّد – وببساطة شديدة جدا ولكن معقّدة – هو “عاهة إبليس” في المشهد الشعري الراهن ؛ العراقي – وحتى العربي لو هيّأ له الأخوة النقّاد “الأعدقاء” فرص الانتشار. وكمحاولة في إشاعة فهم بصمة روحه الشعرية المُميزة الفذّة التي طبعها على خارطة الشعر ، ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي الاحتفاء به عبر هذا الملف الذي تدعو الأحبة الكتاب والقرّاء إلى إغنائه بالدراسات والمقالات والصور والوثائق.. تحية لسلمان داود محمد.

أصالة التشكيل وكثافة الدلالة
في نص “ازدهارات المفعول به”
للشاعر سلمان داود محمد

أ. د. خضير درويش

(الجزء الأول)

( كديدان القز
أتشدق بالحرير
أدلي بكبسولات عارية عن الصحة
وأتهم المرضى باصفرار الذهب..
لا أفرق بين بيوت آيلة للسقوط
وأخرى تفطر بالأيائل..
أزعم أن شعوراً بضآلة الشأن أصاب القتيل
حين استيقظت البلدان على عثرتي..،
كما أن البحر ليس أكثر من دمعة
تتخفى وراء مكبرة
وأحجار النرد بقايا فيل
يراقب من خلف زجاج المقهى
بياضي الفقيد..
بقليل من الغزاة
أو بنطفة من صيام يلقّح الفصول
أصنع “نغلاً” يتقن الصيدلة
ويذود عن “الحصبة” بأحمر الشفاه … )

يمثل العنوان ” ازدهارات المفعول به ” في هذا النص عتبة نصية تتوافر على الأصالة في التشكيل اللفظي والكثافة على مستوى الدلالة الرمزية ، كما هو الحال في التشكيلات اللفظية بجملها الشعرية على مساحة النص بأكملها.
ولابد من الإشارة الى أن الأصالة على المستوى اللغوي تعني الجِدةَ والإبتكار وليس التمسك بالقديم كما في مخطوء الفهم .
وبالنظر الى العنوان على مستوى التشكيل اللفظي نقول : إن ازدهار هو مصدر الفعل ازدهر وقد جاء الشاعر به مجموعاً للإكثار والمبالغة ، وفي النظر اليه على المستوى الدلالي فان مما يعينه لفظ ( الإزدهار) النمو، التقدم ، الفرح ، التلألؤ، التطور، الإنتعاش ، وبالذهاب الى الشق الثاني من العنوان فان المفعول به كما معروف هو الإسم المنصوب الذي وقع عليه فعل الفاعل.
وهنا أقول لا بد من هذا الإيضاح لإستكناه موضع الشعرية في هذه العتبة النصية ( العنوان ) ونرى أن العنوان قد تشكل على أساس دلالي يشي بالتضاد والإختلاف لا الإئتلاف كما في ظاهره . فمن أين للمفعول به المضغوط تحت تأثير وقع فعل الفاعل أن يزدهر، فالفاعل أولى بالإزدهار منه فهوَ مُوجِد الفعل وسيده أما المفعول به فهو المتلقي المُذعِن، وهنا تكمن الشعرية في القول حين أحال الشاعر المفعول به الراضخ الى مذعن مزدهر من دون أن يخرج باللفظ ( الإزدهار) عن دلالاته المذكورة ، ذلك أن ازدهار المفعول به ازدهار ضدي ، إذ أنه ليس كإزدهار الفاعل بالأثير الموجَب من صفاته إنما هو ازدهار المفعول به بالذميم السلبي من صفاته كما في قولنا مجازاً ( ازدهرت القمامة ) إن ازدهار المفعول به يعني زيادة في الإذعان بصفاته السلبية وإكثاراً من الرضوخ تحت وطأة فاعل زاده رضوخ مفعوله استقواءً وهيمنةً ، وهكذا تتجلى الدلالة الرمزية العميقة لهذا التشكيل الشعري المبتكر .
وبالإنتقال الى النص والوقوف على مفتتحه نرى أن الشاعر يبدؤه بتشبيه بوساطة
أداة التشبيه الكاف التي جاءت مفتتحا للنص الذي اُبتدئ بتشكيل ثنائيات متضادة مثَّلَ الثنائية الأولى فيها التشكيل الذي اُفتتح به النص إذ يقول:
( كديدان القز
أتشدق بالحرير )
وهو تشبيه غير مستوفٍ لأركانه الأربعة فقد تضمن أداة التشبيه والمشبه به ووجه الشبه ، أما المشبه فقد حُذف وكأن الشاعر خُيرَ هنا بين حذف المشبه أو المشبه به فحذف ذاته من خلال المشبه وأبقى على المشبه به ( ديدان القز) . ذلك أن ديدان القز كانت هي الأساس في تشكيل هذه الثنائية الضدية . لقد ماثل الشاعر بين ذاته وبين ديدان القز التي جاءت بصيغة الجمع للكثرة والمبالغة في حجم المستوى الإجرائي ممثلاً بوجه الشبه الذي يكون عادة في المشبه به أقوى منه في المشبه ووجه الشبه هنا ( التشدق ) الذي يشي على المستوى الدلالي بالسخرية واللامبالاة . وهو هنا تشدق بالحرير سبقت اليه ديدان القز وبالأحرى هكذا أراد لها الشاعر من أجل إقامة التماثل بينها وبينه.
ولنعد الى ديدان القز وعلاقتها بالحرير، ثم لإستكناه تلك العلاقة الجديدة التي أسسها الشاعر ليحقق بها ذلك التماثل. فمما هو معلوم أن الحرير هو نتاج دودة القز وهو معروف بقيمته الجمالية والمادية ولكننا نتساءل هنا لماذا إذن تشدق ديدان القز، ألأنهُ مُجاجها أم لأنهُ نتاجها هذا الذي يستحيل أردية على أجساد ناعمة يبرأُ منها.
إن حصول حالة التشدق من خلال الجملة الفعلية المبتدئة بالفعل المضارع (أتشدق) وفاعله المستتر ( هو ) العائد على الشاعر جاء لتأكيد حالة التشدق بالحرير على المستوى الإجرائي حاضراً ومستقبلاً. ذلك أن الحرير يشي على المستوى الرمزي بدلالات الثراء والتنعم والرفاه التي غالباً ما تتحقق على المستوى الإجتماعي لأقلية متخومة على حساب أكثرية محرومة وهذا ما سوغ تحول العلاقة الإيجابية بين ديدان القز والحرير الى علاقة سلبية أسسها الشاعر ليتماثل بها مع ديدان القز.
في الثنائية الأخرى يقول الشاعر :
( أدلي بكبسولات عارية عن الصحة
وأتهم المرضى باصفرار الذهب )
هنا يعمد الى خرق معيارية اللغة بطريقة الإبدال اللغوي على المستوى اللفظي الذي حقق إنزياحاً على مستوى الدلالة أيضاً، وبه مهّد الشاعر لإتمام جملته الشعرية اللاحقة لتكتمل الصورة مبنى ومعنى. والمبدل لفظياً هو لفظ ( الأنباء ) وبه يستقيم المعنى على وفق ما هو مألوف في الإستعمال اللغوي، ذلك أن المعيار يكون باحلاله موقعه لتكون الجملة (أدلي بأنباء عارية عن الصحة ) وبهذا تفقد اللغة شعريتها فلا إدهاش في ماهو مألوف ذلك الذي حققه لفظ ( كبسولات ) فأصبحت الجملة الشعرية ( أدلي بكبسولات عارية عن الصحة ) إذ أن الإدلاء يقترن بالأنباء عادة لأنه يتضمن معنى القول، وهنا اقترن الإدلاء بالكبسولات فتغيرت الدلالة بتغيير اللفظ على الرغم من الإبقاء على الجملة بأكملها إذ أن اقتران الأنباء بالصحة يختلف عن اقتران الكبسولات بها ، فهنا صحة خبرية غير متحققة، وهناك صحة بشرية مفقودة لعجز الكبسولات عن تحقيقها، فهي عاجزة عن شفاء المرضى الذين أصبحوا بهذا السبب عرضة للإتهام ( وأتهم المرضى باصفرار الذهب).
إن الإنزياح الدلالي هنا أنتجه الإبدال اللفظي ( إصفرار الذهب ) الذي سوغته الجملة الفعلية ( أتهم ) بفاعلها المقدر أنا في ما يتواءم وحالة المرض على وفق المعيار اللغوي اصفرار الوجوه لا اصفرار الذهب. هذه الصورة الحسية اللونية أُقصيتْ وحل الذهب محل الوجوه فكان مسوغاً لحصول حالة الإتهام التي أبداها الفاعل بعد أن جاء بدواء لا يشفي . هذا الفاعل المستتر الذي استعار بل استغل صفرة الوجوه وأحالها ذهبا. لقد أُسندت الصفرة الى الذهب ليكون ذهباً بها وكأنهُ كان يفتقر لها.
ثم ينآى هذا الفاعل بنفسه عما فعل ويتهم المفعول به ( المرضى ) بأنهم السبب في اصفرار الذهب ، واصفرار الذهب هنا يحمل دلالة وجوده من خلال هذا اللون الذي يميزه عن غيره من المعادن.
لقد كان ازدهار المفعول به ( المرضى ) وهو ازدهار سلبي سبباً في تحقيق ازدهار ذهني يشي بدلالة الثراء وهو ازدهار إيجابي لصالح هذا الفاعل السيئ الذي سعى الى تحقيقه من خلال الفعل الذي أوقعه على المفعول به . هذا الفاعل يتساوى في نظره اللونان الأسود والأبيض، والموت والحياة .
في الثنائية الضدية الثالثة حين يقول:
( لا أفرق بين بيوت آيلة للسقوط
وأخرى تفطر بالأيائل )
هنا تتشكل صورتان حسيتان بصريتان متضادتان: صورة جوع وعوز وموت منتظر تقابلها صورة ترف وتنعم وحياة باذخة . هذا الفاعل يضخم أناه في ثنائية أخرى حين يقول:
( أزعم أن شعورا بضآلة الشأن أصاب القتيل
حين استيقظت البلدان على عثرتي )
إن تضخيم الأنا هنا أسهم في تحقيقه طرفان : الطرف الأول مفعول به مقتول ضؤلَ شأنهُ والطرف الثاني فاعل مستيقظ جامد. إن الإستيقاظ هنا خيالي تحقق استعارياً لغرض أراده الشاعر، فالخيال كما يقول الدكتور مصطفى ناصف: (حين يستعين ببعض العناصر الحسية إنما يريد من وراء ذلك غاية أخرى هي التسامي عليها وخلق مقولة أو عالم خيالي ثانٍ بديل منها) .
لقد أنسن الشاعر البلدان باستعارة مكنية ( استيقظت البلدان ) والإستيقاظ هنا يعني الإنتباه وقد جاءت البلدان بصيغة الجمع للمبالغة بحالة الإستيقاظ التي تحققت بسبب عثرة الفاعل أي سقوطه. إذن فما هذا السقوط الذي تنبهت له البلدان وجعل القتيل يشعر أزاءه بضآلة شأنه .
وهو حين يقول :
( كما أن البحر ليس أكثرَ من دمعةٍ
تتخفى وراء مكبرة )
هنا يعتمد االشاعر التشبيه ويذهب في تشكيله على المستوى اللفظي بعيداً ليؤكد دلالة ما يريد ، فهو يرفع من كمية الدمع الى مديات عالية تخرج عن التشبيه المألوف الذي يساوي عادة بين الدمع وماء البحر ، إذ يجعل دمعة واحدة تساوي بحراً وليس هذا حسب لكنه يبتعد أكثر حين يجعلها لاتُبصَرُ إلا بالمرآة المكبرة ، فما أكبر تلك الدمعة الصغيرة إذن حين تساوي بحراُ وكم من البحور يلزم ليساوي مجموع الدموع الجارية حزناً وألماً ، ولا شك إذن أن الدموع بمثل هذه الكمية تتجاوز عدد البحور كلها مجتمعة . وهنا لابد من الإشارة الى جِدة التشكيل اللفظي الذي يُحسَبُ للشاعر على المستوى الفني.
وحين يقول :
( .. وأحجار النرد بقايا فيل
يراقب من خلف زجاج المقهى
بياضي الفقيد )
هنا يذهب لتوظيف لعبة الشطرنج شعرياً، وبخصوصها فان هناك من أسماها لعبة الملوك ومن المؤكد أنها بتفاصليها كانت حاضرة في رؤى الشاعر أثناء عملية التوظيف الشعري. إن استحالة أحجار النرد الى بقايا فيل يشير الى توقف اللعب ويشي بدلالة الإنكسار الذي أحال الفيل ذلك العنصر الفاعل في اللعب الى بقايا فيل وأخرجه خارج رقعة اللعب إذ أحاله الشاعر عيناً خارج المقهى ترقب بياضه الفقيد وكأنه يرقب البياض في مربعات الرقعة البيض التي لا يستطيع الإنتقال لها أو منها. وفي الحالين فهو بياض مفقود يشير على المستوى الرمزي بدلالات إيجابية كثيرة يشي بها هذا اللون الأبيض ، لكنها مفقودة ومفتقدة في الوقت نفسه.
واستكمالاً لدوره الإنساني يذهب الشاعر الى أنسنة الفساد والعلل في مجتمعه فهو يأخذ دور الفاعل هنا ليتسنى له ذلك إذ يقول:
( بقليل من الغزاة
أو بنطفة من صيام يلقح الفصول
أصنع نغلاً يتقن الصيدلة
ويذود عن الحصبة بأحمر الشفاه )
النغل المصنوع رمز فساد ( أصنع نغلاً ) هنا تشكلت صورة ذهنية تحمل بعداً دلاليا يتمثل بالفساد الذي توحي به الصورة الذهنية التي أحسَنَ الشاعر صياغتها وهذا النغل كما يرى الشاعر يمكن أن يتحصل بوسيلتين : الوسيلة الأولى هم الغزاة أما الثانية فهي كما يقول:
( نطفة من صيام يلقّح الفصول )
في هذا التشكيل يتحول( الزمن ) ممثلاً بالفصول الى كائن حي لكي يلقح الفصول بنطفة من الجوع ممثلاً بالصيام. وفعل التلقيح هنا يعني على المستوى الدلالي التواصل والإستمرار وهو تواصل واستمرار للجوع هنا.
وهكذا يكون استشراء الجوع سبباً في تفشي الفساد مرموزا له بـ ( النغل ) هذا المفعول به المزدهر بالفساد يستحيل فاعلاً مستتراً ليزداد فساداً باتقانه مهنة الصيدلة التي أصبح بها ( يذود عن الحصبة بأحمر الشفاه )
هنا انحرفت اللغة عن معياريتها وهذا ما أدى الى انحراف على المستوى الدلالي أيضاً. ذلك أن الصيدلاني صار على المستوى الإجرائي يؤدي عملا نقيضاً لعمله . لقد أصبح مدافعاً عن المرض وليس دافعاً له فهو ذوادٌ عنه ، أما سلاح هذا الصيدلاني النغل في ذوده فهو أحمر الشفاه الذي استحال سلاحاً .
إن الإنحراف اللغوي هنا جاء لتأكيد حالة الفساد التي حققها أحمر الشفاه الذي استطاع أن يحل محل العلاجات المهمة بوصفه مصدر إثارة غريزية ولأنه أيضاً يُحيل الى مصدر الإثارة الأساس ( المرأة ) التي أسست علاقتها معه بتحالف مشبوه لتحقيق مزيد من الفساد.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *