الرئيسية » نصوص » ادب الطفل » طلال حسن : أنا الذي رأى (قصص قصيرة جداً للأطفال) (11)

طلال حسن : أنا الذي رأى (قصص قصيرة جداً للأطفال) (11)

” 101 ”
الرقم خطأ
على جمر الأرق ، أتلوى وحيداً ، في حلكة هذا الليل ، وكلّ ما حولي ، وكلّ ما في داخلي ،صحراء لا نهاية لعا ، يلفها صمت القبور .
وكما تتوق الصحراء إلى قطرة ندى ، تقت إلى صوت إنسان ، يبلل صمت صحرائي ، لعل بذرة حيّة تستيقظ في داخلي ، وأغفوا على إيقاع تنفسها ، وأرتاح ولو للحظات .
ومددت يدي الموات ، ورفعت سماعة التلفون ، وأدرت رقماً لا على التعيين .ومن بعيد ، ربما من مجرة أخرى ، جاءني صوت فتاة ، يخاطبني برقة : الرقم خطأ ، يرجى إعادة الطلب ..
واستيقظت في داخلي أكثر من بذرة ،فوضعت سماعة التلفون على وسادتي ، وأغمضت عينيّ . وسرعان ما غفوت ، وصوت الفتاة يخاطبني برقة : الرقم خطأ يرجى إعادة الطلب ، الرقم خطأ يرجى إعادة الطلب ، الرقم خطأ ..

” 102 ”
الموبايل
كلّ صباح ، يخرج من البيت ، حاملاً كتبه ، متوجهاً إلى الكلية ، وتجلس في فراشها ، كلّ صباح ، وإلى جانبها الموبايل .
وعند كلّ انفجار ، قريب أو بعيد ، يخفق قلبها في صدرها كالعصفور الذبيح ، فتأخذ الموبايل ، وبيدين مرتعشتين ، ترمّش له ، وتنتظر على أحر من الجمر.
ويهدأ العصفور في صدرها ، عندما تسمع صوته في الموبايل : ماما ،اطمئني ، الانفجار بعيد .
واليوم ، صباحاً ، فزّت على انفجار هزّ المدينة ، وانتفض العصفور الذبيح في صدرها ، ومدت يديها المرتعشتين إلى الموبايل ، الويل لي ، كيف غفوت هذه المرة ؟ ورمّشت له ، وانتظرت ، ورمّشت ثانية وثالثة و .. لكن الموبايل ظلّ صامتاً .
ليبق الموبايل بعيداً عنها ، وصامتاً ، فلن ترمّش به مرة أخرى ، مهما دوّت الانفجارات في أرجاء المدينة .

” 103 ”
الصورة
فزّت حين هتفت عريفة الحفل باسمها ، تدعوها للصعود إلى المنصة ، وهبت واقفة ، وقد تراءى لها ، أنه يهتف باسمها ، عبر ركام السنين المنصرمة .وصعدت المنصة ، تنوء بأكثر من خمس وستين سنة من سني الصبر والجفاف . ووضعت عريفة الحفل ” الباج ” على صدرها ، ومعه وضعت على خدها ، قبلة منداة بالحب والدموع .
شكرتها المرأة بكلمات فرحة دامعة ، وبدل أن تنزل ، عائدة إلى مكانها ، اتجهت إلى صور الشهداء ، المعلقة في صدر المنصة ، متأملة إياها الواحدة بعد الأخرى .
فتطلع إليها ، وسألها بصوت هامس : عمن تبحثين ؟ ابنك ، حفيدك ؟
أجابت ، وهي مازالت تتأمل الصور : لا .
وأضافت : زوجي .
وتوقفت أمام إحدى الصور ، وقالت : تعال أنظر .
واقترب منها ، ونظر حيث تنظر ، وإذا شاب لم يتجاوز العشرين إلا بقليل ، ينظر إليها عبر زجاج الصورة ، وتنهدت المرأة ، وقالت : عندما اغتيل ، في بداية الستينيات ، كان عمري عشرين سنة ، ولم نكن قد عشنا معاً أكثر من سنتين .
لاذ بالصمت ، والمرأة مازالت تتأمل الصورة ، لقد مرت أكثر من أربعة عقود ، تعبت خلالها ، وشاخت ، لكن زوجها مازال يعيش في داخلها شاباً ، كما في الصورة

” 104 ”
ليل

دقّ الجرس ، فنهضتُ من فراشي ، وأسرعتُ إلى الباب ، وفتحته ، لكني لم أجد غير الليل ، فعدتُ إلى فراشي ، وقاومتُ النوم حتى الصباح ، أنتظر أن يدق الجرس ثانية ، رغم أني أعرف ، أنني لن أجد وراء الباب ، غير الليل .

” 105 ”
الخروج
أوقفوه عند الحدود ، وسأله الضابط : ماذا تحمل ؟
فأجاب : لا شيء .
وحدق الضابط في ملف كان أمامه ، ثم رفع عينيه إلى مساعده ، وقال : خذه .
وأخذه المساعد إلى غرفة داخلية ، وفتح جمجمته ، وأفرغ ما فيها ، ثم عاد به إلى الضابط ، وقال : سيدي ، أجرينا اللازم .
وأغلق الضابط الملف ، وقال دون أن ينظر إليه : الآن يمكنك .. الخروج .

” 106 ”
البلبل يعلن الحرب
أعلن البلبل ، في إحدى أغاريده ، الحرب على البومة، لإغاراتها الليلية المستمرة على العصافير والبلابل والطيور الصغيرة الأخرى .
وهزّت بعض الطيور رؤوسها ، وقهقه البعض ساخراً ، وصاح الوقواق : جُنّ البلبل .
لكن البومة لم تهز رأسها ، ولم تقهقه ساخرة ، بل قطبت، وقالت : البلبل خطر على الغابة ، لابدّ أن أسكته، وأسكت أغاريده .

” 107 ”
ما فائدة القرون
التقى أيل عجوز بأيل فتيّ ، يسير متباهياً بقرونه المتشابكة القوية ، فسأله : بنيّ ، ما فائدة هذه القرون ؟
فردّ الأيل الفتيّ قائلاً : لأدافع بها عن نفسي وعن الآخرين .
وهنا ارتفع صوت أيّلة تستغيث : النجدة ، الذئب .
جمد الأيل الفتيّ ، وقال الأيل العجوز : هذه أيلة في خطر .
وهبّ الأيل الفتيّ ، وقرونه تشمخ فوق رأسه ، وانطلق مبتعداً عن مصدر الاستغاثة .

” 108 ”
الضبع
تهالك الضبع العجوز ، في طرف المرج ، وقد تدلى رأسه المتعب ، بين قدميه الأماميتين . وأغمض عينيه ، وغشيه ما يشبه الإغماء . ومن أعماقه نهض شيئاً فشيئاً، مرج واسع ، أخضر ، مندّى ، مليء بالغزلان والحمر الوحشية والأسود ، وضباع تضجّ بالحيوية والحياة .
وداهمته ضجة عالية ، لم يدر ِ أهي قادمة من أعماقه ، أم من مكان ما من .. مرج الشيخوخة .
ورفع رأسه المتعب ، وقبل أن يعرف الحقيقة ، سحقه وحيد قرن ضخم ، كان يهرب مما لا يدريه ، إلى مكان لا تبصره عيناه الكليلتان .

” 109 ”
الجندي
عاد من الحرب ، فارغاً ، مهلهلاً ، مهزوماً ، تاركاً جثته وسلاحه المهان ، في أرض المعركة . وفي ساحة المدينة ، رأى عسكرياً ضخماً ، تتدلى الأوسمة فوق صدره ، يحيط به حرسه المدججون بالسلاح ، فانتفض حربة ماضية ، وانقض عليه ، مخترقاً منه .. القلب .

” 110 ”
النهر
دقّ جرس الهاتف ، في آخر الليل ، رفعتُ السماعة ، وقلتُ :
ـ ألو .
ـ مرحباً .
ـ أهلاً خالد .
ـ البقية في حياتك .
ـ من ؟
ـ سالم .
ـ لا ، يا يوسف .
ـ انتحر قبل أيام .
ـ انتحر !
ـ وجدوه في قاع النهر ، بعد أن خفّ الفيضان .
ـ آه ، قال لي ، قبل أيام ، إنه يصاب بالرعب ، حين يعبر الجسر ، وخاصة عند فيضان النهر .

تعليق واحد

  1. محمد بالحاج

    اسلوب راقي جداً يختصر كلمة ” السهل الممتنع ” بكل جدارة ، هنيئاً لك بهذه الملكة وياريت نقتنيها من المكتبات كمجموعة قصصية مطبوعة وبرسوم المبدع الفنان عمر طلال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *