الرئيسية » نصوص » رواية متسلسلة » الدكتورة إخلاص باقر هاشم النجار : رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (الجزء الثاني والأربعون)

الدكتورة إخلاص باقر هاشم النجار : رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (الجزء الثاني والأربعون)

الجزء الثاني والاربعون
الأجواء في منزل مروة مساء اليوم غير طبيعية والدموع تتصبب من عينيها ووالدتها فاطمة لتردي صحة والدها عبد الرحمن الذي يشعر بالصداع وإنعدام الرؤية ، فأول إتصال قامت به وهي باكية الى صديقتها الدكتورة سُـبل وقد أخبرتها عن وضع والدها ، فطلبت منها بالحال نقله الى المستشفى وأن لا يتهاونوا في هذه الحالة ، وإنها ستتوجه الى المستشفى وبالحال إتصلت بأخيها سراج الدين ونقلوه الى المستشفى الخاص وما هي إلاّ لحظات من وصولهم حتى وصلت سُـبل وأطلعت عليه مع الطبيب المختص بعد أن عرفتهم بشخصها ، وأحالوه الى أجهزة الفحص ، وقد أجروا له اللازم وأطلعت سُـبل على تفاصيل المرض وعلى التقارير كافة ، وبعد ذلك توجهت الى حيث صالة الإنتظار حيث كان الجميع في انتظارها وعندما لمحوها من بعيد وقفوا .
مروة بآسى : ها … سبل … بشريني … أرجوك .
سُـبل : أطمأني أرجوك أطمأني وقولي الحمدُ لله فوضعه مستقر الآن أطمأنوا جميعكم سيتعافى ان شاء الله .
سراج الدين : ولكن دكتورة … حدثينا عن حالته … ماذا شخصت الأجهزة … أين التقارير .
سُـبل بهدوء وهي تنظر لمروة وتشدة على يدها متنهدة : جلطة دماغية .
مروة وفاطمة أجهشتا بالبكاء حال سماعهما الخبر : لا … لا … يا إلهي أرجوك .
سُـبل متأثرة محاولة تهدأة مروة : أرجوك أهدأي صدقيني هو بخير الآن وسيتحسن.
مروة باكية : لا .. لا … انك تواسيني فقط .
سراج الدين متأثراً : هل يمكن أن نراه .
سُـبل : ان شاء الله ولكن ليس الآن هو تحت العلاج فهذه بحسب التقارير جلطة مؤقتة.
مروة : ماذا تعنين بجلطة مؤقته ؟ فلا تنسي عمره تسعون سنة .
سُـبل : بحسب ما أخبروني هي جلطات صغيرة نتيجة انقطاع مؤقت في وصول الدم إلى جزء من الدماغ ولكن هذة المنطقة خلاياها لا تموت بسبب رجوع ضخ الدم إليها ، في هذه الحالة يحس المريض بنقص في وظيفة معينة من الدماغ ولكن هذا النقص لا يستمر أكثر من دقائق أو ساعات ، وهذة الجلطة المؤقتة مهمة فهي رسول يحذر المريض من احتمالية حصول جلطة كاملة إذا لم يبادر إلى علاج أسباب حدوث الجلطات.
فاطمة باكية : أرجوك … أريد أن أراه فقط … ولا أتكلم معه .
سُـبل : أرجوك يا خالتي … فوضعه لا يحتمل أن يراكم في هذه الحالة مما يشعره بأنه في خطر ، فالجانب النفسي مهم لدى المريض … سترينه وأؤكد لك ولكن ليس الآن فالليل طويل … أهدؤا وأرفعو أكف الضراعة الى الباري جل وعلا ليرفع عنه البلاء … أطمأنوا أرجوكم … فجلس نائل وسراج الدين وولداه في جهة وفاطمة ومروة في الكراسي المقابلة لهما ومعهما الطبيبة … وبعد أن أطمأنوا انصرف نائل وسراج الدين وأولاده ليعاودوا في الصباح الباكر إذ قد يحتاج الوضع الى المناوبة .
فاطمة : لقد أتعبناك معنا يا أبنتي .
سُـبل : لا يا خالتي الغالية أنتم أهل فلا يجوز أن تقولي مثل هذا الكلام وتُشعريني بأني غريبة عنكم وتشعرين مني بالحرج وتكلميني بالتكلف ، هذا أقل ما أقدمه لعمي عبد الرحمن شافاه الله وعافاه .
لقد تلبدت السحب في أجواء أيار في أيام العطلة الأخيرة ، وسبأ لم ترد على إتصالها لتضع النقاط على الحروف التي سطّرتها في إتصالها السابق ، فضلاً عن قلقها على جدها وتأثرها بمروة التي لم ترها باكية في حياتها قط ، وإنشغالها معها في بيتها الممتلىء بالزائرين ولاسيما عائلته أولاده وأبنته وأحفاده ( ومنذر جزء منهم ) ، والكل يريد أن يراه بعد ان خرج من المستشفى ، ولكن الطبيب أمر بعدم الحديث معه وإبقائه في غرفة نومه بعيداً عن كل المؤثرات ، وعلى الرغم من ان الكل يعرف ، ولكنهم يريدون رؤيته لأنه أبوهم وجدهم ، فإقتصر الأمر على رؤيته وتقبيل يده ثم الخروج بالحال من الغرفة حفاظاً على سلامته ، ولكن الملاحظ إن نائل غير راضٍ عن تحركات منذر داخل المنزل بذات الحرية الممنوحة للأحفاد ، فيما يتعلق بتقديم الخدمة للضيوف الدخول والخروج من والى المطبخ ، ولكن السمة الأبرز هنا بأن شامخ وزكية عرفا وأيقنا بعلاقة الحب التي يكنها لمروة وقد أحباه كثيراً وتطورت علاقته بهما ، وراحا يتناقشان بهدوء في المطبخ .
شامخ : هل رأيتي هذا الفض نائل ؟
زكية : نعم … ما به ؟
شامخ : لا أرتاح له … شخصية وصولية … مزعجة … ينظر الى البيت وكأنه يصوّر أجزاءه بكاميرا .
زكية مبتسمة : لا تجعلني أضحك وأنفجر بالضحك وأنا والله متألمة على السيد عبد الرحمن.
شامخ : وهل قلت نكتة تستدعي الضحك ؟
زكية : أنه بيت والده وله الحق في تفقده متى ما أراد .
شامخ : كم أنت بلهاء … مع أحترامي … وكأني أتكلم مع جدار لا يفهم .
زكية منزعجة : لا داعي للغلط … يا شامخ … وتكلم بإسلوب .
شامخ : أنا أول المتأثرين للسيد وكل يوم أدعو له في صلواتي … أتعرفين ماذا يحدث لنا من بعده .
زكية بخوف : أطال الله في عمره … وماذا سيحدث ؟
شامخ : سيأخذ الورثة المنزل … وسيطردوننا الى الجحيم … ونائل شرير .
زكية : يا للهول … كذب الله توقعاتك … وأطال في عمره .
شامخ : والله أنا أحبه وأتمنى له من الخير كله دقه وجله كوالدي بل أشدُّ منه ، ولكن عمره الآن تسعون سنة ومُصاب بالجلطة الدماغية ، ولابد لنا من تقبل الآن أن حلّ علينا .
زكية : لا … تتشائم … فلكل حادث حديث … وأسأل الله تعالى أن يجعل الأنسة مروة تقبل بهذا الشاب الرائع منذر لنبقى دائماً معهما والى الأبد في أيّ مكان .
شامخ : ومن قال لك بأنه يروم الإرتباط بها .
زكية مبتسمة : الكل هنا يعرف وحتى السيد والسيدة وقد سمعتهما ذات مرة دون قصد وهما يطلبان منها التفكير بطلبه وإنهما يحبانه ويتمنيانه لها … وبينما هما يتناقشان دخل عليهما منذر مبتسماً وهو يحمل صينية الأقداح الفارغة التي قدمها للعمال وقد أقبلوا جميهم لزيارة مديرهم والإطمئنان عليه على الرغم من مكوثه في الغرفة لكنهم يسجلون موقفاً لزيارته .
وبالنظر للحالة الصحية للسيد عبد الرحمن الذي بدأ يشهد تحسناً طفيفاً شريطة أن لا يُرهق نفسه وأن يتناول العلاج بدقة متناهية ، ناب أبنه نائل إدارة الشركة عنه وكان متعجرفاً شديداً في أوامره وهو يتجول في أروقة الشركة ، لكن أبرز أعماله تركزت في الإطلاع على كل الأوراق الموجودة في خزانة الإدارة وكلما دخل عليه منذر كمحاسب يجده مستمر في قراءة الملفات وكأنه يبحث عن أوراق مهمة لم يجدها.
منذر : سيد نائل … لقد تجمع لدينا مبلغ كبير من المال … سأذهب الى المصرِف لإيداعه وأعود .
نائل : لا … داعي لذهابك أنت … أعطني المبلغ … وأنا سأتولى إيداعه … أو أضعه في الخزانة هنا قد نحتاجه في شراء بعض المستلزمات للشركة .
منذر : ولكن يا سيد نائل … لدينا لجنة مشتريات وهذا عملها بحسب المتعارف عليه .
نائل منزعجاً : بدون … لكن … وهل نسيت من أكون أنا بالنسبة له … ثم مَن أعطاك الحق لتحاججني بهذه الطريقة الرخيصة وكأنك وصي على أملاكنا …. لا تنسَ انك موظف عندي فإنتبه الى كلامك .
منذر : حسناً … يا سيد نائل … سأسلمك المبلغ ولكن أكتب لي ورقة بأنك أستلمته … لأنه في ذمتي المالية .
نائل : أنت … تتكلم كلام … أكبر من حجمك … وإياك والتهور معي في مثل هذا الحديث … فأنا المدير اليوم وسأكون الآمر الناهي في هذه الشركة ومن لا يُعجبه الكلام … فالباب مفتوح .
منذر وقد شعر بأن الكلام معه أصبح عقيماً : حسناً … سأعود لك بعد لحظة … وتوجه الى غرفته … والحيرة قوّضت أفكاره لا يعرف هل يجاريه أو يترك العمل .
نائل : وعندما تأتي … أجلب لي كل الملفات الموجودة في غرفة المحاسب لإراجعها .
منذر : حسناً … ثم خرج وتوجه الى غرفته … وجلس على كرسيه … لا يعرف ماذا يفعل … هل يسلم المبلغ دون ورقة اثبات … لكنه قد يتورط … أو قد يدّعي نائل بأنه لم يستلم المبلغ منه ويسبب له مشكلة ومن يصدق القول عندها ، أكيد الجميع سيصدق أبن السيد المهذب .. وأتورط … أنا … الى أن وصل الى فكرة تجنبه هذه الحيرة ، نهض بسرعة ووثب على الخزانة فتحها واستخرج المال بأكمله وكل الملفات التي كانت بحوزته وبذمته المالية والتي تحمل توقيعه ووضعها في حقيبته ، وخرج بسرعة البرق حاملاً حقيبته وصعد سيارته المركونة في مرآب الشركة ليهرب من هذه الحيرة وينجو بنفسه من أمر قد يبيته له نائل وسيتحمل تبعات هذا العمل ، أما المدير الجديد الذي كان بالإنتظار وقد تأخر عليه … ضغط على زر المنبه للسكرتارية … فجاءت السكرتيرة وأمرها بإنزعاج … نادي لي المحاسب بسرعة … هيا .
السكرتيرة : حاضر سيدي … وأسرعت خطاها ولحذائها وقع يتردد خلفها وتوجهت الى غرفة المحاسب ، فوجدت الباب موصداً ، فحركت مقبض الباب لكنه كان مقفلاً ، وراحت تدور باحثة بين الغرف ثم ذهبت الى الجانب التشغيلي للمعمل الى حيث المكائن والأجهزة والأصوات المتعالية المزعجة ،تسأل ولا يكاد صوتها يسمع حتى عادت أدراجها بخُفي حنين الى غرفة المدير ، لتخبره بأنها لم تجده وقد بحثت عنه في كل أرجاء الشركة.
نائل غاضبا متوتراً : ماذا …؟ لم تجديه … أنا هنا المدير … وهذا النزق … لا يسمع كلامي … أسمعي أيتها السكرتيرة صدري بالحال أمر فصله … هيا أطبعيه لكي أوقّعه وأرميه بوجهه عندما يأتي … هيا .
مرّت أيام وسبأ مكدرة الحال متوسوسة الخاطر والظنون تجيء بها وتروح ولم تتصل بها أيار لتطيب خاطرها بكلمة من وجهة نظرها ، وقد تأثرت كثيراً بشعر أحمد شوقي القائل : ( هجرت بعض أحبتي طوعاً لأنني ! رأيت قلوبهم تهوى فراقي .. نعم أشتاق … ولكن وضعت ، كرامتي فوق إشتياقي … أرغب في وصلهم دوماً … ولكن ! طريق الذل لا تهواه ساقي ) ، ولكنها بدأت تقلق مرت أيام ولم تعاود الإتصال وحتى صفحة الواتس أب والفيس بوك لم تفتح وهذه ليست من عادتها ، ومن جانب أخر بدأت تشعر بالجفاء الشديد والشعور بأن مقولة أحمد شوقي تنطبق عليها … فإستجمعت كل قواها وأرسلت لها برسالة : حلّ الجفاء بيننا بعد إعصار الحنين … فهل نسيتي العهد بيننا أم لا زلت تذكرين ، فقلبي جذوة شعور ومشاعر وليس من ماء وطين … فإما وصال صادق من الأيام بساعة … وإما بأزاهير الكون كلها نوقف عقارب الساعة ، أرسلتها سبأ والألم يعتصر قلبها والوجوم يخيم على محياها … (فهلهل) النقال في جيب أيار وهي في بيت جدها جالسة قرب مروة في الصالة لوحدهما ، فمدت يدها بسرعة وأخرجته وراحت تقرأ الرسالة ، فتغيرت ملامح وجهها مما دعا عمتها الى سؤالها : ماذا دهاك ؟ من المرسل ؟ فوضعت النقال في يد عمتها وقالت متنهدة : أقرأي رسالة المتبطرة ، فنحن في أيّ حال … ؟! وعندما قرأت الرسالة مروة تأثرت وترقرقت عيونها وقالت : لا تتبطري يا أيار فحب الأخرين نعمة تستوجب الشكر وهي لا تعرف بظرفك ، هيا أنهضي وأذهبي بعيداً وإتصلي بها وبرري لها إنقطاعك عنها … هيا .
أيار : يا عمتي … أنا صدري ضيق الآن لكن لماذا لم تتصل هي بدل هذه الكلمات .
مروة : كلمات قليلة … تحتاج الى كل موسوعات الحب الصادقة لتترجمها … ثم … خذيه درساً لك ولمستقبلك ، إن الإنسان عندما يتعرض الى موقف معين ، هذا لا يعني أن يوصد الأبواب أمام الأخرين وان لا يتواصل معهم ، والصديق أخ يولد من رحم الحياة ، لقد هزت مشاعري كلماتها ، ثم أنها لم تجبرك على المواصلة وتركت لك الحبل على القارب وأنت حرة إما أن تتواصلي وإما فلا … فقط تأملي كلماتها .
أيار : ولكن لماذا تكتب مثل هذه الكلمات وماذا صدر مني ؟
مروة : أسأليها هي … ولا تسأليني أنا … فعندها الإجابة … فنهضت أيار لتتكلم مع سبأ في مكان خالي لتختلي بصوتها كما تعودت ولا تحب أن يسمعها أي أحد حتى ولو كانت مروة ، وبالحال دخلت زكية وهي تخبر مروة بأن السيد منذر يريد لقاءها فأومئت لها بالدخول فأدخلته وإنصرفت ، وبعد التحية والسلام جلس قربها واضعاً الحقيبة على ركبتيه وسألها والإبتسامة تشقُّ محياه : كيف حال العم عبد الرحمن ؟ ان شاء الله بخير ؟
مروة بهدوء : الحمدُ لله … أفضل ولكن الطبيب أوصى بأن يبقى في الغرفة ويقلل من الكلام .
منذر : ألا … يمكنني التحدث معه بهدوء ؟
مروة : حول ماذا ؟
منذر : أمور مهمة حدثت في الشركة وجعلتني عاجزاً عن التفكير .
مروة بشدة : يا منذر … ألاّ تعرف ماذا تعني الجلطة الدماغية … أي شركة هذه وأيّ أمور … أحذّرك من البوح بأي مشاكل أمام والدي … أسمعت أترك المشاكل هناك .
وبعد التحية والسلام بدأ الحوار والعتب بينهما ليفتح أفاقاً جديدة للحديث غير الكلمات وغير العتب وغير تفسير الكلمات والشوق الدفين ، فقالت أيار : قبل أن تحكمي عليّ بالجفاء تعرفي على ظروفي .
سبأ : ومنَ منا ليس لديه ظروف !
أيار : وما هي ظروفك … ؟ أنا من الإسبوع السابق أنتظر منك أن تخبريني عن هذه الظروف التي تتذرعين بها كل حين وعندما أسألك تغيرين الحديث ، ولولا مرض جدي المفاجىء لما تأخرت عنك .
سبأ : حمدا لله على سلامة جدك ؟ خير ان شاء الله .
أيار متنهدة : جلطة دماغية عابرة والحمدُ لله رب العالمين هو في تحسن الآن ، ولكن اليوم لن أفلتك إلاّ وتخبريني عن الألغاز التي بدأتي بها من مدة ليست بالقليلة ، أريد أن تفسري لي قولك قبل مدة : ( فحياتي غير هادئة وغير مطمئنه وهناك أمور لا تعرفيها بعد عن حياتي … لي متاعبي النفسية … ) ، أسألي من المتغير أنا أم أنت …؟ بيننا كل هذه السنوات ولا زلت أجهل الكثير عنك فهل هذه رشادة يا صديقتي .
سبأ متنهدة : لم … ولن … أتغير … ولكن … سأخبرك في الغد في الكلية عندما نباشر في المرحلة الرابعة .
أيار : أذن … فإما وصال صادق من الأيام بساعة … وإما بأزاهير الكون كلها نوقف عقارب الساعة .
سبأ متنهدة : منذ سنين ووالدتي تصرّ على والدي بالهجرة .
أيار مسحت على رأسها بشعور تلقائي وكأن العرق قد تصبب على تقاسيم وجهها : ماذا ؟ هل هذا مزاح ؟
سبأ : نعم منذ سنوات … ووالدي يرفض ويتحجج بوظيفته ودراستنا .. ولكن اليوم وقد أحيل والدي على التقاعد ، وسأباشر غدا في المرحلة الرابعة فلم يبق أمامه مبرر ، لاسيما وعمي في بريطانيا يضغط على والدي بالسفر ويصرّ عليه بطلب كلتا أخواتي أطوار وأنهار لولديه بعد تخرجهما من الكلية .
أيار وقد إزدادت ضربات قلبها بفتور : سبأ … هل تعين ما تقولين … ؟
سبأ : وأزيدك معلومة بأن أمي نمّت في قلوبهن حب أولاد العم وهن موافقات وبإنتظاري لأنهي دراستي ثم ألتحق بالعائلة والعيش هناك ، وأنت تلوميني دائماً عندما أقول لك أتمنى أن أتزوج … لأعيش هنا لأني أحب بلدي وأكره فكرة الهجرة وأنا الوحيدة التي أتفق مع والدي ، ولكن كل مبررات التأجيل أنتهت ، أتعرفين يا أيار بأن والدتي لا تشعر بالإنتماء تجاه الوطن وتريد تزويج بناتها وهن موافقات لاسيما واني سأتخرج هذا العام وينتفي سبب تواجدنا في العراق ، وسيأتون بعد أسبوع وينجزون ما تم الإتفاق عليه من خطبة وعقد قران وغيره ، والمتبقي مسألة وقت … يا أيار … مسألة وقت .
أيار ترقرقت عيونها وتكسرت العبرة في صدرها : سبأ … أنت جزء لا يتجزأ من حياتي فكيف تذروك الرياح الى مكان بعيد لا أستطيع الوصول إليه والله لن أحتمل .
سبأ متأثرة : لذلك … أخفيت الخبر عنك طوال كل هذه السنين … على أمل أن تتغيير خطة أمي ، ولكنها أمرأة متسلطة وغير عادية … مع إحترامي لها … لأنها أمي واللوم يقع على والدي بالطبع لأنه يجاريها ، ولا سيما بعد أن أحيل على التقاعد … ولعل لموافقة أخواتي الدور الأبرز في ذلك .
أيار : الآن فقط فهمت لماذا كانت الوالدة ترفض وبشدة الإنصهار في بوتقة الصداقة لتجنبكم ألم الفراق .
مروة بشدة : يا منذر ألاّ تعرف ماذا تعني الجلطة أنت محاسب وحل مشاكلك بنفسك.
منذر منزعجاً : أنا أقدر ظرف عمي ولكني أحتاج الى الرأي والمشورة .
منذر : أعتمد على نفسك في أداء عملك فهذا اختصاصك .
منذر منزعجاً : أن أخوك نائل يتجسس على مكتب الوالد ويراجع كل الملفات ولم يدع ورقة إلاّ وقرأها وأحتفظ منها بنسخة ثانية لديه ، كل الملفات تم استنساخها فضلاً عن أسلوبه الفج معي ومع كل الموظفين ، يتصرف بتهوّر وقلة احترام مع الجميع دون استثناء .
مروة أقطبت حاجبيها منزعجة : أنتبه يا منذر وأنت تتكلم عن أخي نائل … لا أسمح لك البته ولا لغيرك التهور بالحديث عن أخوتي … ونائل يحلّ محل والدي وكل ما يقوم به من شأنه وليس شأنك أفهمت ، فهذا سوء تصرف وتدخل في شؤون عائلية وأحذرك من اخبار والدي ، ومن لا يحترم أهلي لا يحترمني ، وأرجوك لا تُحملني ما لا طاقة لي به … يكفيني القلق الذي أعيشه ، وعليك أن تنصاع لأوامر نائل الإدارية .
منذر وقد أحمرّ وجهه منزعجاً وقد تقطعت السبل بينهما واقفاً : حسناً … أعذرك … حبيبتي … سيأتي اليوم الذي تعرفين به بأني لم أسىء لذويك كما لم أسىء لأي شخص كان ليست هذه أخلاقي ، ولكن عندي أمانه أرجو أن تضعيها بيد عمي عبد الرحمن ووضع الحقيبة أمامها وإنصرف بسرعه ولأقدامه وقع على الأسماع ، فأرادت أن تتفوه ولكنه اسرع الخطا ولم يكتمل النطق ، فنهضت حاملة الحقيبة متوجهة بها الى غرفة المكتب لتضعها في أحد الأدراج وقالت في نفسها حتى أني لم أسأله ماذا يوجد فيها ، المهم خبأتها وأغلقت الباب راجعة الى أيار وقبل أن تصل إليها رأتها تتكلم بفتور والدموع غطت وجهها ، فلم تحبذ أن تسألها وهي مسترسلة في الحديث والدمع مدرار ، وفي دخيلة نفسها تعرف الإرهاصات التي تلف صداقتهما وقالت هذه دموع العتاب المؤلمة بين المحبين ، وتوجهت الى غرفة والدها لتطمئن عليه ولعلها تجد ثغرة للحديث تدخل من خلالها لتخبره عن الحقيبة دون الحديث عن وجود مشاكل للعمل ، فإقتربت ووجدت الباب مفتوحاً ووالدها جالس على الكرسي وقبالته والدتها فاطمة وقد تهلل وجههما عندما رأوها .
مروة مبتسمة وقد أنشرح صدرها : والدي الحبيب … أراك بخير الحمدُ لله .
فاطمة مبتسمة : الحمدُ لله بخير… والدك بخير .
عبد الرحمن : أنا بخير حبيبتي … وسأحضّر مناقشتك أن شاء الله .
مروة : ان شاء الله اسبوعان يا ابتي .
عبد الرحمن متأثراً : وأتمنى أن أحضر زفافك قبل وفاتي .
مروة وقد ترقرقت عيناها وتكسرت العبرة في صدرها مقبلة يده : لا … يا أبتي أرجوك لا تقل هذا الكلام .
فاطمة والدموع سالت من عينيها متظاهرة بإبتسامة : سترى حتى أولادها … أرجوك كف عن هذا الكلام .
عبد الرحمن : كم أتمنى لك منذر زوجاً … لأني أحبه … وأثق به … ولك الخيار .
مروة باكية وقد جثت على ركبتيها قرب الكرسي : ما دامت أمنيتك … فسأقبل به … وبعد المناقشة مباشرة .
عبد الرحمن مبتسماً : الله … بارك الله فيك … أشعر بتحسن الآن .
يأتي خالد الى العيادة ظهراً لينظفها ويعطرها ويُشغّل التلفاز على القناة الطبية ، ويستقبل المرضى ويسجل أسماؤهم بحسب التسلسل الذي جاءؤا به وبكل أدب وإحترام ، وعندما تأتي الطبيبة ينهض مبتسماً ويفتح لها الباب ويسير وراءها الى أن تدخل وتجلس على كرسيها وتتهيأ ثم يخرج ليتولى إدخال المرضى ، ويبقى جالساً قربهم الى أن تحين أدوارهم ليكمل المشاهدة والمتابعة ، وبينما هو كذلك حتى دخل العيادة شاب واضعاً بين أصبعيه سيجارة كأنها المدخنة القبيحة في روائحها ، وحالما رأه خالد قال له بأدب من فضلك أطفىء السيجارة لأنها مقززة وتزعج المرضى ، وأشار الى جدار في العيادة معلق عليه لوحة صورية تعني ممنوع التدخين ، لكنه لم يرعو وطلب أن يدخل الى الطبيبة ولكن خالد أخبره بأنه إذا أراد الدخول فلابد عليه أن يلتزم بالدور ، ولكن الشاب غير المهذب رفع صوته وقال له بأني قريبها فرج … وكانت الطبيبة تسمع وبقلق وقد فتحت الباب وعادت تحاول قلع سن المريض … وحالما إنتهت خرجت لترى المساجلة .
خالد : حياك الله ولكن النظام هنا يقتضي الإنتظار وهذا المكان للعلاج وليس للضيافة .
فرج مبتسماً بسخرية : أيّ نظام وكأنك تتكلم … عن مكان محترم .
خالد : أحترم نفسك … وإياك والإساءة …الى هذا المكان .
فرج : الطبيبة سرقتني … وبخست حقي عندما كنت أعمل هنا واليوم جأت لأحاسبها وأرى من سيقف معها .
خالد غاضباً وقد لطمه على وجهه : أخرس أيها اللص الوقح وأغرب من هنا وإلاّ وقد تشابكا بالأيدي ، مما دعا الى ان تتدخل الطبيبة وبعض الرجال الموجودين .
الطبيبة : اتركه يا خالد .
فرج صارخاً : اعطيني … مستحقاتي .
الطبيبة : اي … مستحقات .. هذا مكان عمل وليست ساحة مقامرة أغرب من هنا ؟
فرج : سأريك من أنا لكن خالد لم يحتمل أن يوجه لها كلمات جارحة بإسلوبه المنحرف وراح يجره الى خارج العيادة ، ثم عاد وأعتذر الى الناس وأبلغهم بأنه منحرف مخمور لا عتب عليه ، فخرج فرج وهو صارخاً متوعداً بالقصاص ، فدخلت الطبيبة غرفتها والألم يعتصر قلبها من هذا البلاء الذي مُنيت به ، ولكن تصرف خالد أثلج صدرها وهكذا الى إنتهى نصف المرضى وما هي إلاّ ساعة تمر حتى عاد المنحرف فرج ومعه شرطيان وقد أقام دعوى ضد خالد وقد تعالت الأصوات من جديد مما قاد الى خروج الطبيبة مرة ثانية ولكنها رأت الشرطيين يقودان خالد معهما .
الشرطي : لدينا شكوى ضد المدعو خالد ياس حكيم .
الطبيبة وقد أرتعدت فرائصها : شكوى على ماذا وعلى مـَن؟ أنا من سأشتكي على هذا الأبله الذي تهجم عليّ في موقع عملي وخالد ليس له علاقة بالأمر .
الشرطي : نحن … ننفذ الأمر … ليس إلاّ … وبالحال إتصلت مستنجدة بمروة على الرغم من ظروفها ، ووعدتها مروة بالمساعدة وبأنها سترسل إليها المحامي قتيبة ليقدم لها دعوى على فرج … وبعد أن إتصلت به ذهب بالحال وأقام دعوى ضده بأسم الطبيبة وتم إلقاء القبض عليه ورميه بالسجن وأخلى سبيل خالد بكفاله .
كل طلبة كلية الأداب والإدارة والإقتصاد متوجهين اليوم في سفرتهم الى الساحل الجميل في البصرة في قضاء شط أبو الخصيب وعلامات الفرح والزينة والبشر مرسومة على وجوههم ، وفريال تُحضّر لهذه السفرة مع عمها منذر منذ أسابيع ، وهم يخططون للون الذي يلبسونه ونوع الطعام الذي سيأخذونه معهم والفواكه ويدعون الأخرين الى مائدتهم ، وقد وعدته بأنه ستقتنص أية لحظة تراه قريباً من خالتها وتلتقط لهما صورة للذكرى وتضع الكاميرة في كتفها على أهبة الإستعداد ، ما دامت خالتها وافقت مبدئياً على الخطبة على أمل إعلانها بعد الدكتوراه ، وكل الطلبة اليوم قد تحرروا في ملابسهم من ألوان الزي الرتيبة بحسب رأيهم من الأبيض والرمادي الى كل ألوان الطيف الشمسي الزاهية وقد تعالت أصوات الأغاني وبعد أن إنتظموا في طابور أمام السيارات صعدوا الحافلات التي توجهت الى الساحل ذلك المكان الرائع الذي يتميز بجماله وهدوئه ، والكل يلتقط الصور ويوثق الأحداث في أي مكان كان ولاسيما مع الكادر التدريسي الذي يرافقهم ، وكلما وقفت مروة وسط مجموعة فيها طلبة كلما رأت منذر بالحال يقف قربها وفريال كالصحفي تسير خلفه كظله وتلتقط الصور منتظمة كانت أم عشوائية ، ثم تسلم الكاميرا بسرعة لأحد الطلبة الواقفين وتتوسط هي بين خالتها وعمها ، وسبأ في كل لحظة تتهكم عليها ممازحة أمام أيار ، علماً بأن مروة لا تفّوت سفرة تمر إلاّ وتدعو رفيقة روحها سُبل التي تنسى نفسها ووظيفتها وتذوب في أجواء الطلبة التي تعود بها الى أيام الإعدادية ، وإنها لفرصة كبيرة من وجهة نظر مروة لتجمعها بها بعيدة عن العمل وتعبه ، ومنذر يعرف بتلك العلاقة الروحية التي تجمع بينهما من سنين خلت ، ولا يشعر بالغيرة منها أبداً ولكنه اليوم يتمنى وأن لم ينطق أن يجلس قربها في الحافلة ، وأن تمسك بيده بدل يد سُبل ولكنها دعتها لتشغل هذا المنصب وذلك لأنها ضيفة وغريبة على كل الحضور ، ثم أن مروة تغتنم هذه الفرصة لتدعوها الى الإستجمام وعيش يوم مختلف عن جو المستشفى المآساوي ، أي لأجلها فقط تنضم الى هذه السفرة وإن لم تأتِ تصرف نظر ، فضلاً عن إنها تنشقُّ عن الكادر الذي جاءت معه وحتى عن زميلاتها المقربات مثل الدكتورة ريام والدكتورة زينب وطلبتها الأذكياء.
المهم وصلت السيارات القادمة من جامعة البصرة باب الزبير الى مقصدهم ساحل أبو الخصيب ونزلوا بسرعة وهم يحملون أمتعتهم وكل مجموعة توجهت صوب مضلة ليحتموا من الشمس ، وبعد أن وضعوا أمتعتهم راحوا يجوبون المتنزه الممتلىء بطلبة الكليات والمدارس ، وأمام كل لعبة من الألعاب طابور من طلبة المدارس ، فجابوا المتنزه بأكمله جيئة وذهاباً ومنذر يلحق بمروة أينما حلّت وسبل مسرورة بهذه الملاحقة وتشجع مروة على مبادلته الشعور لأنه لائق لها ، وفريال تلاحق عمها بكاميرتها بحسب الإتفاق ، وقد دعتهم سُبل لشرب عصير الليمون البارد في هذا الجو القائظ ، وقد إنفردت سبأ بأيار كارهة أن تلتصق بهما دلال أو فجر أو أي طالبة عديمة الإحساس بحسب وصفها ، إنتصف النهار ولا يزال الحشد الأكبر أمام الدولاب وكل الناس يحبون صعود هذه اللعبة ولعلها تذكرهم بدولاب الحياة الذي يدور بهم من حال الى حال فتارة الى الأعلى وتارة الى الأسفل ولابد أن تؤخذ العبرة من هذه اللعبة المحببة الى النفس والتي يرتادها كل الأعمار ، فترى الدكاترة صعدوا قبل الطلبة والضحكات تتعالى من كل جانب ومكان وصياح الطلبة لكل منهم الأخر مع تعاقب الدوران ، وقد تمكن منذر من الصعود مع مروة وسبل والإبتسامة تشق محياه ، وعلى مقربة منهم أيار وسبأ وفريال ، وراح الدولاب يدور والكل يتمنى لو يبقى في الأعلى دائماً ليرى الجميع تحته ويرى وكأن كل الأبنية في المناطق البعيدة في قبضته ، لحظات هدوء رائعة شيّقة ممتعة ما تلبث أن تنتهي شأنها شأن السعادة قبل أن يتمسك بها الإنسان تنفذ من بين يديه كالماء الذي مهما أوتي الإنسان من قوة لا يستطيع أن يتمسك به بيديه ،وسبأ تهمس لأيار تمنيت لو لم تتطفل قريبتك فريال في الجلوس معنا وهل الأماكن قليلة ؟ ولكن أيار لم تتمكن من الإجابة سوى إبتسامة الرضا والقبول برأيها التي إرتسمت على محياها،ثم قالت لها دعينا ننظر الى الناس والأبنية في الأسفل ، أما فريال فقد كانت منشغلة بالضحك والإشارة والتصوير لعمها وخالتها وهما ينظران إليها ضاحكين،وهكذا مرت لحظات رائعة سريعة سُجلت في شريط الذاكرة وبدأ الدولاب يتوقف لينزل من كان فيه ويستبدل بأناس أخرين،ليرتقوا نفس الأماكن ويعيشوا نفس اللحظات وتدور عليهم نفس الأحداث بمبدأ الأيام دول بين الناس .
ثم توجهوا الى القوارب (الماطور) التي تبلغ طاقته الاستيعابية خمسة عشر فرداَ ووقفوا في الإنتظار ، منظره جميل جداً وهو يشقُّ أمواج الماء بسرعة البرق ولعل رغبة أصحابه في الحصول على المال أسرع من الماطور نفسه ، تراه بسرعة يشقُّ الطريق ويعود من جديد ليملأه بأخرين ويحصل على أجرة أخرى ، والكل يتمنى الصعود وعيش هذه اللحظات وسط هذه المغامرة وهذه السرعة وسط الأمواج ، والحشد غفير والأجمل إن من ينتظر يبقى يستمتع في النظر إليه وهو يشق الماء ذاهباً وآيباً ، وهكذا الى أن وصل دورهم والكل مبتسم ويتأهب للصعود فصعدت مروة وسبل وريام وبعض التدريسين وبينما يحاول منذر الجلوس سبقه الطالب عبد الحافظ الذي ينوي الدراسة العليا لذلك تراه يحاول الإقتراب من مدرّسته مروة ، فسحب قدمه وقد إعتصر قلبه الألم ولاحظت مروة وسبل ذلك ، تمنى لو حجزت مروة المكان وهي تراه يتأهب للصعود وقد كان بإمكانه الصعود في البداية ولكنه إنتظر لتصعد مروة ويطمأن عليها ثم يصعد هو ، نزل ولم ينبس بأي كلمة ورجع القهقرى الى حيث فريال واقفة ، وفي هذه الأثناء نزل عبد الحافظ لينتظر الجولة الثانية فعاتبت سُبل مروة على عدم حجزها للمكان ، فطلبت منها أن تناديه ليصعد وقد توفر له المكان ، فإقتنعت بكلامها فراحت تلوح له بالصعود لكنه إنزعج بشدة وزعل ورفض طلبها وإعتبرها إهانه له ، فقالت لسُبل أنا لم أتقصد ما حدث ولكنه لم يسرع في الصعود ، المهم سار القارب وفي قلب منذر شعور بالإهمال والتجاهل من مروة وهي بالأصل لم تنتبه ولكنها لو إهتمت لأنتبهت وهذه القاعدة ، شقُّ عباب الماء وسط فرحة الإبحار وسط هذه الأمواج ولكن مروة تحت تعنيف ولوم سُبل لم تشعر بالراحة ، المهم دقائق معدودة حتى عاد القارب أدراجه من جديد ليملئه من جديد ليلحق بسرعة ويستفيد من الواقفين وعندما وقف طلبت مروة من السائق أن يحجز لها أربعة أماكن لمنذر وفريال وأيار وسبأ وعندما نزلت توجهت إليه بسرعة وطلبت منه أن يسرع وهي تسحبه من يده ، وقد صعد الأطفال مع معلمتين وكذلك فريال وأيار وسبأ وعبد الحافظ وعدد من الطلبة ، ولكن منذر إمتنع على الرغم من توسلات مروة وسُبل ، ولكن السائق لا يعترف بهذه التوسلات وفسح المجال للصعود ، فراح منذر يقترب من القارب وكاميرته في كتفه ليبتعد عن مروة بحجة إنه يلتقط الصور لفريال وهي في القارب وقد قضّت جل وقتها لأجل تصويره.
ولكن صعدت فجر ودلال مما أثار حفيظة سبأ لتزاحمهما في مكان واحد بالقرب من أيار ، لم تحتمل الشعور بالتهميش وهمّت بالنزول على الرغم من تمسك أيار فيها وهي تشدُّ على يدها ، ولكن سبأ قبل أن تنزل همست بوجوم لها بعبارة لو كانت تحبها تنزل ولا تبقى في القارب ، وتذهب معها الى القارب الأخر ، فقالت لها ليس الوقت وقت غيره … ولا تنزلي أرجوكِ ولكنها نزلت ، وإعتبرت أيار الأمر طفولياً وغير جاد فبقيت تنظر إليها ولم تنزل ، فتأهبّ السائق لتشغيل محرك القارب وقد تعالى صوت المحرك الصدىء الذي يوقر الأسماع وقد ملأ القارب بأكثر من طاقته الإستيعابية ، ليستفيد من موسم السفره هذا قبل أن تغيب الشمس ، فعادت سبأ أدراجها والزعل يملؤها وأنظارها موجهة الى أيار التي لم تهتم لها ، فإنتبهت لها مروة التي بقيت واقفة قرب منذر وهي تنظر الى القارب الممتلىء ولا تعرف لماذا نزلت ، فعندما جمع الإجرة من الركاب تحرك القارب ببطىء ليعلن الإنطلاق عندها شعرت أيار وكأن روحها ليست في جسدها شعور بالحزن لا يمكن وصفه وكيف يمكن أن تتحمل عبارتها هذه وتعتبرها وصفاً طفولياً وكيف لسبأ أن تسامحها بعد الآن تلك أذن طامة كبرى ونهاية متزلزلة وموجعه إن لم تتدارك الأمر ، وبالحال نهضت بقوة وبصوت عالٍ لتطلب منه التوقف وإرجاعها الى الشاطىء وبصوت متكرر أرعبه وأثار إستغراب الجميع ، فأوقف المحرك وإعادها الى الشاطىء وقد تحرك قرابة متر واحد لينطلق من جديد وبقوة ليستثمر وقته ولئلا يرى مثل ما رأى الآن ، فنزلت أيار مبتسمة وعمتها وسبأ تنظران إليها وهي عائدة ، ومنذر مستمر في التصوير وقد حول نظام التصوير الى الفيديو ليوثق كل الأحداث ويعرضها على الشاشة عند العودة الى البيت وكل العائلة تنتظر ، لينآى عن الجدال مع مروة وقف ليواصل تصوير الفيديو من البداية وحتى عودتها بحسب قراره ، وعندما وصلت أيار مبتسمة عانقت سبأ بقوة وهمست في أذنها وهي في أحضانها … هل جاءتك الحالة اليوم ؟.
سبأ مبتسمة : تعرفيني جيداً بأني لا أحب فجر لصقة الأسد ولا (الدلوعة) دلال .
أيار مبتسمة : لا … بل … قولي … غيرة … غيرة .
مروة مبتسمة : ولمَ لا … فالغيرة حالة طبيعية بين القلوب النقية الصادقة .
سُبل : الله … كم أتوق الى أيام الدراسة وأيام الماضي .
مروة : ماذا … أيام الماضي … وهل نحن نعيش في الماضي .
سُبل ضاحكة : لا تزعلي فنحن نعيش الماضي والحاضر والمستقبل إن شاء الله .
وبينما منذر يوثق الأحداث في كاميرته في هذه الدقائق المعدودة فإذا هو يرى كارثة تقع في القارب الذي يصوره ، إرتعدت فرائصه وصرخ صرخة مرعوب شقت أمواج البحر … فرييييال …

..يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *