الرئيسية » نقد » ادب » د. ثائر العذاري : الراوي والسارد وفوضى المصطلحات

د. ثائر العذاري : الراوي والسارد وفوضى المصطلحات

الراوي والسارد وفوضى المصطلحات
د. ثائر العذاري

ليس المصطلح -كما هو معلوم- محض كلمة تختزل فكرة أو مفهوما أو نظرية حسب، بل هو إلى جانب هذا تعبير غن انتماء لاتجاه فكري أو علمي محدد، ففي البلاغة العربية الكلاسية مثلا هناك مصطلح (العدول) الذي يدل على المفهوم ذاته الذي يدل عليه مصطلح (الانزياح) الأسلوبي، لكن لا يجوز لمن يكتب بحثا على وفق منطلقات البلاغة الكلاسية أن يستعمل مصطلح (الانزياح)، كما لا يجوز لمن يكتب بحثا أسلوبيا أن يستعمل مصطلح (العدول)، ففي الحالين سيستعمل الباحث مصطلحا أجنبيا عن المنظومة الاصطلاحية التي ينتمي إليها بحثه.
في الترجمات النقدية العربية تتعدد المرجعيات الثقافية للمترجمين حسب اللغة التي خلفتها الكولونيالية في كل بلد من البلاد العربية، فتتباين المرادفات للمصطلح الواحد، وهنا قد يتوهم من لا يقرأ بلغة ثانية أنه أمام مصطلحين مختلفين.
قرأت مقالا في صحيفة عربية يبشر فيه كاتبه بأن النقد الغربي ما عاد يستعمل مصطلحات الروي والراوي والمروي له، واستبدلها بمصطلحات السرد والسارد والمسرود له، ويرى ان السبب في هذا التغيير أن النقد الغربي لم يعد مهتما بتصنيف الأعمال السردية على قصة ورواية ونوفيلا ومسرحية …، فذلك كله سرد، ثم يأتي بنصوص لنقاد ارتبطت أسماؤهم بنظرية السرد مثل نورثروب فراي وباختين، ويرى أن باختين هو الذي تسبب في هذا الانقلاب الاصطلاحي بعد أن عد قضية الكرونوتوب (الزمكان) مركزية في بنية السرد. وطبعا ليس من حقنا أن نسال عن الربط المنطقي بين الأمرين.
مثل هذا (الهراء) -وأعتذر لاستعمالي هذه الكلمة لأني لم أجد أفضل منها- يربك الناقد الذي لا يقرأ بلغة ثانية لأنه سيصدق أن منظومة اصطلاحية جديدة فرضت نفسها على الدراسات السردية الغربية، خاصة أن كاتب المقال كان يتحدث بلغة واثقة تغلب عليها نبرة المعلم. والحقيقة أن النقد الغربي لم يستعمل ابدا كلمة تعني الراوي او السارد سوى كلمة narrator, وليس هناك كلمة أخرى تقودنا إلى التمييز ورصد تغير جذري كالذي يتحدث عنه كاتب المقال الذي اكاد أجزم انه تحصل على هذا الاعتقاد بسبب قراءته الكتب المترجمة.
إن مصطلح الراوي لم يظهر في النقد إلا بعد أن نشر هنري جيمس مقالته الشهيرة (The Art of Fiction) عام ١٨٨٤، حيث وضع مصطلح زاوية النظر، وقبل جيمس كان يُعتقد أن المؤلف هو الذي يروي القصة او الرواية، ولذلك نجد في الكتابات النقدية في القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر انهم كانوا يطلقون على الروائي او القاص تسمية (الحكاء story teller), ويستعمل هنري جيمس في مقالته كلمة (سرد narrative) ثلاث مرات.
ويستعمل بيرسي لوبوك في كتابه (صنعة الرواية The Craft of Fiction) الذي نشر ١٩٢١ مصطلح الراوي او السارد narrator عشرات المرات في الفصلين الأخيرين، وفي الترجمة العربية استعمل الأستاذ عبد الستار جواد كلمة (الراوي) وربما لو ترجمه مترجم آخر اليوم لاستعمل كلمة السارد، والجميل في ترجمة الأستاذ جواد أنه وضع عنوانات لفصول الكتاب، لأن لوبوك اكتفى بوضع ارقام لها بلا عنونة، ونجد ان الفصل السابع عشر في الترجمة عنوانه (الراوي ص٢٢٥) بينما لا نجد في النسخة الأصلية سوى الرقم (XVII) ص٢٥١، الذي يبدؤه لوبوك بالقول:
(THE whole intricate question of method, in the craft of fiction, I take to be governed by the question of the point of view the question of the relation in which the narrator stands.
أرى ان القضية المعقدة في طريقة كتابة الرواية يجب ان تكون محكومة بمسالة زاوية النظر، اي السؤال عن مكان وجود الراوي.)
يمكننا ان نلاحظ هنا ان استعمال كلمة narrator لا يختلف قيد أنملة عن استعمالها اليوم، وبقي الامر بيد المترجم، فهو من سيختار ان يترجمها راو او سارد.
وفي كتاب فورستر المؤسس (Aspects of the Novel) ١٩٢٧ الذي ترجمه كمال عياد جاد ١٩٦١ بعنوان أركان القصة خطا بدلا من اركان الرواية، استعمل كلمة narrator عددا من المرات عجزت عن احصائه، لكن المفارقة اننا نقرا في ص١٠٣ هذه العبارة:
Roman Pictures is a social comedy. The narrator is a tourist in Rome
كان فورستر يتحدث عن رواية بيرسي لوبوك (صور رومانية) ويصفها بأنها كوميديا اجتماعية والراوي فيها سائح في روما…
وحين نعود إلى ترجمة جاد سنجد:
“وكتاب صور رومانية عبارة عن كوميديا اجتماعية، والقصاص سائح في روما…” ص١٨٢
يبدو ان الانقلاب الاصطلاحي في وقت ترجمة الكتاب كان له شكل آخر، فقد ترجم كلمة narrator قصاص.
بقي ان نقول أن باختين نشر مقالته (أشكال الزمن والكرونوتوب في الرواية) عام ١٩٣٧، فحتى لو أغمضنا أعيننا عن كل ما سبق وسلمنا مع كاتب المقال بانها سببت تغييرا جذريا في المنظومة الاصطلاحية فهي مقالة قديمة ظهرت في بدايات نشوء ما يعرف بنظرية السرد.
إن مصطلحي الراوي والسارد ليسا سوى نتاج الترجمة كما تبين، وأرى ان مصطلح الراوي العربي أكثر استقرارا وادق دلالة لما يحمله من حمولة دلالية تراكمت على امتداد التاريخ العربي، اما مصطلح السارد فما زال يستعمل بطريقة مربكة، فبعض النقاد يستعمله أحيانا بمعنى المؤلف، كما في مقالات اخرى لكاتب المقال المذكور.
ما أحوجنا اليوم لتأسيس جمعية عربية لتوحيد المصطلحات، يمكن ان تتعاون الجامعات العربية على إنشائها لتخرجنا من هذه الفوضى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *