الرئيسية » نصوص » ادب الطفل » طلال حسن : أنا الذي رأى (قصص قصيرة جداً للأطفال) (10)

طلال حسن : أنا الذي رأى (قصص قصيرة جداً للأطفال) (10)

المبدع الكبير الأستاذ طلال حسن

” 91 ”
ليل الغابة
في الليل ، جلسا متلاصقين ، يلفهما الصمت والظلام . ومن بعيد ، وعبر الأحراش الملتفة ، إلتمع للحظة ، شعاع من الضوء.
فزّت قائلة : ارأيت ؟
إلتمعت عيناه ، وقال : ضوء .
قالت بانكسار : هذا يعني ، إننا في ظلام مطبق .
فردّ قائلاً : لا ، بل يعني ، أنّ هناك ضوء

” 92 ”
الملك يبني
استدعى الملك الجديد الحكيم ، وقال : أريد بنّاء .
انحنى الحكيم للملك ، وقال : يبدو أنك ، يا مولاي ، ستبني مكتبة.
فردّ الملك قائلاً : سأبنيها ، لكن ليس الآن .
وانحنى الحكيم ثانية ، وقال : آه .. المستشفى .
قال الملك : سأبني المستشفى ، لكن ليس الآن .
ولاذ الحكيم بالصمت ، فقال الملك : أنا لي أعداء ، وأعدائي هم أعداء الوطن ، استدع البنّاء ، لابد أن أبدأ فوراً ببناء .. السجن .

” 93 ”
الزهرة
على حافة الطريق ، رأى الرجل العجوز صباحاً ، زهرة صغيرة ، تفتحت مع الفجر ، فتوقف يتأملها فرحاً ، مبهوراً .
وتناهت إليه أصوات أطفال ، مقبلين من بعيد ، وخاف أن يرى أحدهم الزهرة ، ويقطفها ، فمد يده إلى الزهرة ، وقطفها ، وواصل طريقه .
وقبل منتصف النهار ، ذبلت الزهرة ، فرماها الرجل العجوز ، دون أن يتوقف ، فوق كومة من الأعشاب الميتة .

” 94 ”
النباح
أفاق الملك منزعجاً ، فخف إليه رئيس الحرس ، وقائد الجند، والمستشار .
قال الملك : أسمع نباحاً .
فرد رئيس الحرس : ذلك عبد ، يا مولاي .
وقال المستشار : إنه ينبح قائلاً : أنا إنسان .
فنظر الملك إلى قائد جنده ، وقال : هذه سابقة خطيرة ، أسكتوه .
وفي طول البلاد وعرضها ، لم يعد أحد يسمع ، ذلك النباح مرة أخرى .

” 95 ”
التفاحة
عاد الحطاب العجوز من الغابة ، يحمل حزمة من الحطب. وعلى جانب الطريق ، رأى شجرة تفاح ، تتوهج في أعلاها تفاحة كبيرة ، ناضجة .وتمنى لو يحصل على هذه التفاحة ، ليأخذها إلى حفيده .
وعلى الفور ، وضع الفلاح العجوز حزمة الحطب جانباً ، وبكلّ ما يملك من قوة ، هزّ الشجرة ، فلم تسقط التفاحة . ورجم الشجرة بالحجارة ، ومرة أخرى لم تسقط التفاحة ، فأخذ فأسه ، وقطع الشجرة ، وحصل على التفاحة، وسرعان ما حمل حزمة الحطب ، ومضى فرحاً إلى حفيده .

” 96 ”
ليلى والتفاحة
قبيل المساء ، عاد الأطفال إلى بيتهم ، عدا ليلى التي بقيت تلعب وحدها في الزقاق .
وأقبل رجل عجوز ، يحمل كيساً صغيراً ، مليئاً بالتفاح .وتوقف على مقربة من ليلى ، وقد جحظت عيناه ، ثم تهاوى بصمت على الأرض . وتناثر التفاح هنا وهناك ، فأسرعت ليلى ، وجمعت التفاح في الكيس ، ووضعته برفق قرب الرجل العجوز. ومن بين التفاح ، أطلت تفاحة نصفها أصفر ، ونصفها الآخر أحمر ، فمدت ليلى يدها ، وأخذت التفاحة ، ومضت بها إلى البيت .

” 97 ”
الباب
عند منتصف الليل ، سمعت طرقاً على الباب ، اعتدلت في فراشها ، لعله هو ، نعم قد يكون هو . وكالعادة هبّت من مكانها ، وانطلقت متوكئة على شيخوختها ، وفتحت الباب ، وكالعادة لم تجد غير العتمة .
وعادت إلى فراشها ، وعيناها غارقتان بالدموع ، وقررت أن لا تفتح الباب مرة أخرى ، حين تسمعه يطرق ، فحفيدها ذهب ، ولن يعود .
ولم تكد تضع رأسها المتعب على الوسادة ، وتغفو قليلاً ، حتى سمعت من جديد طرقاً على الباب ، وبدون تردد ، هبّت من مكانها ، وانطلقت متوكئة على شيخوختها ، نحو الباب .

” 98 ”
الخاتم
رحب الصائغ العجوز بي على عادته قائلاً : أهلاً ابنتي .
وقدمت له الخاتم مترددة ، ثم قلت : هذا آخر قطعة .
وحدق الصائغ العجوز في الخاتم ، وقال : خاتم الزواج .
فهززت رأسي ، دون أن أتفوه بكلمة . ووضع الصائغ العجوز الخاتم في الميزان ، وهو يتساءل : ما أخباره ؟ زوجك .
أجبته : لا جديد .
وتراءى لي ، وهو يضع الخاتم في إصبعي ، كنت وقتها في حدود الثلاثين ، وها إني أتجاوز الثالثة والأربعين .ورفع الصائغ العجوز الخاتم من الميزان ، ثم قال : ثمنه يا ابنتي ..
وقبل أن ينطق بثمنه ، مددت يدي إليه ، وقلت : أرجوك ، أعطنيه ، الخاتم .
ونظر الصائغ العجوز إليّ مندهشاً ، فقلت : لا أستطيع بيعه .
أخذت الخاتم من الصائغ العجوز ، وعدت إلى البيت ، يا لحمقي، كدت أبيعه ، كدت أبيع الخاتم ، ترى ماذا يمكن أن أقول له ، حين يعود يوماً من الأسر ولا يجد خاتمه في إصبعي ؟

” 99 ”
تيمورلنك
عند منتصف الليل ، هزّ تيمرلنك القصر بصياحه : أيها الحرس .
وفي لمح البصر ، كان الحرس يركعون أمامه ، فصاح بهم ، وجلاده يقف كالصنم خلفه : هاتوا جحا حالاً .
وأسرع الحرس ، وأتوا بجحا ، وألقوه عند قدمي تيمرلنك ، فحدق فيه ، ثم قال متسائلاً : ما إسمي يا جحا ؟
وفغر جحا فاه ، ثم قال : مو.. مو .. لاي .. اسمك .. تيمرلنك .
فقال تيمرلنك : ليس اسمي عندك إذن .. أعوذ بالله .
وندت عن جحا شهقة رعب ، وصاح : مولاي ، إنني لا أجرؤ على مجرد التفكير في أمر كهذا .
وحدق تيمرلنك فيه ، وقال : أعرف .
وأشاح بوجهه عنه ، وصاح : أيها الجلاد .
وتقدم الجلاد ، وقال : مولاي .
فقال تيمرلنك : اقطع رأسه .

” 100 ”
موندراما
يا للناس ، لقد تغيروا تماماً ، وكاد يتلاشى ما توارثوه من قيم ومثل وأخلاق ، إن الأعداء يتحدون ، في كلّ لحظة ، مشاعرنا ، والكلّ مخدرون ، نيام .
هذا ما تحدثت به .. وتحدثت .. وتحدثت .. إلى زوجتي ، دون أن تلتفت إليّ ، أو تنبس بكلمة ، وأخيراً نهضت ، واندست في الفراش .
ونهضت بدوري ، واندسست إلى جانبها ، وأنا مازلت أتحدث .. وأتحدث .. وأتحدث ، وأخيراً التفتت زوجتي ، وحدقت فيّ ، فصحت بها منفعلاً : لم أتناول حبة الدواء ، ولن أتناولها .
ونهضت زوجتي ، وجاءتني بحبة الدواء ، فأخذت الحبة منها ، دون أن أنبس بكلمة ، وبلعتها .
ووضعت رأسي على الوسادة ، وقد كففت عن الحديث ، وشيئاً فشيئاً نسيت الأعداء ، وتحديهم لمشاعرنا ، و .. استغرقت في نوم عميق .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *