د. جمال خضير الجنابي : المستوى الدلالي واللغوي في شعر هشام القيسي
(5) الفصل الثالثالكناية

(5)
الفصل الثالث

الكناية

ثمة أسلوب آخر من أساليب التعبير الفني، ذلك هو (الأسلوب الكنائي)، وقد انطلق البلاغيون في كشفهم عن فنية هذا الأسلوب من عدهم إياه بنية محايدة بين الحقيقة والمجاز، وهو عندهم أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني، فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة، ولكن يجيء إلى معنى هو تاليه وردفه في الوجود فيومئ به إليه، ويجعله دليلاً عليه(1).
ومعنى ذلك أن التوصل إلى المعنى المروم إبلاغه يكون عبر وسائط يتنقل من خلالها الذهن لكي يدرك مراد المنشئ، إذ إن هناك معنى يبتغي المنشئ إيصاله، فلا يعمد إلى التعبيرعنه مباشرة، بل يذكر ألفاظاً ذات دلالات تتضمن معنى يكون واسطة وممهداً لمعنى آخر مطلوب، ولذلك فإن(الكناية) بنية ثنائية الإنتاج، حيث تكون في مواجهة إنتاج صياغي له إنتاج دلالي (مواز) له تماماً بحكم المواصفة، وفي هذه الصياغة يتم تجاوز المعنى الأول بالنظر إلى المستوى العميق لحركة الذهن التي تمتلك قدرة الربط بين اللوازم والملزومات، فإذا لم يتحقق هذا التجاوز، فإن المنتج الصياغي يظل في دائرة الحقيقة، وفي هذه العملية يكون تجاوز المستوى السطحي مرتبط أساساً بعملية القصد، مع الاحتفاظ للمعنى الموازي(الأول) لحق الحضور التقديري، إذ إن تغييبه تماماً يعني الانتقال إلى بنية المجاز(2).
وفي هذه الحالة يفقد الأسلوب الكنائي سمته التعبيرية لتي تحتمل الدلالتين، أو المعنيين الأول وهو لمعنى المصرح به، والثاني: وهو المعنى المبتغى.
إن عملية (العدول) في الأسلوب الكنائي تعتمد بشكل كبير على المتلقي وقدرته على إدراك المعنى المراد أو المعدول إليه، ذلك أن في الأسلوب الكنائي المعنيين يتجاوران في الصيغة، المعدول عنه والمعدول إليه، إلا أن إدراك الثاني منهما متوقف على خصوبة ذهن المتلقي، وقدرته على الكشف عنه واللفظ في الكناية ليس بالواضح وضوح المذكور صراحة، ولا هو بالخفي الذي أخفي عن عمد وقصد، فهو أشبه ما يكون بالمكسو بثوب رقيق يشف عما تحته، فلا هو مستور ولا هو عار، وفي ضوء ما سبق يمكن القول إن في الكناية عدولاً عن لفظ إلى آخر دال عليه(3).
إذ إن المنشئ يستعمل ألفاظاً غير قاصد معناها الذاتي المباشر، بل لازم معناها، ولكن ما السمة الدلالية والقيمة التعبيرية لأسلوب الكناية؟ لاشك في أن وراء توظيفها في التعبير الفني خصائص تعبيرية، تكسب الأسلوب جمالاً ودلالات نفتقدها في الأساليب الصريحة، قال عبد القاهر: قد أجمع الجميع على أن الكناية أبلغ من الإفصاح، والتعريض أوقع من التصريح(4).
وقد علل ذلك الحكم بقوله: تفسيرهذا، أن ليس المعنى إذا قلنا: (إن الكناية أبلغ من التصريح) أنك لما كنيت عن المعنى زدت في ذاته، بل أنك زدت في إثباته، فجعلته أبلغ وآكد، وأشد، فليست المزية في قولهم: (جمّ الرماد) أنه دل على قرى أكثر، بل إنك أثبت له القرى الكثير من وجه، وهو أبلغ، وأوجبته إيجاباً هو أشد، وأدعيته دعوى أنت بها أنطق، وبصحتها أوفق(5)
فالأسلوب الكنائي من هذا الوجه وسيلة من وسائل تأكيد الدلالة وتقويتها، ومن المفيد الإشارة إليه في هذا المقام أن(التأكيد) في الأسلوب الكنائي فيه مزية عن التأكيد بمعناه اللغوي الذي هو ألصق بالأساليب الحقيقية القائمة على التقرير، إذ إن معنى التوكيد في الأسلوب الكنائي أقرب إلى(التصوير)وليس هذا بغريب ونحن نعالج أحد وسائل التصوير، فالمتحدث عندما يوظف (الأسلوب الكنائي) في التعبير فإنه يعمل على إحضار أدلة تؤكد الدلالة التي يروم إيصالها، حيث إن الوسائط في(الكناية) هي بمثابة أدلة ممهدة للحكم القادم، ولهذا قال عبد القاهر: أما الكناية فإن السبب في أن كان للإثبات بها مزية لا تكون للتصريح، أن كل عاقل يعلم ـ إذا رجع إلى نفسه ـ أن إثبات الصفة بإثبات دليلها، وإيجابها بما هو شاهد في وجودها، آكد وأبلغ في الدعوى من أن تجيء إليها، فتثبتها ساذجاً غفلاً، وذلك أنك لا تدعي شاهد الصفة ودليلها، إلا والأمر ظاهر معروف، وبحيث لا يشك فيه، ولا يظن بالمخبر التجوز والغلط (6).
إن أسلوبية (الأسلوب الكنائي) في وظيفتها الإيصالية الدلالية تقوم على ثنائية المعنى، ومعنى هذا أن هناك معنيين : ظاهري قريب، وعميق بعيد، يكون إدراكه مناط تمييز درجة إدراكية المتلقي، وقد عبر عبد القاهر عن هذين المعنيين بـ (المعنى، ومعنى المعنى)، قال : الكلام على ضربين: ضرب أنت تصل منه إلى الغرض مباشرة بدلالة اللفظ وحده، وذلك إذا قصدت أن تخبر عن زيد مثلاً بالخروج على الحقيقة، فعلت: خرج زيد. . وضرب آخر أنت لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض، ومدار هذا الأمر على الكناية والاستعارة والتمثيل(7)
ذلك أن القائل عندما يقول(اضطرب قلب الرجل)، فإنه لم يرد الإخبار عن حركة قلب الرجل السريعة المضطربة، وهو المعنى الأول الظاهري، بل إنه يقصد الإخبار عن حالة نفسية قد وقع فيها صاحب ذلك القلب، قد تكون خوفاً أو لقاءً أو أي شيء آخر، تلك الحالة بلغت من الشدة ما أثرت في أعماق الرجل ومشاعره، فأدت إلى اضطراب قلبه، فهناك إذن معنيان كما تبين يمكن أن تصفهما بـ المعنى، ومعنى المعنى، نعني بالمعنى المفهوم من ظاهر اللفظ، والذي تصل إليه بغير واسطة، وبمعنى المعنى أن تعقل من اللفظ معنى، ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر(8).
وهذا ما يحصل في الكناية، إذ إن (معنى المعنى) يكون من إيحاءات المعنى الأول (المعنى) الذي يدرك من خلال المعطيات اللغوية المباشرة(9).
وفي كل ذلك لا ننسى دور السياق في اغناء (الأسلوب الكنائي)، الذي تتآزر فيه كل الأساليب ومنها(الكناية) حتى يتحول التعبير الكنائي مع ما سواه لمعاتٍ خاطفة في رحلة الشاعر ذاهلةً وسريعة لتبين عن معالم أخرى في الطريق(10).
إن ما وصفه عبد القاهربـ (معنى المعنى)هو قطب الرحا الذي يدور حول فنون الأدب، ويتبارى أهله لكي يتمايزوا فيما بينهم، فهذا المصطلح (معنى المعنى) في حقيقته هو(الدلالة الأدبية) التي يبنى عليها الأدب، ويصالح من أجلها، ويعد (الأسلوب الكنائي) وسيلة من وسائل إيصال(معنى المعنى) أو(الدلالة الأدبية)، وقد وصف عبد القاهر دورها في الارتقاء بالنص الأدبي بقوله: وإذا فعلوا ذلك بدت هناك محاسن تملأ الطرف، ودقائق تعجز الوصف، ورأيت هناك شعراً شاعراً وسحراً ساحراً، وبلاغة لا يكمل لها إلا الشاعر المعلق، والخطيب المصقع(11)
وفي الحقيقة إن هذا الوصف حكم نقدي لمن أحسن توظيف (الأسلوب الكنائي) في نصه الأدبي، إذ إن وظيفة الكناية لا تقل أهمية عن وظيفة(التشبيه)و(الاستعارة)، فهي وسيلة من وسائل التصوير، إذ تبرز المعاني المعقولة المجردة في صورة المحسات، وبذلك تكشف عن معانيها، وتوضحها وتبينها، وتحدث انفعال الإعجاب بوصفه انفعالاً تعجز الأساليب الصريحة عن تصويره، فضلاً عن أن الأسلوب الكنائي في التعبير، سمة من سمات تميز العمل الأدبي، وارتقائه، ومن المهم في إطار الحديث عن(معنى المعنى) في الأسلوب الكنائي الإشارة إلى أن هذا المصطلح جعل البلاغيين يقسمون(الكناية) إلى قريبة وبعيدة، والقريبة إلى جلية وخفية، وذلك في ضوء الوسائط بين المكنى به والمكنى عنه، ومدى قربها وبعدها، أو ظهورها وخفائها(12).
وعودا إلى (الأسلوب الكنائي) عند هشام القيسي فنقول: إن هشام القيسي وظف ذلك الأسلوب في مختلف السياقات، وبخاصة في حديثه عن الاخلاق ووصف الذات والعلاقات الانسانية وغيرها) ومن ذلك قوله في وصف صديقه الشاعر الذي غادره نحو السماء سحتضن الذكريات فيقول:
(تحلق اليوم بينما الوقت لم يحن بعد
والشعر لم يزل يفتح كتبه الوضاءة،
ما حدث لن يعود
لكنك شمس لا تكف عن الاشارة
هذا انت نسغ صاعد
وريح لا تعرف المجاعة
وهذا انت انشودة وديعة
لا تكلم سوى الصبح البهيج
ولا تصغي الى أي مكان
سوى كردستان
لن تنام اذا
انظر
هذي الاقلام
من اعوام واعوام
تعرف المحنة
وتعرف صدرها)(13)
إن الناظرفي هذه الاسطر يجدها بنيت على(الأسلوب الكنائي)، إذ كاد هذا الأسلوب أن يطغى عليها من السطر الاول فيها، واستطاع الشاعر من خلاله أن يصور صديقه الشاعر بأنه جامع الفضائل ومستقرها بأنواعها، وفي الأوقات كلها، حيث توزعت تلك الفضائل ما بين النفس وما يتعلق بها من صفات وأخلاق.
ومن خلال هذه الصورة الكنائية ظهر صديقه الشاعر وقد فاح الكرم منه حيث يقول:
(يا كبير الشعر
وسعت نافذة في هذا الحلم الجميل
والاحرف الاولى كلها ما زالت تجري
وتعبر الى بحر
وما زالت مياهه تحكي
وتحكي
هي الايام
لها اوتار واوتار
ولها دروب مشجرة
تعرف الماضي
وتعرف الوضوح كل صباح
وما بين الايام والدروب
صيحات تعزف على عرش النهار،
ويا كبير الشعر)(14)
والصفة الأخرى التي استطاع الشاعر تصويرها صفة الشجاعة لتتناسق مع صفة الكرم، والكرم في الحقيقة صورة من صور الشجاعة، فلمبلغ شجاعته كان ملاذ قومه في عظائم الأمور، ولذلك امتدحه بصورة كنائية جميلة (يا كبير الشعر/ وسعت نافذة في هذا الحلم الجميل)، كناية عن اخلاقه وطيبة قلبه، وقوة شخصيته، التي امتددت حول اصدقائه الذين يتذكرون ايامه الهاربة من اوجاع احلامه، وهي صوره كنائيه اخرى نجح الشاعر من خلالها تجسيد قوة صليت صديقه الشاعر، بل ان الشاعر من خلالها جسد حالة معنوية نفسيه مجردة، وهي الخوف، وحقيقة يكون في اعماق القلب ودخائل النفس، الا ان الصورة الكنائية استطاعت ان تجسده حتى تراي امام الناظرين، ولذلك جعله منارة لكل القادمين، فيقول:
(المسافات تتعمد بحنجرة المدى
والحدائق سعيدة تناسب الدهشة
بل تكتب نصوصا
على اطراف الانتظار
ايها
الشاعر
الشاهد
السارد
اتيت من افق يعرف كيف يدور
ويعرف هديره من الجذور
وحدك انشدت حتى الفجر
وعلمت كيف تتدلى الاشجان
وحدك انت تبقى مطوقا بالشعر)(15)
ولو تأملنا الصور الكنائية السابقة، لوجدناها قد امتزجت بمشاعر النفس الشاعرة، بل جاءت هذه الصور بمثابة خلجات شعورية، استثمرها الشاعر في البوح عما كان يعتمل في نفسه من مشاعر تجاه صديقه الشاعر، ولذلك فإن الأسلوب الكنائي في حقيقته وعند الشاعر، إنما هو نتاج مشاعر خاصة تجاه الأشياء، وهو-أي الشاعر- يصنع كناياته أو رموزه اللغوية، حتى توسع الدائرة الوجدانية لدى المتلقي.
الذي يستطيع استشفافها من خلال السياق الفني، وقد تتداخل الصور الكنائية في بناء تجسيدي لتفجر دلالات رامزة، تكون في دلالاتها المتآزرة مكونة وشائج متداخلة معبرة عن موقف متكامل للشاعر(16).
ولو استقصينا الأساليب الكنائية في سياق(الاخلاق والكرم) لطال بنا المكوث، ومن المفيد التنبيه إليه في هذا الموضع أن أكثر السياقات استثمرفيها الشاعر(الأسلوب الكنائي)هي سياقات الحديث عن الكرم والاخلاق.
ومن الصورالكنائية الأخرى، قول هشام القيسي في مدح ذاته:
(تحلق اليوم بينما الوقت لم يحن بعد
والشعر لم يزل يفتح كتبه الوضاءة،
ما حدث لن يعود
لكنك شمس لا تكف عن الاشارة
هذا انت نسغ صاعد
وريح لا تعرف المجاعة
وهذا انت انشودة وديعة
لا تكلم سوى الصبح البهيج
ولا تصغي الى أي مكان)(17)
وبعد فهذه عينات أسلوبية مختارة من الأساليب الكنائية عند هشام القيسي، وقد ظهر أن أكثر السياقات التي وظف فيها الشاعر تلك
الأساليب، هي سياقات الاخلاق كما مر، وسياقات المديح لأناس أسهموا في إنهائها، وليس هذا بغريب على شاعر عاصر صديقه طويلا، وشهد مآسيها، كما ظهر في الأسلوب الاستعاري من قبل، وإذا كانت فرادة الأديب تقاس باستقلاله في اختيار نماذجه اللغوية، وتفرده بها(18) فإن هشام القيسي استطاع أن يوظف الظروف التي عاشها في إنتاج أساليب أدبية ومنها الاستعارة والكناية، قد أعطته فرادة، وصوره الكنائية جاءت متمازجة مع مشاعر النفس، وخلجات القلب، ويمكن أن نعدها صوراً نفسية صادقة لمشاعره تجاه الموصوفات، والمعاني التي كنى عنها.

هوامش الفصل الثالث:

1 – دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، ، ص105
2 – البلاغة العربيةـ قراءة أخرى، د. محمد عبد المطلب، ص186-187
3 – الكناية في القرآن، أحمد فتحي رمضان، أطروحة دكتوراه، بإشراف : د. مناهل فخر الدين فليح، كلية الآداب ـ جامعة الموصل. ، ص 9
4 – دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، ، ص108
5 – نفس المصدر، ص108
6 – دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، ، ص109
7 – نفس المصدر، ص 258
8 – نفس المصدر، ص 258-259
9 – الكنايةـ أساليبها ومواقعها في الشعرالجاهلي، محمدالحسن علي الأمين أحمد، الفيصليةـ مكة المكرمة، ط1، 1405 هــ 1985، ص55
10 – فلسفة البلاغة بين التقنية والتطور، ص 187-188
11 – دلائل الاعجاز، ص 291
12 – الكناية في القران الكريم، ص 35
13 – مواسم، هشام القيسي، ص 58-59
14 – مواسم، هشام القيسي، ص 61
15 – مواسم، هشام القيسي، ص 62
16 0 فلسفة البلاغة. ص 191
17 – مواسم، هشام القيسي، ص 58-59
18 – التعبير والأسلوب، د. علي جواد الطاهر، د. قحطان رشيد، د. جلال الخياط، مطبعة جامعة بغداد، ط1، 1980، ص 55

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| علم الدين بدرية : رحلة استطلاعيّة على أعتاب الفردوس وقراءة نقديّة في لوحة الأديب والشاعر وهيب وهبة الإبداعيّة (الجنَّة).

كتاب الجنَّة الطبعة الرابعة يقع في مئة صفحة من الحجم المتوسط باللّغتين العربيّة والإنجليزيّة، يضمُ …

| جمال مصطفى : (ألـف هـايـكـو وهـايـكـو) 4 .

ترجمة لنصوص شاعر الهايكو الياباني إيـسا (ياتارو كوباياشي 1763- 1827)     ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ     …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *