الرئيسية » ملفات » جاسم العايف : مـانـحُ الـكُـتـبِ (ملف/6)

جاسم العايف : مـانـحُ الـكُـتـبِ (ملف/6)

مـانـحُ الـكُـتـبِ

جاسم العايف

“المكان الذي ينجذب نحوه الخيال لا يمكن أن يبقى مكاناً لا مبالياً،ذا أبعاد هندسية وحسب. فهو مكان قد عاش فيه بشر ليس بشكل موضوعي فقط ،

بل بكل ما في الخيال من تحيز” .. جاستون باشلار

تبدأ الأشياء بوقائع صغيرة، أو كبيرة، ثم بمرور الأيام والسنوات تكمن في الذاكرة، ليغدو بعضها، وفي لحظة ما حكاية. وها أنا ابدأ باختصار من تلك الحكاية، التي يعود زمنها إلى مطلع خمسينيات القرن الفائت، حيث استوطنّا محلة “الفيصلية” ومنطقة “أول لاين” فيها.. بيتنا الطيني كان مواجهاً لشروق الشمس، ويجاورنا بيت العم “ناصر حسين” المكتظ بالأولاد والبنات. من ذلك البيت خرج الراحل “لطيف”، الذي كان يكبرنا ببضع سنوات. ” لطيف” كاتب القصة الذي كتب واصدر “وجوه معتمة خلف زجاج صقيل” مجموعته القصصية الأولى. وذكر الناقد “سليم عبد القادر السامرائي” في كتابه ” قصاصون من العراق”، أنه : “يلتقط النماذج البسيطة الموزعة في أركان قصصه من المجتمع ويدفعها إلى فعل نشط في الحياة”. و “حَذِر من المغامرة الفنية، رغم انه يبتعد في قصصه عن البساطة والمعالجات السهلة”. وترجم الراحل “لطيف” كثيراً من القصص العالمية القصيرة عن اللغة الإنجليزية التي كان يجيدها، ومنها جميع ما متوفر له من قصص (أو . هنري.)، إذ انه تخرج في مدرسة كان جل أساتذتها من المدرسين الأجانب، الهنود و الباكستانيين، والإنكليز، وبعض العراقيين ، الذين كانوا من المتمكنين جداً في اللغة الأنلجيزية ، وكانت تولي تلك اللغة ،محادثةً وتطبيقاً، اهتماماً خاصاً في تدريس طلبتها، وتسمى ” مدرسة الرجاء العالي الأهلية”، وهي المدرسة ذاتها ، بعد أن كانت تحمل اسماً آخر، كان قد درسَ فيها ولغاية عام 1916 ، كما يذكر “حنا بطاطو”، الطالب “يوسف سلمان يوسف ” الذي عُرف فيما بعد، عراقياً وعربياً وعالمياً باسم (الرفيق فهد). كما خرج بعد أكثر من ثلاثة عقود ومن ذلك اللاين وذات البيت الشقيق الصغير للراحل “لطيف” الكاتب والصحفي والقاص والمترجم والروائي ورئيس تحرير إحدى صحف المعارضة، لنظام صدام التي تصدر في عمان فيما بعد عقد “التسعينيات ” عبد الجبار ناصر حسين”، و المغترب الآن. وكذلك بعد زمن طويل برز من (اللاين) أيضاً مَنْ كان يحبو في ذلك الوقت، ليلمع في سماء القصة القصيرة العراقية القاص “قصي الخفاجي”.وثمة فتى ضئيل الحجم رقيق الحاشية عذب الملامح كثير القراءة ويصغرنا بسنين ، وعادته التي لم تفارقه أبداً، إذ ما أن ينهي قراءة الكتاب، أي كتاب كان، حتى يهديه لأقرب زميل له حتى وأن كان يجالسه صدفة، وبقيت هذه الميزة لديه حتى وفاته وهو في طريقه للهرب من العراق خلال التسعينيات أنه الشاعر والصحفي بعد ذلك” رياض إبراهيم” والذي أخترق برقته ودماثة خلقه عزلة ” محمود البريكان” وكان له الدور الأساس في عدد مجلة” الأقلام” الخاص بالبريكان ، وكذلك خرج منه القاص والكاتب” كريم عباس زامل”. ومن أطراف (اللاين) القصية شرقاً، بزغ شاعر شعبي شاب، نحيل الجسد جداً وحاملاً اسم” أبو سرحان”، سمير الليل البصري الرائق والذي لا أثر له حالياً ، مجهول المصير (ذياب كزار).كما كان قريباً جداً، من غرب”اللاين”، فتى مولع بتواصل غريب عنا ، يعمل بدأب على تحريك أصابعه دائماً كما يفعل عازف آلة “العود”، وحلمه الأزلي أن يتعلم كيفية العزف على تلك الآلة التي شغف بها ، ويرجونا بمودة مغلفة بالحياء أن نسمعه وهو يقلد عزف تلك (الآلة) التي هام بها ، ثم حقق ذلك عبر معاناة متواصلة وصبر طويل ، حتى بات في مقدمة ملحني أجمل الأغاني العراقية خلال زمن السبعينيات وما يزال ، ذلك الشاب صاحب الصوت الرائق العذب و”العيون الخضر” ، ” طارق الشبلي” ومع إن سكنه لم يكن في (الفيصلية) لكنه يأتي ماشياً من منطقة (المعقل) كل صباح ليكون قريباً منا في بيت شقيقه الكبير. غير بعيدٍ عن ذلك “اللاين” كان فتى مفتول العضل، جميل الشكل، بهي الطلعة، اصغر منا اسمه ” فيصل لعيبي” ، سليل عائلة متعددة الاهتمامات الفنية والثقافية. كان الفتى” فيصل” يلون كتبنا ودفاترنا وحتى ملابسنا، شئنا أم أبينا، بألوانه المائية وبأقلامه الرصاص أو الملونة أو بـ”الباستيل”. بعد هذه العقود لا زلت أشم روائح الأحبار والألوان المائية التي استعان بها ” فيصل وزميله شاكر الخفاجي”- معلم الرسم والفنون بعد ذلك- وأصدرا مجلات، ملونة بورق فقير، وشرعا يهديانها إلى أولاد ذلك (اللاين) أو يبيعانها بسعر بخسٍ، أحياناً. وغالباً ما كان يأتي إلى بيتنا، بحكم العلاقة الأسرية التي تمتد عميقاً إلى الأسلاف، قادماً على دراجته الهوائية من (صبخة العرب) محملاً بأنواع الكتب والمجلات ، ليتبادلها مع ما عندنا منها، و مختلف مع ما عنده، ويبقى حتى المساء معنا ، فتى رائق الجسد والطلعة وجاد القراءة ، مقرراً ومصمماً بعناد ، منذ البداية على أن يغدو (شاعراً) ذات يوم ما. كان ذلك الفتى (عبد الكريم كاصد). وبحكم العلاقة معه وفي بيتنا ظهراً سألته مرة: هل ستكون متميزاً في هذه الغابة الشعرية العربية الكثيفة!؟. فرد عليّ بثقة: هذا متروك للمستقبل وللقراء!. يجاور بيتنا وبيت العم”ناصر حسين”، بيت طيني أيضاً، هو بيت المرحومة “أم زهرة”، اسكنها الله فسيح جنانه، وأرضاها، وعلى التربة التي تثوي فيها انحني، إجلالاً، مع جهلي أين تقع..!؟. المرحومة “أم زهرة”، القصيرة ،الحنونة ، المهذبة، “عضوة رابطة المرأة العراقية/السرية حينها”، و”ملاية” المنطقة، تعلم الأولاد “القرآن الكريم”، وتقيم لهم حفلات التخرج، على نفقتها، في بيتها الطيني.عبر حكاياتها التي لا تنتهي، اشتعلت الأرواح الغضة وانخطفت العقول الصغيرة. من يد “أم زهرة” النحيلة الكريمة، بدأت الشرارة الأولى بـ(الحمال وبناته السبع، ومياسة ومقدادها، وعنترة العبسي وعبلته ، والسندباد البحري ورحلاته..الخ)، وهي كراريس صغيرة، بأغلفة فاقعة الألوان، وورق اسمر، وطباعة رديئة جداً، لكنها كانت بداية ثقوب لعالم غريب عنا، وعن خصاصتنا ودشاديشنا المتهرئة، وسوء غذائنا الأزلي، وعيوننا التي استوطنتها الـ”تراخوما”، وأجساد زملائنا الغضة التي فتكت بها “البلهارسيا” وأجهزت على بعضها إلى الأبد. عالم بدأ يتفتق أمامنا، قليلاً قليلاً، حتى أوصلتنا “أم زهرة” إلى شواطئ “ألف ليلة وليلة”، عندها توقدت الذاكرة وتكشفت الأسرار، واشتعلت الحرائق التي لم ولن تنطفئ. شيئاً فشيئاً تصلبت الأرواح، وتفتحت العقول، وكان زادها الأسئلة التي لا نهاية لها ولأجوبتها. مررنا بمحطات وموانئ كثيرة، واتسعت المدارك، وارتقينا نحو الرحاب التي لاتُحَدّ، عبر التنقيب في صبوات الروح الإنسانية وتضاريسها وفراداتها، ووعيها في رفض الواقع ومخاتلته، ودموية التاريخ ونكوصاته التي لا تُحصى، ومع كل خذلاننا وعذاباتنا و خيباتنا ، بقينا متسامين، باحثين، في الوجه المغيب للوقائع، محتفين بعظمة الإنسان، نائين بأرواحنا الغضة عن المكرر والباهت، ماسكين جمر المصائر ملتحفين بشقاء الوعي المبكر وعذاباته، حتى كلت الأعين، ومَلتْ العوائل بانحداراتها الطبقية “الرثة”، وهي ترى جيوبها الفقيرة ، تتحول إلى رفوف ،خشبية، للكتبِ المتنوعة والمجلات الكثيرة ، التي تحفر نهر الحياة المتجدد، وحقولها مترامية الأطراف وأشجارها الخضر وأسرارها الخفية التي تبيح نفسها، بعناء، لمن أرادها.. حيث النيران والألوان التي تومئ لها الخيالات، من اجل أن تنتصر للإنسان في صراعه أينما كان، والنظريات في درسها الأول لم تكن غير أشجار رمادية عجفاء إذا أحرنت عن انتهاك مقدس الواقع والتاريخ وفظاظتهما الدائمة. أتجاوز، مرارات، ومهانات، واندحارات، وعذابات، وانكسارات ، عقد كامل، وسمَ وميزَ ومزقَ وأتلفَ حياة جيلي وحياتي..لأدلف إلى منطقة “السِيّف” في “البصرة القديمة”، ومقهى “هاتف” تحديداً ، والزمان بعد منتصف الستينيات.. ثمة أصدقاء قُدامى ، جرحى الأرواح والأجساد، بسبب خصومات ومعارك وحروب ، أحزاب الأيدلوجيات المتناحرة – المتنافرة المتزمتة، القومية منها والأممية كذلك، وما خلفها من منافع واصطفافات، وانهار دماء التصفيات، وساحاتها كل العراق. قادني من مقهى “هاتف” احد الأصدقاء إلى دكان صغير ، يقع في الموقع الذي فيه، الآن، جامع البصرة الكبير. قال لي: العم” أبو غازي”. صاحب ” المكتبة الأهلية”، التي جلس و مر عبرها أجيال وأجيال من ألمع الكتاب والأدباء والمثقفين والعلماء بمختلف تخصصهم والسياسيين البصريين والعراقيين بكل توجهاتهم ومكوناتهم ، ولا يمكن لي ، بقدراتي الشخصية المحدودة ، أن أتشرف بذكرهم جميعاً أو بما قدموه للبصرة ووطنهم العراق. رحب” أبو غازي” بيَّ ، وبعد أن عرف أنني متابع للأدب وللثقافة، وان ليَ بعض الكتابات المنشورة، توطدت العلاقة معه، وعلمَ أنني بلا عمل، وجئته، من سجنٍ، ابتلع ثلاث سنوات كاملة، من شبابي، وتطلعاتي، وآمالي، وأحلامي. فعلق بسخريته المرة: “زاد رواد المكتبة احد المفلسين والمسجونين سابقاً”. أراه دائماً متأنقاً..لابد من ربطة العنق الطويلة الرفيعة، التي تتلاءم مع ما يرتدي شتاءً وصيفاً. “البعثيون” عادوا ثانية..وبوجه (ابيض) كما أعلنوا هذه المرة ، مؤكدين في هذا الإعلان دون وعي وبلا لبس، أن وجههم السابق (اسود)، وبدأ بعض الناس بالتأقلم ،تحت طائلة الخوف والقهر القديمين والحاجة ، مع الوضع الجديد، القسم الأكبر منهم كان مضطراً لذلك.. فكنت اسمع منه حكايات وتشخيصات، وأسراراً عن بعض رجالات الزمن البعثي القديم- الجديد. كان يحور أسماء الصحف والمجلات. مثلاً، صحيفة “النور” يقول “الديجور” و” الثورة” يؤكد أنها “المزَوِرة” أما “التآخي” فهي عنده، “التراخي”. وصدرت “الفكر الجديد” فقال لي مازحاً، بعد علمه عن نشري مادة ثقافية فيها، إنها ” فقركم الجديد” لفظها بالعامية. انتقلت المكتبة إلى بيت يقع الآن مقابل جسر البصرة القديمة المعلق، ومنه إلى مكان آخر، ونحن ننتقل معها أينما تنتقل..لا نفعل شيئا ،أحيانا، سوى أن نشم رائحة كتبها ومجلاتها، بسبب عسر ذات اليد. دخلت مساء يوم شتوي بارد جداً إلى المكتبة..فوجدته، وبعد الترحيب والملاطفة، هالني ما رأيت على الأرض!؟ كانت مؤلفات “دستوفسكي” كاملة بترجمة “سامي الدروبي”، ومن إصدار “الهيئة القومية المصرية للنشر والتأليف”. سألته بكم..؟. فقال:”15 ” ديناراً و”نصفاً” ، كان الدينار العراقي، عندها أكثر من ثلاثة دولارات، أطرقت إلى الأرض، ثم تحسرت.. كنت عاطلاً، فكيف بمستطاعي أن أسدد ثمنها إذا اشتريتها؟. عند مغادرتي المكتبة، أثق انه، لمح في عينيّ دمعتين. صاح ورائي: خذها ولا تهتم بثمنها!!. لم اجب عن نداءه.. وها أنا، بعد كل تلك الأيام والسنوات، أحس بالندم والألم والخسران الآن. لم ينادني تلك اللحظة بصفته بائع الكتب.. صوته كان صوت أبي، لا لقرابة أو نسب، بل لأنّه صاحب “المكتبة الأهلية”، التي أسسها في البصرة عام 1928 ،ذاته، الحاج “فيصل حمود”.. مانـحُ الكُـتـبِ.

– جزء في كتاب،معد للطبع ، بعنوان: (تلك المدينة…).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *