د. حميد نعمة عبد : اختلال

اختلال…….

كنبة المقهى المتهالكةالتي  تطل مباشرة ،بل و تتوسط الرصيف ،تعني لي الكثير ،فحين استرخي عليها فساكون  وسط المارة تماما .بمعنى وسط نهر  من اصوات باعة ومزامير سيارات، وحركات تنبيء  عن  ضجر  وضيق وفرح واستعطاف  وتوسل.  ثمة اطيار فوق البناية  المنتصبة امامي والتي أحدث الزمن فيها حفرا  تصلح اوكارا لتلك الطيور  فبدت منتشية وهي تصدر هديلها وتصفق وترفع اجنحتها ،  كنت سعيدا بدخان سيكارني الذي يتلوى امامي،  فقد اعتبرته مشاركا لموجة فرح خفي يلف المكان  ،يحوم بحركة  تتسق  مع حرارة ورطوبة الهواء  .اما مكاني الذي اتمسك به فهو  يلتصق بمطعم صغير لبيع البيتزا. وليس بيني وبينه الا فتحة صغيرة تكتظ بسيقان وأحذية زبائنه…..ومنذ ساعة او اكثر وانا ارقب الرجل الذي تربع في مكاني ،واتحين  اية فرصة كي يتزحزح، لاقفز واستقر في مكاني الأثير  .وفعلا فقد نهض الرجل ولم يكد يتحرك خطوة واحدة  حتى وجدتني  اتربع في مكاني وامد ساقي وذراعي ، وبهذا فقد قطعت عليه  أي أمل في العودة ..أشعلت سيكارتي وتحركت  بفرح   وأطمئنان وظفر.فقد اصبحت على بعد متر واحد عن سيقان وأحذية زبائن المطعم الملاصق .

ومن بعيد اتت مع امها،  فتاة في العشرين .تتمايل في مشيتها كبجعة ،حتى توقفت امامي ،وبالتحديد في النقطة التى أحلم بها.حتى اني أكاد أشم عطرها بالرغم من رائحة البيتزا النفاثة. ورحت ارقب حذائها الصغير وكاحلها المستديرة هو يتلون كلما تحركت إذ يحمر ثم يتخذ  اللون الوردي ثم الابيض ..اشعلت سيكارة ثانية من عقب الأولى وبدات برضعها.. في حين اختفت اصوات السيارات وزعيق والمارة . بل ربما   نسيت اني في الشارع .فلم أعد  ارى تلك الطيور  ولا الماء الاسن الذي تشرب منه ولا حتى البناية المنتصبة امامي منذ الأزل ، لم اعد ارى إلا الفتاة  التي  استدار حذائها  فصار وجهها _على مايبدو_مواجها  لي ،وبذا فقد بدات  ارقب فستانها الذي يتحرك على فخذيها . وفي الحقيقة فان استدارة تلك الافخاذ  قد عبثت براسي وايقظت  فيه أفكار شبقة، هزت لي كياني إلى الحد الذي  خفت  فبه ان ينتبه من كان يجلس لصقي الى ما حل بي ،وتسمرت عيناي على تلك النقطة المثيرة من جسدها، وقبل ان ينقطع خيط دخان  سيكارتي ،أشعلت اخرى وأخذت جرعة من قدح الشاي الذي بدا لا طعم له .. ادهشنى كاحل الفتاة الصغير اذ كان يرسم  اية حركة لجسدها ، و في لحظة ما  ادركت انها تحركت  .وانها سأمت  النظر إلى حذائي المعقوف .وبذلك فقد اصبحت عجيزتها مواجهة لي تماما. ممازاد من ارتباكي .وبدأ النبض يطرق رأسي  .كما أشعر تني تلك الحركة المفعمة بالانوثة ، برغبة جامحة في أن افعل شيئا ، فقد بدات عظلات وجهي بالتقلص بشكل عشوائي مما اضطرني  إلى  ان اهتف لصاحب المقهى طالبا قدح شاي وكاس ماء.بالرغم من انني لم انته من قدحي الاول  ..الا انني اثرت ان اطلب الشاي ثانية كرشوة مبطنة كي يغض الرجل الطرف عن ارتباكي الواضح، ولابعد عني كل نظرة عابثة . 

فتحت الزر الأعلى من قميصي ومددت ساقي إلى أقصاها  كما حركت كفي أمام وجهي حركة لا معنى لها .وتمتمت بكلمات ساخرة لا اعرف كيف خرجت  .غير ان الفتاة تحركت حركة أخرى  احسست انها صعقتني، فقد أصبحت امها بمواجهتي وتوارت هي  خلفها .حتى لم أعد ارى منها شيئا مما زاد في اضطرابي وتوتري. ولم أعد احكم السيطرةعلى قدمي التي راحت تضرب الارض ضربات  عشوائية متشنجة وكأني استحث الفتاة للعودة إلى مكانها  .ولكنها للاسف لم تستجب إلى ضربات اقدامي ولا لوجيب قلبي المتصاعد .التفت إلى المقهى الذي يقع خلفي لأرى وقع ارتباكي  على وجوه الزبائن .ثم عدت إلى الفتحة الكائنة بيني وبين المطعم  فلم أجد الفتاة ولا امها .تلفت حولي كالمخبول ، ارسلت نظري إلى الجانب الآخر من الشارع .فكانت الفتاة تقف  بمواجهتي وهي تبتسم ابتسامة ماكرة.. …..

 
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عبد الرضا حمد جاسم : عام جديد..

عامٌ جديد وعمرٌ يُشطب…وأيام تتكسر كالحطب…تُنَّضد امام موقد الحياة…حيث سيلتهمها اللهب…كما التهم قبلها ايام من …

| محمد الدرقاوي : من تكون  سناء ؟.

اللحظة  فقط يفتح عينيه  ، المرئيات من حوله غير ما ألفها قبل  ان تطويه غيبوبة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *