الرئيسية » ملفات » موجز المواقف الفكرية للمفكر الراحل طيب تيزيني (2/2) (ملف/5)

موجز المواقف الفكرية للمفكر الراحل طيب تيزيني (2/2) (ملف/5)

الموقف النقدي من الواقع
كان من نتيجة هذا التحول الفكري أن تحول تيزيني من استكمال المشروع الذي كان يهدف أن يصل بتحليله “الثوري” المادي إلى العصر الحالي من خلال اثني عشر جزءا، إلى مواجهة مشكلات الواقع. وفي هذه المرحلة تبرز قضايا أساسية ثلاث، أولا مواجهة فكر العولمة الذي يهدد بتفكيك الهوية العربية وبالتالي إجهاض أي احتمالات للنهضة. ثانيا، مواجهة الفكر العربي الذي يتسم بنظرة سلبية بنيوية تجاه “العقل العربي” بما يهدد أيضا بإجهاض مشروع النهضة نتيجة لإفراغها من خصوصيتها الذاتية. ثم مواجهة المشكلات الواقعية المجتمعية التي تهدد من زاوية ثالثة مشروع النهضة. ويعبر تيزيني عن هذه النظرة الثلاثية للمشكلات التي تهدد مشروع النهضة كما يلي، في هذا السياق، ضروري أن نقول بأن التواطؤ الإمبريالي العربي – الإقطاعي وما قبله وما بعده – بما رافقه من قسر وعنف وشراسة، ظل، في أساس الأمر، محكوما بقانون العلاقة الجدلية بين الداخل والخارج. فلقد استطاعت الإمبريالية أن تفعل فعلها في الوضعية العربية انطلاقا من عدم التكافؤ التاريخي في البني الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، أي بسبب من التوقيت الذي حدث بين بدايات الرأسمالية البرجوازية العربية من طرف وبين نهايات الرأسمالية الإمبريالية من طرف آخر. ٍومن ثم، فقد جرى تزوير تلك العلاقة من موقع أوروبا تلك ولصالحها. وإذا وضعنا في الاعتبار البنية الإصلاحية والهجينة والقاصرة للفكر العربي النهضوي، تلك البنية التي تولدت في وضعية الإخفاق المحكوم بالتواطؤ المأتي عليه سابقا، استبان أمامنا أمر على غاية الأهمية المنهجية؛ ذلك هو انطلاء عملية التزوير تلك للعلاقة بين أوروبا والعرب، أو كما يقال، بين الغرب والشرق، على العرب النهضويين. والمهم في ذلك هو بالدرجة الأولى ليست تأثيراته على – الغرب – بقدر ما تمثل في إحداث بعثرة كبرى وعميقة في البنية الفكرية النهضوية إزاء نفسه هو نفسه. إن ذلك كله خلق للفكر العربي مشكلات زائفة أخذ يبحث فيها ومن مواقعها عن حلول لقضاياه المستجدة. وفي الحق بإمكاننا التعبير عن هذا الموقف بأنه إشكالية. لكن هذه الأخيرة لم تجد أدوات البحث القادرة على تشخيصها وضبطها. وهذا أمر مفهوم بذاته. ومن هنا، فقد ظهرت المواقف منها بمثابتها أفعالا وردود أيديولوجية، أي بمثابتها مواقف وهمية إيهامية. (على طريق الوضوح المنهجي – أطروحات في قضية تحديث الفكر العربي، ص 20-21) في إطار معالجته للمشكلات التي تواجه مشروع النهضة ينقد تيزيني الحداثة الغربية والمجتمعات الرأسمالية الإمبريالية، وذلك في إطار نقده لتأثير تدخل هذه المجتمعات في مجتمعات العالم الثالث، عموما، والمجتمعات العربية خصوصا، بيد أن النظر إلى المسألة من الموقع الآخر، موقع التقدم التاريخي، يدعونا إلى أن نأخذ بعين الاعتبار أمرا ذا أهمية خاصة في هذا الإطار، ذلك هو أن التقدم العاصف في المجتمعات الرأسمالية الإمبريالية هو، من حيث الأساس، تقدم في الجانب الصناعي والتقني والعلمي الطبيعي. أما الجانب الاجتماعي فيعاني من أزمة عميقة وشاملة، بحيث أنه أخذ يؤثر تأثيرا مباشرا على ذلك الجانب الأول، ويخلق في وجهه كوابح جدية. والملاحظ أن الصراع الطبقي الذي تمارسه الجماهير العاملة هناك يصطدم بصعوبات كبيرة تبرز في طليعتها اثنتان. الأولى تكمن في اتساع جهاز القمع هناك كما ونوعا. فالتطور العلمي التقني يقدم إمكانات متزايدة تتيح للسلطة مواجهة المواقف – غير المتوقعة – التي تنجزها تلك الجماهير في كفاحها السياسي والاقتصادي والثقافي. فالأجهزة الالكترونية المتطورة أصبحت قادرة على تجهيز مؤسسات المخابرات العليا بالمعلومات الخاصة بكل عائلة في بعض البلدان الرأسمالية الإمبريالية. أما الصعوبة الأخرى فتكمن في التعقيد الواسع، الذي طرأ على الحياة العامة، وجعل من الصعوبة بمكان الكشف عن مواطن الخراب الاقتصادي والاجتماعي الذي يلحق بمجموع العاملين هناك. بتعبير آخر، أضحت عملية الكشف عن آلية الاستغلال والاضطهاد في المجتمعات الإمبريالية الرأسمالية معقدة و”غير مباشرة”. فالنظريون الذين يدافعون عن هذه الأخيرة، من حيث هي “مجتمعات المدراء والموظفين والمهندسين”، أو من حيث هي “المجتمعات العظيمة”، يعلنون أن الاستغلال والاضطهاد لم يعد لهما وجود هنا. فلقد أصبح الجميع – تقريبا – يعيشون في مجتمع الرفاه والدخول العالية. وهذا ما يطلقون عليه اسم “المجتمع الاستهلاكي المتطور”. (على طريق الوضوح المنهجي – الفكر العربي من موقع النقد، التدخل الإمبريالي ومظاهر الفكر الأوروبي، ص 175-176).

موقفه من القراءة الجابرية للفكر العربي
يخصص الدكتور تيزيني مؤلفا كاملا لنقد التصورات البنيوية للعقل العربي، عموما، ولتصورات الدكتور محمد عابد الجابري خصوصا، هو(من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي – بحث في القراءة الجابرية للفكر العربي وفي آفاقها التاريخية). وذلك لأنه يعتبر أن هذه التصورات، نظرا لشيوعها وانتشارها، تمثل أحد العوائق الأساسية لفكر النهضة العربية. وهو ينقض أساسها الفكري والمتمثل في التصورات البنيوية غير التاريخية للعقلية العربية المبنية على تصورات صورية منطقية منقطعة عن الواقع. كما ينقض تحليلاتها المتعددة.

وبالنظر لأهمية هذا الحوار للفكر العربي نستعرض هنا أهم التصورات النقدية التي طرحها تيزيني في معارضة الفكر الجابري. ويستهل تيزيني مؤلفه باستعراض ما يطرحه الجابري والآراء المختلفة التي طرحت حوله، وإذا أخذنا برأي الجابري نفسه، فإن كتاباته تتجلى في أهمية خاصة نظرا إلى أنها تفتح “عصر تدوين جديد” في الثقافة العربية عموما وخصوصا. وهو يرى أن ذلك يفصح عن نفسه في الخلاصة المركزة التالية، التي يختم بها كتابه “تكوين العقل العربي”: “أدى بنا رصد الأسس الإبستيمولوجية لإنتاج المعرفة داخل الثقافة العربية إلى تصنيف لا يؤخذ فيه بعين الاعتبار سوى البنية الداخلية للمعرفة، أي آلياتها ووسائلها ومفاهيمها الأساسية، تصنيف يطرق أفاقا جديدة تماما هي من الخصوبة والعمق – فيما يبدو لي – بمثل الآفاق التي فتحها أمام علم البيولوجيا التصنيف الحديث للحيوانات إلى فقريات ولا فقريات…هكذا أمكن تصنيف العلوم وجميع أنواع المعارف في الثقافة العربية الإسلامية إلى ثلاث مجموعات: علوم البيان… وعلوم العرفان…وعلوم البرهان”.

إن هذا “الفتح الجديد” الذي دشنه الجابري باحتفاء يقارب، كما ورد في حوار معه، الاحتفاء بالفتح الذي دشنه علم البيولوجيا الحديث، استقبل بترحاب حار من قبل أوساط ثقافية عربية معينة. فقد أعلن أحد الكتاب المحتفين بالجابري أن الدارس للتراث العربي الإسلامي صار لديه، عبر ما حققه هذا الباحث على الصعيد المعني، خريطة تضبط له منطلقه ورؤيته. كما رأي كاتب آخر أن الجابري قدم من الإنتاج الفكري ما يجعله جديرا بلقب “صاحب مقالة”.

بيد أن أوساطا ثقافية عربية أخرى رأت في ذلك “الفتح” وتلك الإنجازات”، التي ترتبت عليه، تراجعا إلى وراء ووجها مكرورا من أوجه إشكالية قديمة مأزومة على صعيد البحث في الفكر العربي المعاصر، أو دعوة إلى صياغة “أنساق مغلقة” قد تفصح عن لاتاريخية فاضحة، في حين أعلن البعض أن الجابري لم يقدم أكثر من تصنيف أكاديمي لما قاله سابقوه، مع إفادته من المناهج الغربية، أو أنه – بلسان بعض آخر – مارس “تعاطيا تشطيريا مع التراث”، الخ…، دون أن نهمل ما أعلنه آخرون – ولكن كذلك دون أن نمنحه أهمية مبدئية – من أن الجابري (في بحثه حول إشكالية الأصالة والمعاصرة) “اكتفى بالحديث الإنشائي المعتاد ونعتقد أن هذا قد آن له أن ينتهي في تحليلنا لمشاكلنا”. أخيرا يأخذ طه عبد الرحمن المآخذ التالية على الجابري: “تقويل الكتاب ما لم يقولوا، وسوء التصرف في النصوص، وفساد التعريف، وفساد التصور، والسقوط في التناقض، وعدم تحصيل الملكة في العلوم الصورية والمنهجية، والعجز عن نقد وتمحيص الآليات الاستهلاكية”.

والآن إذا أخذنا ذلك بالاعتبار في سياق المشكلات والتحديات في الحقل العربي الراهن، وخارجه، فإن دواعي وموجبات البحث في كتابات الجابري تغدو أكثر وضوحا وبروزا. فهذه الأخيرة ليست محايدة ولا “فاترة” ولا “إرجائية” حيال ذلك كله. بل إن صاحبها يعلن أنها أتت إجابة على معظم مشكلات الثقافة العربية. وهو يلحف، في ذلك، كثيرا في سياق تفتيت “الخطاب العربي” وتفكيك “العقل العربي” وتقديم “عصر تدوين جديد” للثقافة العربية. ولعله من طرائف الموقف الجابري و”خصوصيته” أن نضيف، حيث يدور حديثنا على مسوغات البحث في كتاباته، مسوغا آخر قد يلقي ضوءا على سيكولوجيته الشخصية وعلى بعض أوجه تلك الخصوصية للموقف المذكور. أما المسوغ المعني، فيتمثل – برأي الجابري نفسه – في أن الباحث “المغربي” هو، بالقياس إلى “الكاتب المشرقي المرتزق” ذو شخصية مرهفة دقيقة، ومستقلة، وتتمتع بشرائط العمل الفكري النقدي (العلمي)؛ هكذا بتعبير الكاتب نفسه: “في مرحلة الكتابة لا بد من (الاستقلال). لا بد من الثقة بالنفس. وهذه خصلة ربما تميزنا بها نحن المغاربة عن إخواننا المشارقة. فمعظم الكتب التي تؤلف في المشرق هي دروس للطلبة يطبعها الأستاذ ليكمل ماهيته – حسب تعبيرهم – أي أجرته. أما نحن في المغرب فلم نعتد على هذا…ولا يجرؤ الواحد منا…على تأليف كتاب وطبعه ونشره إلا إذا كان حقا يعتقد أنه سيأتي بشيء يستحق أن يكون كتابا.”

المهم في ذلك أن “مغربية” الجابري، كما يطرحها صاحبها، تعلن عن نفسها بمثابة “سر” أو”بنية خفية ومعلنة” كمنت وراء إنجازه “نحن والتراث” و”الخطاب العربي المعاصر”…الخ، ومن ثم بمثابة مسوغ يدعو الباحثين للاهتمام بها، خصوصا إذا ما علمنا من صاحب العلاقة أنه من “المغاربة المتواضعين، الذين لا يبدأون في التأليف إلا عندما يأنسون من أنفسهم أنهم سيقولون شيئا”. (من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي ص 21- 24)

ينتقل تيزيني بعد ذلك إلى نقد المنهج الجابري الصوري، ويستخلص أن المنهج الجابري ليس منهجا معرفيا إنما هو منهج إيديولوجي أساسا ولكنه مطروح في صورة معرفية، كما يلي، الفكر النظري، على خصوصيته المرهفة في سلم التجريد، يظل – من حيث الأساس – إحدى صيغ “الوعي الاجتماعي” ومستوى من مستوياته المتعددة…إذ لما كان الفكر النظري – في أساسه – نتاجا بشريا في وضعية أو وضعيات اجتماعية مشخصة ما، فإن وجوده سيبقى مرتهنا بـ”حامل اجتماعي” بشري ما،… يظل بمقتضاها حاضرا في بنية ذلك الفكر ومحددا بذلك هويته الاجتماعية العامة…ومن هنا كان من قبيل الالتباس والتلبيس أن يفصل بين كلتا الهويتين المذكورتين فصلا مطلقا…وعلى هذا، إذا ما اعتقد أن الاجتماعي غائب عن الفكري النظري أو مستل منه، فاعلم أنه مغيب بواسطة أيديولوجيا فاسدة أو قاصرة أو متخلفة…من هذا المطلب الأنطولوجي والمعرفي لجدلية الاجتماعي والفكري النظري، ننطلق في مناقشتنا لكتابات محمد عابد الجابري، أي مما يريد هذا الأخير أن يعتبره نقضا لهذه الجدلية. فهو صريح واضح في مطلبه ذي الوجه الفلسفي المثالي، حين ينطلق من “نظرية بنات الأفكار” لتفسير بروز الأفكار، أي حين يرى في القضايا النظرية المجردة، والأيديولوجيا الدينية، والمضمون الأيديولوجي للتراث عامة” مستويات فكرية يميل استقلالها عن الواقع الاجتماعي الطبقي نحو المائة بالمائة”. وبتعبير الكاتب نفسه، نقرأ ما يلي: “فالقضايا النظرية المجردة، كالقضايا المنطقية والفلسفية والرياضية تفصلها عن (الواقع) مسافات على سلم التجريد يصعب معها، إن لم يكن يستحيل ربطها بأي واقع اجتماعي أو فيزيائي معين. كما أن الأيديولوجيا الدينية، وبصورة عامة المضمون الأيديولوجي للتراث، يبقى هو هو على مدى مسافات زمنية طويلة وحقب تاريخية مختلفة فيعتنقه الناس بعد أن يكون الأساس الطبقي الاجتماعي الذي أنتجه أو ساهم في إنتاجه قد تغير تماما عبر العصور والأحقاب…(فيتحول) إلى عقيدة أو مذهب فكري مستقل بنفسه، بمعنى أنها (أي العقيدة) لا تعبر عن الواقع الاجتماعي الطبقي الذي يؤطر معتنقيها اليوم، ولا تعكس بالتالي أية مصالح طبقية. هنا يكون الاستقلال النسبي للفكر يميل نحو المائة بالمائة”…إن الجابري يقع في “حيص بيص” بفعل ما يكمن في موقفه خفية من طرف، وما رفضه إفصاحا، من طرف آخر: إنها الرؤية الأيديولوجية التي ينطلق منها باتجاه الدعوة إلى “اللاأدلجة”، أما هذه فتقوم على تغييب النسيج الأيديولوجي ذي الحضور الموضوعي، حقا، من حقل معرفي ما وعلى السكوت عنه وكذلك على إدانته لصالح هوس كلف بأنساق نظرية فكرية مجردة و”صافية”، لا وجود لها إلا في ذهن الباحث المتوحد…هل من قبيل “العقلانية النقدية” أو القراءة التشخيصية”، اللتين يجعل منهما المؤلف ركيزتين منهجيتين له، أن ينظر إلى الفكر النظري من داخله فحسب، فكريا نظريا، دون نوافذ تجمع بينه وبين من يفكره من البشر، المنخرطين شاءوا أم أبوا – في انتماءات اجتماعية طبقية ما؟ ص 25-38.

على هذا نرى في تصور الجابري، المعني هنا، شططا منهجيا واعتباطا أيديولوجيا، وربما كذلك امتهانا ساديا للفكر العربي. ويلاحظ أن هذه العناصر الثلاثة تتحدد معرفيا، بكون التصور المذكور قائما على امتهان السياقات الثلاثة الكبرى للحدث موضوع البحث، الاجتماعي والجدلي والتاريخي. فهو يرفض مفهوم العلاقة بين الفكر النظري وواقعه الاجتماعي البشري، كما يجهل آلية الفعل الناظم للعلاقة بين فكر ينتمي لواقع من جهة وواقع (أو فكر) آخر سابق عليه أو معاصر من جهة أخرى، وأخيرا يفرط بما يربط بين السابق واللاحق، وبما يفصل بينهما. ص 46

ودون التوقف، الآن، عند “القطاعات الثلاثة” التي يعنيها صاحبها بمثابة تكونات الثقافة العربية (وهي البيان والعرفان والبرهان)، نطرح التساؤل التالي: كيف أتيح للجابري أن “ينظر إلى الثقافة العربية ككل” من طرف، وأن يميز فيها – من طرف آخر – ثلاثة قطاعات “يشكل كل منها حقلا معرفيا متميزا يكفي نفسه بنفسه؟” كيف استطاع الكاتب أن يخترق الجزئيات الثلاث المستقل بعضها عن بعض استقلالا تاما باتجاه ما يجعل منها “كلا واحدا؟” بل، ما هو المسوغ المنطقي لعملية الاختراق من موقع ثلاث بنيات تتقوم، أساسا وبرأي الجابري، بأنها مستقلة ومتفردة على نحو تام، وباتجاه “كل واحد” يراد له أن يكون ناظما وضابطا عبر “عنصر ما” يوحد بينها؟ إن البنيانية التي يجعل منها الكاتب الجابري – هنا – تكئة منهجية له، تقوده إلى تناقض منطقي وأنطولوجي ينطوي على اضطراب وقلق في كيفية استخدام المفاهيم والمقولات والحدود. ص 46-47

إن الخطاب الجابري المقدم هنا، هو خطاب أيديولوجي سياسي وكذلك معرفي. وإذا كان – في بنيته السطحية – يظهر ( ويسهم في ذلك رهط من الكتاب والنقاد) بمثابة خطاب معرفي أو حتى معرفي نقدي، فإنه – في بنيته الخفية وما يقترب من بنيته السطحية – خطاب أيديولوجي ممعرف وخطاب معرفي مؤدلج. ولذا، كان من مهمات البحث النقدي، الذي ننجزه هنا، أن نخضع ذلك الخطاب بوجهيه المتضايفين لمبضع تفكيكي جدلي تاريخي صارم يفك الارتباط – تجريدا – بين البنيتين المذكورتين، ويضع يده على عملية تسلل الأيديولوجي السياسي – بقوة – في نسيج المعرفي؛ بحيث إننا قد نرى في المعرفي الجابري هنا منزعا من منازع التلبس الأيديولوجي. (من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي ص 25 – 49)

بعد نقده المنهجي يقوم تيزيني بنقد المفهوم الجابري للعقل والعقلية العربية. ويرتكز نقده على أساس الانزلاق إلى المفهوم العنصري “للعقل”. والتفرقة الإثنية بين العقلية المشرقية والعقلية المغربية. والاعتماد على المفهوم الاستشراقي للمركزية الأوروبية الذي يفرق بين العقلية الشرقية والعقلية الغربي، وأن الأول هو خيالي غير عقلاني والثاني منطقي عقلاني، وضع الجابري نفسه أمام مهمة وإن لم تكن جديدة، فقد كانت صعبة ومعقدة إلى درجة قصوى. وصعوبتها تكمن في أنها محكومة بمفارقة يكاد يكون حضورها في الفكر العربي المعاصر الراهن كثيفا وواسعا. وتتحدد “المهمة” هذه في دراسة “العقل العربي” وضبطه إبستيمولوجيا. فالرجل يعلن أن هناك “ميدانا واحدا لم تتجه إليه أصابع الاتهام بعد، وبشكل جدي صارم، هو تلك القوة أو الملكة أو الأداة التي بها (يقرآ) العربي و(يرى) و(يحلم) و(يفكر) و(يحاكم)…إنه (العقل العربي) ذاته. أما المفارقة فتقوم على تناول ما هو تاريخي لا تاريخيا، ومن ثم الوقوف أمام حالة من الثنائية الميتافيزيقية طرفاها ينحدران من نسقين أنطولوجيين متمايزين تمايزا ماهويا.

ويمكن القول، على مستوى ما نحن بصدده، إن انطلاق الجابري – في تناول ذلك – من البنيانية تطبيقا ونظرا (رغم الجلبة التي أحدثها باسم المنهج التاريخي)، أفصح عن نفسه في مسألتين تعين عليه أن يواجههما “منزوع السلاح”. المسألة الأولى تبلورت في انزلاق القلم الجابري من “العقل العربي” إلى “العقلية العربية”. أما المسألة الثانية فقد أخذت تتضح في المعجمية الجابرية بصيغة حالة غير متوقعة نشأت على أنقاض “معركة منهجية خاسرة”، تلك المعركة التي استمدت شخصيتها من الإجابة عن السؤال التالي: كيف نقرأ الحدث التاريخي أو التراثي، “من الداخل”، أم “من الخارج” أم من موقع آخر. ص 85

فإذا كنا – في نص سابق – قد شهدنا على أن الكاتب الجابري أخذ على عاتقه ألا يتناول العقل العربي من موقع الإقرار بوجود “عقلية” عربية فطرية وراسخة رسوخ البيولوجيا، فإننا – الآن – نكتشف أن شهادتنا هذه هي “شهادة زور”. فالرجل يحل نفسه من ذلك التعهد النظري، حيث يأخذ عمليا بما ينفيه هناك. فهو يتحدث عن “العقلية اليونانية (التي) لا تستسيغ حدوث شيء خارج الزمان”. هاهنا، يفقد الكاتب “مصداقيته” و”شجاعته” الفكرية في طرح الأشياء بمسمياتها: نعم، الجابري ينطلق في كتاباته من المرجعية الأوروباوية الاستشراقية (المركزوية الأوروبية)، التي تجد أحد أسسها الكبرى في مصطلح “العقلية” وفي الثنائية الجبرية بين “عقلية غربية – أوربية” و”عقلية لاغربية – شرقية”. وهذا من شأنه أن يشكك في أن الجابري ينتج نصا متسقا بالمعنى المنطقي التوثيقي المخترق من معجمية أساسية موحدة. ص 97

أما في النقطة الثانية، فإن محاولات الجابري تقديم كتاباته في “الفكر والعقل العربي” على أنها “تدشين عهد جديد” في تاريخ هذين الأخيرين وفي “عملية النهوض العربي” المطروح على بساط البحث العربي الراهن، توضع في موقعها الحقيقي وفي حدودها: إنها كتابات تندرج – فيما يخصنا منها في هذا المبحث – في التأسيس الإبيستيمولوجي للثنائية الجبرية المنوه بها وفي إظهار أنها فصل المقال في التمييز بي الشرق والغرب (وكذلك بين المشرق والمغرب كما يتضح معنا على مدار مبحثنا هذا)، ومن ثم في الإلحاف على دونية الأول إزاء الثاني. هاهنا، تظهر خطورة الفكر الجابري على الفكر العربي، لأنه يتحدث من داخله وباسمه. وسوف نلاحظ أن الحديث عن “عقلية يونانية لا تستسيغ حدوث شيء خارج الزمان” سيكرس من قبل الجابري بحديث عن “عقلية يونانية تكرس العدل والحرية والديمقراطية”، مقابل الحديث عن “عقلية عربية تستسيغ حدوث شيء خارج الزمان” و”تقوم على السطو والاستبداد”…نعم، إن “الخداع” و”غياب التوثيق” و”المصادرة على المطلوب”، وغيره، تمثل عناصر في عملية تسويغ مفهوم “العقلية” والدفاع عنه وتسويقه عربيا في مرحلة الانهيارات والهزائم والاختراقات العظمى: إنها عودة مؤزرة للأيديولوجيا الجبرية الجيوبولوتيكية، مع الإشارة إلى أن المفهوم المذكور يأتي – في السياق الجابري – بصيغة محددة، هي التي أسس لها عتاة المستشرقين العرقيين، وهي صيغة التقابل بين الشرق والغرب، العقلانية واللاعقلانية. أما الخصوصية الجابرية فتكمن، هنا، في جعل “الشرق” شرقين، مشرقا عربيا ينتمي إلى “الشرق القح” ومغربا عربيا ينتمي إلى حضارة “العقلانية النقدية”، إلى “الغرب”. ص 98-100

ولكن “جديد” السيد الجابري يتمثل في أنه يعلن – بملء فيه وبحماسة يعوزها التواضع العلمي غير المفتعل – “تدشين عهد جديد” في الثقافة العربية، وفي الخطاب العربي المعاصر، والرؤية التاريخية للفلسفة العربية الإسلامية وللتراث. بيد أن نقطة الضعف الفائقة الطرافة فيما يكتبه السيد الجابري تكمن في أنه أوجد سابقة رديئة يمكن أن تطاله هو نفسه راهنا ولاحقا، وهي أنه اعتقد أنه قادر على الانطلاق من الصفر في الفكر العربي الحديث والمعاصر، زاعما أنه سيضع حدا لثقافة تقوم على الاجترار، ولعقل يكرر ذاته منذ مائة عام أو أكثر، وللغة – هي التي يكتب بها – حسية ولا تاريخية وليس بوسعها أن تكون لغة ثقافة وفكر، مدمرا – بذلك – تاريخية الثقافة المذكورة وتاريخية عملية اجترارها نفسها ( إن أخذنا بهذه القولة النغلة)، وتاريخية العقل المذكور وعملية تكراره (إن لم نعلق هذا الزعم منطقيا وتاريخيا)، وتاريخية حسية ولا تاريخية اللغة العربية التي يكتب بها ويعلن أنه “دشن عهدا جديدا” يبشر بها عبرها وبمقتضى منطقها الداخلي (إذا منحنا هذا الهوس اللاتاريخي شيئا من المصداقية). ص 129

ٍومن هنا، “إذا كان مفهوم العقل في الثقافة اليونانية والثقافة الأوروبية الحديثة والمعاصرة يرتبط بـ(إدراك الأسباب) أي المعرفة…، فإن معنى (العقل) في اللغة العربية، وبالتالي في الفكر العربي يرتبط أساسا بالسلوك والأخلاق…ولكن فرق كبير بين الاتجاه من المعرفة إلى الأخلاق والاتجاه من الأخلاق إلى المعرفة. في الحالة الأولى، وهي حالة الفكر اليوناني – الأوروبي تتأسس الأخلاق على المعرفة، أما في الحالة الثانية حالة الفكر العربي، فتتأسس المعرفة على الأخلاق…إن (العقل العربي) تحكمه النظرة المعيارية إلى الأشياء…وهذا في مقابل النظرة الموضوعية…أما النظرة الموضوعية فهي نظرة تحليلية تركيبية…لقد انطلقنا في تلمس خصوصية (العقل العربي) من…لغة عرب الجاهلية…:نحن إذن لم نخرج عن (العصر الجاهلي)” [تكوين العقل العربي ص 38-39].

خطاب الجابري في نصوصه الأخيرة هو خطاب الهيمنة المركزوية الأوروبية في صيغته الخفية والمعلنة. إنه خطاب يعكس، بامتياز، تغلغل ثنائية الشرق – الغرب “داخل الوجدان الأوروبي”، كما يكتب صاحب العلاقة نفسه. وكذلك داخل الوجدان العربي المستغرب، أي الذي تكون ضمن دائرة التهيمن الفكري الغربي في الفكر العربي المعاصر. (من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي ص 85 – 210)

القضية الثانية التي واجهها الدكتور تيزيني هي كيفية قراءة الفكر الديني عموما، والقرآن خصوصا. في حوار بعنوان “الإسلام والعصر – تحديات وآفاق” بالاشتراك مع الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، يطرح تيزيني موقفه من هذه القضية. فيطرح أولا، تصوره وتحليلاته للتعددية في قراءة القرآن وفهمه كما يلي، في هذين النصين – وغيرهما مما يدخل في حقلهما كثير – نواجه إصرار على الاعتقاد بأن التاريخ لا يحتمل ولادة مراحل نوعية من التطور والتقدم والتغير أو تشكيكا في نوعية هذه المراحل. وبالتالي، فإن ما يأتي بعد مرحلة إنسانية معينة يعتبرها هذا الكاتب الإسلامي أو ذاك نقطة انطلاقه التاريخية، أو المنهجية، لا يحمل في طياته ما يعتبر جديدا حقا بالنسبة لمرحلة سابقة منصرمة، بما تنطوي عليه من مشكلات وإشكاليات ومعضلات اجتماعية واقتصادية وسياسية ومعرفية وأخلاقية وعلمية (طبيعية واجتماعية وإنسانية). وحيث يكون الأمر بهذه الصيغة من نفي الجدة التاريخية والمنطقية، فإن حالة من الاغتراب الواقعي والذهني لا بد أن تحيط بنا حيال أنفسنا وما يحيط بنا من تدفق في الزمان التاريخي… ولقد سبق النبي الكريم عليه الصلاة والسلام هؤلاء، من الصوفية ومن يدخل في نطاقهم، حين أعلن في سياق وضع يده على واحدة من أهم خصائص النص القرآني الكريم: “القرآن ذو وجوه متعددة، فخذوا بوجهه الحسن (أو الأحسن)”!!

ولعلنا نلاحظ أن تحديد (الوجه الحسن) للقرآن الكريم ليس مهمة نصية ذاتية يتفق عليها الفقهاء أو يختلفون، دونما أخذ الجديد الفتي الوعي والعتيق الهرم من التطور التاريخي البشري بعين الاعتبار. ومن ثم، فإن الواقع المشخص يمثل – في حركيته المتدفقة أو في جموده المتثاقل – طرفا في تحديد كيفية تناول النص الكريم، خصوصا حين نضع يدنا على التطور الكمي والنوعي الهائل لمناهج البحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية وما يقترن بها من أنساق علمية فرعية.

ومن شأن ذلك ألا يسمح بالقول: إنه “حين يكون الواقع مناقضا للإسلام فإنه لا يجوز تأويل الإسلام حتى يتفق مع الواقع لأن ذلك تحريف للإسلام”، أولا؛ بأن “القطعي والظني في الإسلام كفيلان بتحقيق التغطية الشاملة لكل المستجدات، وسعة دلالات ألفاظ النص قادرة على استيعاب كل شيء”، ثانيا، ولعل السيوطي قد وضع يده – مع غيره – على واحد من أهم المسوغات للنظر في المسألة على نحو آخر، وهو الأخذ بأسباب النزول، نزول الآيات القرآنية. فقد كتب ما يلي: ” لمعرفة أسباب النزول فوائد، وأخطأ من قال لا فائدة لجريانه مجرى التاريخ. ومن فوائده الوقوف على المعنى أو إزالة الإشكال”… ومن بالغ الأهمية أن نلاحظ (وهنا يفصح عن نفسه الإسهام الذي نعمل على تقديمه في هذا البحث) أن القرآن أتى، في حينه، ليخاطب بشرا في سياق تاريخي ومجتمعي معين مشخص، ومن ثم ليجيب عما كان لديهم من أسئلة ومشكلات ومعضلات؛ وذلك جنبا إلى جنب مع التبشير بمبادئ اعتقادية ذات طابع عمومي شمولي ومجرد.

وإذا وضعنا في اعتبارنا أن في القرآن الكريم حوالي ستة آلاف آية “ليس منها مما يتعلق بالأحكام إلا نحو مائتين (وأن) بعض ما عده الفقهاء، آيات أحكام لا يظهر أنها كذلك”، اتضح لنا أن هذا الكتاب (أي القرآن) هو – في أساس الأمر – “كتاب هدى ورحمة وبشرى وموعظة واطمئنان للمسلمين”…إنه كتاب مودة وأخلاق، يقول كل شيء ولا يقول شيئا، ولكنه يترك للبشر أن يضبطوا مفهومي المودة والأخلاق ويجعلوا منهما حالة تعج بالحياة البشرية المشخصة؛ وإنه كتاب معاملات وأحكام وعقائد، ولكنه لا يملي على البشر كيف يفهمون – بالمعنى الدلالي – ذلك ويدرجونه في منظوماتهم الأيديولوجية والقيمية إدراجا وظيفيا، وبحدود العلاقات الاجتماعية السائدة، وتحت مفعول الإرث السوسيوثقافي والاعتقادي والجمالي والنفسي، إضافة إلى الشرط الإثني (الأقوامي) والحضاري الفاعل في حينه؛ وإنه كتاب عدالة ومساواة، ولكنه يترك للناس أن يحددوا ذلك ويضبطوه وفق شروطهم الاجتماعية التاريخية والمعرفية؛ وهو كتاب يحث على التقدم الاجتماعي والعلمي، ولكنه يقر – في ضوء قراءة محددة له – بآليات وقانونيات هذه العملية الخاصة ويدع العلماء والمختصين أسيادا في مجالهم هنا..ألخ.

إن الحديث، هنا، يدور على أمرين اثنين كلاهما يفضي إلى الآخر. أما الأول منهما فيتمثل في الإقرار بوجود مراحل تاريخية مختلفة الواحدة منها عن الأخريات اختلافا يقوم على (الجدة النوعية)؛ في حين يفصح الأمر الثاني عن نفسه بصيغة التأكيد على أن المشكلات المتحدرة من تلك المراحل هي، كذلك، تقوم على الاختلاف النوعي. ومع هذا، يظل الحديث واردا وضروريا على الاتصال – إلى جانب الانفصال – في حقل المراحل والمشكلات المذكورة. وهذا بدوره، يدعو إلى صوغه بـ(جدلية الاتصال والانفصال)، أو (جدلية الاتصال منفصلا والانفصال متصلا).

وإذا كان الأمر كذلك، فما أحرانا أن نستعيد القاعدة الفقهية الجدلية التاريخية الدقيقة في ضبطها لما نحن بصدده؛ تلك هي: تتغير الأحكام بتغير الأزمان… ولما كان الأمر متصلا بالإسلام وبنصيه الكريمين (القرآن والسنة)، فإن الخروج بهما من المأزق التاريخي الراهن لعله يقتضي الأخذ بالعناصر الناظمة التالية مدخلا أوليا للتصدي لهذه الأمور المركبة والمعقدة: الحرية في البحث العلمي وفيما يتطلبه من حوار علمي مفتوح وملتزم؛ والعقلانية، وما تشترطه من رؤية متبصرة نقدية؛ والتاريخية، في ضبطها للحدث ضمن كيفية تجليه بشريا على نحو مفتوح أفقيا وعمقيا؛ والجدلية، في اشتراطها النظر إلى الأشياء والظواهر والأحداث في الكون الطبيعي والوجود الاجتماعي البشري ضمن سياقاتها وعلائقها ونموها واضمحلالها، ومن موقع فواعلها الرئيسة الحاسمة والثانوية، على نحو يكشف عملية التحول والتغير فيها. (الإسلام والعصر تحديات وآفاق ص 101- 109) ثم يطرح المصدر الأساسي لهذه التعددية وهو وجود بنية معينة للنص القرآني، كما يلي، ليس في ذلك كله غضاضة، فهو متحدر من واقع الحال المشخص القائم على تعددية واسعة في مختلف الحقول. فالنص الديني، الذي يجري الحديث باسمه وتتصارع الأطراف وتشهر السيوف تحت دريئته، هو نص (حمال أوجه…يتكلم بلغة الرجال)، كما يؤثر عن الإمام على ابن أبي طالب. إن هذه الأوجه، التي تحدث الرسول الكريم عن نظائره لها في القرآن الكريم…هي من خصائص بنيته الداخلية، مما يسمح بالتحدث عن مصدر آخر حاسم لـ(التعددية القرائية القرآنية) هو هذه البنية ذاتها.

أما أهم خصائص البنية المذكورة فلعلها تقع في التالية: أولا_ إجمالية هذه البنية وعموميتها. ثانيا-كونها ذات طابع إشكالي عبر إشكالية المحكم والمتشابه. ثالثا – هي بنية تأويلية احتمالية متنا من جهة، ومفهوما (أي هي نفسها تحفز على مطالبة أن تقرأ هكذا) من جهة أخرى. رابعا- هي بنية تثير في قارئها هاجس التوغل في (باطنها) الكامن وراء (ظاهرها)، أو في (خافيته). خامسا – إنها بنية (نزلت نجما نجما)، أي أتت ضمن سياق تاريخي وبلغت كذلك. سادسا- إنها بنية أتت بحسب (أسباب نزولها)، أي بمقتضى الحاجة إلى إيضاح طريق (الهدي والرحمة والموعظة والبشرى والاطمئنان) أمام البشر. إن ذلك كله، مفردا ومجتمعا، يفضي إلى الإقرار بإمكانية بروز تعددية قرائية للنص الديني، من موقعه ذاته. ويبقى القول ضروريا بأن مصدري هذه التعددية الاثنين المأتي عليهما توا (الواقع المجتمعي المشخص والنص الديني) يفصحان عن نفسيهما – عمليا – عبر من يتلقى هذا النص قراءة أو إنصاتا أو استذكارا. إن فعل القراءة والإنصات والاستذكار هذا هو نفسه يمر عبر قناتين اثنتين تلخصان شخصية المتلقي إياه، على هذا الصعيد. القناة الأولى تتحدد بـ(المعرفي)، الذي يتحدد بدوره وينضبط بالمستوى المعرفي الذي حصله المتلقي. أما القناة الثانية فتعبر عن نفسها بـ(الأيديولوجي)، الذي قد نكثف القول فيه بأنه كل ما يتصل بالمصالح المادية والاتجاهات السياسية والرغبات المتحدرة من هذه وتلك، كما من الصراعات الاجتماعية والفئوية والطبقية والوطنية والقومية وغيرها. وبصيغة أخرى نقول: إن هاتين القناتين هما اللتان تمليان – استضمارا أو علنا أو كليهما – كيفية ظهور التعددية في واقع المتلقي المجتمعي المشخص أولا، وكيفية تناول التعددية في النص الديني (ونصوص أخرى) من هذا المتلقي ثانيا. (الإسلام والعصر تحديات وآفاق ص 114- 116)

وعلى هذا الأساس يرى تيزيني ضرورة أن يكون لكل قراءة قرآنية خلفية أيديولوجية تمتلك مشروعيتها الخاصة، وكما هو بين من ذلك، فإن كل (القراءات) تمتلك – بصيغة أو بأخرى – (مشروعية اجتماعية). ذلك لأنها لم تنشأ في (فراغ اجتماعي)، وإنما أنتجها وأعاد إنتاجها أو أنتج غيرها بشر ذوو مواصفات محددة تنتمي لعصر أو مجتمع معين. وهذا ما يطمح إلى تقصيه وضبطه، عادة، مؤرخون وباحثون في تاريخ الإسلام، بمختلف أوجهه وحقوله. ويظهر ذلك، على صعيد نظرية (السند والإسناد)، تحت عناوين متعددة، منها (تاريخ الرجال) و(الجرح والتعديل)..الخ؛ كما يظهر في إطار علم التاريخ العام بصيغة “النقد الخارجي والداخلي” للحدث التاريخي أو للوثيقة التاريخية، دينية كانت أم سياسية أم اقتصادية…الخ.

ولعلنا إذ بلغنا هذا المنعطف الدقيق من البحث، أن نكتشف سمة بارزة من سمات القراءات الدينية (أو الأخلاقية أو الجمالية أو الأدبية وغيرها)، وهي أنها قراءات نظرية اجتماعية (سوسيولوجية)، وكذلك – بحكم التركيب السياسي للعصر المنتجة فيه تلك – سياسية. إن جدلية السلطة السياسية المهيمنة وغير المهيمنة والثقافة لا تسمح بأن تنفلت من وشمها أية قراءة من تلك المذكورة. وهذا يصدق أكثر وأعمق على تلك القراءة، التي تتحول إلى (خطاب) تتدخل فيه وتخترقه فواعل وآليات متحدرة – بدرجة ما من المباشرة والإفصاح – من حرارة وحيوية الصراع أو الجدال السياسي والديني والفلسفي بين الأطراف المتعددة، كما من حضور (التقية) في ذلك الخطاب أو من غيابها، حسب واقع الحال المشخص.

ومن أجل ذلك، لا يصح القول بقراءة (بريئة) أو بخطاب (بريء) على صعيد الفكر الإسلامي. فهذا القول يمثل خطلا معرفيا، كما قد يتحدر من موقع إيديولوجي وهمي إيهامي. وفي كلتا الحالتين، يتبين الباحث أحد معالم إحدى سمات (القراء السلفوية المثالية الطوباوية)، وهي الاعتقاد بإمكانية العودة إلى الماضي الإسلامي الباكر، أو إعادته – في بكارته النبوية – إلى الحاضر عقيدة وتشريعا وفقها، وربما كذلك مؤسسات، وبالصيغ ذاتها التي هيمنت هناك في حينه. فإذا كنا نجل أسلافنا العظام، فإننا نتحفظ حيال السلفويين في اعتقادهم بتخطي القرون، دون المرور بمقتضيات وضوابط العصر المعاش إيديولوجيا ومعرفيا.

وبذلك، تظهر استحالة انفلات الفكر الديني (الإسلامي وغيره) من الواقع استحالة منطقية وواقعية. وإذا كانت هذه الاستحالة تنطبق – دون خلاف – على السنة النبوية وعلى القرآن الكريم حيث يتموضع اجتماعيا وبشريا أي حيث يغدو (كتاب تأويل)، فإنها تظهر – كذلك – في إطار القرآن نفسه وفي سياقين اثنين أومأنا إليهما توا، الأول منهما يفصح عن نفسه، بعد “أن أنزل (القرآن) إلى السماء الدنيا جملة واحدة، حيث “أنزل (بعد ذلك) على النبي آية آية، وكان بين أول ما نزل منه وآخره عشرون سنة”. لنتمعن في هذا النص الفائق الأهمية. ففيه نتبين مستويين اثنين لـ(حركية) القرآن: المستوى الأول ذو (طبيعة إلهية – ميتافيزيقية)، تتحدد بـ(الإنزال إلى السماء الدنيا جملة واحدة)، والثاني ذو (طبيعة تاريخية)، تتجلى في تصير القرآن حدثا تاريخيا، متورخا. وبذلك جاء التقاطع بين الميتافيزيقا والتاريخ إيذانا بتاريخ الفكر الإسلامي، ليس بعد تلقف الرسول للقرآن، بل في سياق ذلك نفسه. (الإسلام والعصر تحديات وآفاق ص 128-134)

أما القضية الثالثة التي يعالجها الدكتور تيزيني فهي الشروط اللازم تحققها لتحقيق النهضة. ولأن أحد هذه الشروط، من وجهة نظره، ظهور إنتاج فلسفي عربي جديد، يطرح الدكتور تيزيني في “أفاق فلسفية عربية معاصرة” بالاشتراك مع الدكتور أبو يعرب المرزوقي تصوراته بخصوص احتمالات مثل هذا الإنتاج الفلسفي العربي. أولا، من الضروري البعد عن اتجاهين فكريين كلاهما يلغي احتمال ظهور فكر فلسفي عربي جديد. الأول هو الاتجاه الكوسمولوجي الذي يلغي الخصوصية العربية، والثاني هو النزعة الذاتية التي تعزل الفكر العربي عن محيطه الإنساني. ويعبر عن ذلك كما يلي، إن ذلك يقود بدوره إلى كشف النقاب عن نزعتين لهما حضورهما في التفكير المنهجي الفلسفي، وينبغي الحذر منهما في سياق التفكير في إنتاج فلسفي عربي راهن. النزعة الأولى تتمثل في النظر إلى الفلسفة بمثابتها نشاطا نظريا ذا بعد كوسمولوجي (كوني) فحسب، في حين تقلص النزعة الثانية إلى حدودها الجغرافية القومية. وكما هو واضح – ضمنا على الأقل – فإن كلتا النزعتين قاصرة معرفيا حيال ضبط التجادل بين الخصوصية والعمومية في الحقل الفلسفي… من هنا نتبين إحدى وظائف الفلسفة، وهي أنها – في بنيتها واتجاهاتها – تدعو لوحدة البشرية في نطاق اختلافها، باعتبارات سوسيولوجية وثقافية وتاريخية. وعلى هذا الأساس، يمكن النظر إلى موضوعات الفلسفة ومهماتها على نحوين متقاطعين متعاضدين، واحد تاريخي (عمودي)، وآخر مجتمعي (أفقي).

وعلى هذا النحو، لم يعد في وسع الباحث أن يتجنب الحديث على ما أنتجه تاريخ الفلسفة من قضايا محورية كبرى، تبرز في مقدمتها قضايا الوجود (الأنطولوجيا)، والمعرفية، والقيمية. فهذه الفئات الثلاث ليس هنالك من القضايا والمشكلات الفلسفية المعاصرة ما يجبها، أو ما يجعلها زائفة غير ذات مدلولات فلسفية محورية… وفي الحديث عن تأسيس راهن لفلسفة عربية متقدمة، لن يكون بوسعنا أن نسوغ – بنحو أو آخر – أية عملية لإقصاء تلك القضايا المحورية. ولكن سيبقى هاما وحاسما أن نكتشف صيغا مناسبة دقيقة لتخصيصها وتوطينها عربيا. وهذا، بدوره، يقتضي القيام بمهماته في ضوء قراءة فلسفية تاريخية للتراث الفلسفي العربي، ولمن أنتجه من مفكرين وفلاسفة، تحدروا من مرجعيات إسلامية ومسيحية وغيرها من طرف، وللفكر الفلسفي العالمي المعاصر من طرف آخر. (آفاق فلسفية عربية معاصرة ص 193-196)

ولكي يتحقق النجاح في تحقيق شرطي الخصوصية والعمومية في نفس الوقت يجب العمل على تأسيس وتحقيق مجموعة من المفاهيم الأساسية يوجزها تيزيني كما يلي، والآن، إذا حاولنا وضع اليد على ما هو أكثر خصوصية وأقل عمومية، على صعيد الموضوعات والمحاور والوظائف التي تناط أو ستناط بالإنتاج الفلسفي المعاصر المحتمل، فإنه لا سبيل إلى تجاوز ما اعتبرناه إطارا سوسيوحضاريا وثقافيا سياسيا راهنا لعملية الإنتاج المذكورة، وهو مشروع نهوض وتنوير عربي جديد. في سبيل إنجاز ذلك، ينبغي الإشارة إلى مجموعة من المصطلحات والمسائل والمفاهيم الفلسفية، التي فقدت أو هي في طور فقدانها مصداقيتها المعرفية والتاريخية بالنسبة إلى خصوصية الفكر العربي… يمكن الانطلاق، على هذا الصعيد من مجموعة من تلك القضايا والمسائل والمعضلات، التي لا سبيل إلى تحاشيها في سبيل التأسيس لفلسفة عربية معاصرة متقدمة، نظرا لكونها حاسمة في ضبط نشوء فكر فلسفي وتحفيزه، والإفصاح عن نفسه بانبساط وتميز واستمرارية ذات بعد تاريخي تراكمي. ولعلها تبرز مجسدة بهذه التالية منها: 1) مسألة الحرية: ونعني بها حرية الإنتاج الفلسفي المبدع، وكل إنتاج ثقافي وأدبي وفني وجمالي وغيره، بعيدا عن الإكراهات المتحدرة من الأطر السياسية والمجتمعية. 2) مسألة الذاتية: إن إقرارا بهذا المبدأ يتضمن احتراما مفتوحا وغير مشروط لمن ينتج الفلسفة، الفيلسوف، بحيث لا يغدوا واردا، بأي اعتبار، انتهاك حريته، التي تتماهى هنا بذاتيته. 3) مسألة الديمقراطية: هاهنا تبرز هذه الأخيرة بمثابتها مدخلا إلى الفلسفة وناتجا متجددا عنها، وداعيا لإعادة إنتاجها. 4) مسألة الحقيقة: مسوغ ذلك فيقوم على الاعتقاد بأن كل مجموعة سياسية أو رؤية فلسفية أو كل تيار فكري أو مذهب أيديولوجي، ناهيك عن أن كل تيار ديني يرى أن (الحقيقية) بحوزته. 5) مسألة الفلسفة والأيديولوجيا: تكونت حالة طريفة ومعقدة من النقد الإيديولوجي، تسعى إلى تهديم الإيديولوجيا حيث تعتبرها مسألة فكرية زائفة تحولت إلى (شرك) يحاصر المعرفة الفلسفية المؤسسة إبستيمولوجيا، وينتهك خصوصيتها النقية. ووصل الأمر لدي بعض الكتاب العرب إلى إدانة الفكر العربي. إن الفكر العربي المعاصر يجد نفسه مدعوا إلى ضبط العلاقة الناظمة بين الأيديولوجيا والفلسفة، وليس إلى التفريط بالأولى لصالح الثانية. 6) مسألة العلاقة بين الدين والفلسفة: أولا، نرى العلاقة بينهما قائمة على التمايز النسقي، بالاعتبار الإبيستيمولوجي. فعلى هذا الصعيد يتضح ببساطة أن الفلسفة هي فلسفة، وأن الدين هو دين. وجدير بالاهتمام والتبصر أن التمايز النسقي الإبيستيمولوجي بين الدين والفلسفة ليس من الضروري والقطعي أن يفضي إلى صراع بينهما، إذا ما احترم كل منهما الآخر وعرف حدوده. وثانيا، التمايز القائم بينهما، على صعيد المنهج. فهنا يظهر التمايز في منهج النظر إلى الوجود والمعرفة والقيم. 7) مسألة النهضة والتنوير العربي: وهي الحامل النظري والسوسيوسياسي للمشروع الفلسفي العربي المعاصر؛ في حين يجد مشروع النهضة والتنوير هذا في الأمة العربية حاملها الاجتماعي التاريخي. هاهنا تجدر الإشارة الضرورية إلى أن القوى الحية والفاعلة في هذه الأمة أو ما قد يتمثل فيما نطلق عليه (الكتلة النهضوية)، هي التي ينعقد عليها الرهان التاريخي؛ دون أن نعني بهذه (القوى الحية) صيغة مكررة من نخب سياسية ثقافية، أولا، ودون الوقوع، كذلك، في أوهام الشعبوية ثانيا. (آفاق فلسفية عربية معاصرة ص 197 -204) ويتبلور موقف الدكتور تيزيني في مواجهة قضية النهضة العربية في كتيب بعنوان “بيان في النهضة والتنوير العربي”. في هذا العمل يطرح ما يمكن أن نسميه بشروط النهضة العربية انطلاقا من تجربته الفكرية الذاتية. وهو يقسم هذه الشروط إلى عدة مستويات، أولا، الأسس الفكرية التي يجب أن يقام عليها فكر النهضة. ثانيا، العوائق المجتمعية والحضارية التي تحول دون تحققه. ثالثا، الأسس النظرية والمفاهيمية للنهضة. رابعا، الشروط المجتمعية اللازمة لتحقق النهضة. يبدأ تيزيني طرح جماع تصوراته لشروط النهضة بطرح تقليدي هو التساؤل عما إذا كان سؤال النهضة العربية مشروعا أم لا. والهدف من ذلك، بطبيعة الحال، مواجهة الفكر الذي يعمل على إحباط فكرة النهضة، وفي نفس الوقت طرح الأسس العامة التي يقوم عليها مفهوم النهضة باعتبارها من مسوغات المشروع نفسه، وذلك كما يلي، قد يبدو أنه من البلاهة الثقافية المعرفية والإيديولوجية…أن يطرح العرب في مرحلة تفككهم…مشروع نهوض وتنوير يجعلون هم منه مدخلا ومتنا إلى تحررهم مما هم فيه، ويضعهم أمام آفاق ومداخل تاريخية جديدة…بيد أن المفارقات من ذلك النمط غالبا ما تخفي وراءها وفي ثناياها أوضاعا واحتمالات قد تستبطن “مفاجآت”…هاهنا يطل برأسه نمط من “العقل” اللاهوتي والتاريخي المراوغ الماكر، على نحو ما جاء لاهوتيا بلسان القرآن، وعقليا جدليا بقلم هيجل، معلنا..أن التاريخ ماكر مراوغ في كيفية تجليه وأنه في هذا يبقى سياقا مفتوحا لا سبيل إلى أن يفضي إلى دائرة نهائية مغلقة، يجري الحديث عليها بما يصطلح عليه، الآن، تحت عنوان “ما بعد التاريخ”…وفي ضوء مقاربة نظرية معرفية يصح القول بأن الحدث الاجتماعي أكثر غنى وثراء من أي تنظير له…ومن ثم، ليس في الغالب إلا من قبيل إيديولوجيا تسويغية زائفة أن يقرر البعض أن الواقع العربي الراهن انتهى إلى التحول إلى دائرة أحكم إغلاقها بفعل التغيرات الهائلة…وفي كل الأحوال، سنتتبع ذلك في ضوء النظر إليه من موقع التساؤل عما إذا كان الأمر يحتمل، أو لا يزال يحتمل نشوء مشروع عربي جديد في النهضة والتنوير. (ص 9-11)

هنالك من المحاذير ما قد يجعل الحديث عن “المسوغات” لمشروع النهضة أمرا زائفا أو نافلا، مما يؤدي إلى إحباط العمل على المشروع إياه. منها ما يراه البعض من أن مثل هذا المشروع يقوم على شخصية “الإنسان العربي” التي تطرح في هذه الحال كبنية فريدة فذة لا تخضع للتاريخ بل تقف ببساطه فوقه. في هذه الحال نكون أمام نزوع إيديولوجي يقوم على النظر إلى الإنسان المذكور بمثابته تلك البنية المغلقة والقطعية، مما يضعنا أمام قصور منهجي معرفي يتمثل في تعميم مرحلة من مراحل التاريخ العربي تعميما فاحشا. أما الوجه الآخر لهذه المحاذير فيقوم على النظر إلى “الإنسان العربي” على أنه “دون التاريخ” بالاعتبارات الفكرية والإبداعية والحضارية. وهذا الوجه يفضي إلى أن العرب بما فيه عقلهم “العقل العربي” هم دون مفهوم التقدم التاريخي وآلياته واستحقاقاته، وكلا الوجهين يخرج العرب من التاريخ.

إن الإجابة الأولية على سؤال مسوغات البحث في مشروع عربي للنهوض والتنوير يجب أن تنطلق من مقولتي التاريخ والتأريخ. عبر الأولى نضع يدنا على “تاريخية” ما نصطلح عليه بـ”الحطام العربي المفتوح”، أي على أن هذا الأخير ليس حالة مطلقة قاطعة، وإنما هو حالة تاريخية، ينبغي التشديد على أن تجاوزها أمر محتمل، وليس أمرا يجد مرجعيته خارج السياق التاريخي. أما عبر المقولة الثانية، فيمكن الوصول إلى أن الوعي الذي يمكنه أن يحيط بذلك “الحطام” ويجعل منه موضوعا للمعرفة ومسألة معرفية هو “الوعي التاريخي النقدي”. (ص 13-16)

هكذا وعلى نحو ما قدمنا، يتضح أن قضية “مشروع” جديد في النهضة والتنوير العربي ناهيك عن أنها تعيش حالة من الارتباك والنكوص منذ ظهورها في أواخر القرن الثامن عشر حتى مرحلة تفكك الاتحاد السوفيتي فإنها مع اتضاح الوليد العولمي الجديد – في بداية العقد الأخير من القرن العشرين – دخلت مرحلة عظمى من القلق والنوسان ومحاولات التغييب والتهميش والتشكيك الجذري، ومعها محاولات إخراج العرب من تاريخهم الخاص وإدخالهم في التاريخ العمومي كلقطاء. إن من شأن ذلك وغيره أن يحفز على التفكير بـ”مشروع” جديد للنهوض والتنوير في الواقع العربي.

في ضوء ذلك وبالتساوق معه منهجيا ومعرفيا وإيديولوجيا سياسيا يغدو القول أو على الأقل الافتراض بأن البحث في ذلك المشروع قد يعني بحثا في مرحلة جديدة يمكن أن ندرجها في إطار “حركة النهضة الوطنية والقومية في العالم الثالث” قياسا على ما ظهر في عقود منصرمة تحت إطار “حركة التحرر الوطني والقومي في العالم الثالث”، مع الاحتفاظ بشخصية وخصوصية كل من الحركتين.

بيد أن ذلك يتضمن إقرارا بأولوية الانطلاق من شرطين اثنين ينتميان إلى مرجعية محدده هي نظرية المعرفة، هما منهجا مفتوحا وطرائق منهجية مفتوحة، وحوارا نقديا عقلانيا معمقا لا يستثني أحدا ممن يشتغلون على هذا المشروع، بل ممن يحملون في العالم العربي اهتماما وهما يندرجان تحت هذا الحقل، وإن بصيغة وعي شعبي عملي.( بيان في النهضة والتنوير العربي ص 9-48)

في الفصل الثاني يطرح تيزيني أهم العوائق الفكرية لمشروع النهضة، والهدف من ذلك هو العمل على تجنب هذه العوائق والاستفادة من الماضي،

الأصولية والإسلام السياسي. (احتكار الحقيقة – الدولة الدينية – الوجه الآخر للإمبريالية).
التطورية الإلحاقية (التخلي عن المشروع النهضوي ومحاولة اللحاق بالعولمة، نهاية التاريخ).
البنيوية الوظيفية، (التوفيقية، أي المزاوجة بين تصور معين “أيديولوجيا” عن الذات وبين ما يتصور على أنه فكرا غربيا يونانيا ذا نسيج فلسفي معرفي).
البنيوية التفكيكية وما بعد الحداثة، (مفهوم القطيعة الإبيستيمولوجية الذي يحصد ثمار إقصاء مفهوم الاتصال التاريخي).
نهاية التاريخ وأفول الأيديولوجيا، (تسويغ لنظرية الانهيار للنموذج الاشتراكي).
العولمة وما بعد الصهيونية، (تفكيك وإنهاء الهويات الوطنية). (بيان في النهضة والتنوير العربي ص 53- 84) بعد هذا التمهيد الضروري الذي يستبعد كل التصورات التي تعيق النهضة يشرع تيزيني في وضع التصورات الأساسية التي يجب أن يقوم عليها فكر النهضة. ويطرح ذلك في ثلاثة محاور، المنظومة المفاهيمية، الأطروحة المركزية والإشكالية، ثم بنية المشروع، أو هيكيليته. وتتكون المنظومة المفاهيمية من العناصر التالية، مشروع النهضة ومشاريع أخرى: ثمة ملاحظة تتعلق بإمكانية التداخل بين أربعة مفاهيم ذات حضور فيه هي: الثورة، والنهضة، وحركة التحرر الوطني، والإصلاح… وإذا كان الحديث عن الحامل الاجتماعي للثورة ولحركة التحرر الوطني والقومي يتصل بطبقات وبفئات وبشعب، فإن الحديث عن حامل النهضة الاجتماعي يتجسد في الأمة كلها؛ مما يقتضي التنويه بأن مدخل المشروع النهضوي يتضمن خصوصية قومية عامة.

البنية الداخلية: إذا حاولنا رصد مكونات المشروع البنيوية فتكون في مقدمتها: الهوية الذاتية، العمق التاريخي، الذاكرة التاريخية، والوعي التاريخي بأسباب الانحطاط وآلياته، إضافة إلى الوعي بضرورة النهضة وشروط تحققها.

المشروع وقضية النهضة والتنوير: هناك ارتباط بين النهضة والتنوير بحيث لا يصح القول بمشروع نهضة بعيدا عن مسألة التنوير. أما لماذا ذلك، فلأن النهضة فعل تاريخي ينجزه حامل اجتماعي مؤلف من رجال ونساء يدركون بوعيهم التاريخي، أن الخروج من واقع انحطاطه يقتضي امتلاك آلية هذا الفعل وقانونياته وإدراك حدودها. فالنهضة بدون تنوير ستكون فعلا يفتقد القدرة على مواجهة التحديات؛ كما سيقف عاجزا أمام عملية النقد الذاتي. وهو أمر يتطلب الإقرار بالتعددية في المنابر الثقافية والإعلامية والتأكيد على مبدأ التداول السلمي للسلطة، والاعتماد على “العقلانية” بإلزاماتها المعرفية والأخلاقية.

المشروع وإشكالية المثقفين: يرتبط تحقق المشروع بقيام المثقفين بدورهم المجتمعي المنوط بهم باعتبارهم العنصر الجوهري في الحامل المجتمعي للمشروع. فهناك مجموعة من المثقفين تبث آراءهم في الدفاع عن قضايا وطنية واجتماعية وبيئية وثقافية وسياسية تتعلق بالحرية والديمقراطية، كما يتصدى بعضهم لتأسيس مشاريع نهضوية وقومية وتنويرية وإصلاحية. ولكن هناك أنماط مختلفة للمثقفين تتعارض مع تحقق المشروع، فهناك مثقفي أجهزة الأمن والمخابرات، وتلك التي تفتقد الشفافية والأخلاقية تتغير ولاءاتها بتغير الظروف، وهناك مجموعة صامتة في الحياة الثقافية لضعف وعيهم السياسي والثقافي.

مشروع النهضة وقضاياه المنهجية: المشكلة الأساسية في الجانب المنهجي هي ضعف وتيرة الإنتاج النظري المعرفي في الفكر العربي وهيمنة الإنتاج الأيديولوجي الزائف. هنا يصح الإشارة إلى مفاتيح لها من الأهمية ما يجعلها مرجعية منهجية لهذا المشروع؛ منها قضية توطين المنهج عربيا، ومنها العقلانية (الترشيد العقلي)، والتاريخية (النظر إلى الحدث في سياقاته التاريخية)، ومنها الانفتاح النقدي الديمقراطي، ومنها جدلية الواقع والممكنات، وجدلية الداخل العربي والخارج الدولي، وجدلية الثابت والمتغير، وجدلية البنية والوظيفة أو القراءة. كما تفترض المنهجية التمييز بين ثلاثة أنماط من الخطابات: هي الخطاب المعرفي، ولخطاب الرغبوي، والخطاب السياسي. (بيان في النهضة والتنوير العربي ص 85- 129)

وتتمثل الأطروحة المركزية للمشروع العربي في إمكانية تحقيق ما هو بمثابة العمل الإعجازي تاريخيا، لسنا هنا بمعرض الحديث عن عمل إعجازي خارج التاريخ. ولكننا في الوقت ذاته متاخمون لعمل تاريخي استثنائي من شأنه السماح باللعب على التاريخ عبر الدخول فيه بصيغة تقترب من الملحمة الأسطورية، وحيث يكون الأمر كذلك، نكون أمام حالة من الإعجاز، لكن الإعجاز التاريخي، الذي يتجاوز النظر إلى هذا الإعجاز بمثابة فعل يجد مرجعيته خارج التاريخ، إنه فعل تاريخي يراهن على إمكانية اللعب على مراوغة التاريخ واختراقه واكتشاف ما قد يمثل نقط ضعف أو تمزق فيه.

في هذا الإطار، يحسن بنا أن نستدعي حالتين من التاريخ العربي الوسيط والحديث بمثابتهما مثالين على ذلك الإعجاز التاريخي، الأولى تظهر في الرسالة التي بعث بها هولاكو إلى سلطان مصر والشام، المظفر قطز، الذي تمكن من هزيمة هولاكو. والثانية، في الزمن السوري القريب، ويتجسد في شخص يوسف العظمة وزير الدفاع السوري عام 1920 حين دافع عن دمشق حتى الموت. (بيان في النهضة والتنوير العربي ص 130 – 139) وتتمثل الهيكلية الإجرائية للمشروع العربي فيما يلي، أولا، المشروع العربي وأسئلة الفعل النهضوي إنه جدلية التحرير والتغيير، مشروع النضال في سبيل إنتاج إجماع في وسط الشعوب العربية والأمة العربية على التحدي والمواجهة والنهوض عبر آليات سياسية وثقافية واقتصادية وتكنولوجية وعلمية وفي حالات معينة عسكرية. حامل المشروع هو الأمة من أقصى يمينها الوطني والقومي الديمقراطي إلى أقصى يسارها الوطني والقومي والديمقراطي، ليس هناك من هو متميز عن الآخر إلا بقدر ما يسهم في التأسيس للمشروع العربي. ثانيا، المشروع العربي في المداخل المنطلقة منه والمفضية إليه تتمثل مداخل هذا المشروع التطبيقية،إذا اتبعنا منظومة منهجية عامة، في تناول المداخل المعنية على النحو التالي: الملف السياسي، والملف العسكري، والملف الاقتصادي، والملف العلمي والتكنولوجي، والملف الإعلامي، والملف الثقافي، والملف المعرفي الإبيستيمولوجي. وفي هذا التنسيق للملفات المذكورة نتبين قصدا رئيسا يبرز بمثابة الناظم الذي ينتظمها ويمنحها – مجتمعة – دلالة على الإجابة عن السؤال التالي: لماذا هذا الترتيب، الذي وضعناه لها؟ ولعلنا نلاحظ أن ذلك يمس فكرة الأولوية، التي تحدد من أين البدء فيها. بيد أن فكرة الأولوية هذه تكتسب، هنا طابعا جدليا يجعل منها حالة نسبية، أولا، ومتحركة ثانيا، وفق السياقات والأحوال والتحولات التي تطرأ على الواقع العربي المعني. فهي نسبية ومتحركة مفتوحة يصوب بعضها بعضا في إطار من الحراك السياسي والثقافي والاجتماعي الديمقراطي العقلاني. وفي هذا وذاك، تكون الزوايا “المنسية” في حياة المجتمع العربي قد انتزعت من “إصماتها” لتمنح إجابات تصب في مجرى التيار النهضوي التنويري العرب، ومنها – على سبيل المثال – زوايا الأقليات الإثنية، والمرأة، والطفل، والبيئة، والثقافية الريفية، والعلم. (بيان في النهضة والتنوير العربي ص 146- 147)

المراجع
وفاة المفكر السوري طيب تيزيني في حمص — تاريخ الاطلاع: 19 مايو 2019 — الناشر: عنب بلدي
أحد أهم مئة فيلسوف عالمي.. وفاة المفكر السوري طيب تيزيني عن عمر ناهز 85 عاماً — تاريخ الاطلاع: 19 مايو 2019 — الناشر: هافينغتون بوست عربي
وفاة المفكر السوري طيب تيزيني عن عمر ناهز 85 عاماً — تاريخ الاطلاع: 19 مايو 2019 — الناشر: قناة الجديد
KC (2018-02-07). “الطيب تيزيني من التراث الى النهضة”. مجلة بيارق. اطلع عليه بتاريخ 18 مايو 2019.
“رحيل المفكر السوري الطيب تيزيني – عكس السير”.
mominoun. “طيب تيزيني: مسألة تجديد التعليم الديني”. Mominoun Without Borders. اطلع عليه بتاريخ 18 مايو 2019.
“الدكتور طيب تيزيني”. www.arabphilosophers.com. اطلع عليه بتاريخ 18 مايو 2019.
“صحيفة الاتحاد – د. طيب تيزيني”. www.alittihad.ae. اطلع عليه بتاريخ 18 مايو 2019.
“الطيب تيزينيفيلسوف القرن العشرين”. www.thenewalphabet.com. اطلع عليه بتاريخ 18 مايو 2019.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *