الرئيسية » نصوص » رواية متسلسلة » الدكتورة إخلاص باقر هاشم النجار : رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (الجزء الحادي والاربعون)

الدكتورة إخلاص باقر هاشم النجار : رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (الجزء الحادي والاربعون)

الجزء الحادي والاربعون
مروة أتصلت بسُـبل مساءً وأطلعتها بأخر التطورات حول ما جاء به منذر من أبو الوليد .
سُــبل متأففة : ولكن ألم يبلغه … بأني أطلب منه العودة .
مروة : أكيد أبلغه … ولكنه يرفض العودة ولو ضاعفتي مرتبه الحالي .
سُــبل منزعجة : يا ألهي ولكن … لماذا .. ما هو تبريره الذي ذكره إليه .
مروة : يزعم … أبو الوليد بأنك … أهنتيه .
سُــبل متأففة : والله … يا مروة لم أهنه ولكنه حساس جداً … فماذا أفعل الآن ؟
مروة : شغلي غيره … فهناك عدد كبير من العاطلين .. أفضل من أبي الوليد هذا .
سُــبل متأففة : لقد … شغلت أحد أقاربي تحت إلحاح … والدتي … وبأجر يومي مرتفع أكثر بكثير مما أقدمه لخالد ، ولا يعمل أي شيء في العيادة من تنظيف أو تهيئة مجرد أنه يسجل الأرقام … ولكنه ماذا فعل … يدّخل المرضى المتأخرين مقابل مبلغ مادي مما يخلق الجدال بين الناس المنتظرين هذا أولاً ، والأبلى من ذلك أتعرفين ماذا فعل ؟! سرقني … بحجة أنه وضع النقود في الدرج ولم ينتبه وسرقها أحد المرضى ، فطردته وأنا مرتاحة نفسياً … وكم تمنيت لو يعود خالد رمز الأدب والأخلاق ومثال الأمانه والكلمة الصادقة ، وأردت بعدها بأن أغلق العيادة ولكن أمي رفضت وطلبت من علي أن يحل محله بشكل مؤقت في دوامه المسائي ، وطوال الأيام الثلاثة يتملكني القلق عليه ، علماً بأني طلبت منه أن يسجل عشر أسماء فقط ولا يستقبل غيرهم ونغلق العيادة قبل أن يحل المغرب ليلحق على دروسه ونولي هاربين الى البيت ، هذه هي أخباري فهل أعجبتك … ؟
مروة مبتسمة : وهل تريدين من أبي الوليد … أن يرجع .
سُــبل مبتسمة : أولاً لماذا تسميه بأبي الوليد … ؟ وأكيد بل مؤكد أتوق الى رجوعه وحتى الوالدة تريد رجوعه ليتولى مسؤولية التسوق , علماً بأنها صدقت مسألة سفره ومشاغله العائلية وتريها كل يوم تسألني عنه .
مروة مبتسمة : وهل تريدين من أبي الوليد … أن يرجع … حقاً .
سُــبل : ما بك … لقد كررتي السؤال لأكثر من مرة وأجبتك .
مروة : ولكن لماذا لم تتصلي به حتى لمجرد السؤال عنه ، أو طلب عودته .
سُــبل بمكابرة : ولماذا أتصل به … هو ترك العمل بمحض أرادته وأن أراد العودة فالباب مفتوح وإلا فلا .
مروة : حسناً … لابد ان تبحثي عن أخر لأنه رفض العودة .
سُــبل بعصبية : أي أخر يا مروة أرجوك أطلبي من المتيم منذر بأن يقنعه بالعودة .
مروة ضاحكة : أتعرفين بأني بدأت أعتاد وجوده في حياتي وقد تكلمنا ليلة أمس طوال ساعتين .
سُــبل : الله الله …. هذه تطورات مهمة … حديث مسائي … ولماذا لم تخبريني … والله قلت لك من زمان إن هذا الرجل يناسبك تماماً … وبماذا تكلمتما …هل اتفقتما عن الخطبة ؟
مروة ضاحكة : نعم أكيد تكلمنا كثيراً … عن خالد والعيادة ويسعدني بقوله مولاتي .
سُــبل ضاحكة : أترين تأثير خالد وكيف جمع بينكما في ساعات رومانسية ولكن ما هو رأي منذر في الأمر ؟
مروة : أكيد أبدى رأيه في المسألة … لكنه قال عبارة ذات إيحاء … ولم تُعجبني أبداً وقد عاتبته عليها .
سُــبل مقطبة حاجبيها : عبارة ذات إيحاء … ماذا قال بالضبط … لا تقلقيني … تكلمي بسرعة .
مروة : قال بالضبط … إذا كانت الدكتورة بحاجة الى خالد في العيادة لماذا لا تتصل به وتحاول التحاور معه وإقناعه للعودة وأنا واثق تماماً بأنه بمجرد سماع صوتها سيلين جانبه وينسى حتى كرامته … لاحظي ودققي وحللي شفرة كلماته … بمجرد سماع صوتها سيلين جانبه وينسى حتى كرامته .
سُــبل مبتسمة بهدوء : الله .. كم طربت روحي لسماع هذه العبارة .
مروة مستغربة : ماذا؟ أنا أقول أنزعجت وأنت طربت روحك ما الخطب يا مولاتي؟
سُــبل ضاحكة : أعذريني مولاتي لم أسمع في حياتي قط برجل قال عني هذه العبارة .
مروة ممازحة : عبارة واحدة … ذبتِ فيها … فكيف إذا ظهر لك معجب مثل منذر …
سُــبل ضاحكة : يا ألهي مثل منذر سأتشبث به بيدي وأقدامي وسأعطيه كل ما أملك.
مروة : أطمأني … لقد فتحت له الباب … دون أن أوعده بشيء وقلت له سأفكر في الأمر الى ما بعد الدكتوراه … وأكيد وافق … وقال سأنتظرك … ولكن الشيء الذي جعلني أتواصل معه هو والدي ووالدتي وحبهما له وامنياتهما بأن أقبل به زوجاً … على الرغم من أني أتمنى ان تتوافق روحي وتطلعاتي وطموحي معه … أتمنى أن أرتبط بمن يفهم مفردات شعري دون أن يسألني عن تفسيرها أو يترجم مقالاتي الإنكليزية دون أن أترجمها له وهكذا … فالتوافق العاطفي والروحي والعملي شيء معهم لإستقرار البشر .
سُــبل : والله يا صديقتي … أنا أراك تقامرين بحياتك وفرصك الذهبية … وتؤمنين بمبادىء النظريات الوهمية والفلسفات الخداعة التي لا تمت الى الواقع بصلة ، ولو سلمنا بأن كلامك صحيح … ما الذي منعك من الإختيار وأنت بجمالك تحظين بفرص كبيرة جداً ، فلم يتقدم إليك الشرطي أو النادل أو بائع اللبلبي مع أحترامي وتقديري لكل المهن ، ولكنك تفهمين قصدي تقدم لك أعلى الكفاءات من القاضي والطبيب والمهندس وأخرهم الدكتور أرشد في كليتك ، أيعقل بأن كل هؤلاء … لم تجدي معهم توافقاً روحياً أو وظيفياً … ولكنك برأيي تنظرين الى منذر وتنتظرينه ليطوّر ذاته ، وقد لاحظتي فهو يعمل جاهداً وبإتقان في شركتكم ويعمل بذكاء في الأعمال الحرة ، ولأجلك جاء ليدرس الإنكليزي ، ولكنه لا يزال يسكن في بيت أختك … وهو بيت أخيه … فهذه قدراته وهذه إمكانياته ، وأني لأخاف أن يملُّ من الإنتظار ويعتبرها فقد أمل في مفترق طرق ، ويرحل مع أيّ أمرأة أخرى بسبب صدودك له ويفقد الأمل منك … نعم يفقد الأمل منك … وقد أنتظرك كثيراً … وما عليك إلاّ عد السنين وسترين كم صبر لأجلك … وأنا أقول لك يا صديقتي … واجهي نفسك قبل أن تواجهيه … إما قبوله أو ليرحل عنك دون رجعه … ليشق طريقه بعيداً عنك … ولا أعرف هل تتلذذين بتعليقه هكذا ؟
مروة متنهدة مبتسمة : لقد … قبلته لأجل والديّ … أطمئني وسأحاول أن أعتاد عليه … وقد سمحت له بالحديث معي بالأحاديث الرومانسية وبخلجات نفسه ولواعجة … دون أن أعده بشىء … وقد تفهم ذلك .
سُــبل بغبطة : يا سلام … قالتها مطولة والله أفرحتيني أجمل خبر سمعته في حياتي.
مروة مبتسمة : ولكن لديّ سنة كاملة لأحصل على الدكتوراه … وبعدها … سأدعوكِ الى حفلة العرس .
الإمتحانات لم تنته بعد في الكلية ولا زالت الدكتورة ريام لها السبق والريادة على كل تدريسي أخر في القسم في رصد كل حالة غش تتم في قاعتها وعِبر أيّ وسيلة من وسائل الغش المتعمدة التقليدية أوالإلكترونية التي تتم عبر النقال والإسلاك والسماعة البلوتوث وغيرها ، وقد تميزت بقوة الملاحظة فضلاً عن أنها لا تتورع عن تفتيش كل الطلبة وحتى أكمامهم وكل أدواتهم القرطاسية ، ولا تفرق ما بين الطلبة سواء كان كبيراً أو صغيراً ، فاللص لص وأن تقدم عمره بحسب وجهة نظرها ، والذي حدث اليوم في الدراسات المسائية مع الطالب صافي ما يؤكد وجهة نظرها ، وبعد أن فتشت الطلبة وجدت أحد الطلبة وقد كتب قانوناً إحصائياً على المسطرة الصغيرة ، وعندما وجدتها أمامه على المنضدة ومسكته بالجرم المشهود تبرىء منها وزعم بأنها ليست له وجدها على الأرض ورفعها ليستفيد منها دون أن ينتبه الى ما مكتوب عليها ، مما جعل الجدال يحتم بينهما فقاد الدكتورة الى طرده خارج القاعة وقد سحبت منه عينة الغش لتستخدمه كدليل دامغ لفصله ، ولكن الطالب صافي رفض ذلك وأعتبره تجنياً ولم يعترف وبصلافة بمسؤوليته وراح يهتف ويصيح ظلم ظلم ، فأخذه بعض التدريسين ليهدؤا من روعه ، لاسيما وأن وقت الإمتحان شارف على الإنتهاء فحاول الكثير من التدريسين إقناع الدكتورة ريام وهي ماشية وفي طريقها دخلت غرفة الإستاذة مروة بعدم تقديم المذكرة لعله يكون مظلوماً والمسطرة لا تُعدُّ دليل إثبات ، وبعد أن جلست الدكتورة ريام قرب الاستاذة مروة جاء الدكتور أرشد ومعه الطالب صافي ليعتذر الى مدرّسته لتدارك الموقف فراح صافي يعتذر ويبرر لمدرّساته توتره وكيف إنه وجد المسطرة على الأرض دون أن يرى ما مكتوب عليها وراح يتحدث والمدرّسات يستمعن إليه بإصغاء تام ويبادلنه الحديث ، فيما جلس الدكتور أرشد على الكرسي القريب للباب يستمع .
وفي هذه الأثناء دخل منذر عتبة باب الغرفة كعادته بعد أن ألقى التحية بإحترام وتبجيل وهدوء والإبتسامة تشقُّ شدقيه وأنظاره موجهه صوب مروة ، وقد جاء بحسب الموعد فيما يتعلق بمشكلة أبي الوليد ، ولكن الدكتور أرشد قال له بإبتسامة : منذر من فضلك أجل أمرك … لدينا مشكلة الآن مع زميلك صافي ونريد حلها أذهب الآن وتعال في وقت أخر ، فبقي منذر ينظر الى مروة وكيف أنها لم تنبس بكلمة ، وكيف أن الدكتور أرشد تفرد بتصرفه الغريب معه الذي لم يعرف كيف ولماذا سمحت له بذلك ، شعر وكأن دوار أصابه وزلزلت الأرض تحت أقدامه ، فهل هذا الذي رأه الآن حلم أو علم أو محض تمثيل أو عقوبة فوضوية سطّرتها أنامل القدر ، ومن هذا الشخص بالذات ، وبعد إن تلقى هذه الصفعة والصدمة التي كادت أن تفقده صوابه ، لملم أشلائه المتناثرة وكرامته الموؤدة وراح يتعكز على عكاز الثبات يمشي وكأن كل شراينه تنزف لا يعرف ماذا يقول وماذا يفعل ، فعاد الى البيت ووجهه مملوء آسى ، وكلما سألوه برر الأمر بعدم أجابته في الإمتحان ، ومن حسن حظه كان هذا اليوم الأخير للإمتحان ، لكنه ماذا يقول وبماذا يبرر ؟ الموقف صعب والحديث أصعب ، ولكنه يسأل نفسه لماذا ؟ في دخيلة نفسه ، ولكن لماذا لم تنبس ولا بكلمة واحدة وهي تعرف تماماً بأني جئت إليها لأحل المشكلة التي كلفتني هي بحلها ، لكن هل يعقل بأن هناك وشاة تدخلوا بيننا ، ثم ضغط على رأسه بكلتا يديه قائلاً : رباه … لماذا يحصل لي كل ذلك … يكاد رأسي ينفجر من شدة التفكير ، ولا أجد جواباً واحداً للمهزلة التي رأيتها اليوم ويا لهول ما حصل لي …. لا أكاد أصدق .
ثم تنهد وهو في منولوجه الداخلي … لكنها … أخبرتني آنفاً بأنها لم تعدني بشيء … وأنا وافقت بهذا الرأي … نعم أنك وافقت ورضيت يا منذر وقبلت بهذه الإهانه وهذا الإستصغار … أكيد لقد تجاوزت حدودك ما أنت إلاّ طالب مسكين ما زلت تتدرج في مشيك ، وهي تدريسية وفي أوج العظمة وما هي إلاّ أيام وتحصل على الدكتوراه في اللغة الإنكليزية وفي موقع عملها وكانت تتحاور مع زملائها ، ومن أنا من وجهة نظرها حتى أريد الدخول الى حصنها الحصين بدون تصاريح منها ، آهٍ كم كنت مخطئأ … وآهٍ من نفسي التي لا تعرف أين تضع خطواتها ، فلو كانت تحترمني بقدر ذرة خردل لما إرتضت لي ذلك ، ولكنها حتى لم تنبس بأي كلمة وكأني متسوّل نكرة وقف على بابها ، وقد سمحت للدكتور رشدي بدعّي قبل أن أهم بالدخول ، ولكني حتى لا أعرف لماذا تصرف معي هكذا ، أيعقل بأنه عرف بعشقي الأبله لزميلته المبجلة وتصرف بدافع الغيرة ، لكنها بحسب علمي رفضته ولم تقبله ، أنتبه يا أبله فأنت تغامر وتقامر بنفسك وكرامتك ، دكتور ناجح كأرشد رفضته بغرور وكبرياء ، فمن تكون أنت حتى تضع نفسك بمثل هذا الموقف المزري ، والحمدُ لله لم يرني أحد من زملائي لأصبح الأمر سيئاً ولذاع صيته في أرجاء الكلية ، ولكن إعلمي يا مروة بأنك لم تريني بعد الآن ماثلاً على بابك ، وحتى رقمك سأمحوه من نقالي ، وأن أبا الوليد على حق فأكيد إن صديقتك الدكتورة مثلك ومثل غرورك وعجرفتك وفي المساء وعندما غارت النجوم وهدأت العيون سحب نقاله من الدرج ليفتحه ويمسح رقمها كما قرر ، فبدأ بدليل الأسماء ومسح رقمها فإذا بالنقال مهلهلاً بعدد من الرسائل ، وعندما رأها وجدها تقارير لإتصالات فائته ، وعلى الرغم من إنه مسح الرقم إلاّ إنه عرف بأن هذه الإتصالات منها ، فقال : آهٍ منك يا قلبي مسحت الرقم من دليل الأسماء ولا أعرف كيف أمحوه من أرشيف ذاكراتي المتقد .
وبعد أن حاولت مروة عبثاً الإتصال بمنذر لتسأله عن أبي الوليد وضعت نقالها على المنضدة القريبة من سريرها دون أن تغلقه قبل أن تنام وعلى غير عادتها في غلق نقالها قبل النوم ، وعندما فتحه رنّ نقالها برسالة ، فمدّت يدها بكسل وقد أخذ منها النعاس مأخذاً لترى الرسالة ، وعندما دعكت عينيها وفتحت الرسالة وجدت بأن نقال منذر الذي كان مغلقاً مفتوح حالياً ، فجلست متربعة وسط سريرها وراحت تتكلم في دخيلة نفسها : أكيد سيتصل بيّ الآن … فرمقت الساعة فإذا بها الحادية عشرة ففتحت النت على الهاتف وشاهدت خدمة الواتس أب مفتوحة بنقاله ، فقالت : الوقت غير مناسب ليته يرسل رسالة أفضل من الإتصال فالوقت غير مناسب … كررتها مرتين … ولكنه لم يتصل … لا أعرف لماذا لم يتصل … وقد رأى اتصالاتي ، وهل أقنع أبا الوليد أو لا … لكن هل أرسل له رسالة على الواتس أب .. ؟ لا لا سأتصل به لأسمع أخر التطورات نعم أتصل أفضل فإتصلت وإتصلت ولكن دون جدوى لم يرد عليها ، ولكن لماذا يرد عليّ وأنا أرى خدمة الواتس أب مفتوحة (مكتوب متصل) ثم فتحت الفيس بوك … فرأت صفحته مفتوحة وله مشاركات في هذه اللحظة الآنية مما خلق في نفسها التساؤل … لكن لماذا ؟! لم يرد على إتصالي الأمر غريب فقد كان بمجرد أن يرى إتصالي أو رسالتي يتصل بالحال ، أتمنى أن يكون بخير وأتمنى أن تكون أجاباته مسددة في الإمتحان ، فأرسلت له بتحية على الواتس أب والفيس بوك فتم التسليم بالحال ، فمرّت الدقائق ولكن لم يأت الرد بل بالعكس أغلق الخطوط ، لكنها نامت متأملة إتصاله في الغد لأن الوقت متأخر بحسب وجهة نظرها .
وبعد أن تنتهي الإمتحانات النهائية ينشغل الطلبة بتحضير ورقة براءة الذمة التي تسلم للقسم ، لغرض إستلام النتيجة والكل منشغل والإزدحام على أوجه في الأماكن التي يرتادها هؤلاء الطلبة ، ولكن منذر لم يتصل ولم تره في الكلية ، فراحت تتصل به مجدداً … ولكن الهاتف يرن دون جدوى مما زاد قلقها ففكرت الاتصال بوالدها لتسأله عنها ، ولكن ترددت ، وراحت تتمشى في ساحة القسم ونقالها في يدها تواصل الإتصال ، ولعلها ترى بعض زملائه لتسألهم عنه وقد إنتصف النهار ، وبينما هي تتمشى لمحته من بعيد واقفاً قرب لوحة الاعلانات ، فوقفت تنظر إليه بإستغراب وهو ينظر الى نقاله فقالت لعله يريد الإتصال بي ، فقامت من جديد بالإتصال به ولكنه لم يرد وهو ينظر الى نقاله ، مما شعل جذوة الإستغراب في صدرها فأسرعت الخطا نحوه دون أن ينتبه وعاودت الإتصال وهي تقف على مقربة منه ولاحظت عن كثب تجاهله لإتصالها،فقالت ببرود منزعجة منذر ما الخطب ؟
منذر بوجوم مندهشاً : أستاذة .. مروة .
مروة منزعجة : ماذا ؟ أستاذة مروة … هل أنت تعي ما تقول ؟ ألم تسمع إتصالي ؟ ولماذا لم ترد .
منذر : سمعته .
مروة : قلت لك … ما الخطب ؟
منذر : لك طاقة كامنة وهائلة للتجاهل .
مروة : لا أفهم ماذا تقصد … ولا داعي للكلام المبهم .
منذر منزعجاً مشيحاً بوجهه عنها : لا بل تفهمين وتتواصلين في أسلوبك المهين .
مروة متأثرة : يا ألهي … أنت تتكلم عني بهذه الطريقة الفجة … ولا أعرف ماذا تقصد … ولكن ضع عينك في عيني عندما تتكلم … أهدأ أرجوك وتعال نبتعد عن القسم لئلا يسمع الطلبة ويبدأ التأويل … والتأليف .
منذر : هذا الذي يهمك فقط … سمعتك العلمية وأنا تضربيني عرض الحائط .
مروة متنهدة : أسمع يا منذر … لم يعهدني الاخرون إلاّ صادقة ولم يشكك أحد يوماً في كلامي … ولكني الآن … أقسم لك بالله خالق السموات والأرض لا أعرف عن ماذا تتكلم ، وكأني أرى اليوم شخصاً أخر غير الذي أعرفه من زمان غير الذي قررت الإقتران به بعد سنة … تعال من فضلك نجلس في الحديقة وتكلم بهدوء وسأسمعك الى النهاية … وبعد ان جلسا على المصطبه قالت له : ماذا تقصد في أسلوبي المهين … ؟ فلا أقول إلا … لا إله … إلاّ الله .
منذر وقد هدأ : محمد رسول الله ، أنا أصدق قسمك ولكن لا أعرف عن ماذا قسمتي ؟
مروة بهدوء : حسناً … أذن ما دمت صدقت قسمي … تكلم … رجاءً … فقلبي بدأ يؤلمني … ولا أحب ان يتهمني الأخرون جزافاً .
منذر بقلق : حبيبتي هل أنت بخير … ؟
مروة بهدوء وقد أشاحت بأنظارها عنه : : دع الحب الآن … وتكلم عن المهم … رجاءً … لقد أتعبتني … أريد الإنصراف … لقد تأخرت .
منذر ينظر إليها بمودة : حسناً … أتذكرين مسألة البارحة مع الطالب الذي مسكته الدكتورة ريام عندما اجتمعوا عندك في الغرفة الدكتورة ريام والدكتورة أرشد والطالب … أتذكرين ؟
مروة : أكيد وكنت حينها بإنتظارك لتكلمني عن خالد لكنك لم تأت وأستغربت لذلك.
منذر أقطب حاجبيه وقلب شفتيه : ماذا … لم آت ولم تريني … وهل كنت مغيبة ؟ فكيف لم تريني وأنا واقف عند بابك أريد الدخول … والمعتوه أرشد دعّني ولم يسمح لي بذلك وبوجودك حدث ( كيت وكيت ) .
مروة : أقسم لك تارة تارة بأني لم أرك … ومستحيل يأتي في خلدك بأني سأسمح لأرشد أو لأي زميل أخر التصرف هكذا سواء معك أو مع غيرك وفي غرفتي ، ولكنك المخطأ ويقع عليك اللوم ، كان من المفترض بك أن تدخل وتأتي أمام مكتبي وتنبهني بأنك أتيت بحسب طلبي لأني أنا من أستدعيتك ولا يجوز أن تنصاع هكذا لأوامر أي شخص ، ومن الخطأ أيضاً أن تتهم الأخرين جزافاً بالتقصير دون ان تسمع أراؤهم تجاه الأمر ، ولا أحب هذه الصفة البته صفة الهروب من المواجهة كان لزماً عليك أن تسمعني وتعاتبني ان كنت قد تصرفت بالفعل معك هكذا لأي سبب كان ، وتسمع رأيي ووجهة نظري .
منذر بخجل : أنا أعتذر .
مروة : لا … لا … من حقك … ان تنزعج فالموقف مزعج … ولكن ليس من حقك أن تتهرب من المواجهة … وهذه الصفات لا تُعجبني … فإذا أردت الإقتران بي فتكيف مع المصداقية والشفافية والثبات عند الشدة .
منذر : أنت تعرفين جيداً بأني أحلم بك منذ صباي حتى تحولتي الى دمي تتحركين فيه ، ولكني لا أرتضي لنفسي أبداً أن أكون حجرة عثرة في طريقك ولن أفرض نفسي عليك أبداً .
مروة متنهدة : وليست مروة الأوجي من تتعامل بالعنف او بالإكراه … أعلم بأني أتصرف معك على سجيتي وبمحض أرادتي ولا أحد يجبرك عليّ فأطمأن .
منذر : ماذا تقصدين ؟
مروة وعلامات الانزعاج لا زالت بادية عليها : أقصد الذي أقصده ،ولست ملزمة لبيان كلمة كلمة أتفوهها ، ما دمت أنت تتهمني بأني أسأت إليك وأهنتك دون أن أعلم .
منذر بأسى : أرجوك … أصفحي عني … فالموقف صعب … وأقض مضجعي … فبمجرد التفكير بأنك لم تدافعي عني … كدت أن أموت من شدة الألم … أعذريني … ولو كنت أنت من تعرضتي الى هذا الموقف لشعرتي بذات الشعور الذي شعرت به .
مروة بجدية : أنا … لا أسمح لأي كان أن يتعامل معي هكذا … حتى ولو كان أستاذي … وتعودت أن آخذ حقي حتى وأن كان في فم الأسد ، ولا أتهم الأخرين جزافاً … وبإمكانك أن تسأل سبل عني ، أسمع الأخر ثم وأناقشه ثم استنتج في النهاية .
منذر بتودد مبتسماً : أعذريني … مولاتي … ألاّ أستحق منك لحظة عذر … وأنت الأستاذة الفاضلة ، حقك عليّ ، أقبل رأسك إعتذاراً … أقبل يدك إعتذارا .
مروة مبتسمة : ماذا ؟ ماذا ؟ هل جننت … أبتعد عني …أنقشع ، وخذ مكانك … يا غريب الأطوار .
سبأ تتحدث مع أيار في الهاتف يومياً كما تعودا وقد بدأت العطلة وكما أسلفنا أن الإتصال ليس له موضوع للحديث كما يفعل الكثير من الناس وإنما يلد الحديث بمجرد الإتصال ويكبر ويتطور ويتشعب وقد أعتاد الأهل على ذلك وعندما تضحك احداهما يعرفون انها تتكلم مع صديقتها وبعد التحية والسلام والكلام المعسول عن الشوق والأخبار يتطور الحديث .
سبأ : أتعرفين بأن والدتي أرادت أن تسميني جلّنار ولكن والدي رفض الأسم وهو الذي أسماني سبأ .
أيار ممازحة : ها … تقولين بأن والدتي متسيدة في المنزل ؟
سبأ مبتسمة وبهدوء : والله والدتي تضطهد والدي كثيراً … وأحياناً كثيرة نراه يأخذ فراشه وينام في غرفة الإستقبال هارباً منها … على الرغم من عدم سماعنا بأصوات معركة .
أيار ضاحكة : أحذري أن تسمعك … أحذري … والله كل الأمهات هكذا ؟ لهن السيطرة في المنزل ، ولكن حقيقة أرى أسمك أجمل بكثير من هذا الأسم المليء بالنار والعياذ بالله .
سبأ ضاحكة : صحيح وأنا أقول كذلك ولكن معناه حلو ومحبب للنفس فأسم جلنار يعني وردة شجر الرمان،لكن أتعرفين لماذا والدي رفض الاسم فالسبب لأن ذويه سخروا من الأسم وتهكموا عليه ضاحكين فخشي ان يأتي يوم أخر ويتهكم الأخرون على الأسم دون ان يعرفوا معناه،كما ذكرتي للتو اسم ممتلىء بالنار،ولكن لماذا أسموك أيار؟ وهناك من يسمون أبناءهم نكتل يزعمون بأنه أسم أخو سيدنا يوسف في القرآن الكريم.
أيار مبتسمة : أتعرفين أنا لا أحب أسمي … لأنه لا يليق بأسم فتاة جميلة وجذابة مثلي ، ثم وهل أنتهت الأسماء حتى يسموني بأسم أحد الأشهر ، ولكن الحمدُ لله لم يسموني تموزاً وأنا أعيش في البصرة ، وكثيراً ما أجادل أبي بذلك وأطلب منه أن يُغير أسمي الى أسم أخر يليق بالفتاة ، ولكنه يقول لي مبتسماً لا يمكن يا بُنيتي فأسمك تم نحته قبل ان تأتي الى العالم ( وقد سبق السيف العذل ) الآن ، اما بالنسبة لأخو سيدنا يوسف فهو بنيامين .
سبأ : نعم أعرف … والمقصود بنكتل الكيل … لكن كيف تم نحت أسمك قبل مجيئك ؟
أيار : لأنه ألتقى بوالدتي في شهر أيار وبعدها قررا إذا روزقوا بفتاة سيسميانها بأيار ، وقد انتظراني الى ان آتيت والمصادفة المقدسة لديهما بأني ولدت في الأول من أيار .
سبأ مبتسمة : أوه … يا لها من مصادفة … حقاً … فالحدث والتأريخ يستحقان التسجيل والتوثيق ، ثم من قال لك بأن أسمك غير جميل ، فأنا أراه أجمل أسم في الوجود لأجمل صديقة مغرورة .
أيار ضاحكة : أشكرك .
سبأ : لا تقولي لي … هكذا … أشكرك … وكأنك في مسرح جاد .
أيار : وإنما ؟ لم أفهم ؟
سبأ بجدية : لا أؤمن بما يسمى الإفحام … قولي لي وأنا أيضاً أرى أسمك أجمل الأسماء ، بادليني ذات الحديث ، وذات الرقة والمشاعر الفياضة التي أشعر انها لو فاضت لملأت الدنيا بأكملها .
أيار مبتسمة : حبيبتي أنت تعرفين مدى حبي لك وكأنه شلال نياكارا الذي يحار الناظر له .
سبأ برضا ممازحة : أها …. الآن … بدأتِ تفهمين … الرومانسية .
عائلة سراج الدين جالسة في الحديقة تتبادل الأحاديث والكل مجتمع ، كما ان الأب عوّد الجميع على إدلاء الرأي وسماعه وإحترامه الرأي ولكن ، لديهم ضيفة اليوم وهي عمتهم الصديقة مروة .
سراج الدين : نبحث عن فتاة مناسبة للوسيم قتيبة .
مروة وجهت كلامها لقتيبة : وما هي المواصفات التي تريدها أيها الوسيم ؟
قتيبة باسماً : أنا أهتم بالثقافة والأصل أولاً يا عمتي على ان يكون شكلها مقبولاً .
مُعاذ ضاحكاً : أنا أرشح سُبل حتى تُعالج أسناننا بدون أجر … فضحك الجميع عدا مروة .
سراج الدين : حسناً أذهب الى عيادتها فهي فتاة راقية ومن عائلة محترمة نحن نعرفها مذ كانت صغيرة .
قتيبة : حسناً … ما دامت عمتي تعرفها .
أميمة أقطبت حاجبيها وأعطت تسنيم لأم سالم لأنه يُشر لها : لا بالطبع لا … فسُبل ليست من مستوى جمال ولدي ، أنا أريد فتاة جميلة يتعجب عليها الحضور ولا داعي للإستعجال ، فسُبل لا تناسبه من وجهة نظري .
أيار : أذن .. لم تتم الموافقة لنغير الحديث .
مُعاذ ممازحاً وهو ينظر الى الباب:أذن إنصرفي يا سُبل انصرفي فوالدتي غير مقتنعه.
مروة بعد ان انصتت منزعجة : لا يجوز التكلم عن سُبل بهذه الطريقة … وإسمحوا لي بالإنصراف .
سراج الدين : أجلسي أرجوك يا مروتي فأنت تعرفين مُعاذ فكاهياً ولا يقصد الإساءة .
مُعاذ : أنا أعتذر يا عمتي .. صدقيني لم أقصد … أجلسي أرجوك فنحن فرحون بك .
أنس : نعم … عمتي على صواب فهي أخت صديقي علي وهو صديق راقي جداً على الصعد كافة .
سراج الدين كمحاولة لتغيير الموضوع مبتسماً : مروتي … هل لا زلتِ تكتبين القصص القصيرة ؟
مروة : نعم … أكيد لا زلت … أكتب … وأن كنت مشغولة الآن بأطروحة الدكتوراه .
سراج الدين : عندما تتفرغين بعد الدكتوراه ان شاء الله أريدك أن تكتبي قصة بعنوان كرسي الحلاق .
أيار ضاحكة : ماذا ؟ وهل أنتهت الأسماء والمواضيع يا أبي ؟
مروة مبتسمة : حسناً وما هي الفكرة …؟ التي تتمحور عليها القصة ؟
سراج الدين : أتعرفين بأن كرسي الحلاق كالمسبار الذي يقيس أغوار كل من يدخله ، وخلال كل عمري هذا لم أدخل صالون الحلاق قبس إلاّ وقص عليّ قصة اليوم ذلك لأنه صديقي منذ الصبا ، حتى أن بعض الأحيان تتضمن القصص مواضيع خطيرة تمس احوال الناس وسمعتهم ، ولعل أبرز محاور القصص النساء في المنطقة ، وهذا أكثر ما يُخيفني ، فأن الرجل عندما يمثل على الفتاة بقصة حب ، سينقل هذه الصورة مباشرة الى الأخر ، وهذا الأخر ينقلها الى الحلاق قبس ، وقبس بدوره ينقلها لي بالحرف والصورة ، لذلك أردت الكتابة عن هذا الموضوع وسأخبرك بهذه القصص تباعا لتكون على شكل حلقات ، هذا فضلاً عن اننا إذا استدلينا على فتاة لقتيبة يجب أن نسأل قبس عنها وعن عائلتها فعنده الخبر اليقين لأنه مسبار المنطقة .
أم سالم والطفل في أحضانها : الله يرحم أيام زمان … فأين … أنتم منا .
مُعاذ ممازحاً بآسى تمثيلي : ماذا ؟ ماتت أيام زمان ؟! ولم تخبرينا لنقيم لها سُرادق مآتم .
أنس ضاحكاً : وهل تموت الأيام ؟ وأين سنمضي نحن .
أميمة : والله صحيح لكم أشتاق الى هذه الايام لتجمعني بوالديّ رحمهما الله تعالى .
مروة متنهدة : كل إنسان يرى أيامه التي جمعته بأحبته جميلة .
سراج الدين باسماً : ولكن يا خالتي … ماذا تقصدين بكلامك أرى فيه حكمة والحكمة ضالة المؤمن .
أيار باسمة : أيّ حكمة تعرفها ام سالم يا والدي فهي تترحم وتتآسى على الأيام .
أم سالم : اضحكوا عليّ … فلن تصدقوا ما سأقص عليكم .
قتيبة باسماً : هلمي يا حاجة قُصّي علينا ما أردتي قوله أرجوك .
أميمة : بوركت يا ولدي قتيبة .
مُعاذ : وماذا قال حتى تباركيه ، ولماذا لم تقولي لي بوركت يا مُعاذ .
أيار : كفاك غيرة … وكأنك تسنيم … لنسمع القصة التي سترويها ام سالم .
مُعاذ ممازحاً : لا تتدخلي بيننا أيتها الطفلة ابتعدي عنا .
سراج الدين : كفاكما جدالاً يا أولاد … تفضلي تكلمي يا خالة .
أم سالم متنهدة : قبل سنين خلت كانت الحياة بسيطة جداً وخالية من التعقيد عندما كنت صبية بعمر أنس ، كانت هناك سيدة تحمل زنبيلاً كبيراً على كتفها مملوء بالخضروات والحاجيات قادمة من السوق متجهة الى بيتها سيراً على الأقدام ، وكانت شوارع المنطقة غير مُعبدة أنذاك ومليئة بالحفريات والسواقي الآسنة .
مُعاذ ضاحكاً : حفريات وسواقي آسنة … وتترحمي على أيامها .
ام سالم : آهٍ … نعم والله أترحم عليها … وبينما كانت هذه السيدة تسير وهي تنوء بحملها تعثرت قدمها في احدى هذه السواقي وتبعثرت الفاكهة … فضحك الجميع من طريقة يسردها … ثم قالت … فماذا تفعل هذه السيدة جلست على قارعة الطريق وراحت المسكينة تلملم أغراضها وبآسى وبعد ان ملأت زنبيلها بالفاكهة التي سقطت بالوحل ، طرقت أحد الأبواب القريبة منها لتشكو حالها عسى ولعل أن يُعطوها أبريق ماء تغسل يديها وقدميها لتواصل السير الى بيتها ، وبينما هي كذلك حتى خرجت لها فتاة تأثرت لحالها بعد أن سمعت ولم ترضَ أبداَ … بأن تخرج لها أبريق وانما طلبت منها الدخول الى المنزل وتغتسل في الحمام وترتاح قليلاَ وتشرب الماء بعد أن لسعتها لُهب الصيف الحارقة في البصرة ، وبالفعل أدخلتها وقدمت لها الواجب وغسلت الفاكهة وعباءتها وجواربها وفوطتها ونشرتهما على الحبل وما هي إلاّ دقائق حتى نشفت تلك الملابس ، بينما كانت والدة الفتاة تجالسها وتتبادل معها أطراف الحديث .
أيار مبتسمة : كيف … ذلك … إذ قد تكون لصة … وتتحجج بهذه الذرائع .
أم سالم : فإنصرفت الى بيتها وهي قريرة العين … مرتاحة البال … وكأنها سقطت في وادي أخضر مُعطّر ، وفي العصر عاودت المجيء الى دار الفتاة لتطلب يدها الى ولدها على حسن ضيافتها … وبالحال تمت الموافقة ، أتعرفون من هذه الفتاة الطيبة البسيطة … هذه … أنا … أم سالم وما أسهل وأيسر خطبتي .
سبأ مكدرة الحال متوسوسة الخاطر منزعجة ولا تعرف لماذا أيار لم ترد على إتصالها كعادتها وقد مرت أيام ، وكلما أرادت الإتصال تقول في دخيلة نفسها لا لن أتصل … سأنتظر ردها … ولكن القلق يعمل عمله ويجعل الإنسان يتحرك بطاقة سحرية أخاذة فلم تستطع الإنتظار فعاودت الإتصال بها من جديد لتطمئن عليها وبعد التحية والسلام سألتها : هل أنت بخير ؟
أيار مبتسمة : الحمدُ لله بخير ونعمة … كيف حالك أنت ؟
سبأ منزعجة : ألم تري إتصالي قبل أيام .
أيار مبتسمة : أعتذر … لقد نسيت من شدة انشغالي بقراءة الكتب وانشغالي مع الطفل تسنيم … لكني أكيد سأتصل بك … أين ستذهبين …؟
سبأ منزعجة : عذرك غير مقبول … يا أيار … تجعليني في قلق … ثم تدّعين بأعذار واهية لا تمت الى الحقيقة بصلة،نعم قد تكونين منشغلة وقت الإتصال ولكن المسألة متعلقة بالمشاعر والإهتمام ولو كنت مهتمة بي وبإتصالي لما قدمتي هذا التبرير العقيم.
أيار مبتسمة : ماذا دهاك يا سبأ … ؟ ما الخطب ؟ حقيقة لم أتفرغ وكنت منشغلة .
سبأ متنهدة : حسناً … لا تهتمي لتعليقي … اتمنى ان تكوني بخير لا تهتمي لرأيي .
أيار مبتسمة : أتعرفين يا صديقتي إن الحياة تتغيير وتتوسع وكلما توسعت إزدادت أحداثها لدرجة إن بعض الأحيان لا يكفي اليوم لتغطيتها … لكننا نتواصل في الرسائل إن لم نتمكن في الإتصال … وكما تعرفين في العطلة تتغير خطة حياتي نسهر الليل وننام النهار … وضيوفنا كثيرون ومملون … وقد يتطلب الأمر بعض الأحيان أن أبقى في ملابسي الرسمية طوال النهار وهذا يؤثر على طاقة الإنسان .
سبأ واجمة : وهل تعتقديني … أعيش في هدوء تام … وإستقرار مثالي .
أيار مبتسمة : نعم أعتقد … بأن حياتك مستقرة هادئة … قليلة المشاغل والإلتزامات المملة تجاه الأخرين .
سبأ : كلا يا أيار أنت مخطئة … ومخطأة تماماً وقد نأيتي كثيراً عن الهدف هذه المرة ، فحياتي غير هادئة وغير مطمئنه كما تتصورين … وهناك أمور لا تعرفيها بعد عن حياتي لتجعلك تتصورين هذا التصور المثالي وكأني أعيش في جمهورية افلاطون المثالية … الشبيهة بالجنة … لي متاعبي النفسية … ولكن على الرغم من كل ذلك لم أتجاهلك يوماً .
أيار : عزيزتي لم أتجاهلك ولكنك أكيد ستعذريني لأني لم أفرغ من شدة الإلتزامات .
سبأ : لا تكترثي … تصرفي على راحتك وبمصداقية تامة … أتفهمك … وأتفهم بأن بقاء الحال من المحال … والقلوب بيد الله تعالى يقلبها كيف يشاء .
أيار : أرجوك … لا تظلميني بهذه العبارة … وأنت تعرفين أيار جيداً … صادقة إن نطقت في أي قول ، وألتمس منك العذر تارة أخرى .
سبأ : المسألة يا أيار أكبر من قولك أو تبريرك أو إنشغالك ، الحال الآن يدعو لنعي لهفة مجنونة جمعتنا سابقاً ، وإقامة مأتم لموت شعور … ورحيل حلم لطالما تشبثت به … ثم أنهت الإتصال .
مرت مدة طويلة وزكية لم تواصل قصة أختها مع مروة وقد تناست لقاءاتها الخميسية منشغلة بحياتها الجديدة ولاسيما وهي تنشغل طوال النهار بأعمال المنزل ، ذهبت إليها وعاتبتها وطلبت منها بإبتسامة رائعة … يقتلني الفضول لمعرفة باقي القصة … وعلى الرغم من فرحة زكية بها وطلبها بأن تدخل كوخهم الصغير إلاّ انها أبت الدخول مكتفية بطلبها على أن تحدد زكية الموعد الذي ترتأيه مناسباً لوقتها على أن لا يتعارض مع وقت زوجها شامخ … وما أن حل مساء الخميس حتى جاءت زكية الى المكان المليء بذكريات العشق ، وذكريات السعادة التي جمعتها بمروة مصدر سعادتهما بحسب زعمهما .
زكية مبتسمة : يسعدني جداً طلبك هذا يعني انك مهتمة .
مروة مبتسمة : مهتمة جداً لسماع الباقي … ولكن هل كل هذا الوقت عسلاً .
زكية ضاحكة : الحمدُ لله … الفضل لك … أنت مصدر إستقراري وسعادتي .
مروة : ها … قفي قفي ليس الوقت الآن للهتافات لم أفعل شيئاً .. واصلي القصة ها .
زكية : نعم أنستي وصلنا الى عندما دخلنا أنا وعصام كنا نحمل معنا صوراً ملونة لها ونسخة من الإبلاغ عن فقدانها ، وحالما رأى الصورة عرفها وقال هذه ولاء كانت هنا منذ مدة ولكنها أختفت عندما دخل أحد رجال الشرطة ولا أعرف الى أين ولماذا ؟ فوقتئذ ألجمتني المفاجآة على النطق بآيات الشكر والفرح ، فجلسنا وتنفسنا الصعداء وأعتقدنا بأنها عادت لبيتها وتاقت لرؤية أولادها المهم الآن هي على قيد الحياة .
مروة متنهدة : والله لا أعرف ماذا أقول في شأنها أهي سخرية قدر ، الجميع بالطبع أعتقد أنها أنتحرت لتتخلص من واقعها المرير ومن خيبات أملها في الحياة لاسيما والدسيسة من فلذة كبدها،فالأمر جلل وبعيد عن التصور،اكملي رجاء يا سيدتي.
زكية مبتسمة : أشكرك … الله … كم جميلة العبارة في فمك .. يا سيدتي .
مروة مبتسمة : أدام الله سعادتك يا سيدتي … أكملي … دون توقف .
زكية : لقد عرف عابد بضياع والدته وكل يوم يتصل باكياً يسأل عنها ويبرر موقفه ويزعم بأنه تمنى لها الخير ولم يخدعها كما يعتقد الجميع وكل اتصال يثير شفقتي .
مروة : ليذهب الى الجحيم … هو السبب … لأنه عاش في استراليا ويعرف القوانين السارية هناك من جانب ويعرف بأن والده متزوج من جانب أخر ، كان لزاماً عليه أن يطلع والدته على الأمر لأنها تجهله … ويطلعها على كل الخطة المبيته في ليل مظلم من قبله وأبيه .
زكية : وعلى الرغم من طلبه إلاّ أن عصام حذّرني بعنف من مغبة إيصال أخبار والدته ليبقى يشعر بالألم ، كعقوبة توجه إليه لئلا يخطأ تارة أخرى مع الغير ، لكني أحبه … كثيراً ولا تنسي فهو ابن أختي وشعوري تجاهه شعور الأم تجاه ولدها …. لكني قلت في نفسي سأخبره عندما آخذ رأييها …. المهم توجهنا الى المنزل ونحن مليئين بالأسئلة التي سنطرحها عليها وطوال الطريق أطلب من عصام ان يكون هادئاً عندما يتحدث معها ، وحيث ان وصلنا لم نجدها وأنتظرنا أياماً ولم تظهر ، فبدأت الحيرة تتقمصنا من جديد والآسى يدور حولنا والأقسى من ذلك ماذا نرد على منَ يسأل عنها؟!
لم يكن إتصال سبأ اتصالاً مريحاً ألقى بضلاله الريبة والشك والتساؤل … فأقض المضجع وتردد أصدائه الأركان في ليلة أنتصف مسائها … فغدت أيار تارة تذرع الغرفة ذهاباً وأخرى إياباً وهي تسترجع كلماتها المؤثرة المليئة بالشفرات التي تحتاج الى تفسير ، ولكنها تلوم نفسها لماذا لم تسألها بالحال ، ولكن بالأصل لماذا تناست إتصالها وهل يعقل حقيقة ما قالت موت اللهفة المجنونة والتواصل الذي كان يثير انتباه وتساؤل واستغراب كل من رأى وسمع عن هذه الصداقة ، ولكن ماذا حدث ؟؟ يا ألهي … قالتها بآسى وهي في منولوجها الداخلي … ثم جلست على سريرها بقوة … ثم مدت يدها بكسل الى جهازها النقال الموضوع على الطاولة يمين السرير وجلست جلسة القرفصاء وسط السرير ثم اعتدلت في جلستها وسحب الحيرة تُخيم على أجواء الغرفة وقد نامت كل العيون عداها … وبعد أن تفحصت النقال لم تجد رسائل منها كعادتها … فراحت تتصل … بها لتسألها توضيح كلماتها المليئة بالألغاز … إتصلت بها بعد أن تأكدت من إستيقاظها من كلمة متصل على الواتس آب كما كانت هي تقول لها ، وانها عندما تنام تغلق الهاتف ، ولكن رن ّ الهاتف مرات ومرات عبثاً ودون جدوى مما أجج الشكوك في صدرها ، فراحت تكتب ما يجول في خاطرها …
أحقيقة صديقتي ما قلتي … ماتت بيننا اللهفة المجنونة بجمار الحسد الملعونة …
وغدت خطوات التواصل بيننا مريضة كسيحة …
وقلاع صداقتنا غدت طلالاً مستباحة …
بعد ان كانت عداءة يشار لها بالبنان … ومثالاً يُحتذى به في الأوطان …
أحقيقة مرت من أمامنا الأيام الجميلة … وأمست أطيافاً مستحيلة …. دون أن ندري كيف تبددت كالماء …
وجفت وتناثرت كالأشلاء … أحقيقة كلامك يا سبأ … أحقيقة هذا النبأ …
وإلاّ لماذا نسيت اتصالك وتناسيت … وأجد نفسي ذات مسؤولية عالية تجاه الأهل
ولابد عليك ان تتنبئي بوقت فراغي لتكوني به أهل …
آهٍ … ولكن ان كانت بيد الإله القلوب ..
فليس للعبيد المقدرة على المكتوب … أشعر وكأن فكري مقعد …
وليلي مقفر سرمد … ولا أحب البته أن أعاملك بهذا الزعم …
فهلا من قريب للفهم …
آهٍ من الشعور بالآسى … والوجوم على بابي قد رسا … فلن أشكي همي إلاّ للورق
شاهدي الليل وخليله الأرق … ويراعي يؤرخ التفاصيل والأحداث …
بجثث الكلمات المنفلقة من الأجداث … الشكوك تُدمّر وتحطم النفوس ….
وتجعل النخيل الشامخة واقفةً بلا رؤوس … ولا خير في ماء يشك فيه أجاج …
لا يُروي من ظمأ ولا يعدّ علاج … ولا جدوى من حديث النفس والجدال …
ما دام الجو متقلب الأحوال … فطاقة الحديث لا تنضب بين المحبين …
وان فقدت شحنها انقع الوتين … كإنقطاع الضوء والماء والملاذ …
فكيف للروح أن تحيا بعد وابل برذاذ ؟ وكيف لها أن تثق بالهدوء والآمان …؟
بعد أن فقد الشرعية وغادر الأوطان …
لم تشعر سبأ بالرغبة بالرد على إتصالها لأنها تعتقد بأن المشاعر الصادقة يجب أن تنساب بعفوية دون طلب أو إلحاح أو تكلف وبقاء الحال من المحال وإلاّ من وجهة نظرها لماذا تشعر بأنها تغيرت ؟ ، راحت تدور في رحى المنولوج الداخلي الذي أعتادت عليه ، وهي تقول … لقد وصلنا الى عمر الرشادة ولا زلنا نتعثر في خطواتنا تجاه بعضنا أنا أعاتبها وهي تتشبث بذريعة اللعب مع أخيها الصغير ، والإنشغال والإلتزامات ونست وتناست السنين التي جمعتنا ، لم ننشغل عن بعضنا في الإتصال أو الرد حتى ولو لثواني ، ولكن يا سبأ هذه هي الحياة ، ومحال أن تصفو لأحد ، ولكن أين ذهبت اللهفة المجنونة والتجاذب الروحي الذي كان يجمع روحينا في قارورة واحدة ، لدرجة عندما كنت أتصل بها أجدها ترد مباشرة لأنها للتو نوت الإتصال ، وأين المترجم الروحي الناطق بكل اللغات ، أيعقل بأن رسائل القدر أبدلته وغيرت محتواه ، على الرغم من شعوري بالآسى على نفسي لكني حتماً سأتكيف لأني في عمر الرشادة وستجف دموعي وسأوافق على خطة والدتي في الحياة وأعد العدة للسفر بعيداً عن هذا الشعور بالألم ، المهم لن أشكي همي إلاّ للورق فهو الصديق الوحيد الذي يفهم الإنسان ويتحمله ولا يغيره الزمن ، نعم لابد أن أكون قوية وأعتمد على نفسي في تسوية مشاعري لابد أن أهذبها وأقننها وأعامل أيار بذات المعاملة التي تعاملني بها لتذق الكأس ذاته ، ولكن ماذا أفعل بالشوق الكافر الذي يصهر روحي وأن كانت وسط الجليد ، لكنها الأيام ستكفل لي النتيجة وتحسم الإجابة ، وعزائي في حبي لها أنها صادقة في كل ما تقول ولا تُداهن ولا تدعي ما ليس لها ولا تُجيد التمثيل حتى الذي في قلبها يُقرأ على لسانها ، ولا يبقى جرح على حاله ، ما دامت القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء ، لقد عشنا أياماً جميلة مليئة بالذكريات والقصص والعِبر ، ولن أفرض نفسي عليك ما حييت فإما حياة عز وإما الحل والترحال ، وستبقى أكف الضراعة لله بأن يحفظك ويسدد خطاك وراحت تكتب بمكابرة والهم يعتصر قلبها .

أشكر الجرح …
الذي قربني منك أكثر …
فالألم مهما اشتد زائل … ومر الشاي يقتله السكر …
وسحائب الليل ستنقشع … ويتبلج النور بدرّ مسطر …
يا جرح هكذا علمتني الحياة … أن أشكرك عندما اكتشف البشر …
وليس من رقص بأسنانه يبتسم … وليس من عاش في الحب دهراً ينسجم …
وهكذا رُفع النقاب عن أرواح ظننتها الماء المنهمر …
لكني شكرت الجرح الذي واجهني …
لئلا في لهيب الشوق أبقى أعتبر … وأعيد الكرة من جديد بمن أعرفهم …
واثبّت الصادقين في ذاكرتي بألواح ودسر …
هذه هي الأدوار على مسرح الحياة … مخاض يسير وأخر عسر …
لا يبقى حال على حاله …
فلابد من حقيقة بعد إعشاء ستُبصر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *