الرئيسية » ملفات » كاظم الحلّاق : قبور (ملف/23)

كاظم الحلّاق : قبور (ملف/23)

إشارة:

جماعة “البصرة أواخر القرن العشرين” جماعة فريدة ليس في تاريخ السرد العراقي فحسب بل في تاريخ الأدب العراقي عموما. فهي لم تكن “الجماعة القصصية” الأولى في تاريخ العراق فقط بل كانت مشروعاً تثويرياً في النظرة إلى دور السرد خصوصا في واحدة من أخطر المراحل التي عاشها العراق بانعكاساتها الهائلة على رؤية الأديب ورؤاه. اقتنصت هذه الجماعة الإمكانية العظيمة لفعل الكلمة المقاوم حبن ترتدي أثواب الفن الباهرة فيمكنها أن تكون ماسة تلمع وتقطع في الوقت نفسه. وإذ تنشر أسرة موقع الناقد العراقي تراث هذه الجماعة وما كُتب عنها فلأنها “ظاهرة” تستحق الدراسة لاستنباط دروسها. تحية لجماعة البصرة أواخر القرن العشرين. ويهم أسرة الموقع أن تتوجّه بفائق الشكر والامتنان إلى الأديب الأستاذ “محمد عبد حسن” مؤرّخ هذه المجموعة وواحد من المساهمين المهمين فيها لأنّه زوّد الموقع بأغلب نصوص هذا الملف. 

قبور

كاظم الحلّاق

-1-

سيارة الدورية تقتفي بناء آثار الصهاريج المبتعدة عن جادة الإسفلت الرئيسة. مثل كلبين هدَّهما التعب كنا متخشبين في قفص حديد مربوط  خلفها. أراني استعرض جسد صاحبي وهو يضيع في (دشداشته) داكنة اللون، حاملاً قنينتَيْ ماء بلاستيكيتين وثمار خيار ملفوفة بأقراص خبز، فنبدو أشبه ببدو رحّل نحلم بمدن بيض غُمرن بفيض ظلال لا تلبث أن تتشكل في الأفق اللانهائي كصيرورة حياة لسنا متيقنين من وجودها. متسربلين بالخوف نحثُّ خطى، فنحرث خطى متوجسة في جسد الصحراء، لنصل في انبلاج الفجر إلى ساحة تربض فيها شاحنات عديدة.

توقفت السيارة قرب بناية كبيرة. دلفنا ممراً يفضي إلى عنابر أربعة تفوح منها رائحة رطوبة تمتزج بعرق بشري، تقابلها حمامات مطلية بلون أزرق. أيّ ألم تبعثه الذكرى لرفاق درب تلوذ النفس المحطمة بنفحات أرواحهم؟ أيّة ذكرى كابوسية تقع بحرارة الفولاذ الحار على رؤوسنا مطاردة أذهاننا القلقلة؟

كم كانت آلامهم عظيمة؟ وكم كانت صرخاتنا مدوية..!

كرة أخرى تفقد الأشياء ثباتها بعينيّ المستغربتين لعطونة الهواء والرطوبة الزاحفة باتّجاه أفواه العنابر المفغورة. أمرونا بالدخول في آخر عنبر. كنت أشعر بالغثيان، مغيّباً وسط سحنات مختلفة من البشر: هنود/ بنغال/ أفارقة/ عرب/ أسبان. أتيقن من وجع الروح ونحن نغرق في الزحام قرب شيخ يتمدد فوق بلاطة أسمَنْتية  باردة، مشرعا قدميه المتشققتين لضوء ينسكب من نوافذ جداران عالية. كانت الشقوق غائرة كأنفاق طين عميقة ويشماغه الأحمر منحلّ فوق جفنيه المتفصّدتين بالعرق.. بريق الأسئلة يحوّم بعيوننا فنطلق كلمات تتبعثر بوجه الشيخ فتختلط بهمهماته:” اسمي صالح، أسكن في مقبرة جوار ضريح الحسن البصري”.

تمددنا على البلاطات وأمسى وجوم الظهيرة يفرز كائنات دخانية لا حياة فيها؛ وجوه خالية من التعبير تنظر  للحرس بعيونها المنطفئة. قلوبنا الفزعة تنعصر تحت إيماءات أصابعهم الممدودة  باتجاهنا، فنراهم يعدون أجسادنا الهاجعة، كأنهم يحصون أحلامنا. في الساعة  التي أعقبت نومنا، كان الشيخ البصري يسير بمحاذاتي وأنا في طريقي إلى الحمّام. ذهلت من رؤاه الغريبة وهو يؤكد بخيال يائس شاردا بأفكاره؛ بأن أجداده يمتّون بصلة لعوائل تسكن قريبا من مكاننا، كانوا قد احتضنوا المتعبين والممسوسين في جادات الأيام الكالحة وظلام الظهائر القائظة. ترى أيّ وهم أو حاجة مجنونة تدفعه لقطع ليالي البراري المغلّفة بالعزلة الباهضة! حالما بحياة حميمة بعيدا عن اللحود المترقبة وأزهار الآس الذابلة على شواهد القبور.. لعنة اللقاء بأناس ميسورين تلاحقه وهو لا يتذكر سوى عوائل الموتى المثبتة على المرمر.

بدت موجة قادمة من أعماق بعيدة لفّت سحنته، اختفت ورائها معالم العنبر واستفزت لمعان عينيه؛ ينضغط الزمن وتدنو الذكريات في الليالي المحلولكة.. امتداد سيارات مكشوفة محمّلة بالجثث تزحف تجاه المقبرة تحلق فوقها أسراب طيور مهاجرة.. يشعر الشيخ بعاطفة حب متماهياً وطيرانها وهي تفرد أجنحتها مثل تموجات  صغيرة في الأفق.

أحاسيس غريبة تنتابه وهو يجلس عند البوابة متأملاً وحشة المكان.. ورغم أنه لم يحزم أمره، يهم بالانصراف صوب الضريح ليلقي نظرة  أخيرة مودّعا ذكرياته المفعمة بالرؤى السوداء.. يحس أن ساقيه مشلولتان وأنه بحاجة إلى قوة تنقله بضع خطوات.. قوة تندسّ بعروقه الخائرة وتخلصه من مشاهد الموت.

كان يخيّل إليه أنه يسمع أصواتاً قاسية لفتيات وشبان تُندّد به.. أصوات تؤنبه وتلومه كأنها أسواط  تجلد الذهن.. يظل مشدوداً إليها وهو يحدق إلى روابي القبور، حيث انبعاث الأصوات؛ يبصر نفسه داخل تابوت محكم الغطاء(تنغرز بجدارنه إبر حامية) موضوع فوق سيارة مسرعة تدخل المقبرة. فكّر أن منطق الأشياء قد تغير وأن ثلة الفتيات والشبان انتفضت من قبورها ووقفت هناك في مواجهته بعد أن ركلت عفونة الزمن المهيمنة على التراب، وغسلت الدروب بالدمع مستغيثة بأصواتها المبحوحة: أيها الشاهد على أحلامنا المقتولة في ظلام النهارات لقد سئمنا عطونة الوقت المستكينة في التراب.. أرجع إلينا أفراحنا الضائعة في برودة العظام.. 

أحسَّ الشيخ البصري أن سكاكين الأصوات أخذت تنغرز في لحمه الخافق، والسيارة أقفلت راجعة بمستطيل الخشب بين فسحات القبور تلاحقها الأصوات المستغيثة، متأرجحة بين خيبة يديه الواعيتين لحالات الموت..

عندما فكّر بالنداءات والصياح المنبعث  من بين كتل التراب والتابوت الإبري محكم الغطاء، أخذ يجهش في بكاء مرير، كأنه الوحيد الذي أحصى الموت كله يمر بين يديه الشائختين في تغسيل الموتى.

ضوضاء العنابر غامضة، سحرية. طفق لا يستقر بمكان شاحطا بنعاله البلاطات جيئة وذهاباً. لم نعد نفكّر في دورة الحياة. كنا سجناء لا نختلف عن الموتى سوى في كوننا أحياء فقط. شعرت بخدر ثقيل يدبّ في أوصالي وأن شجناً عميقاً يغور في أعماق الشيخ وهو يتمدد إلى جانبي. صاحبي يومئ اليّ من بعيد، تعال سأريك. أنهضُ فأسير معه في ممر ضيّق نلمح على جداره نافذة مزجّجة تطل على زنزانات للحبس الانفرادي، مطلية بدهان فاقع، تعشش في أساساتها الرطوبة.. تنغلق وتنفتح بعارضات خشب مسيّخة. كانت الزنزانات فارغة تغطي أرضيتها أعقاب سجائر وملابس داخلية لطخت بياضاتها دوائر ممزوجة ببقع حليبيّة مصفرّة، عدا واحدة يفترشها رجل أربعيني بلحية سوداء مدببة تتخلل كثافتها شعيرات فضية وشاربان كثيفان يغور فوقهما خدان لسعتهما أسواط الريح  وخددتهما شموس الصحراء وهو يروم انفتاحها، مربوط بحبال متينة إلى القضبان.. كان مفعما بالصمت وعينان تزوغان عن وجهينا في ظلام عصور مضت. أقف كالأبكم وتوشك الأسئلة أن تحرقني.. لِمَ تنعصر أعيننا بألم المشاهدة..؟ آه، أيعني هذا العذاب المستمر!

قلت لصاحبي:

– منَ شد وثاقه إلى العزلة التي أبعدته عن الآخرين؟

قال:

– سمعت من الشيخ أن ذاكرته لا تسعفه بأيّما شيء!..

– ألا يمنحونه ليلة واحدة يتذكر البراري التي عاش فيها؟

– ربما مثل كل ليلة يضعونه في شبك حديد مربوط خلف سيارة ويطوفون به في الحارات/ قرب المدارس/ أمام المساجد/ قرب المقاهي ودور السينما..

– وإن لم يعثروا على شيء هناك؟

– يقفلون به عائدين إلى الليل حيث النجوم تنذر بالوحدة!

-2-

في عنبرنا يختلط الحلم بالواقع، ففي أحيان كثيرة يأتون بآخرين سرعان ما يتحلقون لسرد حكاياتهم في إشارات شوهاء وكلمات مبتورة حيث يعجز المرء عن تتبع كل ما يدور في نفوسهم من ذكريات وآلام. الساعات سلحفاتية تمر ولست أدري كم يوماً مضى على وجودنا.. اقتربت من الشيخ البصري وحدّقت في وجهه وهو يصحو من نومه  ببطء.. كانت رغبتي أن أساله كيف قطع المسافات المظلمة..؟

تراجعت وبدا الأمر لي غريباً، ولما نظرت ثانية إليه، لم تكن في ذهني أفكار، أحسست أن جسده البدين يئن تحت ثقل رؤى سوداء تدهم خياله بينما راحت رائحة الرمل تملأ خياشيمه وتغرورق عيناه بالدمع، فانطلق يقول وكنت أصغي بانتباه:” لكل منا حكاياته.. في أوّل الليل شعرت بدبيب الموت يزحف على الأحياء المرتمية بجوار المقبرة.. كنت لا أنشد سوى التخلص من همهمات الموت المنبعثة من كل مكان، فخرجت إلى الصحراء سائرا على قدميّ المتعبتين.. في بداية الظلام  كانت عيناي تبحثان فوق منحدر الكثبان الرملية عن ضياء يتلامع.. كنت اجتازها متمهلاً، فينساب خدر شفيف الى جسدي. وأنا جاثم في حفرة صغيرة بين الكثبان، تراءت لي القبور تزحف بأفواهها المفغورة، هاتفة ورائي.. سمعتها تتقدم بصيحاتها مستجيرة، كأنها أجراس ضخمة ترن في الأمداء ويتصاعد نواحها ثاقباً أستار الظلام.. لا أدري لماذا كنت مقتنعا بأنني لم أتخلص كلية من كوابيس الموت التي تطاردني. سمعت أنينا يمزّق القلب لفتيات يتباكين.. تتبعه قهقهات، خلت أنهم رجال الدورية، تيبّست في مكاني.. هممت أن أعوي وأتجرد تماماً عن جميع ملابسي لكن القهقهات اختفت متلاشية في الفضاء. كانت غرفتي على مقربة من حجرة تغسيل المغتسل، ويوم تشتد الريح الوحشية، كان يتناهى إلى سمعي عويل الموتى الذين يأتون بهم في أوقات متأخرة من الليل يتكاثف في الآفاق الموطوءة بالأزيز.. وعندما أشعل فتيلة الفانوس وأخرج متنحنحا في الظلام، أرى جلبة من أشباح بلا خطى يهرعون من قرب نافذة المغتسل.. وحينما أفتح الباب لم أكن أبصر سوى آثار خيوط سود تعلو عورات الجثث منسابة بين الأفخاذ لتستقر على الخشب الأدكن.. بينما التراب المنهال من السقف يركد مستقراً في العيون الشمعية المختنقة بالدمع والشاخصة في سماء الحجرة الوطيئة..”. 

.. آه ليتني لم اسمع تلك الأصوات الآتية من أعماق بعيدة… إنها تتضخم متوحشة في الآفاق..عويل الريح ونداءات الموتى التي تكشط الروح.. لماذا يعتم ضوء النهارات؟.. لِمَ لا تتقدم سوى النسوة إلى التوابيت المنسية في مرافئ الأيام السود! العظام المنبوشة/ الأعضاء المنهوكة في الظلام.. وسيارات تهفهف بأقمشتها الفاقعة المدوّخة تنهب الشوارع/ أو معطوبة تجثم في الأزقة بمستطيلات الخشب،، تضربها حرارة الشمس فتسيح سوائل قاتمة على صدأ العجلات..

كانت حائرة ترقب الآماد باحثة عن أرض آمنة تهتدي إليها بأجداث الموت. انتفض الشيخ ناشجاً: إنه الزمن الموعود يا بني. لكني لن أسلّم روحي للشيطان. سأسلك دروبا بيضاً صوب كوّة في السماء. انهارت الدموع تحفر في خديه الموشومتين بالفجائع خطوطاً سوداً.. وحين أطرفت ببصري كي أعطيه بعض الماء ليغسل به الدمع، أخذ يشهق في البكاء وهو يخطو ازاء رجل الزنزانة متحدثاً:” إيه عبد الله.. الراحة لن تأتيك وأنت منهمك بنسيانك.. ستغيب الشمس في منتصف الطريق.. وتتحطم أجنحتك الحالمة بنور الصحراء وأنت تجوس ظلام الشوارع المنسية خلف الأحياء التي ترفض أواصر روحك..”.

-3-

في وقت ما بعد الظهيرة ما من أحد يجرؤ على الكلام. رأس الشيخ ينود والجسد لا يني ينتفض بين ركلات الأرجل واليشماغ الأحمر ينزلق فوق العينين الباحثتين في سماء العنبر..، وفيما كنت أحدق كالمأخوذ على مبعدة وهم يتفحصونني من رأسي إلى أصابع قدمي بنظرات مريبة، شعرت بأن آفاق الأرض قد أطبقت وأقطار السماوات.. لماذا يضربونه؟ هل تفوّه بكلمات مجنونة عن بكاء الرجل في آخر الليل وخيالاته عن زيارة زوجته وأغنامه إليه؟ ترى بماذا يتحدث وهو يشير بحركة من رأسه باتجاهنا؟ أيّة لعنة ستحل بنا لو وشى بأحلامنا المتشظية  في الطرقات وأدخلنا في حكاياته عن الصحراء وأجراس قبورها الراكضة/ عن عورات الجثث المنهوكة في الظلام..؟ هكذا كان يُخيّل إليّ وأنا أنظر إلى  مجموعة من الحرس قد أخرجوا الرجل من زنزانته فتجمع حولهم النزلاء ضاجين بأحاديث ساخرة:” لا. لا. إنه لا يريد أن يتذكر قطعانه الضائعة في الصحراء.. إنه مسرور برؤية الشوارع والنساء كل يوم.. انه يريد أن يموت محروقاً بنسيانه”.

سيقف الشيخ البصري لحظة  بعد أن ينفضّوا من حواليه، ماسحا وجهه المندى بالماء، محدقاً ببلاهة عينيه الزائغتين في جموع النزلاء، زافراً بكلمات غامضة في وجوههم. أشباح سجناء/ موتى لا يهم. سيتحرك بوهن يتطلع إلى وجه البدوي الغارق في الصمت والواقف عن الباب، فاتحا يديه المغضّنتين كما لو يريد أن يعانقه: “عبد الله.. عبد الله.. لم يبق هناك شيء.. لم يبق سوى الموت أو الرحيل.. سنغادر بعدك بوقت قصير، لن نعود من هناك.. لست متأكداً.. ربما سيعثر أهلك عليك في لحطة ما.. فيزول عنك الحزن وترجع إلى منزلك الصحراء..”.

سيعود مقترباً بسذاجة يحدثني عن الموت الذي بدأ هنا ويسنتهي هناك.. وعن مغادرتنا أرض العنبر وترحيلنا إلى الحدود.. أأصدق ذلك وألعن ساعة دخولنا المكان..؟ ساعة موتنا أنا وصاحبي والشيخ؟!

سنخرج غير مصدقين، نجلس خلف سيارة تسير بنا على جوانب شوارع عريضة مرصوفة ببلاطات ملوّنة.. ستشتعل الأحلام الضائعة برؤوسنا.. أحلام الحياة المطمئنة تتراءى لنا من خلال بيوت بطوابق متشابهة تتفادى أشعة الشمس بدهان حليبي..أشكال أرجوانية تلوح في الأفق الملتمع، سيتلفت الشيخ بشراهة مقلّباً عينيه بين ستائر بيوتها المرقشة بنقوش جميلة.. وما أن نقترب من أطراف أحد الأسواق تضيء أعيننا المبهورة أجساد نساء رخِصة لنساء بعباءات سود طافحات بالشهوة يتحلقن  حول قفص السيارة الواقفة، بينما الرجل البدوي يتطلع دون اكتراث إلى غبش الأفق عبر فسحات الرؤوس.

سيتململ الشيخ مذعوراً وهو يرقب جموع الناس المتجمهرين، رافعاً بصره المتفجّع، متأملاً صفحة السماء، كما لو انه يصغي إلى دوي ساعة ضخمة يتناهى إليه موصولاً من أعماق الكون؛ ساعة خلاص ستفتح الأرض فيها أحشاءها وتبتلع كل ما موجود، متحدثاً عن وحشة عبد الله المذهول مثل حيوان مطرود من زمنه نحو غياهب أراض مجهولة.. سينظر في بحر خياله محدقاً في سيارات أجرة وشاحنات ينتظرن الدخول إلى المقبرة.. متمتماً: لا يهم.. لا يهم.. مقبرة الحسن البصري/ إبراهيم الخليل/ محمد الجواد/ العنابر الأربعة/ مقبرة الزمن الذي ينثر فحمه بوجوهنا. سيرقب جنازة في طريقها إليه.. رائحة كافور حرّيفة تصفع وجهه وتنغرز بجسده.. سيزيح يشماغه الأحمر عن رأسه. لكن ما عساه أن يفعل؟! هل سينتظر أحداً في هذا المساء؟ السيارات تتدافع محاولة الدخول.. الشيخ يمدّ يشماغه مقلّبا إيّاه في الريح؛ كفناً أحمر آخذاً بالاتساع.. العينان الحارستان تتراجعان.. تنتظران.. تنتظران بقية الزمن.. بقية أشلاء الحياة.. العينان الساكنتان تريان تجمُّدَ أطياف الحياة. هاتان العينان تدركان أهوال الفراق/ موت المساء الذي يعكس ضباباً أسود يعلو القمائر الحمر ويذوب، فتفوح رائحة الموت منه.

سيقف برهة يتأمل وجهينا بأسى، كأنه يفارق شخصين حميمين إلى الأبد. ثم يجلس قدامنا على التراب،، نادباً/ منهوكا/ ممتعضا/ محبطاً. سينهض بعد لحظات متوسلاً بمجموعة أشخاص كانوا يتسلمون أوراقنا من السيارة التي أقلتنا أن يمنحوه بضع دقائق ليتيمم بأكوام رمال على يساره.. بينما المشاهد السود تتوالى مثل أنصال حادة تُغمد في نخاع ذهنه.. ستضطرب حركاته وتغشى عينيه ألواح الخشب الملطخة والمهيمنة على ماضيه.. ستتهادى لسمعه هدير موسيقى جنائزية تقترب بصنوجها المدوية في عنان السماء.. ستغلي الدماء برأسه وهو يتلفت في الفراغ ماسكاً قبضة رمل أمام ناظريه .. يُخيّل إليه ان اللحظة صمت قاتلة ستعمّ المكان.. تبدأ بعدها أبواق الموسيقى بعزف ألحانها المتصاعدة.. سيفرش يشماغه/ كفنه الأحمر قبالته بعد أن يمرر قبضته على وجهه ويديه المرتعشتين؛ فيرى البيوت تتهاوى في حضن اليشماغ.. تتقوض بعدها البنايات/ الأرصفة/ الباحات/ أيّما شيء يطاله الخيال، بينما تثب القبور المفغورة الأفواه تتقافز عبر أسيجة المقبرة محاصرة حشود الناس المفزوعة، والذين طفقوا يتراكضون في حلقات تضيق باستمرار، تلاحقهم همهماتها كفحيح أفاع مستفزة من هول فاجعة ستقع!

والآن ها هو الشيخ البصري يقف متسمّراً على الرمال المسفوعة بحرارة الشمس، نائحا، نادبا بدموعه المحروقة آفاق زمنه المسودّ.. بينما نحن نخطو بأقدامنا المتقرحة أمام أحد الأشخاص الذين تسلّموا أوراقنا حيث الضوء يموت في جوف شاحنة تقف بانتظارنا، والتي سوف تبتعد بنا بعد لحظات، تشيعها نظرات الشيخ الواقف كالمصلوب في أفق الصحراء العاري.

البصرة 1994 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *