الرئيسية » ملفات » حسن عبدالحميد : مراسيم أسىً واستنشاقات نقاء في قصائد سلمان داود محمد (ملف/24)

حسن عبدالحميد : مراسيم أسىً واستنشاقات نقاء في قصائد سلمان داود محمد (ملف/24)

إشارة :
سلمان داود محمّد – وببساطة شديدة جدا ولكن معقّدة – هو “عاهة إبليس” في المشهد الشعري الراهن ؛ العراقي – وحتى العربي لو هيّأ له الأخوة النقّاد “الأعدقاء” فرص الانتشار. وكمحاولة في إشاعة فهم بصمة روحه الشعرية المُميزة الفذّة التي طبعها على خارطة الشعر ، ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي الاحتفاء به عبر هذا الملف الذي تدعو الأحبة الكتاب والقرّاء إلى إغنائه بالدراسات والمقالات والصور والوثائق.. تحية لسلمان داود محمد.

مراسيم أسىً واستنشاقات نقاء
في قصائد سلمان داود محمد

حسن عبدالحميد

(لا غرو أن يتفجر الحب والشعر بصيغ غريبة… صافية… قد تكون فضيحة أو جريمة أو قصيدة!) قول شاعر المكسيك وفيلسوفها المحدث (أوكتافيو باث) هذا، ربما هو من سيمهد لنا فتح مغاليق أبواب العشق والولع في جسد وعقل قصائد الشاعرسلمان داود محمد)،وإذ نحصر موضوعة الحب بين هلالين في قوام تجربته، التي لم تتجارَ أو تتبارَ إلا مع نفسه التائقة لجعل الشعر رهانه، وملاذه، بحاصل خلاصة فهمة للحياة، إنما لنؤكد شمولية وسعة تقصداته الفكرية وهي تتأرجح على روح نبضات الشعر، وتزهو لأن ترتفع به عالياً فوق قمم تغريب مشاهد يومياته الشعرية على نحو يجعلها (أي تلك المشاهد الغرائبية) تخترق الواقع وتصيبه بواقعية (سلمان داود محمد) المدهشة والباشة بوجوه كل من تصادف معها أو تطلع في مرايا موجوداتها، حتى وأن كانت تلوذ في أقصى دهاء حالات تعبيرها عن مكامن الحزن وهول الكوارث والمصائب التي يتصدى لها شعراً… نافراً… محرضاً… ورشيقاً في ذات حضوره المضني والبهي معاً.
ثمة انثيالات طيعة وعميقة، كانت قد تهاطلت مطراً حارقاً من سماء حروب ومآسي غيومه الأرضية في العام 1995، ثم توردات همومه وأشجان أوجاعها الرهيفة بتثبيت تأكيدات وتوريدات علامته الفارقة في العام 1996وتحديات وجودها الصعب على خارطة الشعر العراقي الحديث، بكامل تضاريسها التأسيسية، وانفتاح مزلاج أبوابها التحديثية بمفاتيحها السيابية والبياتية والملائكية، ومن ثم طغيان محرماتها (التابوية) بشقيها (الإيديولوجي) متمثلة بدفع عجلة الموهبة على عربة (العقيدة الحزبية) لعدد من التجارب، وبحسب شدة أو محدودية تفاوت مناسيب أهميتها الإبداعية، من جهة، وبشقها (السلطوي) متمثلة بالدفع والترويج لعدد آخر من تجارب شعرية، ما كانت ستكون عليه من حيث الشهرة والإنتشار، عبر تقادحات النقد الملتفت إليها بعدسات مكبرة، والغامط لغيرها من التجارب الناضجة والكبيرة في تهجيها لحروف وأبجديات الشعر الحقيقي من نافذة النظر الى الجهة الثانية لفهم أثر تلك (التابوات) سواء أكانت مقصودة، أم إنها تسللت الى واقعنا النقدي بمحض مصادفات، أو تأديات لواجب (مهنة النقد)، التي زاولها ويزاولها البعض من النقاد – افتراضاً – تحت طائل تأثيرات عدة، لسنا بصدد ملامسة أسبابها الآن، مادام (عزرا باوند) كان قد صنف هؤلاء (البعض) وهو يهش بعصا نصائحه الذهبية الواردة في متن مقالته الشهيرة (فن الشعر) التي كتبها في صيف عام 1912 واضعاً بضع لاءاته المتمثلة بنسق توجيه تلك النصائح، مطالباً كل يعنيه أمر قداسة الشعر، سلك طريقه من خلال مسارب ثلاثة مقترحات يمكن إيجازها – بتصرف محسوب – على نحو ما سيأتي؛ (بدءاً – يقول باوند – تأمل المقترحات الثلاثة، طلب التعامل على نحو مباشر.. والإقتصاد في الكلمات ونسق العبارة الموسيقية، لا بوصفها عقيدة جازمة.. لا تنظر الى أي شيء على إنه عقيدة جازمة، بل نتيجة تأمل طويل، ربما يستحق الأخذ بنظر الإعتبار حتى لو كان تأمل شخص واحد) والنصيحة الأخيرة، والتي هي بيت القصيد – هنا- ترتهن لطلب (باوند) بأن؛ (لا تعر أهمية لنقد أولئك الرجال الذين لم يكتبوا هم أنفسهم كتاباً واحداً جديراً بالذكر)، وهذا لا يعني – بكل تأكيد – إسباغ وجهات النظر الواردة من قبلنا حول واقع الشعر العراقي المعاصر،على جميع التجارب الخلاقة، والتي سورت واقع الشعر العربي بأسره بمنجزات شعرية فريدة، وراسخة في توضيحات مساعيها ومستلهمات مدياتها الإبداعية،معتمدة على مهارات وعيها وتعبيد سير خطواتها بمفردها كما في تجربة الشاعر الكبير (جواد الحطاب)، وإذ نفرد للحطاب – هنا- زهو هذه المثابة في نبض هذه المسافة، ليس غمطاً لتجارب العديد من مجايليه وأقرانه أو ممن اقترب – عمراً وتجربة، وعلى نحو معين – من ضفاف تجربته المثمرة والواسعة والمتميزة، إنما لكي نمسك بذلك الخيط المشترك الذي يجمعه والشاعر (سلمان داود محمد)، ففضلاً عن شاعريتهما الكبيرتين ومميزات نظرتيهما لماهية الشعر الحقيقي- تتضح قدرة انصياعهما على بلورة تجربتيهما منذ أول ومض شع منها وحتى سطوع ولمعان إسميهما في غابات الشعر داخل العراق، بالرغم من كل الظروف والمخاطر المحدقة التي مرت عليه، لا بل حتى أن كل واحد منهما كان قد ضمن سيرته الإبداعية – بالأخص في هوامش مطبوعاته الأخيرة- مرد هذه الفكرة، فقد كتب (جواد الحطاب) هذه العبارة في مجموعته الصادرة في العام 2012 (بروفايل للريح…. رسم جانبي للمطر): (يعتبر ديوانه – اكليل موسيقى على جثة بيانو- الصادر عن دار الساقي 2008 أول ديوان شعري مقاوم للإحتلال، ولشاعر من داخل العراق، وقد تعرض بعد صدوره لأكثر من محاولة اغتيال ؛ ووضعت تحت سيارته عبوة ناسفة، وما زال في بغداد)، فيما أشار (سلمان داود محمد) على غلاف مجموعة أعماله الشعرية والصادرة بجزءين عن دار(ميزوبوتاميا) ببغداد مابين عامي2012 -2013 بعد أن ذكر أسمه مشفوعاً بصورة باسمة ليقول (شاعر عراقي.. ولد في بغداد وسيموت فيها).

حرائق حب

(حريق يمد لسانه ساخراً من رجال الإطفاء.. هكذا الحب) بهذا النزق الدافئ والتكثيف المحنك يختصر لنا (سلمان) – بخبث تحد وصدق أمنيات – سعة مرامي وشواسع مديات الحب – الذي كان يعتبره (أعذب درس في القوة) – بسطر واحد، تناسق يتهدج بتنفس لهاث مكابر،جاء لينال من (التعاسة) بوجه نظر من يراها ويعتبرها (جوهر كل عاطفة…. أنها نواتها ومحركها وعقلها، وهذا لا يتبين منذ البداية) كما يذهب الى ذلك بالقول أحد أبطال رواية (ليلة القدر) للكاتب المغربي (الطاهر بن جلون)، فيما يناور الشاعر ببث مقاصده منذ مستهل عنوان مجموعة من نصوصه في الجزء الثاني من أعماله الشعرية،حملت ثريا هذا العنوان الشاخصة بروح درامية حية (دمعة في صندوق البريد) لتقف دوريات الحزن والحب واللوعة عند تخوم هذيانات نص، هو من أشعل عندي جذوة الوقوف والإنتباه لتلك المقاصد العشقية في تجربة (سلمان) وهى بعنوان بريدي هو الآخر(طرود في الولع)جمع في جعبته (43) نصاً قصيراً،راح يلتقط فيه سرب فراشات ذكريات لحبيبة لا مرئية، يشكل غيابها حضور سحر غامض وخلاب – معاً- حين نلمحه يقول لها:
(هل تتذكرين روحي..
حين لملمتُ الزقزقات ريشة ريشة
حتى لا تصاب بالوحشة أقفاصك….
هل تتذكرين روحي..
عندما قلت لإله البحر؛
– أنا الغريق الذي عكر صفو مياهك…
كي لايتهم زوارقك الراحلة خلسة.. بالبهتان….
هل تتذكرين روحي..
وهي تسابق دندنة القلب
في مباراة: (من يدق من أجلك أكثر…)
حتى فازت الروح على نفسها.. بلا جائزة….) ص223الأعمال الشعرية ج/2
وإذ تستكين ذاكرة الشاعر على ترجمة أحاسيس أدمنت على خرق المألوف بنصل الدهشة، وتحدي كل قوانين التوقع بهذا الإنشراح اللفظي، والصورة اللامعة التي تخفي كل المنبئات التي قد تصيب القارئ أو المتتبع لنتاجات (سلمان) بنوبات من غشاوة رائقة وندية، أضحت علامة بارزة ومثابة قصدية، نشيطة ومثمرة في توريد معانيها، وتعالقات معانيها من فرط جلال الصدق وبراعة مسك صولجان التتابع الضمني الذي يغلف نصوصه – عموماً – لكي يحصد ثمار وعي خاص لا يخلو- أحياناً- من مشاكسات وتندر سخرية بارعة تفضح قيمة ذلك الجلال المهيب الذي يخاطب فيه محبوبته:
(ضوئي لا يقول الصدق
إلا في الظلام
هوذا غنائي
في
جمهورية
ليلك…) ص233الأعمال الشعرية ج/2
سنبتعد قليلاً عن مجرى سعينا بالوقوف لتأمل هذا الجانب في تجربة الشاعر، نعني جانب الحب والولع والهيام، والذي يتضح في نخبة ثرية من نصوص أثرى عاطفة من تلك التي تعلقت بضيم وظلم الحروب والحصارات وتداعيات متوالياتها، كانت قد اجتاحت مخيلته وتنفست من رئة ورؤيته في الحرب والحب، ويأتي هذا الإبتعاد المؤقت للكشف عن عمق تطلعات (سلمان) وطبيعة التنكر الإيجابي في ترسيم ما يميز تجربته الأثيرة والكبيرة في حيثيات فهمها لمعاني ودلائل الشعر حين ينهض بتناول قضايا كبرى ومدمرة، دون أدنى تنازل عن التمتع بروح المكر البريء وسحر أثر السخرية في تعبيد طرقها نحو غايات أبعد وأمثل، لنعيد قراءة مقاطع من قصيدة بعنوان (مايكروسكوب أعمى يتكهن) لنرى مقاصدنا تتجسد على هذا النحو الواثق من قدرات تطويع الشاعر لأي كلمة مستعملة أومشتقة من قاموس حياتنا اليومية، والأخذ بها الى بهاء الشعر:
(قيل ابتهج الشركاء
الشركاء (المدشدشون)
الشركاء (المبنطلون)
الشركاء (الميشمغون)
الشركاء (المطربشون)
الشركاء (المعممون)
إلا الهلال
الذي تعلق بسيارة إسعاف وغاب
والقتلى
الذين انصرفوا عن الدوام الرسمي في مشرحة….
بلا (d) ص 37 الأعمال الشعرية ج/2

لا أحد هناك

(طغيانك حرية…) ص288م. ش ج/2
يتجلى اهتمامنا -هنا- بملاكات الجزء الثاني من الأعمال الشعرية للشاعر المبتكر(سلمان داود محمد) وتتضح مقاصدنا في جس ولمس جسد قصائده العاطفية على أعلى مناسيب وتوافد سيول مشاعره (الفخمة) بإزاء المرأة التي يحب أو يفترض تفويض مباهجه نحوها،فقد حوى هذا الجزء على الكثير من المخصص لنواحي الوجد واللوعة والهيام وتهجدات الأسى في فضاءات روحه وملكات تصوراته، من أن المرأة لديه أضحت تساوي الحياة برمتها، فثمة تقييمات وتنازلات (جنتلمانية) تقود حشود مشاعره، وترتيب صفوف عواطفه على وفق إنضباط صارم لقيمة الحب وقداسية زهو وجوده في نبل محتواه وسمة تحريك الشاعر لكل الموجودات التي تحيط به، وتديم ذاك الوجود بسر(اكسير)الحب الذي لا يدانيه شيء في حياة (سلمان):
(لا
أحد
هناك..،،
فأتركي ليلي يرتب ما تناثر من أنفاسك
على الأريكة..
وأضغطي على زر الشمس
لقد
تأخر
النهار…) ص272م. ش /ج2
تتوحد مدركات الشاعر في متن مجموعة من النصوص المختلفة الطول، تدثرت بعنوان عام هو(أطروحة في اللهفة) ضمن قوام عشرين نصاً، منها ما انضوى تحت عنوان فرعي دال،ومنها ما ظل مطلق السراح وبلا عنوان، لتشكل- تلك المجموعة- دافعاً وجدانياً وملاذاً متدفقاً من تحليقاته الطليقة في محراب التوحد مع الحب الخالص:
(النبيّة أنت
و
ما
تبقى
يسجدون…) ص290م. ش ج/2
كما في غيرها من نصوص متواشجة مع ذات خلاقة، تائقة تستعذب المر لتحوله الى رحيق، وتستحلب القاني لتحوله الى رقة وصفاء بوح وتورد محكوم بقوانين وتشريعات شعرية في ممللكة الحب وجمهوريات الوجد التي يجد فيها (سلمان داود محمد) نفسه تصدح ببيانات وقرارات واجتراحات، تميز وتلخص حضورها في بنود نص بارع التكثيف والتوصيف كان قد مهره بعنوان (تجريد الحكمة من وقارها) ص274م.ش ج/2، مضيفاً إليها مدخلاً تحريضياً يقول فيه: (كلما أحبك يحدث الآتي ؛) وليسك – بعدها-عملة بعشرة تحذرات تقاطرت على شكل وهيأة تصورات، بإمتدادات وتنبيهات وصلاحيات وهبها الشاعر لمعشوقته بلا منة أو تردد أو خوف، ليتوج فيها جلال وخشوع الحكمة حين تصاغ على منوال ذلك العشق المهيب، الذي يتعبد فيه (سلمان) حد الوله والتوحد والنبوغ في تصدير خلجاته ونفحاته التأملية والروحية، في أتون تجربة شعرية وإنسانية شاخصة،حفرت عميقاً جذورها في ثنايا خلاصات ما تسعى إليه التجارب الإبداعية الكبرى في عالم وملكوت الإحتفاء بالشعر ملاذاً و قدراً، وبالإنضمام الى قوافله بنسق الروح الحية التي تباغت المألوف والمتوقع، بكسر قيوده، لتصل به الى ما لا نهاية.. ما تبغيه مرامي شساعة وأبهة الشعر.. على أخلصه وأنقاه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *