الرئيسية » نصوص » قصص قصيرة جدا » هشام القيسي : فصول تعرف كل هذا
(6) في كل مدار

هشام القيسي : فصول تعرف كل هذا
(6) في كل مدار

(6)

في كل مدار
*******

تسافر في مكانها وتلهث كل مساء حيث تتجه إليه، ومن بعيد تشهر عرفها الهائج كما هي في كل مرة كي تصغي فيما بعد إلى وليمة أعدها لها على السرير دون تعب حيث يبدأ يقرأ أنينها بصمت.
لا تشكو مع أنه ثقيل عليها ويجثم بأخطاءه، فشهوتها أعمق ووجهها الشاحب يومئ إلى لهاثها الشاحب فهي عرفت كيف تعتم وتقتحم هذا الطريق بصخبه المتضاعف في لوحة إعلانات المجتمع.
هكذا أرادت أن تنام على جسد كانت طيلة الوقت تسعى إليه بأنفاس مكتومة تجلد داخلها، بيد أن هبوط الليل واللحظات التي ذهبت أكثر من مرة قد قلص فورانها القادم من بعيد حينها أيقنت أن البيت الفارغ يبقى بانتظار لحظات جديدة لا تخون.
تكاد تنوء بأنفاسها قبل أن يتلاشى الليل، لكن النار تركت لها أثرا في اتجاهها المعاكس بعيدا عن أسئلة النهار. رفست الوقت على السرير لتعود إلى ماض لا يحصي طرقاته وإلى شهوة لا تهرب من هذا الطريق.
هي تسبح دائما في أيامها دون تكاليف وعندما ترى أن الحرارة تختار صفحاتها المؤرقة تبدأ في مدارها بإقامة رحلات إزاء تجاويف في أزمنة عارية تقلب أوراقها ليلة بعد ليلة ابتداء من مكان الجرح وحتى تفاصيل الاشتعال.
كل ليلة تمضي ونغمتها الأولى تعرف مساراتها اللاحقة حينها تواصل سكن الليالي بعلامات تمتلكها على إيقاع الاستسلام بلا ألم.
ستنام هذه الليلة أيضا خارج ذهول الحقيقة ومن خلال فتحة الباب ستبقى مستلقية على سرير تمارس عليه مواعيد لا تتوقف نيرانها. فالنهار لم يعد يحصي رحلاتها الساخنة وطرقاتها باتت غير نادمة على هذا. لهذا تواصل الاندفاع وإلى أجل غير مسمى.

أينما استدارت كانت نوافذها بين جدران وجدران، غير أن صدفة اتسعت أمامها جعلتها تبدأ بتقليب أيامها في ذاكرة الزحام دون أم تعلن عن أي شيء. إذ ذاك أدركت أن الصياد لا يمكن أن يتخلى عنها فيما هي تومئ لشرود قديم لا زال يحاصرها حتى اللحظة هذه. عندها تصعد الدرج المؤدي إليه لتمارس لهيبا جديدا بسخاء.
في آخر الليل تتوقف عن تسويق نيرانها وتبدأ باختصار وقتها في برنامجها الطويل لأنها تعرف بأي اتجاه تسير وكيف ترتب رغباتها يوما بعد يوم حيث أن خفاياها لا تتربص فيها. في غمرة رقود السهر تتيقن أن البدء لها وهو يهيمن على علاقاتها في كل طريق أو استراحة. بهذا الإيقاع تحشد جسدها على مسالك الخطيئة دون أن تقلع أيامها المعطلة على ضوء النيران.
هي تشتعل في لهيب أيامها المفتوحة على استجابات لا تهدأ وحيثما تعيش على نظرات الزحام تبقى الفوانيس تنير بهدوء نحو هوة عارية تحاور بجمراتها الزائرة كل ثوب متسول، وحيثما أمكن في بداية كل انتظار يعرف أسراره. وأقصى ما يمكن أن تدونه هو أن الفوران يبقى لديها كطفل غير بريء يستلقي على أغطية مهاجرة.

.. يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *