الرئيسية » ملفات » موجز المواقف الفكرية للمفكر الراحل طيب تيزيني (2/1) (ملف/4)

موجز المواقف الفكرية للمفكر الراحل طيب تيزيني (2/1) (ملف/4)

موجز المواقف الفكرية للمفكر الراحل طيب تيزيني
مساره الفكري
حصل الدكتور طيب تيزيني على درجة الدكتوراه من ألمانيا عام 1967 في أطروحة معنونة “تمهيد في الفلسفة العربية الوسيطة” والتي نشرت بالألمانية عام 1972. ثم حصل على الدكتوراه في العلوم الفلسفية عام 1973. وقد تبلورت أطروحته باعتبارها نواة لمشروع فلسفي عند نشر كتابه الأول باللغة العربية وهو “مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط” عام 1971 الذي طبع بعد ذلك خمس طبعات. حول الدكتور تيزيني بعد ذلك أطروحته إلى مشروع متعدد المراحل مكون من 12 جزءا، في هذه المرحلة أنجز أعمالا منها “الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى” (1982)، و”من يهوه إلى الله” (1985)، و”مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر” (1994). وقد أنجز الدكتور تيزيني ستة أجزاء من هذا المشروع قبل أن يتحول إلى التركيز على قضية النهضة. وتركزت المرحلة الثانية في فكر الدكتور تيزيني، والتي بدأت تقريبا عام 1997، على معالجة عوائق النهضة العربية سواء في فكر الذات أو تلك الناتجة عن الحضارة الغربية. وفي هذه المرحلة أنجز أعمالا منها “من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي” (1996)، و”النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة” (1997)، و”من ثلاثية الفساد إلى قضايا المجتمع المدني” (2001). ويمكن القول بوجود سمتين هامتين أساسيتين للتحول الفكري في مسار الدكتور تيزيني، على الرغم من احتفاظه بالفكر الماركسي كمرجعية فلسفية. الأولى هي التخلي عن الطرح الماركسي التقليدي القائل بأن عملية التحول المجتمعي تقوم على صراع الطبقات، واستبدالها بالاعتماد على الطيف الواسع للمجتمع ككل. والثانية هي استبدال استبعاد الفكر الديني الإسلامي من عملية التحول المجتمعي، الذي هو جزء طبيعي من الفكر الماركسي، بأهمية فهم التجربة الدينية الإيمانية من الداخل وتأثيرها في إنجاز التحول المجتمعي.

فلسفته
يرتكز الفكر الفلسفي للدكتور طيب تيزيني على فكرة أساسية يمكن القول بأنها تمثل الفكرة المركزية التي يدور حولها مشروعه الفكري جميعه. يحاول الدكتور تيزيني بصور متعددة أن يثبت أن الفكر العربي، ويشمل ذلك ما قبل ظهور الإسلام، هو جزء من تطور تاريخ الفكر الإنساني بالمعنى العام. وهذا يستتبع نتيجتين، الأولى هي أن هذا الفكر ينطبق عليه المنهج الجدلي المادي على الرغم من أنه، أي الفكر العربي، قد تطور وازدهر في ظل الحضارة الإسلامية. والثانية هي أنه لا يمكن قبول فكرة المركزية الأوروبية التي تنزع عن الفكر العربي (الإسلامي) أصالته الخاصة به وتجعله مجرد حامل للفكر اليوناني القديم. تظهر مركزية هذه الفكرة بشكل واضح من تحقيبه التاريخي للفكر العربي على أنه فكر ينتمي إلى “العصر الوسيط”، حيث يقسم الفكر الإنساني إلى فكر قديم ووسيط وحديث. كما يظهر ذلك أيضا في تحليله للفكر العربي ابتداء من “بواكيره الأولى” قبل الإسلام اعتمادا على المعطيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية قبل الإسلام وبعده. وبالتأسيس على ذلك يرى د. تيزيني أن هذا الموقف يحرر الفكر العربي المعاصر من سيطرة الفكر الغربي، حيث يمكن في هذه الحالة استئناف الفكر العربي كجزء من تطور الفكر الإنساني. كما يمثل ذلك الموقف، من جانب آخر، وسيلة للخروج من سيطرة الفكر التقليدي حيث يمكن إعادة قراءة الفكر العربي باعتباره جزءا من التاريخ الإنساني. وبالتالي ستمثل إعادة القراءة التاريخية هذه دافعا آخر نحو استئناف الفكر العربي كجزء من تطور الفكر الإنساني.

مشروعه الفلسفي
يتركز المشروع الفلسفي للدكتور طيب تيزيني في إعادة قراءة الفكر العربي عبر تاريخه في إطار الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحيطة به اعتمادا على المنهج المادي الجدلي. وترجع بداية هذا المشروع إلى أطروحته للدكتوراه التي حصل عليها من ألمانيا، والمعنونة ” تمهيد في الفلسفة العربية الوسيطة”. تحولت أطروحته بعد ذلك إلى مشروع فلسفي متعدد المراحل وذلك في عمله المعروف “مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط “. والتوصيف “رؤية جديدة” ناتج عن كون عمله هذا يعد أول محاولة في قراءة الفكر العربي انطلاقا من تاريخيته وعلاقاته المادية، وباعتباره جزءا من التاريخ الإنساني. وقد أنجز الدكتور تيزيني ستة أجزاء من هذا المشروع قبل أن يتحول إلى التركيز على قضية النهضة. وتركزت المرحلة الثانية في فكر الدكتور تيزيني، والتي بدأت تقريبا عام 1997، على مواجهة ثلاث قضايا أساسية تمثل بالنسبة إليه عوائق أمام تحقيق النهضة. الأولى، هي الفكر البنيوي غير التاريخي الذي يصدر أحكاما غير تاريخية على العقل العربي ويدفع، من وجهة نظره، إلى التخلي عن فكر النهضة. والثانية، هي قضية قراءة وفهم الفكر الديني عموما، والنص القرآني خصوصا. حيث يرى أنه يمكن قراءة النص القرآني قراءة جدلية تاريخية وبالتالي الارتكاز عليه لطرح تصورات النهضة. وبذلك يتم حل إشكالية العلاقة بين فكر النهضة، المرتكز على العقل، وبين فكر الذات، المرتكز على النقل. أما القضية الثالثة، فهي قضية فساد الواقع المجتمعي سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي، من ناحية، والتحديات الحضارية التي تفرضها الحضارة الغربية من ناحية أخرى. ويمكن تقسيم الفكر الفلسفي للدكتور تيزيني، الذي يهدف إلى تحقيق هذه الفكرة المركزية، إلى تصورات نظرية وأخرى عملية. فعلى المستوى النظري، ينقسم فكره إلى تصوراته عن المنهج الفلسفي الذي يرتكز على المادية الجدلية، ثم تصورات أنطولوجية عن الطبيعة والوجود، ثم إلى التحليلات التاريخية للفكر العربي وللعلاقة بين هذا الفكر والدين الإسلامي. وعلى المستوى العملي ينقسم فكره الفلسفي إلى تصوراته عن كيفية معالجة النص القرآني وشروط فهمه باتساق مع المادية الجدلية، وإلى تصوراته عن الشروط المجتمعية لتحقيق النهضة، وإلى تصوراته عن العلاقة بين المجتمعات العربية والإمبريالية العالمية.

منهجه
يستعرض تيزيني في الصفحات الأولى لكتابه “على طريق الوضوح المنهجي السمات الأساسية للمنهج الصحيح في معالجة الفكر العربي ويبرز فيه سمتين عامتين أساسيتين، الأولى هي الاعتراف بالتعددية على المستويين المنهجي والنظري، فليس هناك من يملك الحقيقة المطلقة. والثانية هي الضرورة الموضوعية للاعتماد على المنهج التاريخي الجدلي. فيما يخص مفهومه للتعددية يذكر: “وسوف نتبين في مساق هذه الكتابات ضرورة التحفظ المنهجي حيال مجموعة من الآراء والتوجهات والمشاريع الفكرية التي يقدمها أصحابها على البديل أو البدائل الجديدة عن الوضعية الفكرية العربية المهيمنة؛ هذا مع العلم أن إبراز مثل ذلك التحفظ يخضع، هو نفسه، لمقتضيات الحوار العلمي الديمقراطي. يل لعلنا نكاد نقول إننا، قبل إبراز ذلك التحفظ، مدعوون إلى الإقرار بضرورة الدفاع عن حرية الحوار العلمي الديمقراطي قولا وفعلا. ذلك لأن “الحقيقة” لا يمكن أن تنبثق على يد نظرية أو منهجية ما على نحو كلي ومطلق أولا، ولأن الوضعية الفكرية العربية، بالذات، ما زالت وستبقى لأمد غير قصير تحتمل حدا من منهجية “الخطأ والصواب”، دون الوقوع في مزالق نزعة تجريبوية زائفة معرفيا، من الأساس”. (على طريق الوضوح المنهجي ص 6) أما بالنسبة لأهمية وضرورة المنهج المادي الجدلي، في إطار التعددية الفكرية، فيوضحها كما يلي: “إن من شأن هذا أن يقودنا إلى القول بأن المنهج المادي الجدلي الذي يخترق هذا الكتاب عمقا وسطحا هو ذاته موضع الحوار النقدي، مع الإشارة المبدئية إلى أن المنهج المذكور حتى لو جرد من معظم معطياته ومقوماته، فإنه يظل محتفظا بركيزته الكبرى الحاسمة، تلك هي كونه منهج التجاوز والتخطي الجدليين الماديين، وكونه المنهج الذي يخضع لهذا التخطي وذاك التجاوز. إن الفكر العربي، بأنساقه المستنيرة، مدعو إلى خوض اختبار عميق ومركب ومعقد يتمثل باكتشاف الطريقة الحقيقية للمزاوجة بين الواقع العربي المشخص وأكثر المناهج المعاصرة نجاعة في بعديها المعرفي والأيديولوجي، وذلك بعيدا عن هوس الإنجاز المتسرع واللاهث وراء نتائج قطعية وتامة. ونحن نرى أن مثل هذا الطموح لا يستطيع – في كل الأحوال – أن يتجاوز اللحظة الجوهرية في منهج التجاوز والتخطي ذاك، المنهج المادي الجدلي التاريخي…” (على طريق الوضوح المنهجي ص 7)، وكذلك، “إن المنهجية الجدلية المادية التاريخية، بعناصرها البنيوية والوظيفية، تمتلك – في رأينا – الاحتمالات الأكثر رحابة باتجاه اكتشاف الحقيقة في وحدتها الجدلية الإبستيمولوجية والإيديولوجية. ولكن التحقق من ذلك مرتهن بالفعل العلمي وبما يخترقه من أبعاد وسمات اجتماعية وسياسية وثقافية”. (على طريق الوضوح المنهجي ص 254-255) كما يوضح تيزيني الأهمية الجوهرية للمنهج التاريخي للفكر العربي، خصوصا في ظل ظهور النظريات اللاتاريخية مثل البنيوية والوظيفية، في مقدمة “مشروع رؤية جديدة للفكر العربي”، كما يلي: “إن تشكيل وتطوير نظريات وفرضيات ومقولات ومفاهيم علمية لا يمكن أن يستجيب لمستلزمات الدقة العلمية انطلاقا من البناء المنطقي لهذه النظريات والفرضيات والمقولات والمفاهيم فقط. إن عملية التشكيل والتطوير تلك ينبغي، استجابة لذلك المبدأ العلمي، أن تردف وتعمق من خلال بحث تلك الركائز العلمية في تاريخيتها. بكلمة أخرى، أن المنطق ينبغي أن يرى ويمارس في تاريخه، والتاريخ في منطقه، وذلك بشكل عضوي وثيق. فاللحظة المنطقية الجدلية في مفهوم ما يمكن استنطاقها واستخراجها بشكل أدق وأكثر شمولية، حين تبحث في وحدتها العميقة مع تاريخها، أي مع تاريخ المفهوم نفسه. إن الأهمية الكبيرة لهذه المسألة تظهر بشكل خاص في الوقت الراهن بالنسبة إلى قضايا جديدة في العلوم الطبيعية والتكنولوجية والاجتماعية. فليس من النادر أن نلقى آراء ونظريات تعالج بعض المفاهيم، مثل “البنية” أو “الشكل” أو “النظام” أو “التقدم”، وذلك انطلاقا من اعتبارات تتعلق بمستوى تطور هذه المفاهيم الراهن فقط، ولكن من خلال ذلك يهمل جانب أساسي هام من جوانب تلك المفاهيم. أن التاريخ والمنطق يكملان بعضها في وحدة جدلية، وهذا يعني أن أحدهما لا ينفي أو يستنفد الآخر. فبغض النظر عن الأولوية الوجودية (الأنطولوجية) للتاريخ، فإن كليهما جوهري من أجل وضع وتطوير مفاهيم علمية فلسفية ما. ولكن هذه المساواة في الجوهرية والأهمية لا تعني، بطبيعة الحال، إغماض العين تلقاء الحالة العيانية الخاصة التي يمكن أن تعرض لنا، بما فيها من تعقيدات وبما لها من جوانب جوهرية وأخرى ثانوية”. (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 6) وفي هذا الإطار المنهجي التاريخي، وبخصوص علاقة الفكر العربي بالفكر اليوناني، يجب قراءة الفكر العربي الإسلامي باعتباره جزءا من تاريخ الفكر الإنساني له سماته الخاصة، وبالتالي لا يجب تصوره كامتداد للفكر اليوناني، كما يفعل الكثير من المفكرين، ويعبر عن ذلك كما يلي: “ونحن حين نحاول هنا دراسة الفكر الفلسفي المادي لدى الفلاسفة العرب الإسلاميين في العصر الوسيط في علاقاته الوثيقة قليلا أو كثيرا بالفكر الفلسفي اليوناني، فإننا لا نعمل على إقحام ذلك الفكر العربي الإسلامي ضمن إطار تلك المنهجية إقحاما ولا على تطويعه لها بشكل تعسفي، ذلك أن مثل هذا الأمر لا يعدو أن يكون عملية هجينة غريبة عن العلم التاريخي والفلسفي. على عكس ذلك، نحن نطمح هنا إلى أن نبحث تاريخ الفكر ذاك من خلال منظار جديد يؤكد في الخط الأول على وحدة التاريخ الإنساني وعلى عملية النمو الذاتي لهذا التاريخ، وبالتالي على كون المنهجية العلمية المعاصرة قادرة على تمثل التاريخ ذاك واستيعابه بشكل أعمق وأكثر غنى ودقة مما فعلته المنهجيات السابقة التي تكونت ضمن هذا التاريخ”. (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص7) وبخصوص العلاقة المنهجية بين الفلسفة والدين، يقرر د.تيزيني بأنه لا يستبعد الدين وإنما يقرر “بالتمايز النسقي” بينهما وبأهمية احترام كل مجال منهما للآخر، يعبر عن ذلك في النص التالي من حواره مع الدكتور أبو يعرب المرزوقي، وفي ناتج الموقف يبرز أمران، يتمثل أولهما في ضرورة الإقرار بالتمايز النسقي والتمايز المنهجي بين الفلسفة والدين، وبأن لكل منهما طريقا ينبغي احترامه من كليهما معا؛ في حين يفصح الثاني عن نفسه بصيغة محددة تقوم على ألا يتدخل الواحد منهما في آليات الآخر ومساره، والنتائج التي تنجم عن نشاطه البحثي أو التأملي. ومع هذا كله، تبقى المسألة مفتوحة عقليا في ضوء السؤالين التاليين المتحدرين من نظرية المعرفة، وهما: هل نعرف الآن كل شيء؟ ويجاب بالنفي، أولا، وهل هنالك عائق إبيستيمولوجي معرفي أولى يحول دون إمكانية أن نعرف كل شيء؟ ويجاب كذلك بالنفي. إن الاحترام المتبادل والندية التنافسية والتسامح العميق في العلاقة بين الطرفين المذكورين، وكذلك بينهما وبين كل الأنساق النظرية والثقافية والإيديولوجية العامة ضمن الواقع العربي المعاصر، باحتمالاته وميوله النهضوية التقدمية، إن ذلك مجتمعا هو الطريق إلى إثمارها وإخصابها. (آفاق فلسفية عربية معاصرة ص 212).

تصوراته عن الطبيعة والوجود
بالنظر إلى أن الدكتور تيزيني يهدف إلى وضع الفكر العربي في إطار تطور الفكر الإنساني، وبالنظر إلى أن هذا الفكر هو في الواقع فكر إسلامي يعبر عن ظهور الحضارة الإسلامية، بالنظر إلى ذلك تصبح إشكالية العلاقة بين الجانب “الإسلامي” والجانب “المادي” لهذا الفكر إشكالية مركزية. لذلك يبذل تيزيني جهدا تنظيريا كبيرا لإنشاء تصور جدلي للوجود يحتفظ بالوجود “الظاهري” لكلا الجانبين، ويعطي في نفس الوقت للتحليل المادي لهذا الفكر مشروعيته النظرية. لذلك يستهل تيزيني مشروعه الفكري باستعراض تصوره الجدلي لهذين الجانبين للفكر، ويظهر هنا الجانب “الإسلامي” في صورة التجريد “المثالي”، إن تاريخ الفكر النظري له خاصيته الذاتية. هذه الخاصية تكمن في عملية تكون معقدة لاتجاهين فلسفيين، يكتسب كل منهما طابعا متعارضا مع الآخر وبشكل آخذ في العمق والوضوح. هذان الاتجاهان هما المادي والمثالي. أنهما لم يتكونا دفعة واحدة كشكلين من أشكال الفكر الفلسفي. فهما قد اجتازا تاريخا خاصا بهما، ولا يزالان يمارسان وجودهما ويتابعان بالتالي سيرهما التاريخي. وقد تم هذا، ويتم في عصرنا، ليس بمعنى أنهما يضعان لنفسيهما غايات بعيدة أو قريبة بشكل قبلي ميتافيزيقي “teleologic”. إن الأخذ بهذا الرأي لا ينسجم إطلاقا مع الوقائع التاريخية العيانية، بل يقوم على مصادرة دينية تنطلق من عملية خلق إلهي للتاريخ وللعالم عموما. من طرف آخر ينبغي إبراز واقع كون عملية التطور الفكري هذه، المميزة بتشكل اتجاهين أو ميلين فلسفيين رئيسيين، لم تأخذ مجراها بشكل محايد، أي دون نزاع. فالمادية والمثالية لم تتطورا بعيدا عن بعضهما أو إلى جانب بعضهما، بل من خلال بعضهما، وبشكل خاص، ضد بعضهما. لقد أكدتا نفسيهما وأرستا قواعدهما ليس من خلال تطور منسجم ناجز، بل إن النزاعية والعدائية هما ما يميز ذاك التطور. وفي الحقيقة، أن هذا، انطلاقا من جوهر القضية، ينسجم مع الميل الجوهري الذاتي لكلا الاتجاهين الفلسفيين الرئيسيين، هذا الميل الذي يمتلك القانونية التطورية الخاصة. إن هذا يتم التأكيد عليه هنا بإلحاح، لأنه ذو أهمية مبدئية بارزة بالنسبة إلى القضايا المطروحة في هذا الكتاب. وبالطبع فإننا، آخذين بعين الاعتبار هذه الرؤية المنهجية للمضمون الداخلي لتاريخ الفكر الإنساني النظري، سوف نفهم هذا التاريخ على أنه تاريخ لقطبين نشآ وتطورا على أساس معطيات الفعالية النظرية والعملية للإنسان الاجتماعي. ونحن إذ نقول “قطبين”، لا نعني أنهما الوحيدان اللذان يتمتعان بوجود نظري في الدماغ الإنساني، بل إلى جانبهما وحولهما تتواجد عناصر “جانبية”. غير أن “قطبية” ذينك القطبين و”جانبية” العناصر تلك ليستا مطلقتين، بل هناك علاقة وثيقة متبادلة بينهما، لها طابع جدلي، وذلك بمعنى أن العناصر الجانبية لا تزال بعد على طريق نضجها الذاتي واكتسابها هوية واضحة متميزة، أي أنها لا تزال بعد في طريقها إلى أن تتحول إلى جزء لا يتجزأ من واحد من القطبين، بحيث يجري تمثلها منه ضمن فعالية ذاتية. والمسألة هذه، مسألة العلاقة الوثيقة ذات الطابع الجدلي والقائمة بين القطبين والعناصر الجانبية، تتبدى من خلال كون القطبين نفسيهما نتاج تطور طويل وبطيء ومعقد للغاية للعناصر الجانبية. ولكن هذا لا يعني أنهما يفهمان فقط من زاوية كونهما نتاج ذاك التطور، ذلك لأن وجود العناصر الجانبية المتناقضة بشكل خفي وجود نسبي تماما وهذا يرتد إلى أنها تقوم على علاقة وجودية (أنطولوجية) عميقة مع القطبين المومئ إليهما، وإلى أنهما، من حيث مضمونها الميلي “tendentious” الجوهري، تخص الواحد أو الآخر من القطبين، كما هو الحال مثلا بالنسبة إلى اللاأدرية “Agnosticism”، بموقعها من المادية والمثالية. فهذه، أي اللاأدرية تبدو ظاهريا وكأنها تشكل قطاعا خاصا متميزا عن المادية وعن المثالية. إلا أنها، في حقيقة الأمر، ما هي إلا نمو طبيعي للفكر الفلسفي المثالي. وظهورها كشيء مجانب – جانبي – للمادية والمثالية اللتين تشكلان القطبين المتميزين، لا يخفي حقيقتها القائمة على علاقة داخلية مع المثالية. (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 9-11) ولكي يؤسس تيزيني للطابع الجدلي لهذه العلاقة بين الجانبين ويبرر الظهور المستقل لكليهما في الفكر العربي الإسلامي يطرح فكرة الأسطورة كنقطة بداية يندمج فيها الجانبان ثم تتطور إلى علاقة جدلية بينهما، هنا يتوجب الكشف عن عنصرين أساسيين، أساسيين انطلاقا من العلاقة التاريخية الأولية الأصلية. أما العنصر الأول فإنه يقوم على الرابطة الأولية البدائية بين “المادية” و”المثالية”، هذه الرابطة التي تأخذ شكل وطابع الأسطورة “Myth”. إن هذه الفرضية، كما سنرى في هذه الدراسة القصيرة حول الخطوات الأولى لنشوء الفكر المادي والفكر المثالي، سوف يكون تقبلها والأخذ بها في خطوطها الأساسية العامة أكثر معقولية واقترابا من الموقف العلمي من رفضها. ففي البدء نجد رابطة أولية توحد نسبيا بين بذور الاتجاهين الفكريين المومئ إليهما فوق. بيد أنه من الضروري التأكيد على أن الحديث هنا يدور بالضبط حول البذور الأولى الجنينية للمادية وللمثالية، هذه البذور التي وجدت تعبيرها بشكل جوهري في الموقف العملي المباشر للإنسان تلقاء العالم المادي وتلقاء ذاته هو نفسه. غير أن هذا ينبغي أن يفهم بمعنى أنه لا يمكن التحدث هنا بعد عن تناقض متميز بين الميل المادي والآخر المثالي على الصعيد النظري في تلك المرحلة التاريخية البدائية. إلا أنه يمكن، بل يجب التحدث في هذا الإطار عن وجود حد أدنى من التفكير “النظري”. ذلك لأن العامل الحاسم في عملية الانتقال أو الانفصال النهائية للكائن الإنساني عن العالم الحيواني قد كمن في نشاطية وفعالية هذا الكائن المكتسبة اجتماعيا، والتي تبلورت في صنع واستعمال أدوات عمل وفي خلق وسيلة مشتركة للتفاهم، أي بتكوين لغة… ضمن هذا الإطار الضيق للوجود الضروري لحد أو قدر ما من الفعالية “التنظيرية” لدى الإنسان البدائي، تنسم العنصر المادي (الواقعي) والعنصر المثالي (اللاواقعي أو الماورائي) خيوط وجودهما الأولي وتحركا، ولكن، بعد، ليس في شكل تناقض متميز بوضوح ضمن ذلك الوعي… أما العنصر الثاني فإنه يستبين من خلال ديالكتيك الرؤية لتلك العلاقة البدائية الآلية، وذلك على أساس من أن هذه العلاقة توجد في صيرورة وتحول دائمين، وأن ميل هذه الصيرورة وهذا التحول يقوم على عملية تشكل ونمو قانوني “regular” للعنصر المادي من الطرف الأول وعلى إقصاء العنصر المثالي من الطرف الآخر. ولقد وضعت الفعالية العملية للإنسان، أي العمل، الحجر الأساسي لنشوء الأسطورة، وفي نفس الوقت لانحلالها إلى العنصر المادي (الواقعي) والعنصر المثالي (اللاواقعي أو الماروائي). (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 13- 15) بعد تأسيس العلاقة الجدلية “الصراعية” بين المظهرين المثالي والمادي للفكر عموما ينطلق د. تيزيني في البناء على هذه العلاقة وصياغة الكيفية التي ستتم من خلالها القراءة الجدلية المادية للفكر العربي الإسلامي، من ناحية، وتبرير وجود “منعطف نوعي” للفكر العربي الإسلامي كجزء من تاريخ الفكر، ونحن إذ أوردنا ما تقدم، فإننا لم نطمح بذلك إلى أن نشير إلى النوعيات الجديدة في الفلسفة الحديثة أو المعاصرة، بل إن المسألة تدور هنا حول اكتشاف وتعرية وعرض الجوانب الجديدة نوعيا في تطور الفكر الفلسفي لدى الفلاسفة الإسلاميين العرب، تقريبا من القرن الثامن حتى القرن الثاني عشر، وخصوصا فيما يتعلق بالميل المادي في أنظمتهم الفلسفية. ومن خلال إنجاز هذه المحاولة سوف نكتسب اليقين بأن الاستمرارية في التطور النظري الإنساني بمجموعه لا تنفي ولا تستنفد اللااستمرارية النوعية الخاصة، المتمثلة بواحدة من فترات ذلك التطور…على أن تينك اللحظتين أو المنحيين (أي الاستمرارية واللااستمرارية) في التطور النظري المعني يشكلان وحدة جدلية عميقة نسبية، لا يمكن بمعزل عنها فهم واستيعاب تاريخ الفلسفة في خطه العام وفي دقائقه وتفرداته فهما واستيعابا علميين عميقي…إن نتائج أبحاث في الحقول النظرية والتجريبية والاجتماعية السياسية والاقتصادية، وإن كانت حتى الآن قليلة، تقدم مادة كافية كبرهان واضح على وجود منعطفات نوعية في تاريخ الفكر النظري لدى الشعوب المختلفة، ومن ضمنها ولا شك، الشعوب العربية الإسلامية في العصر الوسيط. (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 11-12).

معارضة المركزية الأوروبية
يعتمد تيزيني على موقفه الذي يضع الفكر العربي كجزء من تطور الفكر الإنساني له سماته المميزة وخصوصيته الذاتية لتدعيم رفضه لفكرة المركزية الأوروبية، ويوضح ذلك كما يلي، والآن، إذا أردنا أن نستوعب الخطوط الأساسية لتاريخ الإنسانية الفكري الثقافي، فإن دراسة وتقصي المكتسبات العربية-الإسلامية الوسيطة في هذا الحقل الفكري تشكل شيئا جوهريا. هذه الحقيقة التاريخية تتناقض على نحو واضح مع الآراء ووجهات النظر اللاعلمية حول تاريخ الفكر الإنساني. في طليعة هذه الآراء تحتل نظرية “المركزية الأوروبية” مكانا مرموقا، أما ممثلو هذه النظرية فهم كثير ولكنهم جميعا يلتقون في نقطة مركزية: إنهم يفهمون التاريخ الإنساني الفكري (والحضاري عموما) على أنه تاريخ للفكر “الأوروبي” بدءا بالعهد اليوناني القديم، ومرورا بعصر النهضة والتنوير، ومنتهيا بالعصر الحديث والمعاصر. إن هذه الرؤية لمسيرة الفكر الإنساني التاريخية يمكن تحديدها بكونها 1-عنصرية رجعية، و2-لاعلمية مناهضة للنتائج التاريخية العيانية التي تحققت في هذا الحقل. (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 405).

موقفه من الفكر العربي الإسلامي القديم
من خلال هذه التصورات النظرية يكون الدكتور تيزيني قد أنشأ أساسا نظريا يمكنه من التعامل مع الفكر العربي الإسلامي. فالفكر العربي الإسلامي هو جزء من تاريخ الفكر الإنساني يقبل التعامل التاريخي معه. والجانب المثالي و”الديني” فيه يمكن وضعه في إطار جدلي مع الجانب المادي فيه. تأسيسا على هذه الأسس النظرية يطرح تيزني، بناء على تحليلاته الجدلية المستفيضة، موقفه التفصيلي من الفكر العربي الإسلامي القديم، ويظهر هذا الموقف بوضوح في عدد من المقتطفات التالية. في البداية يكشف عن أن الفكر العربي المعاصر لم يقدم أي معالجة علمية (تاريخية جدلية) للفكر العربي، كما يلي، في الحقيقة، إن فشل الكثيرين من المستشرقين والباحثين العرب في استخراج وتطوير وتعميق وجهة نظر علمية موحدة حول العصر العربي- الإسلامي الفكري الوسيط لهو ذو دلالة عميقة. فهو يكمن في كونهم لم يدرسوا هذا العصر الفكري في علائقه الاجتماعية-الاقتصادية والسياسية. لقد انطلقوا، في آخر تحليل، من موضوعية استقلالية “الفكر” تلقاء “الواقع الاجتماعي المادي”، فعجزوا، على هذه الطريق، عن فهم استمرارية الفكر، أي خاصية الفكر في كل من فترات تطوره التاريخي. إن الفكر يتضمن في ذاته ليس فقط استقلالية نسبية تلقاء الواقع الاجتماعي المادي، وإنما أيضا ارتباطا أنطولوجيا (وجوديا) بهذا الواقع. وبذلك فهو يحتوي، في نفس الآن، استمرارية ولااستمرارية. فمن أجل بحث العصر الفكري المشار إليه، تتبين الأهمية القصوى لكشف الأطر التاريخية والاجتماعية-الاقتصادية، التي ترعرع وشب فيها العصر ذاك. إننا نقول بكون هذه الأطر قد هيأت، بشكل غير مباشر ومتوسط، إمكانية نشوء وتطور الفكر العربي-الإسلامي الفذ، ولا نقول ضرورة ذلك. أما تحول هذه الإمكانية إلى ضرورة، فقد كان نتاج المنطق والبنية الداخليين الخاصين بالفكر الإنساني منذ الحضارات الكلاسيكية قبل العصر العربي-الإسلامي حتى هذا العصر الأخير. (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 126) بالإضافة إلى نقد تيزيني وجهات نظر المجددين الإسلاميين لعدم اعتمادهم على المنهج التاريخي ينقد أيضا المفكرين العلمانيين لنفس السبب وهو عدم الاعتماد على المنهج التاريخي والاعتماد فقط على المنطق المجرد المنقطع عن الواقع ورفض التراث العربي الإسلامي، ويرد ذلك إلى سوء قراءة تراثنا الفكري، كان هنالك تيار فكري تجديدي قد أخذ منحى متميزا بشكل واضح عن منحى المجددين أولئك. إن هذا التيار، الذي يعتبر سلامه موسى من أبرز ممثليه، يقوم في أساسه على محاولة تجاوز شامل للتراث العربي-الإسلامي. إن تجاوزا من هذا النوع كان يتضمن رفضا للتراث هذا، من حيث هو كذلك، والبدء من جديد…في الحقيقة، نحن نستطيع تقصي هذا القصور في فهم قضية تراثنا فهما علميا تاريخيا دقيقا من قبل سلامه موسى والذين تأثروا به من خلال سببين: الأول هو أن تراثنا الفكري – والحضاري عموما – قدم إلينا بشكل مشوه ممسوخ، بحيث أبرزت منه الجوانب السلبية الغيبية والمناهضة للتقدم العلمي والاجتماعي إبرازا بدائيا مملا في طريقة تقديمه. أما السبب الثاني فقد كمن في كون أولئك لم يستوعبوا المنهج المادي التاريخي بشكل جدلي حي. لقد وقعوا في التبسيطية. فهم فهموا الثورة الفكرية الثقافية والاجتماعية على أنها نفي كلي للتراث، بحيث ينبغي تكوين “بداية” جديدة كليا. إن مفهوم نفي النفي الجدلي فهم من قبلهم من حيث هو رفض دون تمثل ودون استعادة جدلية لذاك التراث.( مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 131-132) ولتجنب هذا الخطأ يشدد على قراءة تراثنا الحضاري قراءة موضوعية إنسانية غير ميكانيكية، أي غير سطحية، ويعارض في هذا كافة التصورات الغربية ويشمل ذلك اشبنجلر وتوينبي، لقد ترك لنا أسلافنا العظام إرثا حضاريا عملاقا. ولكن بالرغم من هذا فإننا سوف لن نكون علميين وصادقين مع تراثنا إذا انكفأنا راجعين إليه رجوعا ميكانيكا. إن الإنسانية الحديثة والمعاصرة قد اكتشفت حقائق وأبدعت مكتسبات ضخمة أيضا في مجال العلوم والتقنية والعلاقات الاجتماعية، فهل يحق لنا إنكار هذا انطلاقا من أخذنا بذلك “القمقم الأصل”؟ إن من ينكر ذلك، يستوي مع المتعصبين العرقيين من الأوربيين، المنكرين لمنجزاتنا في العصر الوسيط. فالحضارة الإنسانية تشكل وحدة جدلية عميقة لم يستطع طرحها توينبي أو شبنجلر وغيرهما من المؤرخين المثاليين بالمعنى الفلسفي. (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 134) بعد نقد التصورات السابقة سواء في الفكر العربي المعاصر، أو فكر المستشرقين، أو الفكر الغربي الحديث والمعاصر، يستهل تيزيني طرح وجهة نظره في شروط القراءة الصحيحة لهذا التراث. ويتمثل الشرط الأول في التأكيد على أهمية العامل الاقتصادي في قراءة التراث العربي، بدون اعتباره العامل الأوحد، بدون الوقوع في مزالق “الاقتصادية الميكانيكية”، التي تمنح العامل الاقتصادي الدور الحاسم والوحيد في عملية النمو الاجتماعي الإنساني، نرى أنه من اللازب الإشارة إلى أهمية هذا العامل في العملية تلك، بمعنى أنه خطأ فاحش أن نبحث عن نمو “الفكر” في الفكر نفسه بمعزل عن الإمكانات التي خلقتها له الجوانب الاجتماعية – الاقتصادية والسياسية والتكنيكية. ولقد بحثنا هذه المسألة في السابق. إنما نود هنا، على ضوء ما سبق، التأكيد على أن المنهجية هذه هي القادرة فعلا على طرح قضية “التراث” العربي-الإسلامي بشكل يعيد لهذا التراث حقوقه وجوانبه المشرقة الإيجابية المسلوبة من قبل ممثلي الذهنية الإقطاعية-الغيبية في الحقل التاريخي، وكذلك من قبل الأطر الضيقة الهجينة لممثلي الجديد، المنطلقين من الذهنية البورجوازية – الإقطاعية المتخلفة والانتقائية. إن ذلك التأكيد يقوم على كون تلك المنهجية التاريخية توحد في أثنائها الأيديولوجيا بالعلم، فتتحول بذلك إلى منهجية علمية. (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 136) ويتمثل الشرط الثاني في اعتبار ظهور الإسلام في المجتمع العربي “حركة” اجتماعية تخضع لكافة الشروط العلمية لأي حركة اجتماعية. وهذا يستتبع بداهة دراسة الظروف الاجتماعية قبل ظهور الإسلام واستخلاص الظروف والدوافع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي أدت إلى ظهور هذه “الحركة”، حينما نصنف مرحلة بحثنا هذا إلى “ما قبل الإسلام” و”ما بعده”، فإننا لا نعني بـ”الإسلام” عقيدة دينية فقط، بل أيضا، وبشكل أساسي، حركة اجتماعية جلبت معها نتائج عميقة. وسوف لن نستطيع استيعاب المرحلة الثانية اللاحقة بمعزل عن المرحلة الأولى. وهذا يقتضي الإحاطة بالوضع الاجتماعي العربي – الجاهلي – إحاطة سريعة، ولكن واضحة. (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 138-139) ويحلل تيزيني الظروف الاجتماعية التي أدت إلى ظهور هذه “الحركة” ويعتمد في ذلك على كلاسيكيات الفكر الماركسي، من ذلك تحليلاته المعتمدة على جدلية السادة والعبيد، وأثر هذه الجدلية على التحولات الاقتصادية في هذا المجتمع، وهنا نجد أنفسنا أمام نتيجة هامة حتى الحد الأقصى، تمس قضية العوامل العميقة الدفينة التي مهدت لنشوء الحركة الإسلامية بجانبها الاجتماعي الهام: على أساس تلك الرابطة الوثيقة والمشروط وجودها بشكل موضوعي بين العبيد (الرقيق) والعوام الأحرار ونصف الأحرار، تكونت وتبلورت الدوافع الاجتماعية البعيدة للحركة تلك. (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 150) كما يعتمد أيضا على التحليل الاقتصادي لهذا المجتمع وأثر ظهور الرأسمال الربوي في هذا المجتمع وتضاعف أعداد العبيد، فأصبح ظهور الإسلام مخرجا من هذا التحول الدرامي في المجتمع، لقد تكونت وترعرعت الحركة الإسلامية في فترة زمنية بلغ فيها الرأسمال التجاري-الربوي درجات مرموقة، وتضاعف فيها بالتالي استغلال الأرقاء والعوام. وقد أصاب هذا الاستغلال أعضاء القبيلة الواحدة من قبل أغنيائها وأغنياء قبائل أخرى على حد سواء. فالعصر “الذهبي”، الذي سيطرت فيه قرابة الدم والعصبية والذي كان فيه الواحد من أجل الكل والكل من أجل الواحد ضمن القبيلة الواحدة، هذا العصر قد تلاشى بدون رجعة…من ذلك كله يمكن صياغة النتيجة الأساسية التالية: كمخرج عفوي وضروري لجمهور الأرقاء والعوام الحجازي المضطهد والمستثمر – وخصوصا في مكة والمدينة – وكتعبير عن الطموح الاجتماعي المشروع تاريخيا لخلق شعب موحد في الحقول الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وبعيدا عن الحروب المبيدة بين القبائل العديدة، نشأت وتكونت الملامح الأولية الأساسية للحركة الإسلامية في القرن السابع. (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 153) وفي نهاية الأمر، حسب تحليلات تيزيني الاجتماعية والاقتصادية أصبحت القبائل العربية مهيأة لاستقبال الرسالة المحمدية. وهنا يظهر بوضوح الجدل “الظاهري” بين العوامل المادية (الاقتصادية والاجتماعية)، والعوامل المثالية (الدينية) في فكر تيزيني. حسب روايات إسلامية وغير إسلامية، كان الوضع في مكة وفي مدن عربية أخرى قبل بدايات الحركة الإسلامية مهيأ لاستقبال “مخلص” جديد للناس من البؤس الاجتماعي والاقتتال القبلي و”الأوهام” الوثنية. فلدى مجموع القبائل العربية، التي دخلت حياتها المسيحية قليلا أو كثيرا، توقع المرء مثل هذا “المرسل”. وفي هذا الحقل أضفى المرء على هذا التوقع شغافا أسطوريا متعدد الألوان والأشكال. وكذلك من الوجهة التاريخية كان واردا أن يتكون ويتطور الأمل والطموح في مجيء مثل ذلك المحرر للقبائل المتشتتة المتصارعة. بل أكثر من ذلك، إذا وجد ذلك التوقع وذلك الطموح فعلا، فإنهما برهان واضح على توتر الوضع الاجتماعي-الاقتصادي والسياسي والفكري في مكة ومدن عربية أخرى في مطلع القرن السابع، هذا التوتر الذي أدى إلى تواجد العوامل الضرورية لنشوء وتبلور الحركة الإسلامية التي لعبت دورا كبيرا في تغيير وتحويل البني الاجتماعية والاقتصادية والقيمية للمجتمع العربي الجاهلي. (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 154).

الإسلام والتحليل الاجتماعي
يحرص تيزيني في تحليله الجدلي بين المثالي (الإسلام) والمادي (العلاقات المادية للمجتمع الإسلامي) على إبراز مشروعية كلا الجانبين وأثرهما في تطور الأحداث، وذلك بطبيعة الحال في إطار تحليله الأولي للكيفية الطبيعية التي نشأت بها هذه العلاقة الجدلية تاريخيا. فالجانب المادي يؤدي إلى نشوء الجانب المثالي، والجانب المثالي يؤدي إلى دفع الجانب المادي. ويحرص تيزيني في إطار هذه الجدلية على تجنب الوقوع في التفسيرات الغيبية أو الميتافيزيقية. فالتغيرات الاجتماعية، رغم هذه الجدلية، يمكن تفسيرها تماما من خلال العوامل المادية الجدلية وحدها. ونورد هنا أهم المواضع التي توضح جوهر تحليلاته الجدلية للعلاقة بين الإسلام كظاهرة اجتماعية ودينية وبين العوامل المجتمعية التي صاحبت ظهوره، فالحركة الإسلامية قد قدمت مخرج من خلال فكرة “الانسلاخ عن العالم المادي” وحققت بذلك الحرية للعوام والرقيق، ولكن في نفس الوقت لا يجوز أن نرجع هذا التحول الكبير إلى عوامل خارقة للعادة، إن الحركة الإسلامية قد عبرت في تلك الحقبة من وجودها عن البؤس المكثف لجماهير العوام الأحرار ونصف الأحرار والرقيق المكيين وغير المكيين على طريقتها الخاصة. إن هذه الطريقة الخاصة في التعبير، التي يحتل فيها الانسلاخ عن العالم المادي (الطبيعي والاجتماعي) مكانا رئيسيا، لا تعني أبدا نفي النتائج العملية المباشرة والإيجابية التي انعكست في حياة المعدمين، بل تعني نفي وجود ارتباط مباشر بينها وبين المعطيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي كانت وراء تكونها وتطورها. فهي – أي تلك الطريقة الخاصة في تمثل الأمور واستيعابها – ترجع التحول الكبير الذي حدث في بني المجتمع العربي الجاهلي إلى عوامل خارقة ومفارقة. فاللحظة التاريخية تفقد هنا كيانها من خلال ذلك التصور اللاتاريخي. وإنه من الخطورة الجدية أن لا يستطيع الباحث تقصي وكشف تلك اللحظة التاريخية، حيث يقع في متاهات المثالية الفلسفية الموضوعية، أو في متاهات التصورات الغيبية. ولكن في حال انفلات الخط الأساسي للمسار التاريخي الحقيقي من يد الباحث في تاريخ الأديان والحضارات أو تعقد هذا الأمر بالنسبة إليه، يمكن ضبط هذا الخط، بشكل مباشر ومتوسط، من خلال النتائج العملية التي اتكأت عليها تلك الأديان والحضارات. والحركة الإسلامية، كأية حركة دينية أخرى، تضمنت – بالطبع ضمن أطر خاصة ونوعية – ذلك التقاطب بين كونها مرتبطة بنتائج عميقة في المجال الاجتماعي العملي وكونها تلحق المجتمع والطبيعة والإنسان بمحرك أو بمحركات مفارقة وخارقة. وهذا التقاطب كان شيئا طبيعيا، كما كان في حينه، أيضا، نشوء الفلسفة المثالية الموضوعية (القائلة بوجود وعي أو عقل لا إنساني يوحد ويحرك العالم المادي) على يد أفلاطون شيئا طبيعيا، نتيجة لتقسيم العمل الإنساني إلى جانب فكري وأخر يدوي في المجتمع الحضاري – الطبقي. فالإنسان في هذا المجتمع يحقق أشياء ومكتسبات هامة جدا على المستوى الاجتماعي-العملي. ولكنه – ضمن الأطر النظرية للمثالية الفلسفية الموضوعية وضمن التصور اللاهوتي الغيبي – يجتزئ هذه الأشياء، التي حققها، من إطارها الاجتماعي الحي، ويلحقها بفعل مفارق خارق. لا شك أنه من الضروري التمسك بـ”تاريخية” البني الاجتماعية والفكرية والدينية، أي التأكيد على أن هذه البني وجدت نتيجة تطور تاريخي سابق وطويل كثيرا أو قليلا، ولكن من الضروري أيضا الإلحاح على أن “التصورات” الدينية تتضمن شرطيا محاولة الانسلاخ من التاريخي العياني المشخص، بحيث تنشأ، عبر ذلك، هوة بين ما يعتقد المرء وبين ما يفعله. فما يمكن أن يكون، في هذا الإطار، إيجابيا، يكمن – بشكل جوهري – في الممارسة العملية التي يحققها المرء الآخذ بتلك التصورات. أما هذه التصورات نفسها، فإنها طريق معبد لانسلاخ الإنسان عن اللحظة التاريخية العيانية التي يعيشها. (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 155-156) وتطبيقا لجدلية المثالي والمادي يحلل تيزيني طبيعة الفكر “المثالي” الإسلامي ويوضح جوانبه الإيجابية التي أدت إلى تحقيق هذا التحول الكبير في المجتمع الجاهلي. ويرصد بشكل أساسي سمات التقدمية والدنيوية التي تميز بها الإسلام، ويحلل هذا السمات مقارنة بالمسيحية واليهودية، مع نشوء الإسلام وتبلور آفاقه نجد بدايات حياة فكرية قد أخذت في التكون. و”الجدة” الحقيقية التي جسدها الإسلام نفسه كمنت في تقدميته التاريخية. إن هذه التقدمية التاريخية كانت قد برزت في تعارض واضح مع المسيحية واليهودية. ونحن هنا نرى أن ذلك يكمن في “دنيويته”. هذا يظهر بنا بشكل متميز عبر مقارنة مع المسيحية الأرثوذكسية. إذا كانت العلاقة بين الإنسان والإله في إطار فكرة التثليث لدى الأشكال الأساسية السائدة آنذاك في الكنيسة المسيحية، وهي اليعقوبية والملكانية والنسطورية، قائمة على ارتباط وجودي “أنطولوجي” معين ما بين الإله والإنسان، والإنسان والإله، فإنها تكتسب الصيغة التالية: الأب والابن والروح القدس. على أساس هذه العلاقة نرى أن ليس هنالك من هوة لا تعبر بين الإنسان والإله. فالإنسان (أي المسيح) هو على نحو ما جزء من الإله، أو شيء مشابه له حسب الزمان والذات. أما الأمر في الإسلام فإنه يختلف في نقاط معينة. ففيه تكمن هوة لا تتجاوز بين الإله والإنسان. فالإله هنا خلق الإنسان ليس من ذاته (أي من ذات الإله) وليس من مادة ما، وإنما من عدم سلبي مطلق. فالقرآن يؤكد: “إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون”(سورة آل عمران الآية:31). ولقد توجب، انطلاقا من واقع الهوة تلك، على الفلاسفة والمتصوفين في إطار الدولة العربية الإسلامية الوسيطة أن يكافحوا من أجل أنسنة العلاقة بين الإله والإنسان بغاية إبراز الإنسان كعنصر فعال ليس فقط في العالم المادي، وإنما أيضا في العالم الآخر، الإلهي. ولهذا السبب بالضبط كانت فلسفة “وحدة الوجود” و”نظرية الفيض” قد احتلتا مكانا بارزا في الحياة الفكرية للدولة تلك. إن الارتفاع إلى الإله من قبل الإنسان قد حل ضمن المسيحية حسب كل من الآراء التي طرحت لدى الفرق المسيحية المختلفة. أما في الصوفية الإسلامية – العربية فقد برزت مسألة الارتفاع ذاك في محور ومركز المشكلة، وكذلك أيضا إلى حد ما في الفلسفة آنذاك. إن هذا الموقف الفكري النظري للمسيحية والإسلام انتصب بشكل معارض للممارسة لدي الإنسان المسيحي والإنسان المسلم. ففي الممارسة المسيحية تبرز سلبية العلاقة بين الإله السلبي والإنسان المعذب، أو سلبية الإله والإنسان في آن واحد. إنها غربة تجاه العالم المادي الواقعي. ولكن من الملاحظ أن التأكيد على “الفرد” في المسيحية وإبرازه إنما هو شكلي. ففي الحقيقة، ليس ذلك الإبراز لدور الفكر أكثر من موقف ذاتي تأملي يسهم في عملية اغتراب هذا الفكر تلقاء واقعه الموضوعي الحقيقي. إنها ذاتية سلبية تكمن مهمتها في “تخليص” الإنسان الفرد من “هذا” العالم التعيس الملعون، أي إخضاعه وتبييئه مع هذا العالم. لقد كان هذا ولا يزال جانبا جوهريا من جانب التصور المسيحي حول علاقة الإنسان بالإله. بيد أننا نلاحظ المسألة مختلفة لدى الإسلام. فالفرد هنا يرى نفسه أمام مهمات كثيرة وعميقة تجاه نفسه هو. و”خلاصه” يتعلق به نفسه إلى حد متميز. إن الخطيئة الأصلية، التي يمكن إزالتها أو التخفيف من تأثيرها ضمن المسيحية من خلال تضحية شخصية، ولكن سلبية، إن هذه الخطيئة تضع أمام الإنسان المسلم وجائب ومهمات دنيوية وملموسة من أجل تجاوزها. وهكذا فليس “العذاب” السلبي هو طريق إلى الخلاص، كما هو الحال في المسيحية، وإنما “الكفاحية” الدنيوية المغلفة بأغلفة دينية هي محتوى الخلاص في الإسلام. إن “الخلاص” يكتسب ضمن الإسلام مضمونا آخر، حيث أنه (أي الإسلام) يؤكد على الإنسان المشخص الاعتيادي. ومن الأمور التي تحتاج إلى التقصي والبحث الدقيقين كون “الإسلام”، الذي نشأ في القرن السابع ضمن ظروف حرجة اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا، قد جسد مرحلة جديدة هامة من مراحل عملية تجاوز الأطر الماورائية الموغلة في انغلاقها الماورائي. ففيه لم يتكون جهاز كهنوتي مستقل عن البنية الاجتماعية السائدة فالشيخ أو الإمام أو الفقيه لم يكن وظيفة دينية من حيث هو كذلك (في وقت لاحق تكونت هذه الوظيفة)، بل كان يمارس في نفس الوقت مهنة ما، كأن يكون لحاما أو فلاحا أو طباعا، تاجرا..الخ. لا شك أن هذا “التوزع” الاجتماعي الطبقي في بنية “المؤمنين” المسلمين قد لعب دورا خطيرا في التطور الفكري آنذاك، ولاحقا ضمن المجتمع العربي- الإسلامي. إن التوزع الاجتماعي الطبقي ذاك كان الخلفية “الاجتماعية” للتوزع الفكري والديني ضمن المسلمين. والجدير بالاهتمام العميق أن نشوء الفرق والتيارات والاتجاهات الدينية والفكرية انطلاقا من الإسلام كان قد رافقه عملية تأويل عميقة الجذور من قبل المسلمين المتميزين اجتماعيا وطبقيا وفكريا وثقافيا. إلى جانب ذلك العنصر الثوري المحرك، طوال وجود الدولة تلك، يمكن أن نذكر أيضا تنكر الإسلام لفكرة “الوسيط” كجانب محرك آخر منه في اتجاه تعميق آفاقه الدنيوية. بمناسبة موت “الرسول” في 8 حزيران عام 632 وقف الخليفة الأول ابوبكر الصديق يخطب في الناس: “من يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، ومن يعبد الله، فإن الله حي لا يموت”. إن محمدا لم يتمتع بتلك المواصفات التي أطلقت على المسيح. إن المسيح هذا، “ماسح العذاب من على الأرض”، يموت من أجل خلاص الآخرين. فالخلاص المسيحي متجسد في فعل التضحية الذي حققه المسيح. ومن الخطأ البين وضع مفهوم “الشفاعة” المحمدية مع مفهوم “الخلاص” المسيحي في إطار واحد. إن “الشفاعة” المحمدية لا تتآخى مع فكرة “الوسيط المخلص”، الذي يحمل على كتفيه أثقال الإنسانية بمجموعها، فلكل “نفس ما كسبت”. فالإنسان يقف أمام أو تحت الإله وحيدا، دون وسيط، وبمعنى آخر، دون مؤسسة كنسية. أما الإله فهو، على العكس من ذلك، في كل الوجود، أيضا في داخل الإنسان. وهذا يتضمن في ذاته نتيجة، هي أن الإنسان المسلم ليس بحاجة “للاتحاد” بالإله لكي يحقق مطامحه ومثله العليا. إن مطامحه ومثله هذه يمكنه تحقيقها في عالمه الإنساني الحقيقي. إن الإله الإسلامي يستطيع الوصول إلى أي فرد. والعكس ليس كذلك. أي أن الإنسان غير قادر للوصول إلى الإله أو الاتحاد به. بالطبع هو يستطيع “الوصول” إلى الإله بالمعنى المجازي، بمعنى أنه (أي الإنسان) ينفذ “أوامر” الإله المنصوص عليها في “كتابه”. وبذلك فهو قريب منه، محبب إليه. بيد أنه ضروري أن نشير إلى أن تلك العلاقة بين الإله والإنسان المسلم لا يمكن أن تؤدي إطلاقا إلى اقتراب الإنسان منه اقترابا وجوديا “أنطولوجيا”. إن تصوري “المفارقة” و”العلوية” يتمتع بهما الإله من حيث “الذات”، في الحال الذي يظل فيه ضمن العالم الإنساني من حيث الفعل والتأثير وانطلاقا من مقتضيات “العناية الإلهية”. ولكن بالرغم من هذا فإن العلاقة تلك – منظورا إليها انطلاقا من الإله إلى الإنسان – كانت تشكل ملامح أولية غير صريحة وغير مباشرة لتصور كوني قائم على “وحدة وجود” مثالية. أو ربما يكون أدق إذا رأينا في جانب العلاقة تلك (إله- إنسان) عاملا غير مباشر من عوامل نشوء وتطور نظرية عربية – إسلامية في وحدة الوجود. والتصور الإسلامي الأولي هذا حول وحدة الوجود أحادي الجانب. فهو ينفي، كما رأينا، كل علاقة متبادلة نشيطة بين الإله والإنسان. ذلك لأن هذا الأخير (الإنسان) يعتبر، ضمن هذه الرؤية للمسألة، نتاجا سلبيا للإله. بل إنه يشكل “الهيولي” السلبية، التي تحدث عنها أرسطو. وهو بالتالي لا يملك سوى حاضره المفرد المتعين. وفي الوقت الذي تشغل فيه الهيولى لدى أرسطو مكانا أبرز تاريخيا من الإنسان الإسلامي (ذلك لأنها خالدة في الزمان، بينما يخلق الإنسان ذلك من عدم محض)، فإنه (أي أرسطو) يحد من نطاق فعالية الإله، بحيث يجعل منه في الخط الأول محركا أول. إن هذا الإله الأرسطي خالد، ولا نهائي. لكنه لا يتدخل في جزئيات العالم. وهذا يعني أن أرسطو أسقط صفة وقدرة “العناية الإلهية” عن الإله. على العكس من ذلك، تكون “العناية الإلهية” جزءا جوهريا من مفهوم الإله الإسلامي. والحقيقة، أن تصور الإله المطلق، المحيط بالعالم والمسير له كله نشأ كتعبير عن رفض الإله المسيحي المؤنسن والإله اليهودي المحدود الأفق والفاعلية في العالم. وهي (أي تلك الفكرة) حيث تكونت، فإنها كانت بذلك تعبيرا عن النشاطية العملية غير المباشرة للمكيين، الناحية منحى توحيديا في الحقول الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 204 – 208) ويطرح تيزيني موقفه في الجدل بين المثالي والمادي بشكل أكثر صراحة فيما يخص الموقف من القرآن. حيث يرى أنه يمكن النظر إلى القرآن كوثيقة روحية دينية “مثالية” وكذلك كوثيقة تحمل تراثا حقوقيا وأخلاقيا واجتماعيا “ماديا”. ويرى أن استيعاب تأثير الجانب المثالي يجب أن يتم من خلال قوانين الجانب المادي، وحين يرى بعض المؤرخين الإسلاميين كتاب القرآن ليس فقط كوثيقة دينية، بل كذلك كتراث حقوقي وأخلاقي واقتصادي واجتماعي، فإن هذا صحيح إذا أخذنا بعين الاعتبار الجانبين، الروحي والعملي في الإسلام. ولا شك أن الجانب “الروحي” قد أثر آنذاك بشكل إيجابي. أما استيعاب هذا التأثير فيكمن في تفهم الوضع الاجتماعي الحضاري في تلك الحقبة التاريخية. إن فكرة أو تصورا ما من التصورات تكتسب دلالات اجتماعية ونظرية مختلفة باختلاف الحالات التاريخية المتعاقبة. هذا يعني أن المشكلة تتحدد من خلال “المشروعية التاريخية” و”الحقيقة المعرفية”. وقد تعرضنا لهذه المسألة في موضع آخر من فصول هذا الكتاب. هاهنا يجدر بنا التأكيد فقط على أن الفكر المثالي والفكر المادي، والعلم والدين، ظاهرات مشروعة تاريخيا، وإن لم تكن جميعها صحيحة من وجهة نظر علمية معرفية دقيقة. (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط ص 211) في إطار هذا التصور للعلاقة بين المثالي والمادي أو بين الدين الإسلام والعلاقات المجتمعية يطرح تصوره لمفهوم العلمانية كما يلي، دعاة العلمانية العرب نظروا إلى المسألة من موقع التمييز بين جانبين في الدين المهيمن وفي كل دين له تأثير ما في المجتمع الذي نشأ فيه. ذينك الجانبان هما العقيدة والحضارة؛ أو الوظيفة العقيدية والوظيفة الحضارية. فإذا صح أن الوظيفة الحضارية للدين يمكن أن تكون أمرا مشتركا بين مجموعة من الناس المنتمين إلى أديان مختلفة، فإن الوظيفة العقيدية تتصل بالموقف أو بالعلاقة بين المؤمن والإله الذي يؤمن به. وبذلك، يمكن أن تبرز الوظيفة الحضارية للدين المهيمن في المجتمع العربي دون أن تكون مقترنة بهذا الدين كموقف عقيدي. وهذا ما عبر عنه بالضبط بالشعار، الذي أتينا عليه آنفا، وهو (الدين لله والوطن للجميع). فالدين، هنا، يتحول إلى وجه مدني من الوطن المدني والدولة الوطنية. وكذلك فإن التعامل معه، هنا، يغدو خاضعا لقوانين التطور والتقدم في الحياة البشرية. إذ أن الأمر يتصل في هذه الحال، بمجموعة من التشريعات القانونية والاقتصادية والسياسية الخ…، التي من شأنها أن تخضع لتلك القوانين. أما الموقف العقيدي، أو “الموقف من الله” على حد تعبير الشعار، فقد اعتبر شخصيا بقدر ما اعتبر محترما ومصونا. (على طريق الوضوح المنهجي – العلمانية في الفكر العربي، ص 52-53).

التحول الفكري
بالنسبة للدكتور تيزيني كان هذا التحليل المادي للتراث الإسلامي جديدا بشكل يمثل “ثورة على النظرة التقليدية للتراث”. ولكن في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، تقريبا، وبتأثير التحولات العالمية التي حدثت سواء في الساحة العالمية، تفكك الاتحاد السوفييتي، أو في الساحة المحلية، تراجع المشروع الثوري القومي، حدث تحول جذري في المشروع الفكري للدكتور تيزيني. يشرح تيزيني طبيعة هذه التحولات في حوار منشور بجريدة الحياة كما يلي، وجواباً عن السؤال، سأقول بعض الصيغ التي أراها أولية واحتمالية. وأبدأ من ملاحظة تتعلق بعنوان أول كتاب لي، في المشروع الذي تتحدث عنه. كان العنوان «من التراث إلى الثورة»، وهو صدر في 1976. والذي أراه اليوم إن أحداث العالم العربي وتطوراته تضطرني وبإلحاح إلى أن أبدأ النظر إلى الكتاب وعنوانه تخصيصاً. تساءلت: هل ما زال هذا العنوان صالحاً بعدما تفككت أفكار كثيرة وتفكك الاتحاد السوفيتي، والأفكار التي كانت مهيمنة في ذلك الحين على فكر تقدمي مهيمن في الساحة العربية؟ بعد رصد ما حدث والتطورات المتلاحقة وضعت يدي على مسألة أظن الآن أنها كانت، بالنسبة إليّ، مدخلاً لاكتشاف ما عليّ أن أنجزه مجدداً: فكلمة «الثورة» الواردة في العنوان لم تعد ذات وجود، بصرف النظر عن التسويغات التي يمكن أن تقدم. لغة العصر لم تعد تتسع لهذه الكلمة. ومن هنا رحت أفكر في كتابي، من ثم انطلقت من الواقع إلى الكتاب ثم من الكتاب إلى الواقع… وفهمت أن مشروع الثورة ذاته بات يعيش اختناقاً قاتلاً. من هنا، ومن خلال قراءاتي الدءوبة في الفكرين العربي والأوروبي، أدركت ما يخيّل إليّ انه البديل المناسب لمفهوم الثورة ومشروعها، وهو مفهوم النهضة ومشروعها… ما أن توصلتُ إلى هذه الفكرة حتى تعاظمت في حياتي الفكرية والسياسية لأدرك أن أهم عنصر من عناصر مشروع الثورة والنهضة (وأعني هنا الثورة الحقيقية) إنما يتمثل في فهم كينونة الحامل الاجتماعي لأية ثورة أو نهضة. وهكذا فكرت ملياً في الأمر حتى توصلت إلى أن الحامل الاجتماعي لأي تحرك في المجتمع العربي هو المجتمع ذاته… المجتمع كله. بدلاً منه، كنا في الماضي نعتبر الحامل الاجتماعي حاملاً طبقياً ونتحدث عن الصراع الطبقي والإشكالية الطبقية، هذا ليس وارداً الآن. حامل المشروع الجديد، النهضوي، لا يمكن الآن إلا أن يكون تحالفاً طبقياً أو سياسياً يضم كل فئات المجتمع. العالم اختلف كثيراً، منذ تفكك الاتحاد السوفيتي وبروز عالم جديد تقوده الولايات المتحدة وحدها. وتبين لي من موقع علم الاجتماع السياسي أن الحامل الحقيقي الاجتماعي لمشروع نهضوي ما يتمثل في الأمة كلها من أقصاها إلى أقصاها. وبتحديد أيديولوجي أكثر، وجدت أن الحامل الاجتماعي لأي مشروع مستقبلي يتمثل في مروحة تنطلق من أقصى اليمين القومي الديمقراطي إلى أقصى اليسار الوطني. أخذت ألاحق هذه المسألة السوسيولوجية الثقافية والسياسية ليتبين لي أن حديثنا عن «المشروع الثوري»، ليس مضللاً فقط، بل هو خطير أيضا، وهكذا انتقلت إلى الموقف الجديد، وفكرت في أن أعيد النظر في مشروعي النظري القديم… وأصيغه حتى في عنوان جديد، معيداً بناء ما يتعين عليَّ بناءه… ثم تركته جانباً، لأصيغ بدلاً منه مشروعاً آخر تماماً، عنوانه «من التراث إلى النهضة». (حوار جريدة الحياة) وقد صاحب هذا التحول من الثورة إلى النهضة ومن الحامل الاجتماعي الطبقي إلى الحامل المجتمعي الشامل للمشروع، تحول مساوق في العلاقة بين الدين عموما والنص القرآني خصوصا. فبدلا من الاعتماد التام على التفسير المادي أصبح من اللازم الدخول إلى جوهر “الإيمان” الديني لأن الحامل الأساسي لمشروع النهضة هو مجموع المؤمنين بالدين الإسلامي، يوضح ذلك كما يلي، أتحدث هنا عن تجربتي الخاصة. اكتشفت أن المسألة الدينية أهمِلت إهمالاً مرعباً من جانب النخب الثقافية، ماركسية أو قومية أو حتى ليبرالية. واكتشفت أن الخطورة تكمن في حقيقة أن النص الديني يقرأ بطرق متعددة يطالب هو ذاته بها. انه نص مرن. من هنا جاء ذلك الموقف الفظ الذي وقفته الماركسية والوضعية والفكر القومي حيال الفكر الديني. لم ندرك في الماضي أن الحامل الاجتماعي لأي تغيير تعيش نسبة عظيمة من أفراده تبعاً للفكر الديني، ما كان ينبغي له أن يحضنا على قراءة جديدة عقلانية ومنطقية للفكر الديني، أي الفكر الحقيقي الذي يتغذى منه المجتمع حقاً. ومع بروز هوية جديدة لمشروع التغيير (النهضة)، باتت هناك الآن مسوّغات كثيرة أصبح من الضروري امتلاك أدواتها الفكرية. ومن هنا أرى أن من المستحيل الوصول إلى أي فكر نهضوي تغييري حقيقي اليوم، من دون إعادة قراءة الفكر الديني والدخول إلى روح الوسط الإيماني. وهذا ما يدفعني إلى التشديد مجدداً على أن الحامل الاجتماعي – الثقافي الذي يمكنه وحده اليوم مساندة الفكر التغييري، يمتد من أقصى اليمين الوطني والديمقراطي إلى أقصى اليسار التقدمي. كأنك بهذا تعيد الأمور إلى مستوى وجود الطبقة الوسطى التي «غابت» منذ عقود، على رغم أنها هي بانية الأوطان والحضارات عادة… علينا أن نواكب فكرياً إعادة إنتاج الفئات الاجتماعية التي تتسم بسمتين أساسيتين (لبناء المجتمعات): اليُسر الاقتصادي والتنوير الفكري. وهذا يأتي ضمن عملية واسعة هدفها إعادة التوازن إلى المجتمعات العربية، وسط زمن عولمي يكاد أن يلتهم كل شيء… وبطريقة تزيد خبثاً وقوة عما فعلت الدولة الأمنية حتى الآن. (حوار جريدة الحياة).

.. يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *