الرئيسية » نصوص » رواية متسلسلة » الدكتورة إخلاص باقر هاشم النجار : رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (الجزء الاربعون)

الدكتورة إخلاص باقر هاشم النجار : رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (الجزء الاربعون)

  الجزء الاربعون
أطلت سبأ على أيار من باب المكتبة فوجدتها تجلس مع مجموعة من زملائها تشرح لهم مادة الشعر الإنكليزي في المكتبة ، فنظرت إليها من بعيد وشعرت بألم لأنها تهتم بالأخرين ولا توليها أي إهتمام وفي هذه الأثناء أنتبهت أيار إليها فرفعت يدها محيية وملوحة لها بأن تعالي معنا وأجلسي ، ولكن سبأ بعد ردت التحية إنصرفت وفي نفسها رغبة بأن تخرج معها ، لا سيما وهي تعرف في هذه الساعة بالذات ساعة الإستراحة لكلتيهما في كل أثنين ، فتوجهت الى الحديقة الى حيث المصطبة التي تمتلىء بالذكريات طوال الأعوام التي مرت ، لكنها حالما وصلت وجدت فجر وصديقها مُكرّم يجلسان عليها ، فأحست بضيق شديد عندها أخرجت نقالها من حقيبتها واتصلت بالحال بأيار وقالت بلهجة حادة : أيار … أنا … أحتاجك .
أيار مستغربة : حاضر حاضر … وأين أنت الآن … أهدأي أرجوك .
سبأ : سأذهب الى قاعتي … الفارغة .
أيار : حسناً … حسناً … سأنهي شرح هذه الفقرة وأتيك .
سبأ : قلت … لك … أحتاجك … تعالي بالحال … وأغلقت الخط وعادت الى صفها .
وبالحال أعتذرت أيار من زملائها وإنصرفت الى صف سبأ الذي عادة ما تكون فارغاً في وقت الإستراحة فأسرعت خطاها حتى وصلت إليها ووجدتها تنظر الى النافذة ، فإقتربت منها وقالت : هل أنت بخير ؟ أقلقتيني ، وحالما إقتربت منها ضمتها سبأ بشدة وغارت في ثناياها ثم قالت بعد ان جلست : أنا أحتاجك .
أيار مبتسمة ومتأثرة من هذا الموقف : حبيبة قلبي … وأنا … قربك الآن .
سبأ : وهل نسيتِ لقاءنا في مثل هذا الوقت .
أيار : لا لم أنسَ أبداً .
سبأ : لا … بل … نسيتي … وحتى مكاننا محتل الآن من فجر وعشيقها .
أيار ضاحكة : كل مكان يجمعنا … هو … لنا ولا يتحدد بمكان واحد مثل المصطبه .
سبأ : ألم … تنتقديني … في مثل هذا اليوم عندما لم أنتظرك .
أيار مبتسمة : والآن … ما هي أخبارك … متى ستتزوجين ؟ ألم تجدي المناسب .
سبأ : أتسخرين مني يا أيار ؟
أيار ضاحكة : لا والله … لا أسخر منك … بل أتمازح معك ، لأني أراك لا زلتِ متوترة فأحاول أمتصاص هذا التوتر ، أبتسمي أرجوك … ثم أن الزواج سنة الحياة ، والأطفال زينة الحياة الدنيا .
سبأ : بقدر تعلق الأمر بالموضوع عندي سؤال يخص الإستاذة مروة ، فهل ترين أنها على رشاد وصواب ، أمرأة مثلها بهذا الجمال والجاذبية والمركز لم تحظَ بالإمومة الى الآن ، ومن الخطأ ان تتأثري بها .
أيار وقد غارت بسمتها : سبأ أن عمتي … أعقل وأجمل أمرأة في العالم وكل الرجال ينتظرون أشارة منها .
سبأ مبتسمة : حبيبتي … والله أعرف ذلك … وكلنا هنا نعرف دكتور أرشد الذي تقدم لها ورفضته … ولكن السؤال المحيّر … لماذا … ترفض كل هذه الكفاءات …؟ هل يوجد سبب ما … مثل … ؟؟!!
أيار قاطعتها : لا تجعلي عمتي موضوعاً حديثاً وتكلمي عن نفسك … أفضل لديمومة الحديث بيننا وإلا فلا … فعمتي ترفض تماماً أن يتدخل أي أحد في شؤونها ولا سيما مثل هذه المواضيع ، وتصوري أنا أبنة أخيها ولا أجرؤ على سؤالها هذا السؤال ، لئلا تعتبره تدخلاً في شؤونها الخاصة .
سبأ : أنا قصدي … هل تتفقين معها أن تبقى بلا زواج وقد وصلت الى هذا العمر ؟
أيار متنهدة : لا … أعرف .
سبأ : بل تتهربين من الإجابة .
أيار : يا أبنتي ( ممازحة ) تزوجي الإسبوع المقبل … هذا حق من حقوقك .. وكم أتمنى أن أرى أولادك أكيد سيكونون غريبي الأطوار مثل أمهم … ولا تحاولي اللف والدوران ولا تتعكزي بطرق أبواب الأخرين .
سبأ ضاحكة : بل سيكونون مثل خالتهم أيار غريبة الأطوار .. وبالمناسبة أنا أرى عبد الحافظ مهتماً بك … بل أرى في عينيه الإعجاب لك … فهل تلاحظين ..؟
أيار مبتسمة : نعم أكيد ومؤكد ألاحظ … وهو شاب جيد ومهذب … ولكني ليس ألعوبة بيد كل من هب ودب ولا أسمح أبداً لنفسي قبل الأخرين ، بإقامة علاقة تعارف وحب وعشق وغرام مثل المغيبة فجر غير قائمة على أساس صحيح ، علاقة هشة ومجهولة الهوية والإتجاه وبعد التخرج ستقلب طاولة اللعب .
سبأ : يعني الذي أفهمه انتِ لستِ ضد التعارف وانما طبيعة هذا التعارف ، ولكن كيف أفيديني حتى أستطيع التصفية بين المعجبين بإسلوب علمي أكاديمي أو بأسلوب أيار نعم سأسميه أسلوب أيار كيف ؟! كيف يمكن لي أن أطوّر علاقتي بوعد مثلاً بأسلوب أيار ؟
أيار مبتسمة : الدخول من الباب … أن كان يرغب … بتوطيد … علاقته بك … فليدخل من الباب ، أي يذهب الى بيتك ويطلبك من أهلك وفي ذلك تأصيل وتوثيق لهذا الرباط العاطفي ثم إني ان ارتبط برجل يتوافق معي بأفكاره وأرائه وتعليمه وهكذا .
سبأ : أكيد سيقول بأنه لا يزال طالباً ولابد أن أنتظره الى أن يتخرج ثم يتعين وهكذا .
أيار ضاحكة : رأينا … قصصا كثيرة من هذا النوع … ضحك على الذقون … وأنت ترين على مسرح الجامعة الذي نعيش فيه العلاقات وحدث بلا حرج وأنت ترين بأمُّ عينيك ذلك ، ولكن التربية الجيدة هي التي تسيّر الفتاة فعندما تضع الفتاة تربيتها وسمعة عائلتها نصب عينيها لا تخطأ أبداً ، وأعلمي يا سبأ فأنا لست ضد الحب لأنه روح الطبيعة الذي يمدُّ الكون بالحياة ، والكون بلا روح لا حياة فيه بل يمكن اعتباره ميتاً ، ولكن لابد من تأصيل وتوثيق هذا الرباط الروحي برابط مقدس وعلى مرآى ومسمع الأهل والناس ، وإلاّ لما تجدين العشاق في الجامعة يتختلون خلف الكليات أو ينآون بأنفسهم بعيداً عن الأنظار أتعرفين لماذا ؟؟ لأنهم يوقنون بأنهم على خطأ وخطأ تام ، ووالله لو كان الرجل يحب المرأة حباً في الله تعالى لخاف عليها كخيفته على أخته لأن سمعتها كالقماش الأبيض الذي لابد أن يبقى أبيض لأخر يوم في حياتها .
سبأ مبتسمة : معنى ذلك وبحسب رأيك نرفع لافتة ونكتب عليها يمنع منعاً باتاً الحديث بين الطالب والطالبة .
أيار : سأسألك سؤال … هل ستقبل والدتك ان سمعت بأن لك علاقة رومانسية مع أحد الطلبة كوعد مثلاً .
سبأ مرتعدة : أمي … أكيد … ستُعلقني … تحت أشعة شمس تموز … الى أن يأتي … فصل الشتاء … وستفرض عليّ الإقامة الجبرية وتمنعني من الخروج … فأمي من الطراز القديم لا تتفاهم بمثل هذه المسائل .
أيار ضاحكة : الحمدُ لله … أذن سأهددك بها كلما رأيتك تنأين بنفسك .
سبأ ضاحكة ممازحة : لا أرجوك … أشتكي لأبي … لأنه ديموقراطي … وإياك وأمي … إياك … لأن أحكامها عرفية .
أيار : دائماً …الأباء بحكم … عملهم الكثير خارج المنزل يكونون الأقرب لأبنائهم .
سبأ مبتسمة : أتعرفين … بأن هيفاء أصبحت الآن أماً لثلاثة أطفال وزوجها أمي .
أيار مبتسمة : ما شاء الله … تبارك الله … وما هي أخبارها مع زوجها هل سألتيها ؟
سبأ : نعم بالطبع … سألتها وقد قضيت معها وقتاً ممتعاً ومضحكاً لا يمل ولا يُنسى أبداً ، وقد سألتني عنك وأوصتني بك خيرا… وهي تستذكر الماضي الأغبر .
أيار مبتسمة : أوصتك بي … فيها الخير … راعيني …. ها .
سبأ : قالت لي بأنها أخبرت زوجها في الأيام الأولى من زواجها بأنها عصبية ومزاجية ويجب عليه ان يتحملها ويروضها اذا انزعجت منه ، فأجابها مبتسماً بحسب كلامها ، لا تهتمي يا هيفاء سأجعلك ناعمة مثل (الكرتة) ، وهي تضحك كعادتها ، فقلت لها مستغربة وهل قبلتِ كلامه ، فقالت : ولِمَ لا ما دامت ناعمة ، فقلت لها وماذا كان يقصد بالكرته ، فقالت والله لا أعرف ولكني أستنتج من وصفه بالناعمة مصدر خير وراحة ، فضحكت كثيراً ، وأحببت أن أعرّفها بهذه الأدات بصورة غير مباشرة ولكنها لم تفقه .
أيار متنهدة : انسانة رائعة في بساطتها وفطرتها ولهجتها العفوية … ولكن هل أخبرتيها بالمعنى ؟!
سبأ ضاحكة : أمري الله … بادىء ذي بدء تدرجت في الموضوع وقلت لها هي أداة صغيرة تستخدم لتذليل أمر صعب متعلق في قدم الرجل ، فقالت ضاحكة : ألم أقل لك … فهمت الأمر … من كلمة النعومة ، ولكني وجدت نفسي وكأني أتخبط خبط عشواء دون اهتداء فقلت لها وبشكل مباشر .
أيار ضاحكة : وماذا قلت لها ؟
سبأ : لا أريدها أن تتقبل الكلمة وكأنها كلمة جيدة لئلا تتباهى بها أمام الأخرين ، فقلت لها عندما تشترين حذاءاً جديداً وتريدين ان تجربيه سيعطيك صاحب المحل أداة صغيرة من الألومنيوم تضعيها في الحذاء لتساعد قدمك على الدخول في الحذاء … و … وبنعومة تامة ، وبإختصار قلت لها هي اداة معدنية او بلاستيكية تستخدم لادخال القدم في الحذاء خاصة اذا كان الحذاء ضيقاً .
أيار ضاحكة : يا للهول … وماذا قالت عندما سمعت ؟؟!!
سبأ ضاحكة : انزعجت وراحت تلعنه … وقالت … وأنا الغبية ضحكت عندما قالها ، سألقنه درساً لن ينساه وستأتيك الأخبار … فقلت لها لا … بالله عليك أخرجيني على الأمر … ولا تخبريه بأسمي حتى .
أيار : لا عزيزتي لو كنت نصحتيها بأن تستوعبه بحكمة لأنه غير متعلم، ولا يتورع عن ضربها ،فهذا ديدنهم في التعامل مع العائلة كما كانت تتحدث هي عن نفسها.
سبأ : لا تهتمي … يضربها وتضربه … هكذا هي حياتهم … وهم متعودون عليها … ببساطتها وسذاجتها ، ولكن ليس هذا القصد …. وإنما … أنت لا زلتِ تنظرين لنفسك ، بأنك الطفلة المدللة وحيدة والديها ،وتنآى بنفسها عن أي حديث رومانسي أو إحساس مرهف ورقيق تجاه الجنس الأخر ، وجل ما أخافه إنك تتأثرين بعمتك مع جل حبي واحترامي لها ، لاحظي بأن هيفاء بعمر أولادها أصبحت أماً لثلاثة أطفال ، وهي لا تزال الى الآن تجهل أمومتها ومستقبلها ولا سيما بأن المرأة لها عمر محدد للأمومة .
أيار متأففة منزعجة : لقد طلبت منك أن لا تجعلي من عمتي موضوع حديث .
سبأ بوجوم : أيار … ألا تلاحظين … بأنك تعامليني وكأني غريبة عندما أناقشك عن أمر يخص عائلتك فيما أنت عندما تسأليني عن عائلتي وأخواتي لا أعترض أبداً … فهل هذا الإعتراض قلة ثقة … أم ماذا ؟ أصدقيني القول حتى أفهم موقعي في حياتك ولا أتجاوز حدودي البته .
أيار متنهدة : غريبة الأطوار … يا ألهي … لا تعكري المزاج … لماذا أنت هكذا كالهدوء الذي يسبق العاصفة … خذي نفساً عميقاً … وأقلبي صفحة بيضاء … ها … أريد أن أتزوج الإسبوع المقبل فهل ترقصين في عرسي أم تتظاهرين بأنك لا تجيدين الرقص … ها … لكني سأحقق الرقم القياسي في الإنجاب ولن أقبل بثلاثة أطفال كهيفاء … سأنجب … سبعة عشر … وأفتح لهم مدرسة خاصة بهم … وسأسمح لك بأن تدخلي أطفالك في هذه المدرسة … ليتعاركوا معهم في درس الرياضة فهل بحوزتك رجل مناسب … إرسليه لي … ولن أرفضه أبداً أعدك … ولو كان لك أخ لما رفضته …. حتى نتعارك في المنزل أفضل من الجامعة .
سبأ مبتسمة : يا ليت لي أخ … لما وجدت له زوجة أفضل منك .
أيار : أتعرفين بأن إبتسامتك … أجمل إبتسامة رأيتها في حياتي .
سبأ : أشكرك … على المجاملة .
أيار : أقسم لك وأنا الصادقة وبدون قسم بأن إبتسامتك أجمل إبتسامة رأيتها في حياتي ، وعندما تعبسين تتغير معالم وجهك الجميلة وتصبحين بهيئة مخيفة غير هيئتك الجذابة الرومانسية المحببة الى روحي .
سبأ : سأذوب … لا تتواصلي لأني لا أحتمل الغزل .
أيار : ومن … غيرك يستحق الغزل .
سبأ : وإذا تزوجتي … هل … ستغازليني … أم ستذروني رياح الأيام بعيداً .
أيار مبتسمة : الله أعلم وقتها إحتمال أنساك لأني لم أجرب الغزل لغيرك هذا غيب .
سبأ معترضة : ماذا … ؟ ماذا ؟ ومن هذا الذي سيشاطرني حبك هل أنت جادة أيار.
أيار : والله أنا أتبع نصائحك أوتريديني أن أبقى هكذا كعمتي بدون خليل لا أضمن لك .
سبأ برضا : لا … أصدّق … فأن روحينا كجناحي طائر لا يفرقهما تصدع المنقار؟
أيار : الله … يا له من وصف رومانسي جميل … المهم صديقتي تذكرت سنقيم يوم الجمعة حفلة عائلية صغيرة لميلاد حبيب القلب الصغير تسنيم … حفلة عائلية وفيها بعض الأحبة ويسعدني دعوتك ووالدتك الى الحفلة .
سبأ بفرح : حبيبتي تسعدني هذه الدعوة ويسعدني جداً التعرف الى كل أهلك وكل من تُحبين … وهل سيُغني الموسيقار مُعاذ في الحفلة … ويسعدني رؤية أنس فأني أحبه كثيراً … منذ ان كان طفلاً صغيراً .
أيار : أوه … أن مُعاذ منذ صغره مولع بحب الموسيقى فكيف الآن وقد أصبح مختصاً … أكيد لن يضيع مثل هذه المناسبات لأظهار موهبته … وحتى تسنيم … يحب ألاته ويطلب منه بإلحاح ان يعزف له … وهو يترنم ويرقص معه بصورة مضحكة ….
سبأ متنهدة : ولكن … لا أعرف إن كانت الوالدة … ستسمح لي بالمجيء لبيتك.
أيار مقطبة حاجبيها : ولماذا ؟
سبأ : لقد تكلمت … سلفاً … عن والدتي ورأيها … بضرورة تحجيم علاقاتنا بالعالم الخارجي لنتقي شرهم من وجهة نظرها،فكيف ستسمح لي بحضور حفل في بيت صديقة في المدرسة.
أيار : لا عليك سنحاول معها وأنا أحترم كل أم حريصة على أبنائها،سآتي أنا ووالدتي وأدعوك وإياها لحضور الحفلة العائلية الصغيرة وانها لفرصة للتعارف العائلي .
سبأ مبتسمة : هذا … رأي سديد … ثم قالت ممازحة فكيف يقولون بأنك لا تفهمين .
أيار تفهم لغة مزاحها في هذه العبارة : لا … أنا أفهم وأجيد القراءة والكتابة أيضاً .
سبأ ضاحكة : أشكرك حبيبتي … سأنتظرك … لكم أتوق لمعرفة كل فرد من أفراد عائلتك … فقط عائلتك … ها … ولا أريدك أن تتعرفي على صديقة غيري أنا فقط .
أيار : ولكن لماذا الوالدة مع جل احترامي وتقديري لها تتخذ مثل هذا الموقف ؟! ألديها ردة فعل سلبية من موقف معين في حياتها ؟
سبأ : لن أكون مثلك وأقول لك لا تجعلي والدتي موضوع حديث ، وأغير الموضوع وأتظاهر بحديث أخر … سأخبرك لأني أثق بك … أكيد فأن والدتي تحتفظ بذكريات سيئة لأحدى زميلاتها جعلتها تفقد الثقة بالأخرين ؟ وأنها تحذّرنا دائما من الإنجراف خلف مشاعرنا ولاسيما الصديقات ، لئلا نتأثر بالمواقف السلبية الشريرة التي قد تصدر عن احداهن من وجهة نظرها .
أيار : في أي مرحلة من حياتها تعرضت للخيانة أو الخداع ؟
سبأ مبتسمة متنهدة : في مرحلة الشباب والرشادة .
أيار : كيف ؟ هل لي أن أعرف ؟!
سبأ : حاولت إحدى صديقاتها التقرب لوالدي .
أيار ضاحكة : أوه … أنها … جريمة لا تُغتفر .. ولكن كما يقولون أن أصابع اليد متباينة .
سبأ مبتسمة : ولعل الجريمة الأكبر التي لا تُغتفر لدى والدتي الآن … أن عرفت بأني أفشيت هذا السر .
أيار : وهل … تثقين بي لهذا الحد الذي يجعلك … تفشين لي سراً عائلياً .
سبأ : ثقتي بك عمياء … وليس لها حدود بحر عميق بلا شطآن … بل إني أثق بك أكثر من ثقتي بنفسي .
أيار شادة على يدها : وأنا أعدك ما حييت بأن أكون عند حسن ظنك … وأنت أيضاً محط ثقتي القصوى .
طلبت مروة من زكية بعد إنقطاع ان تواصل الحديث عن قصة أختها أم عابد وقالت : وقد فتشنا في كل مكان يمكن ان تكون فيه ولكن دون جدوى ، عند صديقاتها وفي المستشفيات ، وفي تقارير مراكز الشرطة قد تكون انتحرت أو سافرت لتتحرى الشرطة من المطارات والموانى والحدود البرية ، ولو كان صدقي موجوداً لذرف الدموع على فقدها لأنه يُحبها كثيراً ، لكنه هو الأخر كما أسلفت أختفى حال زواجها من ابي عابد ، وفجأة طرأت على بالي فكرة الذهاب الى الأقسام الداخلية في الجامعات إذ قد تكون ذهبت هناك لتعمل كموظفة خدمة ، لأنها عندما خرجت أخذت كل مستمسكاتها معها ، تعمل وتبقى في نفس المكان ، وأنها لفكرة وذهبنا أيام وأيام حتى حصلنا على الموافقة للسؤال فقط وسألنا في كل الأقسام الداخلية وملاجىء الأيتام ولم يبق سوى دار المسنين .
مروة : صحيح … أنها فكرة جيدة … وان ما تعرضت له ام عابد يندى له جبين الإنسانية ، المهم واصلي فهل ذهبتي الى دار المسنين ؟
زكية متنهدة : كلما أتذكر الأحداث يعتصر قلبي ألم وكأني أعيشها اليوم ، المهم أنستي الرائعة … توجهنا الى دار المسنين … ودخلنا الى غرفة الإدارة علماً بأننا استنسخنا صورا ملونه لها لنعرضها في أي مكان نأمه .
مروة : وهل أخبرتم … أولادها … وبالأخص عابد .
زكية : بالطبع … أكيد … لأن أولادها الثلاثة حسن وحسين وأياد كانوا يزورنها شبه يومي وقد تأثروا كثيراً ، ولكن لا حول لهم ولا قوة … وعندما سمع والدهم بذلك … منعهم من المجيء لبيتها ولا أعرف بماذا سمم أفكارهم لينقطعوا من السؤال عنها حتى النقال صادره منهم وتوعدهم بالعقاب أن خالفوه ، ولكنهم يسألون أولاد خالهم في المدرسة ويتقصون أخبارها .
مروة : وعابد … سبب المشكلة .
زكية : أهٍ … من عابد .. سبب المشكلة … لم يصدق الأمر … وعده نكته لاذعة من أمه للضغط عليه ، ولكنه بعد أسبوع عاود الإتصال ليتأكد … فلم أرد عليه لأنه لا يستحق تضحيات امه له .
مروة : امر … لا يُصدق .. فكيف يمكن له ان يتهمك … بالإخبار الكاذب .
زكية متنهدة : لا تتعجبي يا أنستي فالحياة مليئة بالعجائب والغرائب … ثم ان عابد لم يتربَ في أحضانها فقد عرفها عبر التواصل الإلكتروني الفاقد للحس والعاطفة ، ثم انه ينادي زوجة أبيه ماما ولا أعتقد بأنه يشعر الآن بمعنى ام وإلاّ لما أشترك بجريمة أبيه في حقها وأرادا خداعها بالسفر بجواز مزور ، والمشكلة انه لا يعترف بالخطأ ويصرُّ على انه اراد مساعدة امه بهذه الطريقة التهريبية .
مروة : واصلي أرجوك … ولن أقاطعك … عندما دخلتا إدارة دار المسنين .
زكية : نعم أنستي عندما دخلنا أنا وعصام كنا نحمل معنا صوراً ملونة لها ونسخة من الإبلاغ عن فقدانها ، وبعد أن رحب بنا المدير ظاناً لأول وهلة بأننا هنا لزيارة أحد المسنين ، لكننا سرعان ما أخبرناه بالأمر وأريناه نسخة الإبلاغ والصورة الملونة الكبيرة بحجم الورق A4 ، وحالما رأى الصورة أرتعدت فرائصه وقال نعم هذه ولاء كانت هنا منذ مدة ولكنها أختفت عندما دخل أحد رجال الشرطة ولا أعرف الى أين ولماذا؟
أنكشف الليل المدلهم والفجر قد تنفس وكل الطلبة في دخائل نفوسهم خوف ممض من الإمتحانات التي تجعل الطالب يعيش مدة من الكآبة والشد النفسي تواقاً الى الوصول الى بر الأمان في النجاح ، لكن البعض الأخر أشرأب عنقه الى عالم الخيال ويتعكز بعكازة الوهم ويحصل على النجاح وهو تحت اللحاف دون تعب أو سهر ، بمجرد ملء بعض القصاصات أو إستنساخ المحاضرات بشكل مُصغّر جداً ( براشيم ) ، ولهؤلاء النفر خبرة في هذا المجال وهو يحتال على إستاذه المراقب في قاعة الإمتحان إلا الدكتورة ريام فأن لها خبرة واسعة جداً في إقتناص كل من تسوّل له نفسه التعكز على الأخرين ، ولا ينجو طالب غشاش قط من قبضة مصيدتها أن كانت هي المراقبة ، لذلك فالكل يتهيب ويأخذ حذره منها ، وقد حازت على العديد من كتب الشكر والتقدير لأمانتها ، ولكن سبأ تكرهها وتُجادل أيار في هذا الشأن لأنها ترفض رفضاً قاطعاً هذه الفكرة .
سبأ : أنا معك الدراسة أفضل ولكن كما يقول الطلبة إذا ( وقف العقل إستخدم النقل).
أيار : أنا … ضد هذه المسألة جملة وتفصيلاً … وقانا الله من شر هذا العمل الدنيء … أتعرفين ماذا قالت لي عمتي عندما وطأت قدمي الكلية ؟ قالت إياك ومسايرة الغشاشين ، إياك والتأثر بأرائهم ، إياك ثم إياك وحماية الغشاشين والدفاع عنهم لأنهم سُرّاق لصوص … يسرقون جهد الطالب المجد .
سبأ : وهل … وشيتي بأحد ؟
أيار متنهدة : للأسف … لا … وأنا أراهم … أمام عيني … كاللصوص … وأتمنى لهم الهداية بإسدائهم النصح والإرشاد … لأنهم ضعاف نفوس وأكيد ستوقعهم أعمالهم المشينة في المصيدة يوماً ما .
سبأ : أقرأتي مقالة الإستاذة مروة عن الغش والغشاشين في جريدة الكلية المعلقة على اللوحة في باحة القسم .
أيار : أكيد ومؤكد قرأتها قبل أن تصدر … كمسودة .
سبأ : سمعت بعض الزملاء يتهامسون ويضحكون على بعض مفرداتها .
أيار : يضحكون على فشلهم وخيبتهم ولأنهم جرذان لا يتكلمون على الملأ وإلا من يجرؤ على الإنتقاص من مقالات مروة الأوجي التي تتصدر الصحفية دورياً وعند كل حدث ولكن هل تذكرين أي مفردة أثارت ضحكهم.
سبأ : ما دمنا خرجنا من الإمتحان … تعالي لنذهب معاً ونقرأ المقالة وصحيح فيها بعض المفردات القاسية التي قد لا تنطبق مع واقع الطالب … وافقتها أيار الرأي ولحظات حتى وقفن أمام اللوحة ورحن يقرأن بدخائل نفوسهن الآتي : – بادىء ذي بدء أودُّ التنويه عن مسألة مهمة ونحن في صدد التطرق الى مبررات اللجوء الى وسائل الغش عند الطلبة كافة ناهيك عن وسائل الغش الأخرى في شتى مجالات الحياة … الى أن الغش ظاهرة عامة ، وعادة سمجة ومحرمة شرعاً وقانوناً ، وفوق كل ذلك فقهاء الدين عدّوها كبيرة من الكبائر ، وإذا ما أردنا البحث في مكنونات هذه الظاهرة نجد أن لها مناشىء عديدة منها الإرهاصات النفسية التي تعتري شخصية الإنسان خلال سنوات عمره ، منها الإرهاصات البيئية التي حوله والتي ينصهر هو فيها مُرغماً لأنه جزء من المجتمع الذي يتأثر فيه ، منها الإرهاصات البايولوجية التي تعتري البشر وأبرزها هنا .. ما يتعلق وبشكل كبير جداً بشخصية الأستاذ وعدم إكتراثه لقدسية العلم … وإنه لم يصل الى هذا المستوى بجده وتعبه وإنما بالتعكز على بعض الوسائل التي أوصلته الى هذا المكان .
سبأ ضاحكة :هذا يعني ومن الفقرة الأولى للمقالة إن بعض الأساتذة وصلوا بالطرق الملتوية .
أيار مبتسمة : الله أعلم … للكاتب تفسير قد يكون مبهماً عن القراء لنكمل الفقرة الثانية رجاءً .
وتبدأ الفقرة الثانية بالآتي : الغش كالبذرة الخبيثة تُزرع في دواخل الإنسان … فهي معه تُرافقه مُذ الصغر وحتى الهرم … تنمو وتترعرع في سويدائه حتى ليُخال له أنها فكرة نيّرة برمجها عقله المتقد ذكاءً ودهاءً ، على شكل وسيلة تُحقق له النجاح المبتغى بأقل جهد ممكن وبأقل تكلفة ممكنة المُتمثل بالحيطة والحذر الممزوجتين بالخوف والإرتباك ، كالمحلول الكيميائي الفعّال داخل بوتقة إختبار ، الذي بتطلب من القائم بهذا العمل شخص حذر لأنه إغفاله ولو لدقائق يولد نتائج وخيمة ولا يُحمد عُقباها .
أيار : أرأيتِ … خطورة … الغش … وعواقبه الوخيمة .
سبأ مبتسمة مقلله من شأن ما قرأت : أوه … إنه حبر على ورق … والغشاشون … يحرزون أعلى النتائج .
وعد وغيره … فلنواصل الفقرة الثالثة أريد رؤية المفردات التي أضحكت الزملاء : – الغش كالبذرة الخبيثة التي وصفها الله تعالى في محكم كتابه الكريم ، كلمة خبيثة كشجرة خبيثة طلعها رؤوس الشياطين ، وعليه فأن الغش هو معادلة مركبة من حيطة وحذر ، خوف وإرتباك ، بذرة سمجة ، فعل مزدري ، وصمة عار في الجبين تُرافق الغشاش الأجوف فاقد المحتوى ، كل ذلك متمثل برؤوس الشياطين طلع الشجرة الخبيثة التي هي النفس الأمارة بالسوء ، الأمارة بالعمل الطالح ، تلك النفس الضعيفة الإرادة البليدة التي ترتأي وترتضي الغش مخرجاً سهلاً من معمعمة الإمتحان وبنتائج جيدة ، لأن الحل طبق الأصل كما جاء في البراشيم .
أيار مبتسمة : أعتقد إن هذه الفقرة هي التي مستهم وأضحكتهم على أنفسهم .
سبأ : وأنا أيضاً … أعتقد ذلك … ولا سيما مفردة رؤوس الشياطين ولكن لماذا مقالات الأستاذة طويلة هكذا .
أيار مبتسمة : بحسب طبيعة الموضوع … إذا شئتِ ننصرف للبيت وراءنا إمتحان.
سبأ متأففة متمازحة : لا … أمري لله … لنُكمل الفقرة الرابعة … القائلة : – نلاحظ كل عام في الجامعة إرتفاع عدد حالات الغش على الرغم من وسائل الردع المتمثلة بالفصل وحرمان الطالب من الدوام لمدة عام كامل وعده راسباً في كل المواد ، إنما يعود ذلك الى الجهل المخيم على عقليات الغشاشين ، بسبب نقص بل إنعدام النصح والإرشاد والوعي الديني والأخلاقي بين صفوف الطلبة ، وتشبث التدريسي بحدود المنهج المقرر ، غارباً عن خلده ان عملية التدريس عملية خطرة جداً لأنها تُحدد إتجاه الطالب في طريق العلم والمعرفة ، ذلك لأن بعض الطلبة شديدو التأثر بالأستاذ ، فكيف أذا كان المدرس يحتكر النصح والإرشاد لنفسه فقط ، نعم في بعض الأحيان وبسبب الغش قد يتساوى الكسول مع الطالب المجد في إحرازه الدرجة نفسها أو ربما أعلى منه ، اي بين الطالب الذي سهر الليل بطوله وربما في ضوء المصباح النفطي حتى تسهدت جفونه وتورمت عيناه وبين ذلك الطالب المتثائب البليد الذي ملأ قصاصات الورق بأسرع من طرفة عين ، وبعدها إلتحف بلحافه الدافىء حتى طواه الكرى ودار في دوائر فلكية في مجرة الأحلام .
سبأ متظاهرة بالتثاؤب واضعة يدها على فمها : والآن وصلنا الى فقرة النوم والمقالة لم تنته .
أيار ضاحكة : لا … قاربت على الإنتهاء فأنت من أردتِ تلك الفقرة الخامسة تقول الآتي : –
وعليه نتسائل عن هذه النفس البليدة الأمارة بالسوء التي حبذت الطرق الملتوية بدل الجهد والمثابرة ، هل فكرت يوماً بمسألة قطعية لا جدال فيها تضم شقين أولهما : المعرة والعقاب وعلى مرآى ومسمع الجميع ، عندما يقع في قبضة المراقب الحريص الأمين ، وثانيهما : إكتساب المعلومات أثناء مراحل الدراسة وخزنها على شريط الذاكرة وبرمجتها في الدماغ ذا الأسلاك المكتظة في مجتمع سريع التطور والتغير والتجدد والإبداع ، هل فكّر كيف يمكن له أن يجالس الأخرين المثقفين ، فلابد أذن من الطرق بمطرقة النصح الحديدية على هذا الدماغ المتحجر الصدىء المتبلد الذي يمارس الغش في حياته ، واسدال الستار على حقيقة العلم والشرع والأحاديث النبوية الشريفة التي تنساب كالدرر والتي تحثنا على العلم والتعلم ومنها قول سيد الكائنات محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : ( أطلب العلم من المهد الى اللحد ) ، وقوله : ( طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ) ، وقوله : ( أطلب العلم ولو كان في الصين ) ، وقوله : ( من غشنا فليس منا ) ، ومن هذه المقدمة الموجزة أجمع الخيوط الرئيسة للموضوع وأنسج منها الخلاصة من وجهة نظري كباحثة : بأن مبررات اللجوء الى الغش تتمثل في الظروف النفسية والبيئية والبايولوجية والنفس الأمارة بالسوء وعدم اكتراث الاستاذ وضعف سيطرته على الوضع الإمتحاني وانعدام الوازع الديني والوعي والنصح والإرشاد ، وانتشار الجهل بين صفوف الطلبة كل ذلك شكل بيئة خصبة لنمو مثل هذه الظاهرة الخبيثة .
سبأ مصدرة صوتاً من فمها كالصفير ممازحة مبتسمة : وأخيراً … أنتهينا … ولاحظي … الأستاذة حفظها الله تقول ومن هذه المقدمة الموجزة … أنا … تورمت أقدامي من الوقوف وهي تقول … موجزة .
أيار مبتسمة : لكنها … حقاً … قيّمة … لكم أنا فخورة بها … وبينما هما كذلك … حتى سمعا … وقع أقدام متسارعة نازلة من الدرج وحديث محتدم … مما دعاهما الى الإلتفات لمعرفة ما السبب … فإذا بالدكتور أسامة العابس يحمل بيده ورقة نازلاً بسرعة متجهاً الى العمادة والطالب وعد يسايره متوسلاً به … وقد ترقرقت عيناه وأحمرّت خدوده … والعابس يبعده عنه وقد سبق السيف العذل … والطلبة قد تجمعوا في باحة القسم ماذا حدث ماذا حدث ؟! والبعض يسأل أيار لتتوسط له عند عمتها .
أيار مستغربة : وماذا … حدث … بحق السماء … أتوسط عن ماذا … ؟
لفيف الطلبة : أن الدكتورة ريام … مسكته وهو يغش وقد إستخرجت من كمه مجموعة كبيرة من البراشيم .
سبأ وجلة : أرجوك … يا أيار حاولي فهذا مستقبله وقد يتعرض للفصل والتشهير .
أيار لتخفف من حدة الوضع : حسناً … حسناً … سأحاول … وأسرعت خطاها الى غرفة عمتها ومعها سبأ .
سبأ مسرعة بجانبها وجلة : هل صحيح … حبيبتي ستحاولين … لأجل وعد ؟
أيار ضاحكة : بالطبع … حبيبتي … لا … وألف لا … أتعرفين لماذا ؟
سبأ مستغربة : لماذا ؟
أيار مبتسمة : وكأنك لم تفقه ما قرأتِ للتو في المقالة ولأهرب من الموقف السيء الذي كنت فيه وكأن الأمر بيد عمتي أن مثل هذه المواقف لا يتدخل فيها أحد ما دامت الدكتورة ريام هي التي ألقت القبض عليه وبالجرم المشهود ، فما على رئيس القسم سوى الإسراع بإتخاذ اللازم لفصله وسيذاع نبأ فصله في الغد على كل الأقسام وسترين ذلك بأم عينك عندما يذاع خبر الفصل في كل قاعة إمتحانية … يا للهول … وصمة عار حقيقية .
سبأ منزعجة : أراك … تتشفي به … وكأنك فرحة .
أيار : أنا … لا أتشفى بأحد … ولكن من الظلم … أن يحرز نفس الدرجات التي يحرزها المجدون … ثم أن كلامي وصف للعقوبة التي ستصدر اليوم وستُذاع في الغد القريب … وكما يقولون إن غداً لناظره قريب .
سبأ : ومن سيوقّع … على قرار الفصل .
أيار مبتسمة : أن مثل هذا القرار الجريء … كمن أهدُر دمه … ستوقع اللجنة الإنضباطية المشكلة من كل أقسام الكلية ، وعندما يوقعون بعد التثبت من واقعة الغش سيوقع العميد … عندها … سيكون القرار جماعياً … والعِبرة لمن أعتبر … يا ليت يتعظ في السنوات القادمة … ولكن أراك … متأثرة … ثم أستطردت قائلة : ها … ها … لقد نسيت إنه أحد المعجبين .
سبأ بجد : أرجوك … توقفي عن هذا الوصف … فليس المجال الآن للهزل .
أيار مبتسمة : لا يستحق الآسى … هذا ما جنته يداه .
سبأ : يعني أنت جادة في كلامك … سيفصل … من الكلية .
أيار : نعم أكيد كما أعرف وكما يقول المثل ( سبق السيف العذل ) .
سبأ : مسكين .
أيار مبتسمة : أنت … المسكينة … لأنك ركيكة القلب … أقصد رقيقة القلب … أقلبي صفحة أنتهى الأمر فغداً لدينا مادة النقد … أدرسي جيداً … هيا تعالي لأوصلك سيراً على الأقدام الى باب الجامعة ، وسأنتظر قتيبة هناك وأمري الى الله … لا تتأثري يا أبنتي هذا ما جنته يداه الغشاشتان … ولكن .. صحيح هل تعرفين أخي الرائع قتيبة ؟
سبأ : بالأسم … فقط … لم أره .
أيار : عجيب … ألم تريه في مناقشة عمتي عندما كنت هناك .
سبأ : في الحقيقة لا أتذكر … أي منهم قتيبة كانت القاعة ممتلئة وكنت محرجة جداً .
أيار : ولماذا الإحراج … وممن محرجة .
سبأ : لأنها المرة الأولى … التي أخرج فيها مع صديقة الى مناسبة خاصة وان كانت في الجامعة وقد بذل والدي الكثير من الجهد لأقناع الوالدة .
أيار : لا … علينا … الآن أتركي الماضي سأُعرّفك اليوم بأخي قتيبة لأنك تعرفين كل أخواني ما عداه … وسأوصلك الى البيت وأتمنى أن أتعرّف أكثر على أنهار وأطوار ووالدتك علماً بأني لم أنسَ رأيها بعلاقاتك .
سبأ : سأتعرّف عليه في وقت أخر ولكن توصليني لا .. فهذا الأمر يتطلب تقديم طلب مسبق للوالدة ، لا تكلفي نفسك فخط السيارات الماثل أمام الجامعة سيوصلني مباشرة الى دارنا ستمتلىء السيارة … في أمان الله .
أيار مبتسمة : سأبقى أنظر إليك الى أن تصعدي السيارة … في أمان الله … فذهبت سبأ متوجهة الى سيارة الركاب … في مرآب الجامعة على مقربة من الباب الرئيس للجامعة ، وأنظار أيار تتابعها حتى صعدت السيارة وجلست قرب النافذة والسيارة لم تمتلىء بعد … وراحت تنظر الى صديقتها من بعيد … وهي واقفة ولم تأتِ سيارة قتيبة بعد ، وراحت تتكلم في دخيلة نفسها … ليتني بقيت واقفة قرب أيار … حتى تصل سيارة أخيها … لا أحب أن تأتي طالبة وتقف قربها وتبدأ بسرد قصة حياتها ومشاكلها … وبديهي بأن أيار ستتظاهر كعادتها وبغرور بأنها المصلح الإجتماعي وحلالة المشاكل … عندها ستخصص لها الوقت على شكل جلسات الى أن تنتهي من وضع المسودة النهائية للقرار ، كما فعلت مع الطالبة أفكار وعندما فتشت عنها في كل أرجاء الكلية وجدتها تجلس على منصة الإستاذ وكأنها القاضي الذي سيفرج عن المتهم بعد ان سمع أقواله ، فليتك يا أيار تهتمين بي … كما تهتمين بالأخرين … أه ٍ … ولكن المشكلة عندما أناقشك بأرائك تتصلبين حتى في الرد وتدّعين جدلاً بأنك تتمسكين بأرائك … وكأنك الوحيدة التي تملك زمام الأمور والأخرين لا يفهمون أرائك … صحيح أنا أحبك … وأعشق البسمة على محياك … ولكن في الكثير من الأحايين أجهلك وكأني أتعرف إليك للوهلة الأولى ولاسيما عندما ترفضين الإجابة على بعض أسألتي … أولست الأقرب الى روحك بحسب وصفك … أذن لماذا … تعرضين عن الإجابة وكأني غريبة عنك …؟ يا … للهول … نسيت أن أعاتبك … كيف يمكن لك أن تنسين موعدنا اليوم … الذي أعتدنا ان نتقابل فيه وتذهبين مع زملائك الى المكتبة تشرحين لهم … ترى هل نسيتي الموعد أو تناسيته ولماذا تهتمين بالأخرين أكثر من إهتمامك بي بحجة مساعدة الأخرين … وعلى حسابي … هذا أمر غير منطقي وغير عقلاني وغير مقبول … وغداً سأجادلك فيه بعد الإمتحان … وبينما هي كذلك … تحركت السيارة دون أن تنتبه حتى كاد أن يرتطم رأسها لولا أن تداركت الموقف .
أما أيار وبعد أن رمقت ساعتها اليدوية وجدت أنها خرجت قبل ان تبلغ قتيبة بذلك وبعد أن إستخرجت نقالها وأتصلت به لتبلغه أنها بإنتظاره … راحت تتكلم في دخيلة نفسها وهي تنظر الى سبأ جالسة قرب النافذة ولم تمتلىء السيارة بعد بالطلبة ، أتعرفين يا سبأ بأن وصفك لوالدتك يشابه تماماً وصفي لوالدتي حتى أن والدتي بعض الأحيان تعاملني وكأني طفلة صغيرة بعمر تسنيم ، وعندما أقول لها بأني أحب صديقاتي ، تقول لي وأظنها جادة غير ممازحة ، أتحبينهن أكثر مني ؟! أشعر بأن والدتي تغار علينا من أيّ شيء وتعاملنا وكأننا جزء من ممتلكاتها لا تريد أبداً أن نحب غيرها وأن لم تفصح جهاراً بذلك إلا الأمر واضح ومكشوف ، وإلاّ لما أصبحت عمتي صديقتي وألجأ إليها كلما تعرضت الى مشكلة أو أزمة نفسية بسببك ، وبسبب تناقضك العاطفي معي … فأمرك غريب … يا سبأ … إذا أصبحت مداً … أمسيت أنتِ جزراً … وإذا صرت جزراً رجعت أنت مداً … لا يوجد عندك حد وسط … كم كانت علاقتنا جميلة ببساطتها على الرغم من الإرهاصات الطبيعية في الثانوية ، ولكن الجامعة ألقت بظلالها الثقيل علينا توسّعت وتشعبت علاقاتنا بالأخرين … وصار لكل منا إلتزاماته ومسؤولياته تجاه الأخرين … ولكنك مغرورة يا سبأ … وتتأثرين كثيراً بالمغريات الموجودة في الجامعة … ولكني … أحبك .. وأحبك كثيراً … فإنتبهت الى السيارة عندما تحركت … وقالت … في أمان الله يا صديقتي … تسعدني كثيراَ ثقتك الكبيرة بي وسأكون عند حسن ظنك ما حييت .

.. يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *