الرئيسية » مقالات » علي السوداني : مكاتيب عراقية .. من دفتر تسعينيات ربّة عمّون

علي السوداني : مكاتيب عراقية .. من دفتر تسعينيات ربّة عمّون

مكاتيب عراقية
من دفتر تسعينيات ربّة عمّون
علي السوداني

حدث‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬مفتتح‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬البائد‭ ‬،‭ ‬إذ‭ ‬حطَّ‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬عمّان‭ ‬،‭ ‬حشدٌ‭ ‬من‭ ‬أدباء‭ ‬وكتاب‭ ‬العراق‭ ‬،‭ ‬وشغيلة‭ ‬الفكر‭ ‬والفنون‭ ‬الجميلة‭ ‬كلها‭ ‬‭. ‬كانت‭ ‬سيماهم‭ ‬مرسومة‭ ‬على‭ ‬وجوههم‭ ‬،‭ ‬من‭ ‬أثر‭ ‬الحصار‭ ‬والجوع‭ ‬الكافر‭ ‬،‭ ‬وسخام‭ ‬الحرب‭ ‬وخيالات‭ ‬مقاهي‭ ‬الأدب‭ ‬والجمال‭ . ‬

أتوا‭ ‬بوجوه‭ ‬صفرٍ‭ ‬وأصابع‭ ‬ساخمات‭ ‬مستلّات‭ ‬من‭ ‬رماد‭ ‬الأيام‭ ‬،‭ ‬ومعجون‭ ‬الرغيف‭ ‬الأسود‭ .‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الدفتر‭ ‬الكبير‭ ‬،‭ ‬سأقص‭ ‬عليكم‭ ‬ما‭ ‬رسخ‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬،‭ ‬وكان‭ ‬بعضه‭ ‬معمولاً‭ ‬من‭ ‬وجعٍ‭ ‬،‭ ‬وسواه‭ ‬من‭ ‬ضحكٍ‭ ‬يكاد‭ ‬يستعير‭ ‬من‭ ‬الوجع‭ ‬دمعاته‭ ‬الساخنات‭ .‬

حدّثني‭ ‬صاحبي‭ ‬جمال‭ ‬البستاني‭ ‬،‭ ‬وهو‭ ‬قاص‭ ‬ساخرٌ‭ ‬ضحّاك‭ ‬،‭ ‬أضاعته‭ ‬الصعلكة‭ ‬والتنبلة‭ ‬،‭ ‬كما‭ ‬أضاعت‭ ‬بطل‭ ‬حكايتنا‭ ‬،‭ ‬الشاعر‭ ‬البديع‭ ‬طالب‭ ‬السوداني‭ ‬،‭ ‬الذي‭ ‬حكَّ‭ ‬خشمه‭ ‬في‭ ‬ظهيرة‭ ‬عمونية‭ ‬موحشة‭ ‬،‭ ‬وحكُّ‭ ‬الخشم‭ ‬في‭ ‬عُرف‭ ‬أهل‭ ‬العراق‭ ‬،‭ ‬هو‭ ‬رسالة‭ ‬من‭ ‬النفس‭ ‬في‭ ‬اشتهاء‭ ‬السمَك‭ .‬

وبما‭ ‬أنّ‭ ‬جيب‭ ‬الفتى‭ ‬كان‭ ‬مثقوباً‭ ‬أبداً‭ ‬،‭ ‬فلقد‭ ‬تدبّر‭ ‬جمال‭ ‬الصعلوك‭ ‬،‭ ‬أو‭ ‬الشاعر‭ ‬عبد‭ ‬الأمير‭ ‬جرص‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬ثانية‭ ‬،‭ ‬مبلغاً‭ ‬قليلاً‭ ‬من‭ ‬المال‭ ‬،‭ ‬واصطحبا‭ ‬طالباً‭ ‬معهما‭ ‬ويمّم‭ ‬الثلاثة‭ ‬ورابعهم‭ ‬أحد‭ ‬الغاوين‭ ‬،‭ ‬أجسامهم‭ ‬الرثة‭ ‬صوب‭ ‬سوق‭ ‬سقف‭ ‬السيل‭ ‬،‭ ‬الذي‭ ‬من‭ ‬بضاعته‭ ‬الإستطعامية‭ ‬الممكنة‭ ‬،‭ ‬السمك‭ ‬الرخيص‭ ‬وعظام‭ ‬الخراف‭ ‬المنزوعة‭ ‬اللحم‭ ‬،‭ ‬وأختها‭ ‬بالطعم‭ ‬هياكل‭ ‬الدجاج‭ ‬ورقابه‭ ‬،‭ ‬وكانت‭ ‬تلك‭ ‬من‭ ‬الولائم‭ ‬الفقيرة‭ ‬الطيبة‭ ‬،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬طبخت‭ ‬وبُهّرت‭ ‬ومُلّحت‭ ‬،‭ ‬حتى‭ ‬يصير‭ ‬ماؤها‭ ‬لذيذاً‭ ‬رائعاً‭ ‬وهو‭ ‬ينزل‭ ‬فوق‭ ‬مثرود‭ ‬الخبز‭ ‬،‭ ‬في‭ ‬صينية‭ ‬سيكون‭ ‬بمقدورك‭ ‬أن‭ ‬ترى‭ ‬فيها‭ ‬مما‭ ‬يُرى‭ ‬،‭ ‬عظاماً‭ ‬بان‭ ‬بعض‭ ‬لحمها‭ ‬بالسلق‭ ‬،‭ ‬ورؤوس‭ ‬بصل‭ ‬صغير‭ ‬،‭ ‬وتكويرات‭ ‬ليمونية‭ ‬سوداء‭ ‬يسمونها‭ ‬نومي‭ ‬بصرة‭ . ‬كان‭ ‬طالب‭ ‬السوداني‭ ‬طويلاً‭ ‬نبيلاً‭ ‬مهيباً‭ ‬يسير‭ ‬أمام‭ ‬الركب‭ ‬،‭ ‬مرتدياً‭ ‬لباساً‭ ‬معطوباً‭ ‬ضاق‭ ‬عليه‭ ‬فكفّنهُ‭ ‬،‭ ‬حتى‭ ‬بدا‭ ‬للناظر‭ ‬إليه‭ ‬،‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنه‭ ‬هزيمة‭ ‬تمشي‭ ‬على‭ ‬ساقين‭ ‬عاريتين‭ . ‬هنا‭ ‬بدأ‭ ‬الجمع‭ ‬مرحلة‭ ‬الإصطفاء‭ ‬،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬صلة‭ ‬لها‭ ‬بصحة‭ ‬السمكة‭ ‬،‭ ‬بل‭ ‬بسعرها‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يراد‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يخلّف‭ ‬أيَّ‭ ‬كدمةٍ‭ ‬على‭ ‬جيوب‭ ‬الصعاليك‭ ‬،‭ ‬حتى‭ ‬تسمّروا‭ ‬بمواجهة‭ ‬بسطة‭ ‬بائع‭ ‬سمك‭ ‬يائسٍ‭ ‬،‭ ‬كانت‭ ‬تعرض‭ ‬فوق‭ ‬خاصرتها‭ ‬سمكتين‭ ‬بحريتين‭ .‬

قيل‭ ‬إنّ‭ ‬السوداني‭ ‬قد‭ ‬طلب‭ ‬شراء‭ ‬واحدة‭ ‬،‭ ‬فردّ‭ ‬عليه‭ ‬البائع‭ ‬بأنه‭ ‬يفضّل‭ ‬بيع‭ ‬السمكتين‭ ‬معاً‭ ‬،‭ ‬فجادله‭ ‬الشاعرُ‭ ‬بأنه‭ ‬ليس‭ ‬أكولاً‭ ‬وأنه‭ ‬سيكتفي‭ ‬بواحدة‭ ‬،‭ ‬لكنّ‭ ‬صاحب‭ ‬الأمر‭ ‬أصرَّ‭ ‬على‭ ‬بيع‭ ‬السمكتين‭ ‬كأُختين‭ ‬تشتهيان‭ ‬الذهاب‭ ‬الى‭ ‬الجحيم‭ ‬وببديهيته‭ ‬الشعرية‭ ‬وقفشاته‭ ‬الذكية‭ ‬وروحه‭ ‬المذهلة‭ ‬،‭ ‬قال‭ ‬طلّوبي‭ ‬لبائع‭ ‬السمك‭ ‬،‭ ‬يا‭ ‬صديقي‭ ‬العزيز‭ ‬،‭ ‬أنا‭ ‬أحتاج‭ ‬سمكةً‭ ‬واحدةً‭ ‬فقط‭ ‬،‭ ‬ولو‭ ‬أنني‭ ‬كنت‭ ‬ذهبت‭ ‬إلى‭ ‬دكان‭ ‬الأحذية‭ ‬،‭ ‬فسوف‭ ‬تراني‭ ‬أبتاعُ‭ ‬زوج‭ ‬حذاء‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الحال‭ . ‬ضحك‭ ‬البائع‭ ‬وتمت‭ ‬البيعة‭ ‬بسعر‭ ‬قليل‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ببال‭ ‬الصعاليك‭ ‬الطيبين‭ . ‬

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *