الرئيسية » نصوص » رواية متسلسلة » الدكتورة إخلاص باقر هاشم النجار : رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (الجزء الثامن والثلاثون)

الدكتورة إخلاص باقر هاشم النجار : رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (الجزء الثامن والثلاثون)

إشارة :

حصل خطأ من اسرة الموقع يوم امس في نشر الجزء التاسع والثلاثين من رواية الأديبة الدكتورة إخلاص النجار “رسائل بأنامل القدر” قبل الجزء الثامن والثلاثين. ننشر اليوم الجزء الثامن والثلاثين مع الاغتذار من الروائية العزيزة ومن السادة القرّاء الكرام. 

الجزء الثامن والثلاثون
فتناولت مروة النقال وهي مبتسمة وراحت تقرأ بصوت خافت … نص الرسالة … وعندما أنتهت من القراءة تنهدت وقالت مبتسمة : والله تصرفه طبيعي …
سـُبل منفعلة : كيف تبررين تصرفه الأحمق ، وقد تركيني وأنا بأمس الحاجة الحاجة إليه ، فضلاً عن ذلك اليوم موعد مرتبه الشهري وقد وعدته بأن أمنحه الضعف .
مروة مبتسمة : أنت طبيبة ، وأقدر مني على تشخيص الوضع النفسي لأي حالة ، فأسألك الى البدء بنفسك وتشخيص حالتك ووضعك الآن .
سُـــبل : لم أفهم … أرجوك .. أبتعدي عن الألغاز وتكلمي بوضوح لأني أكاد أنفجر.
مروة : لا حظي مفرداتك أكاد أنفجر وعلى ماذا على مجرد عامل جاهل ومتخلف .
سُــبل : خالد شاب واع ومثقف ومهذب وأمين ولا أعتقد تنطبق عليه هذه المفردات .
مروة مبتسمة : لكنك أنت من وصفتيه بأنه جاهل ومتخلف وأخرق .
سُــبل : مروة أرجوك لا تُعنفيني أنا جئتك هنا ولم أذهب الى المنزل لأني متألمة جداً .
مروة مبتسمة : الذي ينظر الى المشهد يرى أن بينكما أبعد من علاقة عامل برب عمل وإلا … لما كتب لك خالد هذه الكلمات الخارجة من جرح ينزف ، على الأقل من جانبه هو ، أن لم تعترفي أنت بوجود مكانه خاصة له في داخلك أوليس صحيحاً وإلا لماذا يوحي إليك بأنه إذا أردت البحث عنه فتعرفين مكانه ، ثم يؤكد لك بأنك لن تجديه في سوق النخاسة.
سُــبل : تحليلك غريب … وهل تجدين عندي الوقت لأضيعه في مثل هذه الطرهات … لكن الذي يزعجني إني تعودت عليه في العيادة وانه ليس من السهل إيجاد من أثق فيه ، ولاسيما اليوم كيف سيُدار العمل في العيادة ، والله لا أعرف لذلك أتيتك لتخففي عن صدري هذه الحيرة وليس لتدخليني في حيرة أخرى ، ولكن كيف نسى موعد مرتبه اليوم .
مروة مبتسمة : لم ينسَ أبداً … ولكن … لأنه شعر بالإهانة … ترك العمل وما فيه …
سُــبل متوترة : والله لم أهنه ولم أقصد أهانته لكنه غبي وقاصر الفهم لأني قبل أن أتحدث إليه تكلمت عن نفسي وعن ظروفي المادية سابقاً وكيف ان الله تعالى وفقني بعد صبر .
مروة مبتسمة بهدوء : والآن … وبصراحة ماذا تريدين … أريد أن أفهم لأنك تدورين في حلقة مفرغة .
سُــبل : أريده أن يتنازل عن رأيه المخبول هذا ويعود الى عمله لأنه يحتاجه أو على الأقل ليأتي ويأخذ مرتبه.
مروة : إتصلي به ووضحي له سوء فهمه وحسن قصدك .
سبل معترضة : أنا … أتصل به .. لا … لا .. إستبعدي هذا الحل .
مروة مبتسمة : هل لديك حل أخر … غير الإتصال به ؟
سُــبل متنهدة : عن طريق المتيم .
مروة ضاحكة : لم … أفهم … عفواً … من تقصدين .
سُــبل متوترة : مروة … أرجوك … أطلبي من منذر … إقناعه ليعود الى عمله .
مروة تتصل بمنذر ليتوسط لإرجاع خالد للعمل في العيادة مع الدكتورة سُــبل ، وقد طلبت منه أن يراجعها غداً في الكلية عندما يأتي ، وعندما سمعها طار فرحاً لهذا الطلب وراحت مشاعره ترسم أفاقاً واسعة لطموحاته اليتيمة … وبالفعل جاء للكلية كعادته قبل موعد دوامه المسائي ومثل أمام باب غرفتها طارقاً الباب بخفة وهو مفتوح ، وعندما رأته نهضت من على كرسيها والإبتسامة تهللت على وجهها ، فرحبت به وطلبت منه الجلوس على الكرسي قبال مكتبها .
منذر مبتسماً : كيف حالك وحال الدكتورة سُـبل لاحظت أمس أنها ليست بخير وأتمنى أن أكون مخطئاً .
مروة مبتسمة : لا … لست مخطئاً وأنك على صواب … ولكن في البداية كيف حالك أنت في الدراسة .
منذر : أن شاء سأكون بخير وكما تعرفين بأن دراسة الانلكيزي مناطحة لغة أخرى .
مروة : تعبير مضحك … مناطحة … ولكن قلت لك سلفاً … إذا إحتجت أي مساعدة فلا تتريث في طلبها مني أرجوك وأنا مستعدة لشرح أي مادة على الإطلاق … ووالدي دائماً يوصيني بك .
منذر : ليحفظه الله تعالى والدك رائع والله أحبه كوالدي … وهو الذي شجعني على إكمال الدراسة المسائية .
مروة مستغربة : والدي هو الذي طلب منك اكمال الدراسة … ولكن لماذا ؟
منذر : يقول بأن الشركة تحتاج الى استيراد نوع من الأخشاب من بلدان أجنبية ، ومن الأفضل ان نتعلم اللغة لنفهم على الأقل التعامل مع هؤلاء التجار وليس الإنجراف وراء ترجمة المترجم التي قد تكون مضللة في بعض الأحيان ، لذلك شجعني على الدراسة ومحاولة التعلم .
مروة : وهل أنت واثق مما إنك ستحترف الإنكليزية .
منذر متنهداً : سأحاول والله المعين ومعدلاتي متوسط والحمدُ وأفضل من المقبول .
مروة : ان شاء الله تعالى ستنال ما تصبو إليه وها أنت الآن في المرحلة الثالثة وهذا رائع ، المهم أريد أن أطلب منك طلباً صغيراً .
منذر فرحاً : وأنا رهن أشارتك … آمري … ولا تطلبي … أرجوك .
مروة مبتسمة : أشكرك عزيزي … المسألة متعلقة بالدكتورة سُــبل فزميلك خالد ترك العمل في العيادة .
منذر متفاجآ : ماذا ماذا ؟؟ ترك العمل وما السبب ؟؟ لقد إلتقيته قبل شهر وكان مسروراً من العمل لأنه أحوج الى المال ليدير شؤون عائلته ودفع الإيجار الشهري ، ثم إنه شكرني كثيراً لأني عرضت عليه هذا العمل .
مروة مبتسمة : الذي أرجوه منك … أن تقنعه للعودة الى العيادة لأن سبل تحتاجه .
منذر : ولكن لماذا ؟ ألم تذكر لك السبب ؟
مروة متنهدة : سوء تفاهم .. ليس إلاّ .
منذر : لابد ان تطلعيني على كل المعلومات حتى أستطيع ان أناقشه بها .
مروة : كل الذي أريدك ان توصله إليه بأن الدكتورة إنسانة طيبة وراقية وأحبت له الخير بالنصح والإرشاد ولم تتقصد إيذاءه بقدر أنمله ولكنه حساس جداً وفهم النصح … إهانه … وتقليل قيمة .
منذر مبتسماً بإستغراب : والله لم أفهم شيئاً مما ذكرتي … فهلا … بلطفك أوضحتي لي حديثك لأني على قدر فهمي … ولكن عندما أكلمه ماذا أقول له ، بأن الدكتورة إنسانة طيبة وراقية وأحبت لك الخير بالنصح والإرشاد ولم تتقصد إيذاءك قدر أنمله ولكنك حساس جداً وفهمت النصح أهانه .
مروة مبتسمة : عليك نور … بالضبط قل له هذا الكلام … وأسمع منه … ولنرَ ردة فعله … ثم ان له مرتباً لدى الدكتورة ولم يأتِ لأخذه وأعذرني لا أستطيع الإسترسال اكثر في الموضوع غير الذي ذكرته لك ، فهل أنت مستعد وقادر على هذه المهمة .
منذر : أنا رجل المهمات الصعبة وما عليك سوى الإعتماد .. ولكن ما هي أخبارك في الدكتوراه … أقصد في اطروحة الدكتوراه .
مروة : الحمدُ لله قاربت على الإنتهاء .
منذر متنهداً : وماذا بعد الدكتوراه … يا أنستي .
مروة : عفواً … لم … أفهم .
منذر : أخاف الإنجراف في الحديث أكثر معك لئلا تفهميني خطأ لذا سأغير الحديث.
مروة مبتسمة : لا تستعجل الغيث … يا منذر … ولكل حادث حديث … عندما أحصل على الدكتوراه سأقرر ماذا أفعل بعدها … لكني أفهمك .
منذر فغر فاه : صحيح .
مروة متنهدة بفتور : نعم صحيح … ولا … تظنني مبلدة المشاعر .
منذر متفاجىء متأثراً : وهل تعرفين بشلال حبي الدافق الذي عاش في دواخلي منذ سنين … منذ الثانوية ؟ ولا أعرف كيف أبوح لك بهذا الفيض الذي خلقه الله تعالى في دمي … فأنت في دمي … تعيشين … في خيالي … ولأجلك دخلت هذه الكلية حتى أراك وأسمعك … وأرى الأماكن التي ترتادينها … على الرغم من قنوطي بأنك لن تنظرين لي وأنت تسكنين في قصرك العاجي ، إلاّ إني أحاول وأحاول فعسى ربي أن يجعلك من نصيبي ، وأنا رهن إشارتك … فقط أعطيني بصيص أمل … تتوق روحي دائماً وأبداً … لسماع أخبارك .
مروة بعد ان انصتت إليه : يؤسفني أن تنظر إليّ بهذه النظرة الإستعلائية يا منذر وكأني متكبرة … ولكن أريدك أن تعرف بأني أحترم مشاعرك ولا أتجاهلها ، ولا أعرف ماذا أقول لك سوى أني لا زلت طالبة ولا أريد أن أشغل نفسي وأشتت أفكاري … ولا أعدك … بأي شيء … أعذرني … أرجوك .
منذر مبتسماً فرحاً : والله … أعدتي الروح الى جسدي البالي … وحديثك السحري أشفق بحالي … وخصب حياتي المجدبة بعد سنين القحط … لكني سأبقى … أفهمك يا ملاكي وملاذي ومستقري ومستودعي … وأعذرك … وسأصبر حتى يمل الصبر مني وأشكرك على ثقتك بي وأعدك بأن أكون عند حسن ظنك وظن عمي عبد الرحمن، وثقي بأني لن أفرض نفسي عليك أبداً ، والمقدر في السماء سيصيب العبد لا محالة .
مروة بعد ان سمحت له بمواصلة الحديث الرومنسي مبتسمة بهدوء : أشكرك ، عزيزي الإيمان بالقدر بلسم للجراح والآن لا تنسَ موضوع خالد أرجوك لأجل سُــبل .
سبأ مبتسمة بفتور : أتيت هنا لأجلك .
أيار : لأجلي تحدثي أرجوك وإسترسلي ولا تجعلي حديثنا يجري كالإستجواب .
سبأ : طبعاً … أنك أكيد عرفت … قبولي في أي كلية .
أيار : مؤكد … جامعة الكرمة كلية الزراعة وقد فرحت لك كثيراً لأنها أمنيتك .
سبأ : هذا صحيح … أنها أمنيتي … ولكن وجودك في دمي حدد إختصاصي ،وقوض هذه الأمنية وحدد إتجاهها وغير خطة القبول .
أيار وضعت قبضة يدها تحت خدها وقالت بغير رضا بفتور : وماذا بعد ؟؟؟ أختصري رجاءً وهل باشرتي في الكلية وفي أي قسم أنت الآن ؟؟ أختصري لا أحب التفصيل .
سبأ مبتسمة : لا تستعجلي الغيث … سيأتيك … رذاذاً … ثم وابلاً … وبما أني عرفت بأنك في كلية الآداب ، طلبت من عائلتي ان أقدم طلباً لأغير ترشيحي الى كلية الآداب ، في البداية أعترضت والدتي وزمجرت وسألتني عن السبب فقلت لها ، أشعر بأن طموحي في الآداب أكثر ، ولكن والدي أقنعها وأقتنع برأيي وقال لها لنغير الإختصاص فلدينا في المنزل مهندس زراعي ، وقد تبنى الأمر ولا أريد التفصيل في قضية الترشيح والقبول ، المهم تمت الموافقة الى قبولي في كلية الآداب ، وبعد أن عرفت من أنصاف بأنك في قسم الإنكليزي قدمت على القسم ، ولم يقبلوني بادىء الأمر بحجة أن القسم لا يستوعب عدداً أخر من الطلبة ، وأن الطلبة الذين تم قبولهم خضعوا لإختبارات ، ولولا يد اللطف وعين الرحمة لما قبلت هنا ، كان لوالدي صديقاً يعمل في رئاسة جامعة البصرة كان وسيلتنا الفاعلة هنا وإستخرج القبول من فك الأسد ، واليوم أول يوم أداوم فيه وقلبي يخفق كلما فكرت كيف سألتقيك وهل سترحبين بي أو لا الكثير من التساؤلات التي تتجمع في صدري ، ولكن ( الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله ) ، ويجب عليّ أن أخبر كل التدريسين بأني طالبة جديدة حتى يُضيفوا أسمي في القائمة التي معهم ، الى أن تصدر القائمة الجديدة من القسم التي تتضمن الأسماء الجديدة المضافة ومنها أسمي ولكن للأسف أخبروني بالذهاب الى شعبة باء .
أيار تهلل وجهها وشدت على يدها وقالت بصوت فرح : صحيح … حبيبتي … سيقف قلبي من الفرح … غير معقول بأن أنامل القدر ستجمعنا من جديد بعد أن فرقتنا الحمدُ لله رب العالمين كم تمنيت ذلك وكم رفعت أكف الضراعة للسماء قبل القبول بأني يجمعني الله بك في الكلية واحدة ، هذه نعمة لأنك أيضاً نعمة قدمها لي القدر ، وبينما هي كذلك رن نقالها ، فرمقته بنظرة إنزعاج ولم تعر له أهمية وتجاهلته أكيد فجر لأنها قلقت عليها لأنها لم تحضر محاضرتين الى الآن لنسجد لله شكراً على هذه النعمة .
سبأ مستغربة : من هذا الذي يتصل وتتجاهلين إتصالك .
أيار : هذه فجر لصقة الأسد .
سبأ ضاحكة : ومن تكون فجر لصقة الأسد ؟! حتى أعود أدراجي الى كلية الزراعة هاربة .
أيار متمازحة محركة كتفيها ويديها : إحدى زميلاتي معي في الصف ، وبما إني شديدة الجاذبية كالمغناطيس ينجذب إليه الجميع ولاسيما هذه الطالبة التي أهرب منها كلما رأيتها ، لأني لا أحب الإلتزام تجاه أحد ولاسيما في الكلية ولكنها في النهاية تجدني وأكيد الآن أخبرت مركز الشرطة ، المهم دعينا من لصقة الأسد هذه لقد قطعت سلسلة أفكاري ، نعم غردي حبيبتي وأطربي أسماعي بصوتك السحري لقد مرّ عامان ولم أسمعه ، أتعرفين يا سبأ أشبه شوقي إليك … كالصائم الذي أضناه العطش ولابد له من الصبر والإنتظار … لابد ان يتحمل الظمأ حتى وأن تعبت روحه ، هذا هو شعوري والله يشهد على صدق كلامي … وبينما هي تتلذذ في حديثها … رنّ هاتفها فرمقته متأففة ضانة انها فجر لكنها الآن عمتها مروة … فأكيد سترد عليها .
مروة بقلق : أيار … أين أنت أنشغلت عليك ؟؟
أيار بإستغراب مقطبة حاجبيها : ماذا ؟؟ !! أنشغلت علي ّ … ولماذا ؟؟ ماذا حدث ؟؟
مروة : وأين أنت الآن ؟
أيار : أنا في الكلية ؟
مروة : ولماذا تغيبتي عن محاضرتين ؟
أيار : ومن قال لك ذلك ؟
مروة : جاءتني زميلتك فجر تسأل عنك بقلق وأخبرتني بأنك أختفيتي بعد المحاضرة الأولى ، وأنها بحثت عنك ولم تجدك فقلت لها أكيد في المكتبة فذهبت وجائتني مرة أخرى وقالت لم أجدها ، أين أنت ؟
أيار ضاحكة : أنا قلت (لصقة الأسد) ستُخبر مراكز الشرطة عن اختفائي ونسيت بأنها ستقصدك .
مروة : لا تغيري الموضوع اي انت الآن ؟
أيار : أولاً لا تخبري فجر (لصقة الأسد) بمكاني أنا الآن بالتحديد أجلس في الحديقة الواقعة خلف كلية الإدارة والإقتصاد .
مروة : مع من تجلسين ؟
أيار ضاحكة : مع شخص أحبه وأعشق الإبتسامة على محياه .
مروة منزعجة : أيار … تكلمي برشادة … وأبتعدي عن هذه النبرة الغريبة … وتعالي لئلا تفوتك المحاضرة الرابعة ، وسنتكلم لاحقاً حول هذا الموضوع .
أيار ضاحكة : عمتي … أحزري من معي الآن ؟
مروة وقد تبدد قلقها : أشعر بأنك سعيدة … أكيد أنك تعرفين من تتكلمين عنه .
أيار : أعرفه ويسكن روحي وأوداجي وخيالي … منذ الأزل … وقد كادت روحي تبلغ الترقي بالشوق إليه سنأتيك بعد هذه الساعة وسأعرفك عليه الى اللقاء … إنتظريني .
مروة مبتسمة : أقصدك … سبأ … قولي قولي … أشعر بذلك .
أيار راحت تدور بمرح في الحديقة حول سبأ : الله … كم أنت رائعة يا عمتي تقرأين الكلام وهو على شفاهي ، نعم أنها سبأ … سينتهي رصيدك … سنأتيك بعد ساعة ان شاء الله ولن أحضر المحاضرة الأخيرة أعذريني .
سبأ : أشكرك حبيبتي … لكم أشعر بالسعادة … وأنا معك .
أيار ممازحة : اثبتي لي حبك … ولنمشي تحت أشعة الشمس الحارقة … كما مشينا تحت المطر .
سبأ مبتسمة : أمشي معك ولو في حر تموز الذي يُذوب الأجساد ما دام معك سيكون أجمل من جو إسطنبول.
تتوق المراكب إلى شواطئ الأمان مهما توغلت في الإبحار تريد الوقوف تحنُ حنيناً مدنفاً للأحبة والأوطان فلابد من وضع النقاط على الحروف ، لا يداوي الجفاء جرح عليل ولا يمحي من الدهر أي صروف ، ولا مناص اليوم من حقيقة تتبلور بين الجوانح بذات الهوى المعروف ، كلاهما أساء التعبير بلغة الغضب الفورية وترجمة قاسية سطّرتها الظروف ، باعدت بين الأيادي المتشابكة وذُبحت البسمة بآلاف السيوف ، وفرضت تنائياً علقمياً أهوج إن نزل للساحة بالقساوة موصوف ، فغدت الروحُ أسيرة في زنزانة الألم تأن ظمآنة للقاءٍ بالخوف محفوف ، ناظرة للسماء تستسقي وقع المطر ليغسل غبار ذرته رياح الحتوف ، تستسقي المراكب من جديد تجذل على جبلين رقيقين على الرغم من كل الأنوف وكلاهما يرنو للأخر ينتظر مجيئه ، كطائر مهاجر بالشوق مكتوف ، ولكن عندما إلتقت الأرواح مع بعضها في لحظة تكاد تكون حلم حلقت ناسية كل الملفات السابقة في الأدراج والرفوف ونثرت المشاعر والأحاسيس أكاليل الزهور ووقفت ملائكة الحب محيية في صفوف ، وتناثرت على الأرض أكاليل الورود وإرتسمت البسمة على الثغور في الأركان والسقوف وقد عادت المياه الى مجاريها وإنتظمت سبأ في دراستها ومرت الأشهر الأولى بكل هدوء وشوق ولهفة ، وأصبح لكل منهن مجموعة وزملاء مقربون في كل شعبة ، وفي بعض الأيام لا تلتقيان إلا للتحية السريعة وذلك لتقاطع وقت المحاضرات بينهما .
ولكن للغيرة أصول حية متجذرة بينهما تتحرك بإنسيابية وتلقائية دونما تكلف ومروة المراقب الوحيد والحكم المباشر ، ولاسيما وقد توسع المكان وإزدادت الأحداث وتنوعت الشخصيات على مسرح الحياة الجامعية ، ومثلما أيار تتشدق بأن فجر وغيرها معجبة بها راحت سبأ تخطط وتعد العدة لنفس الغرض بدافع الغيرة لتبادل الأدوار ، لكنهما يبقيان مثل الشكر والشاي كلاهما الشكر وكلاهما الشاي ، ولا تعترف إحداهن بأنها الشاي ، وكأنهما طفلتان عند الزعل وعند الرضا ولهما باع طويل بضجيج الطفولة والمزاج المتقلب الذي لا يمكن قبوله فتارة تجاذب روحي ملائكياً اخاذاً ، وتارة تنافر وجفاء يصهر الروح في قارورة الجسد ، ومروة تكتب الخواطر بما يتناسب وهذا الواقع وكلاهما يقرآنه ويصوبان الأخطاء : ومنها كتبت الأتي : كان لديّ دمية دب يحمل طبلاً أشغـله وأنا أتقافز على الحبل … وعندما أنتهي من القفز واللعب … أطفأه وأخبأه في الصندوق بعد التعب ، وأنت الآن تشاطرينني الصداقة … تقولين بأني غدوت البسمة على شفتيك واني حمامة سلام أطير في مقلتيك .. وأنت تعرفين كم روحي لك تشتاق … وكم من مرة قطعتُ لك ميثاق … ماذا دهاك اليوم … لا أعرف ؟ وإساءة الظن بي أسلوب مقرف … تثورين بدافع الشك ولا تريدين السماع … ككاهن متعجرف يأمر بما لا يُـطاع … وكما لفن الحديث تعلمتي … لفن الإصغاء عزيزتي تعلمي … فالمحب يعاتب ولا يظلم المحبوب … وسوء الظن آفة تفتك بالقلوب … والآن يا صديقتي عدتِ بعد أفول … وفي يدكِ إبريق لسقي الأزهار بعد ذبول … تطلبين مني العذر والتفهم ؟! ولأنك تسكنين أوداجي سأتجاوز وأبتسم … لكن أنظري ما أشبهنا الآن بعد العودة … بما أسلفتُ من حديث اللهو والمودة … فأنت تلك الطفلة المدللة تبكين … وأنا في يدك ذلك الدب المسكين … ولكن هما اليوم في جامعة ومن أسمها فهي جامعة لكل أصناف الطلبة ، وفضاء واسع لا يمكن السيطرة عليه بسهوله ، فعلى الرغم من أتون الحب المستعر تبقى الغيرة سبب المشاكل وتعكير الصفو وتحطيم الهدوء .
الجامعة حياة جديدة مليئة بالأحداث ولاسيما من حيث إختلاط الطلبة بالطالبات بعد أن عاشوا الإبتدائية والثانوية بإستقلالية تامة ، واليوم على مسرح هذه الحياة يظهر الجديد في الإنجذاب وتكوين العلاقات الحميمية الصادقة منها والتمثيلية التي ما تلبث أن تنفجر كالفقاعة لحظة التخرج ، ولكن أيار تحاول أن تُحصن نفسها من هذه العلاقات وأن جنحت بالإعجاب ، لاسيما وعمتها تراقب تحركاتها عن كثب ، ولكن الطريف أنها في الكثير من الأحيان تحاسب سبأ على الكثير من المواقف والعلاقات وتمنعها حتى من الجلوس أو الوقوف مع الطلبة مما يولد بينهما بعض الشد وشعور بالتدخل وقد أصبحن الآن في السنة الثالثة من الكلية وبمعدلات متوسطة بالكاد نجحن وذلك لأن أيار دخلت القسم لأجل مروة وسبأ دخلت لأجل أيار وليس نسبة لمستوياتهن في مادة اللغة الإنكليزية .
أيار : كم مرة قلت لك … ألا تقفي بمفردك مع الطالب … ؟ وعد .
سبأ : كنت واقفة بإنتظارك … وجاء وعد ووقف يتحدث معي … فهل أقول له يا ترى أبتعد عني لأن أيار لا تقبل … وقد أمرتني بأن أكون خلف الزجاج الصقيل … ثم … أريد إبلاغك بخاطب تقدم لي ، لكنه لم يعجبني ورفضته .
أيار : لقد رأيتك واقفة معه قبل عشر دقائق وأنا أنظر إليك من بعيد من على إحدى المصاطب … ثم أنك وقفتي معه أكثر من مرة وقد حذرتك من ذلك ، ثم لماذا يا ترى رفضتِ الخاطب .
سبأ معترضة : هذا يعني أنك تراقبيني ولا تثقين بي ، ثم إني رفضت الخاطب لأنه لم يتفق وأحلامي الرومانسية أريده يشبه شخصية دايسكي في أفلام كارتون الكريندايزر بشعر طويل متهدل على أكتافه … ثم الساحة ممتلئة وما عليّ سوى الإنتقاء .
أيار : أراك دائماً من بعيد وأنت تتقنين مشية الغنج والدلال ، أرجوك انتبهي لنفسك أخاف عليك … وعلى سمعتك … لأنك زجاجة .
سبأ : كم من مرة أراك تجالسين وتتكلمين مع الطلبة … أولست زجاجة … أيضاً .
أيار : نعم صحيح ولكن لأجل المدارسة والمناقشة ليس إلا .
سبأ متوترة : هذا يعني أنك تتهميني ، ثم لماذا لا تلاحقين صديقتك فجر وهي تعلن وعلى الملأ حبها وعشقها للطالب وضاح في قسم اللغة العربية ، والكل يعرف بعلاقتها العلنية هذه حتى وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة ، أم أنك لا تعرفين سواي؟حرريني من قيودك،وأفصلي ما بين الصداقة والمسائل الشخصية،وأنا حرة أمشي بغنج أم أمشي مشية العسكر،أنا حرة في نفسي وليس لك سلطان عليّ أسمعتي؟!
أيار منزعجة : أنا لا أتهمك … ولكن أريد أن أحافظ عليك كما أحافظ على نفسي ولا أريد أي كان ان يتكلم عنك بسوء ، وفجر صحيح صديقتي وتحبني بجنون ولكن هذا شأنها ، وقد أختطت طريقها بنفسها وأنا لا أؤييدها البته ولكن لا أتدخل بشؤونها… أتعرفين لماذا ؟؟ لأنها لا تهمني … ثم ألا تلاحظين المشاكل الكبيرة التي حدثت ما بين زميلتنا المتبرجة أفكار وأحد أصدقائها في المرحلة الرابعة ، وكيف تطور تعارفهما من إنجذاب ولقاء الى مشاكل لا تُحمد عقباها وهي الآن في غرفة العميد مشتكية تدّعي بأنه مسك يدها .
سبأ منزعجة : ثم هذا شأني وأنا حرة أقف مع من أقف ولسنا في ثانوية ولا تبالغي ولا تتجاوزي الحدود ، ثم هل أنت أبي أو أمي حتى تحاسبيني هكذا ؟، أبتعدي عن فلان أو فلانه ؟ هذا أمر مقرف لا أحتمله ، وأنا سبأ ولست مثل هذه البلهاء أفكار تطور علاقتها بالطلبة أنا أتعرف بهم وأسمعهم فقط وأحاول التمييز فيما بينهم لأنتقي الأفضل والأجدر دون أن يلين جانبي لأي أحد منهم لئلا يتجاوز .
أيار : نعم .. أنا هنا أدافع عنك كأمك وأبيك .
سبأ : وهل تريديني … وفي هذا الفضاء الفسيح أن أعلن العزلة والإنفصال عن الطالبات والطلبة لمجرد إنك ترفضين ذلك ؟ انتبهي يا أيار … فكلامك خطير وغير عقلاني وغير منطقي .. ويجعلنا في مفترق طرق ، أسمعي جيداً فأنا طالبة هنا وسأقيم علاقات تعارف مع كل الطلبة والطالبات …شئتي أم أبيتي … أتعرفين ، ولا تحكمي عليّ بالأحكام العرفية التي لا تعرف العقل ، وعد وغيره من الطلبة زملائي … ثم إنك تعرفين بأني لن أرفض أية فرصة للإعجاب ، ويُعجبني أن أرفه عن نفسي براحتي وعلى مزاجي ووعد أحد المعجبين مثله مثل غيره من الطلبة وصديقاتي جيدات ولا أحيد عنهن أبداً سواء كن سلبيات أم إيجابيات وعليك التكيف مع هذا .
أيار منزعجة : يؤسفني ردك المخبول هذا … فأنا لا أقصد إلا النصح الرشيد … ولن أفرض نفسي ولا رأيي عليك تارة أخرى ، وبالفعل قد تفيدك علاقاتك برفاق ورفيقات السوء وأنا بحل من هذا الرأي ولك الخيار .
سبأ منزعجة : نعم لأنه سبق وأن أستفدتي من رفيقات السوء لذلك تكررين النصيحة اليوم ، وتصفين ردي بالمخبول وفي الأصل كلامك أجوف فاقد المحتوى .
أيار : قلت لك … عليّ النصح وعليك القرار … ولن أكرر كلامي … ولكن … ليكون بمعلومك … لن أقبل أبداً .. بأن تؤذي نفسك … ولن أسمح لك بذلك .
سبأ تضحك بسخرية : كيف لن تسمحي … هل ستضعين الأصفاد في معصمي ، أم ستضعين كاميرات مراقبة ترصد لك تحركاتي … أم سيكون لك خطة إستخبارتية اخرى للسيطرة عليّ .
أيار متنهدة : لن أبلغك بأي معلومات فهي خاصة بي … أمضِ في طريقك … ولن أكون حجرة عثرة في طريقك ما حييت … ولا حتى في هذه الساعة الوحيدة للإستراحة التي تجمع بين شعبتينا .
سبأ : يعني ليس لديك حل وسط … تريدين إرغامي على إقامة جبرية … حيث لا يبقى صوت لديّ أستطيع نطقه ولا أعرف متى تصدر أحكامك العرفية … تتكلمين براحتك وتغلقين فمي وتكسّرين أسناني لتدعين بعدها بأن إبتسامتي غدت غريبة وحشية ، وتترجمين مقاصدي على هواك ِ … أيُّ ظلم يفوق ذلك يا أيار … أعرف وأفهم قصدك ولكنك تخنقيني بهذا الإهتمام ، أرجوك لا تُعامليني وكأني طفلة صغيرة لا تفقه ما تقول وما تفعل ، فأنا بعمرك ولم أتدخل قط في شؤونك وعلاقاتك … أرجوك أفهمي كلامي … وأطمئني … فأن لعبت فمزاجي … لأني حذرة … ولن ألعب بالنار أبداً .
أيار بوجوم : أعتذر لنفسي … لأني أصبحت بنظرك ظالمة وقاسية ومتسلطة ومتعجرفة وفوق كل ذلك أخنقك ، لذلك أعدك بأني لن أكون حجر عثرة في طريقك مرة أخرى ، ولكني سأختط لي طريقاً أخرى مغايرة لطريقك ، فلكل منا وجهة نظره التي لا ترضي الآخر.

… يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *