الرئيسية » نقد » ادب » عبد المجيد محمد خلف : ليل متشح بالسواد
في ديوان (أقبض على الجمرة، لعلي أضيء العشب) للشاعر “قحطان جاسم”

عبد المجيد محمد خلف : ليل متشح بالسواد
في ديوان (أقبض على الجمرة، لعلي أضيء العشب) للشاعر “قحطان جاسم”

ليل متشح بالسواد
في ديوان (أقبض على الجمرة، لعلي أضيء العشب)
للشاعر: قحطان جاسم
عبد المجيد محمد خلف
روائي وناقد- سوريا

تحمل القصائد رسالته لتبلغها عنه إلى أرواح من كانوا معه يوما ما؛ يسكنون الفارغ العابق برائحة المكان، وتنساب بهدوء في جسد الليل وذاكرته، لتضع نهاية لمأساته، وآلامه التي لا تنتهي، ليبقى وحده في كل مساء، يردد ما تيسر له من وقت بقايا صور قديمة؛ كان يحتفظ بها في ذاكرته؛ التي أتعبتها الأيام، وأتت على ما بقي منها الحربُ التي لم تسلم شيئاً من شرّها، لتترك الغصة في قبله، وتجعله أسير ليله وحده مع أحزانه، فيبثّ شكواه له، وللذين رافقوه في مسيرة حياته، وتركوه وحده يعاني الصمت، ويشعر بالوحدة تكتنفه من كافة الدروب والأمكنة، أسير همومه، ولغته التي بها يسلي الروح عما انقضى، وذهب إلى غير عودة، مثلما تناثر الجميع من حوله، ولم يتركوا له شيئاً سوى خيط ذاكرة، وسرابا معلّقاً في الأفق البعيد، لتتم الأرض دورتها بدونهم، وتكون عنوان أيامه القادمة الوحشةُ والاغتراب.
في ديوان: (أقبض على الجمرة لعلي أضيء العشب)؛ للشاعر قحطان جاسم، الصادر عن دار (أدب فن للثقافة والنشر)؛ والذي يقع في (85 صفحة من القطع المتوسط عام 2017)، يقدّم لنا الشاعر صورة ولمحة من تفاصيل حياته المليئة بالهموم والأوجاع، والتي أثقلتها آثار الحرب والدمار التي مازالت عالقة في مخيلته، وينثر في طياته (الحب- الحرب- الدمار- الذكريات- الرحيل- الوطن المدمّر- الليل- الاغتراب- الإنسانية)، تأتي القصائد كلّها كلوحة مكتملة للأخرى، في مشهد اعتاد الشاعر على جمعه في قالب واحد، ليكون الديوان صورة شعرية متكاملة في نقلها للواقع الذي عاشه، وللماضي الذي احتلته الأخيلة، ومازال يحتفظ بها، ليعبر عنها بالشعر، الذي لا يملك سواه؛ أداة ووسيلة للتعبير عما يجيش في صدره، ويعتمل فيه من مشاعر: “آه أيها الشعر، وأنا ألوذ بمحنتي، واتساع الخسارات، متعقبا بتعب، كل زوايا الزوايا، ونثار خطى ضائعة، من سيدون هذا الخراب؟!”.

بلاد على حافة الضياع
من سيكون لبلاد تناهبتها أصوات الموت، وراياته، التي أحاطت به من جميع الجهات، زارعة الدمار والرعب بين ظهرانيها، وفي كل مكان، من جسدها المتعب، والمثخن بالجراح، بلاد مازالت تعاني الخوف الذي يمسك بتلابيب روحها، ويدنيها من المقصلة كل يوم، فيكون قطع الرؤوس، والقتل، والخراب من نصيبها، وتترصدها المُدى كل صباح ومساء، وتنام معها، وتلتحف بها أحياناً، ليكون الوجع عنوان أيامها القادمة، كما كانت عنوان ماضيها، بلاد لا مستقبل لها سوى الضياع والحرمان والقتل، ولا مهرب لأبنائها منها إلا إليها، ليعمل فيهم الغرباء الذي اجتازوا الحدود ذات ليلة الدم، بخناجرهم الصدئة: “تنام على شرشف من سكاكين، وتصحو على خراب الرؤوس، وتسرّب الرايات من الحدود”.
مثقل بماضيه وأوجاعه
“لا وقت لاستراحة الجسد، فالماضي في كل مكان..!”، أينما يمضي يحاصره الماضي بمآسيه وأوجاعه، فلا يترك له فرصة للاستراحة من هموم الحياة التي أثقلت كاهله، وأبقته تحت سطوتها، لأن الصور تتالى، وتتابع نفسها في مخيلته، وتذكره في ليل وحدته بكل رفاقه الذين رحلوا، وكل مواقف الحياة التي لم ترحمه يوماً ما، وتركته ضائعاً في مهبها، فلا الوطن عاد كما كان وطناً، ولا الناس بقوا كما كانوا، كل شيء من حوله تغيّر، كل شيء ينذره بالسقوط، بعدما سقطت أقنعة الوجوه، وانكشف زيف الواقع الذي يعيش فيه.
رثاء الروح
يندب نفسه وأيامه في صمت أبدي، في ليلة برّية، لا صدى فيها للصدى، وحده الصرخة، وحده من ينازع الليل كوامن شجنه، وحزنه الذي أشعل اللحظات الباقية من عمره حنيناً وشوقاً للراحة الأبدية، حيث الطفولة، والبراءة، حيث كان الوطن يمضي غير آبه بالسقوط، ولا فكرة لديه عن الرحيل، أو الاغتراب عن الديار التي استحكم حبها في قلبه، وكان يرفض فكرة مغادرتها، ولكن وبعدما تغيّرت الأوضاع، وصار الخراب والموت لغة جديدة، لم يعد يملك سوى البحث عن آخر قطارات العمر؛ لعلها تقلّه نحو عوالم أخرى، بعيداً عن صوت الموت، والرصاص، والجريمة، ليتخلّص من شقائه، وغربته الروحية، فالمنفى لم يعد أرضاً، بل صار له بعداً روحيّاً ونفسيّاً معاً، هو منفىً حياتي، اغتراب بكل معنى الكلمة، انتظار للخلاص، والانعتاق من الوجع، ورؤية بلد ومدن بأكملها تحترق بنيران الغزو، والسلب، والرصاص: “أرعى صدى قطارات بعيدة، وأفكر أن أكتب وصية، لا تعني أحداً، ليس فيها ما يغري، محض مرثية قصيرة جداً لنفسي”.

ألم إنساني كبير
ينقل لنا بعداً إنسانياً كبيراً وعميقاً في نصّه، ويرسم صورة لجنديين عدوين؛ متقابلين في ساحة الحرب، كل واحد منهما له همومه، وله ما يعتمل في صدره من ذكريات، وقصص لا نهاية لها، تنتاب مخيلتهما المتعبة مثلهما، في تلك الجبهات، وخلف تلك المتاريس التي تحاول أن تقيهم دون جدوى الرصاص، وتحافظ على لحظاتهم الأخيرة لعلهما يتمكنان من العيش، واللقاء بالأهل عما قريب، ويكتب كل منهما رسالته الأخيرة، ووصيته الأخيرة، لتحملها الريح بعيداً عن المكان، فتتطاير كلماتها المبعثرة في الدروب باحثة عن المُرسل إليهم، ربما تكون الزوجة، أو الأولاد، أو الأمهات الثكلى، أو حتى العشيقات: “في ساحة الحرب، ربما كانا يكتبان، هو عدوّه، ذات الرسائل، عن أمسيات مضت، النهر الذي حاذى الطفولة، عن لحظة عشق غائبة، وربّما، عن تشوّه الإنسان… تلك المدينة المتخمة بالنجوم، والمآذن، والقبور، تمدّ يديها الآن: ليس سوى جدران مثقوبة بالطلقات، ورسائل بِخثرات دم، تغفو دونما اكتراث، في جيوب القتلى!”.

قحطان جاسم: شاعر عراقي، يقيم في مدينة كوبنهاغن، الدانمارك، له (رؤى في مملكة الغياب- شعر 1993)- (في تجليّات العزلة- شعر 2010)- (آن الذهول- شعر 2016).

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *