الرئيسية » فكر » جابر خليفة جابر : جِيم جَديد (قَص)
(6) المعلم أولا

جابر خليفة جابر : جِيم جَديد (قَص)
(6) المعلم أولا

إشارة :
كتاب (جيم جديد – قصّ) للمبدع جابر خليفة جابر الذي ينشره موقع الناقد العراقي في حلقات هو واحد من أهم الكتب الثقافية التي صدرت بعد الاحتلال. فبالإضافة إلى أنّه يتناول مفاهيم وأحداث وشخصيات ثقافية وفق نظرة جديدة وبعضها يُطرح لأول مرة ، فهو أيضا تشريح لمعضلاتنا الثقافية ومحاولة طرح حلول لها بدلا من النواح والتشكي. أمّا أسلوبه السردي الهادىء و “الحياتي اليومي” فقد أزال عنّا التباس وصفه على الغلاف بأنه “قص” لأول مرة. وللأسف لم يحظَ هذا الكتاب المهم بالمناقشات المطلوبة التي نتمنى أن تثيرها محاولة نشره هنا. تحية لجابر خليفة جابر.

(6)

المعلم أولا

انتهت الجلسة الصباحية الختام، وخرجنا من القاعة، أنا والأستاذ ” صالح ” وصديقنا الجزائري الجميل ” علي العيد ” ، كنا نستمتع بالشعر في مهرجان البريكان.. مررنا بساحة الطيران ، وقفنا لدقائق امام النصب التذكاري لشهداء انتفاضة البصرة (17/3/1999)ثم عانقنا صورهم بعيوننا، كان العيد أكثر منا تأثرا، دمعت عيناه ، تذكر المليون شهيد، لاشك، وكعادة أي بصراوي – إذا رافق ضيوفه – أخذتنا الخطى إلى كورنيش شط العرب، أرواحنا كانت ترفرف عاليا مع الغاقات البيض الرشيقة وكنا نتهابط رويدا رويدا على المسنّاة ، في عرض الشط ،قال العيد : نوارس رائعات، وكأنها سمعته، مرت نورسة صغيرة أمام وجهه ، قريبة منه، ورأيت قلبه معها يطير ويرجع..
وجه البريكان العميق بدا من بعيد في البوستر الكبير الملون والمطل على الشط ، إلى جواره تمثال السياب ولافتة عيد المعلم لم نعد نرى منها سوى الأول من آذار..
– وراء كل عظيم أ…
سبقني وقال : معلم! وراء كل عظيم معلم.
– اشتقاق لطيف وجديد.
– صفه بما ترى ،لكنه الأصح، المرأة التي تقف وراء كل عظيم هي معلم أيضا، أجمل الأمهات التي أنشد لها مارسيل خليفة معلم رائع، الأم معلم أكبر يا صديقي، والزوجة والأخت والابنة والحبيبة كلهن يقفن أحيانا وراء عظمة بعض الأفذاذ من الرجال. وكذا الفذات من النساء ، وراءهن رجال..
كان “العيد ” منصتا ومأخوذا بسحر ما حوله ، ربما رأي طيفا من السندباد ،أو الف ليلة وليلة ، ربما، وتماوج البلم العشاري قليلا، تمايلت أجسادنا معه، فقد مر بنا زورق صيد سريع وتشبثنا بالحواف، وما أن هدأ قلبي سألته : أهذا ما قصدته باشتقاقك ؟ تقاصى نظره عني ،لكنه كان معي فابتسم، ثم سألني..
– عمن تسأل، عن الموجة هذه، أم عمن وراء العظمة ، العظماء والعظيمات؟
– عن المعلم طبعا ، المعلم الصانع ؟
– يا صاحبي ،المعلم وراء كل سفينة، كل موجة في المجتمع ،
// الأم مدرسة اذا اعددتها /اعددت شعبا طيب الاعراق//
– يا صاحبي من يعدّ الأم هذي غير المعلم ؟
ألا نتمنى ان تكون كل الأمهات العراقيات كبنت الهدى، القاصة والروائية والشهيدة ؟
ألا نتمنى جميعا قرة أعيننا بأولادنا؟ أن نراهم أفذاذا وصالحين؟
ألا نريد لبلادنا الخير؟ لا ولن تتحقق أمنياتنا من دون الالتفات للمعلم !
المعلم ينبغي أن يكون أولا، في أولوية الاهتمام الوطني ينبغي أن يكون المعلم..
قال صديقنا العيد : يكفي المعلم فخرا إنه لقب الفلاسفة الكبار ،ارسطو والفارابي ، وحتى بن سينا وسقراط ، ثم ردد أبيات شوقي
//قف للمعلم وافه تبجيلا //كاد المعلم أن يكون رسولا//
فابتسم الاستاذ صالح وقال:
// قل لي بربك كيف صار مبجلا //من كان للنشيء الصغير خليلا//
واستدرك بسرعة: رحم الله إبراهيم طوقان ، كان يمزح طبعا ، المعلم صاحب رسالة إنسانية نبيلة. مهمته في تربية الناشئة وتهذيب نفوسهم أهم بكثير من مهمته بتعليمهم!
– لهذا سموها ، وزارة التربية والتعليم.
– نعم، ولهذا قدم القرآن الكريم التزكية على التعليم في ثلاث آيات مقابل آية واحدة قدم فيها التعليم على التزكية.
واصل العيد والأستاذ صالح حديثهما وسرحت بعيدا عنهما ، رأيت معلمنا أيام كنا في الريف وهو منهمك صباحات البرد بغسل وجوهنا بالماء الدافيء الذي أعده بنفسه ، لمسات كفيه أتذكرها الآن، كم أحن إليها، وكم أتذوق حتى الآن ما كان يجلبه لنا من طعام براتبه الضئيل ، صباح الخير يا أولادي، المقال الجميل للمرحوم قاسم عبد الأمير عجام،تذكرته، نشر في آخر أعداد مجلة الثقافة(شباط 1988) تذكرت صاحبها العراقي البصري والإنسان الكبير صلاح خالص وزوجنه سعاد محمد خضر، وفي ما يشبه حلم يقظة، ملأت الشوارع كلها بلافتات كبيرة وعالية ،ثم أمسكت بقصبتي المبراة وعليها جميعا خططت// العراق محتاج إلى جميع أبنائه// فانتبهوا، وللمعلم التفتوا، لا كرامة للعراق ولا خير ولا سلام من دون كرامة المعلم وإكرامه، المعلم أولا يا عراق، وصرخت: المعلم أولا ، ففزّ صديقنا “العيد” والتفت بدهشة صالح المعلم..

=====

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *