الرئيسية » نصوص » رواية متسلسلة » الدكتورة إخلاص باقر هاشم النجار : رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (الجزء التاسع والثلاثون)

الدكتورة إخلاص باقر هاشم النجار : رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (الجزء التاسع والثلاثون)

الجزء التاسع والثلاثون
لا تخلو الحياة من المرضى النفسسين الذين يفتعلون المشاكل حتى من العدم ، ولاسيما رئيس القسم بدأ يعامل مروة بإزدواجية سيئة فبعد أن كان خير أستاذ لها وهي طالبة أصبح اليوم أسوأ زميل لها ، ولاسيما وهي اليوم تتربع على عرش التميز في حلقاتها النقاشية وندواتها مع جهابذة الكلية ، فضلاً عن أنها نشرت خمس بحوث علمية في مجال تخصصها وحصلت على الترقية من مدرس مساعد الى مدرس وبجدارة وأسرع من عدد من أساتذتها الذين لا يزالون قابعين مكانهم دون ترقية ، وحصلت على العديد من كتب الشكر وشهادات التقدير بشهادة جهابذة الكلية والجامعة بأن الإستاذة مروة يشار لها بالبنان ، ولكن رئيس القسم راح يضيق عليها في أية فرصة يراها سانحة أمامه وتحت صلاحيته ، مما جعل هذا الوجه الباسم البهيج يبدو كئيباً قلقاً لما ستؤول إليه هذه العدائية المباغته التي لا تعرف سببها ، ولكن الذي يزعجها أن الكثير من زملائها يسألها لماذا الدكتور أسامة زين عابس يناصبها العداء في أرائه ومواقفه ولا يعترف بجهدها العلمي ويعتبره مجرد حشو ونثر في ورق قدر له القدر القبول والثبات ، وعزاؤها الوحيد هو ان تشكو لرفيقة دربها .
سُــبل متنهدة : يقلقني ويزعجني التعامل السيء للدكتور العابس ولا يستحق أسم أسامه زين معك ، من الآن أصبح أسمه العابس ، ولكن كيف كان تعامله معك عندما كنت طالبة ؟
مروة مبتسمة : والله كان أروع أستاذ معنا في تعامله وتواضعه وخفة دمه وفي سخائه في الدرجات وقد كان يمنحني أعلى الدرجات ويميزني عن الطلبة بمزيد من الثناء والتشجيع ، ولكن اليوم سبحان الله أنقلبت الآية وقد تحول المدح الى قدح ونثر الأحجار في طريقي وإن كان بصورة غير مباشرة إلا أنها معروفة ومن قبل الجميع ، ووصل به الأمر حتى التلاعب في جدولي وتغييره بالشكل الذي لا يناسبني ، ووضع محاضراتي في قاعات نائية تحت الدرج لا تصلح حتى لقطيع أغنام ، وعندما أطلب منه أجازة يكتب لا أوافق لأنها كثيرة التغيب وغير ملتزمة ، وبالفعل أصدر بحقي تغيباً وقطع راتب وأصبح في أضبارتي المهنية تغيب ، ولكم أسائني هذا التصرف الأهوج .
سُــبل متأففة : أشتكي العابس الى العميد … ولا يجوز لهذا الفاشل ان يعاملك هكذا وأنت الحاصلة على العديد من كتب الشكر من العمادة ورئاسة الجامعة … وأنت باحثة يشار لك بالبنان في مجال الأدب الإنكليزي .
مروة مبتسمة بسخرية : العميد … وماذا يفعل العميد وهو الذي جاء به رئيس قسم غير عابىء بالألقاب العلمية الموجودة في الكلية المهم أن يضمن ولائه له ، لدرجة أنه غيبني مباشرة وبدون أن يصدر حتى كتاب استفسار ، وعندما قدمت له إعتراض لم يكترث لأمري وقال بأن رئيس قسمك هو الذي يقيمك ، وإذا كنت متميزة كطالبة فالأمر يختلف ولابد علي من الإلتزام بالضوابط والتعليمات ، وأنه يشكو منك دون غيرك ، هذا ما قاله لي دون رحمة فقلت له : يا دكتور : ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) ، فإمتعض وقال : لماذا دكتور زين يشكو منك أنت بالذات دون غيرك .
سُــبل : ولكن هل طلبتي منه ان يحول التغيب الى اجازة اعتيادية … ثم أن القانون يمنح التدريسي الحق في طلب أجازة ، فكيف يمكن لهم خرق القوانين والتعليمات ، ولكن بالفعل أمر محير إذ كيف ينقلب بين عشية وضحاها من صالح الى طالح .
مروة : نعم .. وطلبت منه ان يجعلها إجازة وبدون راتب المهم إن يُرفع من الإضبارة أمر التغيب المجحف ، ولكن والقرار نافذ والظلم سابق ولا يعرف العيب والأمر مبيت له في ليل فحسبي الله ونعم الوكيل عليهما ، وحتى أيار لم تسلم من أساءته بصفتها أبنة أخي يتعامل معها على الحد وبالدرجة التي تأخذها دون زيادة ، وذات يوم في الإجتماع أشار لي بصورة غير مباشرة ولكن الكل يعرف ان الموضوع يخصني ، بقوله هناك تدريسيات يتعاملن معاملة خاصة مع الطالبات فلابد من الحد من العلاقات العائلية في موقع العمل ، ولا يجوز للإستاذ ان يلين جانبه لأي طالب مهما كانت علاقته به ، والأكثر من ذلك فأنه يشير للجميع بأني من خلال علاقاتي أتوسط لها عند معارفي ،ثم أستطردت قائلة : لقد وصل تعامله السيىء الى درجة لا أحتملها ولاسيما عندما تصل شرارة غيرته القاتلة لمستقبل أيار ، ولكني وعلى الرغم من كل هذا أحاول أن لا أتصادم معه في النقاش إذا تعلق الأمر بدروسها خوفاً عليها ، لأنه رئيس قسم وقادر على أي عمل من شأنه أن يضربها وفي أي مادة لاسيما وأن اللجنة الإمتحانية من الوصوليين المستفيدين الذي يطوفون حوله ، لذلك أحاول جاهدة أن أتحمل حماقاته .
سُــبل : إذا كان تصرف العابس السلبي ضدك بسبب مرض الغيرة النفسي ونجاحك المضطرد بحسب ما أخبرك به السيد العميد صراحة ، فلماذا يُعاقب أيار ؟ فهل طلبتي منه مثلاً مساعدتها ؟
مروة : نعم للأسف … في العام الماضي وبينما كان سعيها منخفضاً في مادة التلفظ ، طلبت منه أن يرفع درجتها خوفاً من الدور الثاني ، لكنه وللأسف أستغل الموقف رفض طلبي وقال هذا مستواها ويجب أن لا أتعامل بهذه الطرق الملتوية لأنه يُعامل كل الطلبة بالمعيار ذاته ، وفي ذات الوقت دخلت إحدى التدريسيات من قسم أخر فرحب بها وطلبت منه المساعدة لأحد الطلبة من أقربائها وتعديل سعيه السنوي اليائس ، وبكل سهوله رفع السعي عشر درجات ، كانت الصدمة كبيرة ولم أكن أتوقعها فخرجت من غرفة القسم دون أن أنبس بكلمة ، ولكنه راح يرّوج لهذا الحدث وأمام الجميع حتى أن زملائي المقربين أخبروني بهذا الموقف ، ولم أستطع حتى معاتبته لأنه لا يستحق العتاب ، وذات يوم عندما كنت أروّج معاملة الترقية ، إكتشفت بأن أحد البحوث غير داخل في الخطة العلمية مما يُعرقل إتمامها ، فطلبت منه إن يُدخلها في الخطة العلمية والمسألة يسيرة جداً ، كتابة اسم البحث في سجل موجود في القسم ، ثم تزويدي بكتاب يطبع في القسم بأن هذا البحث داخل في الخطة العلمية للقسم ، أتعرفين ماذا فعل ؟؟؟ أمر لم يصدقه العقل ، رفض نعم رفض على الرغم من توسلاتي إليه لئلا تتعرقل المعاملة ، وذهبت الى العميد الذي راح ينتظر زيارتي مشتكية بين الفينة والفينة ، وكلما رأني يبتسم ساخراً أو ممازحاً ويقول : ها مروة … أهي شكوى على الدكتور أسامة ؟! المهم عرضت عليه الأمر وحقيقة أستغرب ، وأوعز إليه بكتاب رسمي بأن يضيف البحث في الخطة العلمية في القسم ، وأخذته كأمر إليه ولكنه تارة أخرى رفض وبدون حياء وبحقد مبطن .
سبل منزعجة : ولكن لماذا ؟؟؟ يرفض العابس والأمر هيّن مجرد إدخال معلومات في سجل أو حاسوب ؟
مروة : يدّعي صاغراً كاذباً بأن الأمر فيه مسؤولية والأمر مفضوح لأن السيد العميد ونظراً لكثرة شكواي ضده وهو يسمع ويرى عن كثب ، نصحني بالصبر وقال الذي يغار من الأخر له حقد كحقد المجرم فتجنبيه .
وبعد أن وعدت أيار صديقتها بأنها لن تكون حجر عثرة في طريقها ، أعتزلتها والألم يعصر قلبها ولم تعد تحضر الى الحديقة التي كانتا يلتقيان فيها في كل يوم أثنين ، وأعتكفت في المكتبة ساعة الإستراحة تواصل قراءاتها للقصص الإنكليزية وترافقها فجر حتى وأن جلست تتطلع دون ان تنبس بكلمة المهم انها ترافق حبيبة قلبها أيار التي تعتبرها صديقة عمرها التي تثق بها وتكلمها عن كل خصوصياتها كمخزن لأسرارها ، كما أنها أخذت وعداً على نفسها بأن لا تكلم سبأ في الهاتف أيضاً ولا تسألها عن أي شيء حتى تعود الى رشدها وتستفيد من هذا التجاهل معترفة بخطأها من وجهة نظر أيار ، مرّ أسبوع والتعنت بادي من الطرفين مجرد التحية عند اللقاء في أروقة الكلية ، وفي الإسبوع الثاني بدأ أتون الشوق يستعر ففكرت أيار بطريقة تسحبها كالمغناطيس وبصورة غير مباشرة بتحريك طاقة الغيرة الكامنة لديها ، من جانب تبدو أنها تتجاهلها ومن جانب أخر تثير غيرتها وتتقصد الجلوس في الحديقة على المصطبة مع فجر وتضحك على صغائر الأمور بقصد الإيحاء لسبأ ليس إلاّ ، وما أسهل الحديث مع فجر ، فبمجرد سؤالها عن حبيبها مكرّم ستسترسل الى الصباح وهي تعرف جيداً بأن سبأ تنظر إليها خلسة أن لم تكن من بعيد فمن الشباك المطل على الحديقة تعرف بأنها تُحبها ولكنها تعرف أيضاً بأن مغريات الجامعة كبيرة جداً ويغرق فيها كل من لا يعرف السباحة .
وبالفعل وعلى الرغم من إنشغال سبأ اليوم مع إحدى صديقاتها التي تخرّج حبيبها وهجرها تسمعها وتواسيها ، والثانية التي أعلنت خطوبتها مع أحد الطلبة ، فضلاً عن إنشغالها بالمعجبين ، ووسط هذه الزحمة أفتقدت أيار وشعرت بأنها تحتاجها كشعور أي محب ، تحتاجها دون ان تتدخل في شؤونها ، تحتاجها كجدار تستظل بظله عند المطر ، تحتاجها كصدر رحب تبكي عليه عند الشعور بالغربة ، تحتاجها لأنها تعودت رؤيتها ، ذلك الشعور الذي يتملكها حتى وأن توسطت ملايين الناس ، فليست الغربة بعد مسافات ولا رحيل أوطان ، ولكن الغربة غربة الروح داخل الجسد وهي وسط زحمة ملايين الوجوه ، لقد مرّ اسبوعين وهي ترى بأن أيار لم تكترث لها وكأنها إستبدلتها بفجر وهذا بادي للعيان من ضحكاتها ، حتى إنها لم تكلف نفسها برسالة على الواتس أب ، أيعقل بأنها هجرتني بجفائها هذا ، والذي قتلني اليوم عندما ألقيت عليها التحية صباحاً ونحن داخلون الى القسم ، ردت عليّ التحية ببرود حتى دون ان تنظر بوجهي ، أيعقل بأنها أعلنت إنشقاقها عن صداقتي ؟ وهل ستتنازل عني بكل هذه السهولة ، فرجعت الى صفها بعد ان كانت تنظر إليها من النافذة واستخرجت النقال وراحت تسطر خوالج نفسها بالآتي : لم ولن أُجافيك لكنك ِغريبة الأطوار دون تريث للأمور ينقلب الهدوء بيننا دون سابق إنذار وحبي لكِ دائماً ممزوج بألم يتعاقب فيه النور والنار فإلى متى يستمر الحال والى متى نجني من المر الثمار ، وتذكري بان روحينا كجناحي طائر لا يفرقهما تصدع المنقار ولا يمكن للحن أن يحيا إن فارق العود الأوتار ، والسحب مهما تلبدت لابد لها من أن تتحول إلى أمطار تسقي البوادي الجرداء الظمأنه وتتراقص جذلى في سواق وانهار والليل مهما أدلهم وطال لابد من أن يأتي بعده النهار والزرع الأصفر سيعود بعد ذبول إلى جنة وأزهار ، لأن الحب الملائكي لا يموت أبداً ولا تزعزعه قوة إعصار يبقى بريقه الأخاذ كالشمس والنجم والأقمار كالبوصلة يهتدي بها كل من ظل طريقه حتى وان غاص في قاع البحار نعود من جديد نتعلم كيف نلتمس لبعضنا الأعذار .
زكية تواصل الحديث عن قصة أختها أم عابد مع مروة وقد وصلت الى حيث عودتها من الشمال وقد رفض زوجها العقد القانوني مكتفياً بالعقد الشرعي ، وذلك لأن القانون الغربي لا يسمح بالزواج من إمرأة أخرى كما أسلفنا ، ولكن كان الأمر صعقة قاتلة على ولاء ولم تتوقع ان تضعها الأقدار بمثل هذا المحنة القاسية ، ولكن أشدُّ ما أسائها هو كيف أن أبنها عابد شارك في هذا الأمر ، وثارت ثورتها ورفضت الأمر جملة وتقصيلا ، وأشتد الجدال بينهما ولكن دون جدوى جدال عقيم ( لا يُغني ولا يُسمن من جوع ) ، لا يُمكن تجاوز القانون الغربي ، وبنفس الحالة لا يمكن لولاء أن تجازف بهذه السفرة المجهولة دون إن يكون لها ضمانه وحقوق في العالم الغريب ، وقد لامها عصام شر لائمة ووصل لحد العراك وتعلق في عنق زوجها الغادر وولدها وطلب منه تطليقها ، ولكن عابد رفض ذلك ، وحاول ان يقنع والدته القبول بالأمر الواقع وأن تعيش معه ، ولكن الحكمة تقتضي عدم المجازفة ، فعادت الدمعة من جديد تشقُّ خديها ولم تكد تجف بعد .
مروة متنهدة : لا أكاد أصدق ما أسمع وكيف لولد أن يستغفل والدته كان لزاماً عليه ان يشرح لوالدته الأمر قبل أن يطلب منها العودة لوالده المغفل .
زكية : عابد لا يفهم الأمر بالصعوبة التي نفهمها نحن ، ويُسفه الأمر لأنه يأمل بالعودة الى العراق وعندها سيتم توثيق العقد ويطلب منها الصبر والتصبر والسفر معه والعيش معه لأنها والدته .
مروة : السفر معه بهذه الطريقة الفجة كاللعب بالنار .
زكية : المهم أنستي .. باءت كل النوايا بالفشل وطلبت ولاء التفريق وعادت أدراجها الى بيت عصام وطلبت من عابد أن ينساها وأن لا يُعاود الإتصال بها لأنه خيب أمالها ، ولكن المضحك المبكي بأن عصام في هذه المدة القصيرة أستولى على غرفتها بما فيها وحولها الى غرفة لأبنائه ما دامت ستسافر الى استراليا ، فنشبت الخلافات الشديدة بينها وبين مائدة التي راحت تعيرها بفكرها المراهق وزواجها المتكرر على مبدأ الأخذ بتجربة الصح والخطأ وأصبح الجو العائلي مشحوناً ولا يُطاق البته ولاسيما وأن عصام لا ينفك عن لومها وتعنيفها وتوجيه أعتى الألفاظ بوجهها وكأنها أقترفت ذنباً لا يمكن التكفير عنه ، وبما أنها أخطأت من وجهة نظره وخرجت عن طاعته وعادت صاغرة ذليلة بكفي حُنين ، فلا ينبغي عليها أن تتفوه بأي كلمة تُذكر لأنها أصبحت نكرة من وجهة نظره ، وعندما أنتهت المدة طلبت منه تطليقها وبعنف وهي باكية منهارة ، فطلقها مرغماً ، وعادا أدراجهما الى استراليا يجران أذيال الخيية والخسران ، أما ولاء بقيت ترزح تحت وطأة هذا الأمر المريب مما قادها الى أزمة نفسية حادة أثرها دخلت المستشفى وقد رافقتها وقتئذ وبالكاد تعافت ، وكان لابد عليها من مواصلة حياتها وعملها فأول أمر فعلته بحثت عن صدقي الذي توارى عن الأنظار حالما عادت الى أبي عابد نعرف أين ذهب ، حتى أن نقاله مغلق وكأنه غيّر رقمه ، ليُعاود إيصالها الى عملها ، ولكن دون جدوى فقدنا الأمل في الوصول إليه ، وذات يوم أتصل فيّ أخي عصام قلقاً مستهجناً يسأل عن النكرة ولاء ويقول بأنها لم تعود الى البيت وقد دخل الوقت على المغرب ، وحالما سمعت الخبر إرتعدت فرائصي وذهبت بالحال الى هناك ، وقد إتصلنا بها مراراً وتكراراً ولكن نقالها مغلقاً ، وقد فتشنا كل مكان يمكن ان تكون فيه ولكن دون جدوى ، عند صديقاتها وفي المستشفيات ، والإبلاغ في مراكز الشرطة ولكن كأنها ملح وذاب .
يجري اليوم في قسم اللغة الإنكليزية اجتماع مجلس قسم مما يجعل كل المراحل في هذه ساعة الإجتماع شاغرة ، ففكرت سبأ بإغتنام هذه الفرصة لتتحدث مع أيار حديث روح ووجهاً لوجه وتطيب خاطرها لئلا تتوسع الهوة بينهما في هذا الفضاء الفسيح للجامعة ، فأول ما توجهت الى قاعة صف أيار وعندما ألقت التحية فتشت بأنظارها فلم تجدها ثم سألت الموجودين فلم تحصل على معلومة سوى انها خرجت قبل هنيهة ، إبتسمت وتوجهت الى المكان الذي تقدسه صديقتها المتمثل في المكتبة وعندما وصلت فتشت بأنظارها أيضاً فلم تجدها ، فإستخرجت نقالها وإتصلت ولكن رن دون جدوى ولم ترد عليها ، فراحت تجوس بلهفة المشتاق في الحديقة والقاعات وأروقة الكلية وإذا ما رأت باب مغلق لقاعة ما تفتحه لعلها تجدها ، ولكنها وبالفعل وجدتها في إحدى قاعات المرحلة الثالثة بعد ان فتحت بابها المغلق ، فتفاجآت وهي تراها جالسة على كرسي الإستاذ على المنصة وأمامها طالبة من المرحلة الثالثة إسمها ألطاف حاكم مسترسلة بالحديث وأيار منصتة إليها بإهتمام ، وحالما رأتها ، دخلت مسرعة إليها مبتسمة والغيرة بادية على أوجها .
سبأ : لقد حفيت حتى وجدتك ماذا تفعلين هنا ؟
أيار واجمة : أنا هنا مع صديقتي ألطاف نتباحث بإمر ما .
سبأ : عن ماذا تتحدثان ؟
أيار : مواضيع شخصية تهمها .
سبأ : ولماذا لم تردي على اتصالي .
أيار : عذراً … تركت نقالي … في حقيبتي … وحقيبتي تركتها في صفي .
ألطاف لأيار : أرجو ان لا أكون قد سببت لك حرجاً .
أيار : لا لا العفو … ليس لدي إلتزام … وهذه صديقتي سبأ .
سبأ لأيار منزعجة : أنا أحتاجك .. أتفهمين .
أيار متظاهرة بجدية : حاضر عزيزتي … سنلتقي … ولكن بعدما أنهي الحديث الخاص مع الصديقة ألطاف ، موحية لها وبما أن الحديث خاص ، فعليها ان تتركهما وتخرج … ومن اللياقة فعل ذلك .
سبأ متنهدة : حسناً … سأنتظرك … في الحديقة وعلى ذات المصطبة … الى اللقاء … فخرجت … متألمة .
ألطاف مبتسمة : أشعر بأنها .. تألمت من ردك … حتى تكاد تذرف الدموع … ما مدى علاقتها بك .
أيار متنهدة : أنها رفيقة روحي وحبيبة قلبي والإبتسامة الرائعة المرسومة على محيياي منذ أيام الثانوية وهي أختي التي لم تلدها أمي ، لأني البنت الوحيدة لأهلي وثلاثة أخوة ، ولكن الواجب أن أسمعك الى نهاية حديثك لأنك طلبتي مني الرأي والمشورة ، وليس من الإصول أن أخرج معها وأنت مستمرة في الحديث .
ألطاف : أنا أشكرك عزيزتي … لأنك أعطيتيني هذا الوقت وهذا الإهتمام فراحت تكمل حديثها ، بالوقت الذي بدأ قلب أيار يغلي من هذا الموقف القاسي الذي جابهت به سبأ ، وأنها تصرفت بهذه الجدية ليس من أجل ألطاف البته ، وإنما العبرة منه لإعطاء درس لصديقتها بإن لا تستهين بأرائها ولاسيما عندما تنصحها ، ولتريها بأنها موضع ثقة الجميع وكل من لديه مشكلة يذهب إليها لأنها صاحبة القرار الأمثل من وجهة نظرها .
جلست سبأ على ذات المصطبه التي كانت تجلس عليها مع أيار وهي متألمة متكدرة البال متوسوسة الخاطر من الموقف البارد الذي وجدته منها ، منتظرة مجيئها وراحت تكتب بنقالها الآتي : –
كالوردة الندية قرائح البشر … لا تتفتح إلاّ لمن تهوى من البشر …
ولا تُكتب دساتيرها الأصيلة إلاّ في جمهورية المثالية …
كثيرة هي الوجوه التي نلتقيها في الحياة ..
لكن لا يعلق في الغربال إلا بضاعة مزجاة … إلا من أراد له القدر…
أن يسكن الروح ويترك الأثر … كالنبض يدوم ويعيش بألق مهما اشتدت الرياح لا يفترق.
أما عنصر الشد السحري فهو الأغرب … ويا ليتني أعرف جذوره ليبطل العجب …
لأستأصله .. إذ كلما أمتدت الجسور … أجهز عليه عنصر الشد وحولها إلى سور ..
أشبههُ بالشيطان الذي كلما تمنى الإنسان ألقى في أمنيته الشك …
ولا يحصل الشد إلاّ معك يا أيار ولا أعرف كيف يظهر …
وكلانا يرجعه للآخر …
لكن بذور الشوق في الحال تنمو في قلوب المحبين الصادقة …
وفي خطواتهم الواثقة …
بالإيمان بصداقتنا الراشدة يجب أن نتسلح … وحسن الظن ببعضنا بعضاً حتى نفلح
في دهاليز خيالي المشرقة …
لا … زلتُ عنكِ أبحث … فأين أنت مني الآن ؟
والماضي غدا أغبر أشعث … أجد جثث الكلمات تكتبني …
كلما أخترق طيفك الأسوار …
انكِ دوامة متقلبة … مبهمة غريبة الأطوار …
فأشيح بوجهي عنكِ … كثيراً من الأحيان لا أحتمل … وعندما تنادينني تارة أخرى
أرجع القهقرى وكل شيء قد أفل … فالعتب بيننا بساط أخضر إعتدناه …
كما أعتادت الحمائم الهديل … لكن إذا كان الحب والوفاء ديدنكِ … فلِـم ؟
تنصبين نفسك الحاكم والجلاد … وأنا دائماً المتهم سيمائي بجبيني …
سأصفح عنكِ لأني المخلصة … حتى وإن المزاجُ تعكر …
وأمحي غبار التنائي … وأرمي في البحر كل ما بدر …
لأنكِ جزء من حياتي لا يتجزأ …
أعتدت عليه مهما حصل … زعلي وعتبي عليكِ ثقيل … لكن حبي شلال دافق أجمل
وعندما أشيح بوجهي عن وجهكِ … ستبقى روحي واقفة تراقب الباب …
تشتاق لروحك فهل تأتي روحك مبتسمة بعمامة وجلباب …
يشدني الحنين إليكِ غردي الآن … بصوتكِ العذب الفريد …
مرحباً بكِ .. تحدثي .. إروي مساماتي … وكأني اليوم أعرفكِ من جديد …
وفي المساء إتصلت سبأ بمروة لتشتكي إليها جفاء أيار المجحف وتصرفها اليوم حيث تركتها تنتظر الى ان أنتهى وقت الإستراحة ، وقد إعتادت مروة سماعها كما تسمع أيار وتضع النقاط على الحروف بينهما ، أخبرتها عن تدخلات أيار في شؤونها الخاصة دون ان تتعمق في التفاصيل ، ومروة كعادتها تسفه حتى الأمور الصعبة وتعمل على تجاوزها وحلها .
سبأ : ولكني أشعر بإنها بدأت تنآى عني وإنجذابها إليّ بدء يخفت وليس كما كان براقاً في الأمس .
مروة مبتسمة : عندما كنتما في الثانوية هل كنتما تتناقشان بمثل هذه الأمور التي لم تفصحي لي عنها .
سبأ : بالطبع لا .
مروة : وماذا قالت أيار لماذا تتدخل بمثل هذه المسائل الصميمية من وجهة نظرك .
سبأ : تقول بأنها تهتم لشأني وأنها تخاف عليّ كخوف أبي وأمي ، ولكني بعمرها ولست طفلة حتى تُعلمني كيف أتعامل مع الأخرين ، وكأنها تضع راداراً يرصد تحركاتي .
مروة : يجب أن تعرفي بأني أقف بينكما على الحد ولا أميل الى أيار قدر أنملة ، ولكن ينبغي أن توضحي لي بعض الأمور التي أعتمد عليها في الوصول الى صياغة قانون يحلُّ هذه المشكلة ، مثلاً … أنت الآن وفي كلامك الآنف عنها ماذا تقصدين ؟ اللوم … العتب … الإنتقاد .. التعنيف … الإستهجان … الجفاء .. أو غير ذلك ، أصدقيني القول رجاءً .
سبأ : أستاذة مروة أرجوك أفهميني … أن أيار حدية في تعاملها معي ولديها اللون أما أبيض أو أسود ومتزمتة بأرائها الى حد العظم حتى وأن كانت على خطأ … فإما أن أنصاع الى أوامرها غير المباشرة وأما الفراق بيني وبينها ، وهذا تصرف غير رشيد وغير عقلاني … ومما زاد الطين بله … إنها تهتم بطالبة من المرحلة الثالثة وتفضلها عليّ فيما أنا أبلغها بحاجتي للتحدث معها الذي يقتلني تجاهلها لي وكأنها لا تعرفني .
مروة : بقي سؤال واحد … هل ما زلت تكنين لها المودة كما كنت ؟ وهل تثقين بها ؟
سبأ مبتسمة بإستغراب : يا أستاذة مروة … أنا أتيت الى هذه الجامعة لأجلها ، ولكنها تريد ان تضع لي خطة على مزاجها وهواها وكأنها هي الوحيدة التي لا تخطأ وكل الناس في قسمة ضيزى ، أما حبي لها فشلال هادر لا يتوقف وشوقي إليها لهيب لا ينطفىء ، وثقتي بها عمياء ، وهي الأقرب الى روحي ، بل أنها حتى أقرب لي من والدتي وأخواتي ، فعندما أريد أن أتخذ قراراً لا أجد سواها يفهمني ، ولكنها اليوم تُصيبني بالذهول ، ولاسيما عندما سلمت عليها اليوم صباح اليوم عندما كنا على السلم أنا صاعدة وهي نازلة ، ردت عليّ التحية ببرود تحت الصفر ونزلت مسرعة وكأنها إلتقتني صدفة على قارعة الطريق .
مروة : الحب معدن أصيل وأن لم يُعزز بالتواصل والإهتمام تآكل وصدأ ، وأن الإهمال يقتل أقوى العلاقات البشرية ، وقد فهمت من كلامك بإنها تتدخل في شؤونك بحسب وصفك لأجل مصلحتك ، وما أجمل أن يكون الإنسان محاطاً بإهتمام مـَن يحب ومـَن يخاف عليه كوالديه ، ولو لم تهتم لشؤونك لما تدخلت بحسب وصفك ، إنها تحبك بقدسية حب الوالدين ، ثم أنها وضعت أمامك خيارين ولك حرية الإختيار ولم تحبذ أن تجعل من نفسها حجر عثرة أمامك ، وتمنت لك الخير بحسب ما ذكرتي ، لكنك للأسف لا تفهمين قصدها .
سبأ منزعجة : يعني لا يوجد حل وسط عندها … إما أن تضع القيود في معصميّ … أو تسرحني سراحاً جميلاً … بالله عليك يا أستاذة هل توافقينها هذا الرأي .
مروة : أنا أقف بينكما بعدالة وبمسافة واحدة ، صحيح أن أيار أبنة أخي وأنا أحبها كثيراً ولكني أعرف جيداً بأنك الأقرب الى روحها وحبها لك إسطوري وان لم تفصح عنه أحياناً ، ومن كلامك أحلل واستنتج الرأي ولم أسمع منها بعد ، وقد ذكرتي أنت لي بأن الإنجذاب بينكما قد خف بريقه وليس كسابق عهده .. لأنك نآيتي بعواطفك عنها وأخذتك رياح التجديد بعيداً ، وأعتقدتي بأنك كلما أبتعدتي ستنجرف هي إليك ولكنك تفاجآتي بأنك كلما ابتعدتي عنها تجدينها واقفة مكانها ترنو إليك رافضة التجديد محتفظة بالقديم الأصيل ، وإلا لما تغير خطابك من الترغيب الى الترهيب ، لينذر بمنزلق جديد في صداقتكما أو مفترق طرق لا أتمناه لكما البته ، لاسيما وبينكما سنوات عديدة مليئة بالمشاعر الجياشة الصادقة ، أنت أندمجتي وإنسجمتي مع مجموعتك الجديدة وهي كذلك ، ولكنها تعرب لك دائماً بأن سفينتها دائما ترسو في ميناء عينيك ، وأن كنت لا زلتي تحتفظين بتلك المشاعر الجياشة فلا تفرطي بها ولك الخيار ، وأنها وعلى الرغم من حبها لك جعلت زمام الأمر بيدك .
سبأ متأثرة : لماذا ؟؟؟ لا تفهميني يا أستاذتي .
مروة مبتسمة : عفواً … وضحّي لي قصدك لئلا أغرد خارج السرب كما يقولون .
سبأ متأثرة : أنا … لم أتغيّر … ولم تتغير مشاعري تجاهها ولا قدر أنملة … ولكني في جامعة وأحب أن أتعرف على الجميع هنا ، وليس قصدي التنازل عن صداقتي لأيار … ولكنها تجافيني بقساوة … وتصوري بأن قلمي لا يكتب لسواها قط ، كل خواطر الحب والشوق لها وحدها دون منازع ، ويُسعدني أن تسمعي ما كتبت لأيار عندما تشتد أزمة الشوق وليس أمامي سوى تجسيد هذه اللواعج على صفحات النقال الأقرب من الدفتر وكالآتي : الشوق تلك الصرخة الخرساء … التي تنفلق من أعماق الصخر الصوان … تباغت الصمت الكئيب … وعلى نار هادئة تهدم الكيان … دون أن يدرك المرء … قد يحرق نفسه في كلماته … ويتحمل مرارة الأسى وفي مقصلة الشك تعدم بسماته … وهو ينظرُ مذهولاً لماذا ؟ عندما يرى الموت يقبل وجناته … كيف تجافي الروح توأمها … وتعيش كالبحر ما بين مد وجزر … وحتى مصباح السماء يتقلب في ضوئهِ … ما بين هلال ونصف وبدر …عندما توقن الروح واقع الحال فتتمشى بخيلاء … ترنو من بعيد لتوأمها … وقد أرقها الشوق وذاب الجفاء … تركب موجة الهوى على بساط الأفق … تستسقي يد اللطف وعين الرحمة … لترتقي الأرض الجدب في أحضان الشتاء … لكن الروح وإن زلت … قدمها .. لا تعدُّ قاصرة … فهي الحرة في حركاتها وذات القدرات العجيبة القاهرة … مُتسيدة في طبيعتها تجوب الطرقات … وتضرم نيران الشوق في صدر توأمها المتظاهر … فتبدأ النفس اللوامة بالإستنكار حتى تتساقط أدمع القمر … معلنة العزيمة على الصلح والاستسلام … مع توأمها حتى وان البحر إضطرب ومار …
مروة وقد ترقرقت عيناها متنهدة مبتسمة : الله … كم هي رائعة مشاعرك وقد ترقرقت دموعي لما سمعتك ، ولاسيما قولك الرائع قد أرقها الشوق وذاب الجفاء ، وأقسم لك بأن أيار لو سمعت هذا الكلام ستبكي شوقاً وسيذوب جفائها ، أدعوك الآن الى إرسال هذه الخاطرة الرائعة حفظكما الله ووثق عقدة صداقتكما الى الابد .
بعد أن طلبت مروة من منذر الإتصال بخالد وإقناعه بالعودة للعمل في العيادة وإصلاح ذات البين ، وقد تاقت روحه المجدبة الى مواصلة الحديث الرومانسي بصوتها السحري لاسيما وأن الإمور بدأت تسير لصالحه دون أن يدور في خلده كيف تطورت الظروف لتجعل مروة تعترف له بأنها تعرف بعاطفته وان كانت لم تعده بشيء ولكن الأمر يعدُّ خطوة جبارة ، وبإمكانه ان يستغل الظروف الحالية لصالحه ، المهم سارع وبخطى عملاقة وطار بجناحي نسر لإصلاح ذات البين بهدف الوصول الى مروة ، ولعل الذهاب الى بيته خيراً من الإتصال ، وبالفعل طرق بابه بعد ان أتفق معه في الهاتف بأن سيزوره وقد رحبّ به أيما ترحيب ولم يتوقع سبب زيارته هذه لأنه لم يخبره .
خالد فرحاً : سبحان الله تذكرتك فجراً عندما جلست أدرس بعد صلاة الفجر .
منذر مبتسماً : ماذا ؟ تدرس ؟ لم أفهم ؟
خالد : الحمد لله لقد سجلت في الدراسة الخارجية وأعدّ العدة للإمتحان إن شاء الله وأن كان الأمر غريب نوعاً ما بالنسبة لرجل كادح مثلي ، ولا أقول بأنه يسير ولكني أحاول ومن الله التوفيق ، أدرس بعد صلاة الفجر ثم أخرج الى السوق صباحاً ، ثم أستطرد ضاحكاً … ولكن المشكلة بأني لا أستطيع السهر يغلبني النوم بعد العشاء مباشرة ، لذلك أحاول استغلال لحظات الفجر .
منذر حك صدغه : والله يُسعدني ما سمعت لأنك كفوء والكل يعرف بالظروف التي أجبرتك على ترك الدراسة ، فهذه خطوة رائعة وقرار جريء وأنت قادر إن شاء الله على النجاح ولكن ماذا عن عملك عصراً ؟
خالد وقد غطت وجهه الكآبه متنهداً : تقصد في العيادة … لقد تركت العمل هناك .
منذر : ولماذا تركت العمل … وأنت بحاجة ؟؟!! ألاّ ترى في الأمر ريبة ؟
خالد : لا يُناسبني العمل … وأريد الإفادة من الوقت لغرض الدراسة .
منذر شاداً على يده : لا تُكابر .. يا صديقي وحدثني عن الأمر من الألف الى الياء .
خالد : لا شيء يستحق الحديث … كيف حالك أنت ؟
منذر : لكن لماذا ؟ لم تستلم مرتبك ؟
خالد فغر فاه : ماذا ؟ وكيف عرفت ذلك حدثني بصراحة ولا تُحاول استدراجي في الكلام ؟
منذر : ألم أقل لك لا تُكابر يا صديقي … نعم أنا عرفت بأمر تركك للعمل قبل أن تستلم راتبك ، وأستنتجت من ذلك بأن في الأمر ريبة وأنت أحوج الى هذا المال الذي كسبته بعرق جبينك ، وكما تعرف بأن الدكتورة كانت تعتمد عليّ في الكثير من الأمور التي تحتاجها في العيادة ، وعندما أرسلت لها بعض المتطلبات لم أجدك ، فسألت عنك … ولكن تركك للعمل محير ومُثير للريبة .
خالد بحزن : أولم تسألها عن السبب ؟
منذر : بالطبع … لكنها .. لم تضف غير … إن لديك ظروف عائلية … ثم أدخل يده في جيبه وأستخرج ظرفاً ووضعه بين يديه وأستطرد قائلاً : وأرسلت لك مرتبك هذا وتسألك العودة للعمل في العيادة لأنها تحتاجك .
خالد : أبهذه السهوله … ؟
منذر منزعجاً : يبدو إنك لم تعد تثق بي مثلما كنا وغيرتك الأيام … ثم تأهب للنهوض ، ولكن خالد مسك بيده وأرجعه في مكانه محاولاً إرضائه … وقال أرجوك أجلس مكانك ولكن أشعر بأن صدري ضيق ولا ينطلق لساني بأي كلمة موجودة في صدري … ولكن ما هو رأيك لو ذهبنا وجلسنا على شط العرب فوافقه الرأي وقال له : حسناً فكرة رائعة … هيا … وبالفعل توجها بسيارة منذر الكلاسيكية الكابرس الى شط العرب وراحا يتبادلان أحاديث عامة حتى وصلا وبعد ان ركنا السيارة توجها الى أحد الأماكن المطلة على الشط فجلسا والأمواج تتلاطم ولصوتها جمال يبعث الراحة والطمأنينة بالنفس وكأنها تغسل النفس المتعبة من غبار الأيام وتنفس الكروب وتزرع بذور التفاؤل بعد جو مكفهر .
خالد : والآن … أسأل يا صديقي … وكلي أذان صاغية .
منذر : كلمني عن سبب تركك للعمل من البداية الى النهاية .
خالد : حسناً … وراح يسترجع ذاكرته الى الوراء ويسرد ما أعتقده مسيئاً من وجهة نظره ( كيت وكيت ) كما ان علاقتي تطورت بعائلتها ولاسيما والدتها الكريمة ، والآن أعتقد بأنها تنظر لي نظرة دونية نظرة إستعلاء .
منذر : ليس لك الحق يا صديقي في كل ما ذكرت ؟ لأنك تعمل عندها بأجر ، والكلام الذي سمعته لا يخرج من صدر عامل بل من صدر عاشق وهذا واضح وجلي في كلامك وينتبه إليه حتى الفاقد للمشاعر ، فإصدقني القول أرجوك هل تكن لها حباً خاصاً .
خالد متنهداً : للأسف نعم … وجدت نفسي أتعود عليها … وسرعان ما تحول هذا التعود الى شعور .
منذر : وتلك طامة كبرى … فأنت تبحر بزورق مثقوب الى قلعة نائية … ثم أن كلام الطبيبة بديهي وأن نطقت بأي كلمة فأنت تعمل عندها وتصرفك هذا غير مبرر ، ثم أستطرد قائلاً بعد أن قطب حاجبيه وشدّ على شفته السفلى بسبابته وإبهامه الايسيرين قائلاً : ولكن المثير للريبة لماذا ؟! هي تتجاذب معك أطراف الحديث عندما ينتهي المراجعون ، ولماذا تحدثك عن نفسها … أيعقل .. لا .. لا .. ؟ المهم الآن أنتبه الى نفسك ولا تخسر عملك … بسبب نزوة عابرة … حاول تجاوزها لئلا … توقعك في حضيض الآسى والأحلام الزائفة أرجوك حاول أن تفهمني فالفرق شاسع بينكما ، ومن الأفضل لك أن تنتبه لمصدر رزقك لأن في رقبتك عائلة ، وأخوة لا زالوا زغب الحواصل .
خالد : لم أبح بمشاعري هذه لأي إنسان … لكنهم أحاطوني بإهتمام قل نظيره .
منذر : بديهي … لأنك مصدر ثقة … وجدير بالإهتمام … ولكن ما أدراك ، يقول الله تعالى : {{ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1) }} سورة الطلاق .
خالد مبتسماً : لم … أفهم … ماذا تقصد … رجاءً … ؟
منذر : لابد ان تعود الى العمل … ولكن دون تأمل … وقد تتحقق أمانيك بمعجزة القدر ، التي لا يعرف الإنسان متى تأتي وفي أي ساعات اليوم … ولكن دعني أفكر لك بطريقة تجعلها هي من تطلب منك العودة … وتبرر ما قالته لك ولعلها لا تقصد … وبحسب معرفتي بها .. لا أتوقع أنها تسيء الى أحد البته … فأنها إنسانة محترمة ومن عائلة أصيلة ومثقفة وهي صديقة الإستاذة مروة الأوجي .
خالد : حسناً … أنت فكّر … وأنا سأكون بإنتظارك … وبإنتظار سماع صوتها الذي تعشقه روحي .
وحالما وصلت الخاطرة الرومانسية التي إرسلتها سبأ الى أيار تأثرت بها كثيراً وسالت دموعها فرحاً وهي تقرأها وعندما قرأتها ثلاث مرات راحت تكتب لها رداً على ما قرأته بالآتي : –
صديقتي لا زلت لكِ أشتاق … لكني أختنق بهذا الشوق …
لأنك بين الحين والحين تلفين أفعى لعنتكِ حول عنقي بكفي سوء الظن والتجاهل …
فأشعر بغصة تتحشرج في صدري … وحبكِ الممزوج بالألم يسري …
دائماَ تنصّبين نفسك الحاكم والجلاد … وأنا المتهم الأصم الأبكم … مشدود اللسان .
قولي لي الآن يا مؤججة بؤسي ؟ كيف أعبّر لك عن خلجات نفسي …
وأنتِ التي شهرت السلاح بمغامرة وأطلقت رصاصات نارية قتلت أفكاري المتناثرة .
كيف لي أن أصل إليكِ … وأنت التي أوصدت الباب بيديك …
وأرجعتي رسائلي في أقدام الزواجل الأمينة …
كيف لي أن أتحدث إليك بذات السكينة … وقد شنقتي طاقة الحديث معكِ …
وأصبتي أسلاكها المتشابكة بالشلل التام … ترى أسألت نفسك ذات السؤال ؟
لماذا تحدث بيننا هذه القصة التراجيدية … وكلانا ينظر إلى القمر …
متى يكتمل ويصبح بدراً … ونرى في شاشته المهيبة صورة بعضنا …
وأنت تعرفين بأن سفينتي الآمنة دائماً ترسو وفي ميناء عينيك الجميلتين تغفو …
لكني دائماً كنت أقول في الحب … بأن المحب يحرص على من يحب …
ولا يبلد أفكاره بالمتاعب ولا يخلق معه أيّ جوّ صاخب …
دائماً أفتش في ذاتي عن ظلي ..
فأرى صورتك ترتسم في مقلي …
على الرغم من أني حاولت أن أفارقك وأبعدك عن التفكير …
إلا أني الآن أشعر بالفشل المرير … نسيت بأنك تعيشين في دواخل روحي …
واني حتماً سأفارقك عندما يودع جسدي روحي … لأنك إبتلاء كتب له البقاء …
مهما ازداد معه الجدل والشقاء … لكني لم ولن اشتكي همي إلاّ للورق …
شاهدي الليل وخليله الأرق …
ويراعي يؤرخ التفاصيل والأحداث بجثث الكلمات المنفلقة من الأجداث …
ولا خير في ماء يشك فيه أجاج … لا يُروي من ظمأ ولا يعدّ علاجاً …
فطاقة الحديث لا تنضب بين المحبين … وان فقدت شحنها انقع الوتين …
كإنقطاع الضوء والماء والملاذ … فكيف للروح أن تحيا بعد وابل برذاذ …
وحالما وصلت خاطرة أيار استقبلتها سبأ بدموع مترقرقة وقرأتها مبتسمة وكأنها تسمع صوتها يطرب روحها ويمحو غبار الأيام الذي يحجب الرؤية عن قلوب المحبين الصادقة ، وراحت تقرأها وتتلذذ بقرائتها لأكثر من مرة وتحلل شفرة كل كلمة مكتوبة فيها ، وما هي إلاّ خطرات حتى وجدت نفسها تتصل بها ليبدأ العتاب الذي يغسل القلوب من بقايا الجفاء المحبط للنفس البشرية وتجعلها تنظر للحياة من زوايا ضيقة .
أيار بهدوء مبتسمة ولكنها تتظاهر بالجدية : ألو … نعم .
سبأ ولا زالت الدموع تتراقص في عينيها : أشتاق إليك … والله أكثر مما تتصورين .
أيار : كلامك في الهاتف رومانسي … وفي الجامعة طوبائي غير منطقي .
سبأ : أيار أرجوك أفهميني ولا يجوز ان تلقي عليّ التهم جزافاً فأنت الأقرب الى روحي.
أيار بجد : نعم أبلغتني عمتي بهذه العبارة الجميلة ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن لماذا تتعاملين معي بالوساطة وأنا أمامك أيعقل بأن صداقتنا الرائعة وصلت الى هذا المستوى اليتيم فهل تقطعت بك السُبل لتشتكين الى عمتي وتبدأ بتعنيفي ، ولا أعتقد بأن الصورة واضحة لأنك تطرحين لها النقاط الرئيسة دون الدخول بالجزئيات التي تعدُّ السبب والمسبب لأي سوء فهم أو مشكلة ولابد ان تعرفي قواعد الحب الصحيح .
سبأ متنهدة : أنتِ علمتيني أسلوب الإلتجاء الى الاستاذة لأنها موضع ثقة ، ولكن علميني هذه القواعد .
أيار : نعم أكيد كانت ولا زالت موضع ثقة بالنسبة لي وللجميع ، ولكني أفضل أن نتواصل دون أن يكون بيننا حاجب ، لأن لغة التحاور أداة لخدمة الحياة ولخدمة الإنسان ، وما أجمل أن نتحاور وجهاً لوجه … وما أجمل أن تصدقيني القول لأني أقدس الصراحة ، وأؤمن تماماً بأن القلوب بيد الله تعالى يقلبها كيف يشاء وليس بالضرورة ان تكون مشاعرك بذات الوزن لمشاعري ، أي الذي أريد أن أوصله إليك بإنك في حِل من أي إلتزام عاطفي تجاهي إن شعرتي يوماً بأني مصدر ألم أو إزعاج ، وأصل الحب تحاور وتفاهم وتواصل .
سبأ قاطعتها : يا إلهي كيف يمكن للسانك ان ينطق مثل هذا الكلام ، وأنت مصدر سعادتي بعد أهلي ، بل أنت البسمة التي تجمّلُ محيياي ، لاحظي بأنك عندما تجافيني يرتسم الوجوم على وجهي وأفقد صوابي .
أيار : لماذا تصفين حبي لك أمام عمتي بأنه إمتلاكي … وتصفيني بأني مصدر سعادتك … بالله عليك كيف يمكن لك العيش في هذه البيئة المتناقضة … من الأقوال .
سبأ مربكة : ها … أنا … أعتذر لك حبيبتي … أنسيها رجاءً .
أيار متأثرة : لذلك … أطلب منك … ان تكوني صادقة القول … وأنا أحترم صدقك … وليس المهم الاعتذار … بل المهم فك شفرة هذه العبارة التي خلقت في نفسي الشعور بالإبتذال العاطفي … إعلمي يا صديقتي بأن إتقاء الله في المخلصين فرض ، فهلا لنعيم المودة أزلفتم بفرض ، فكم من متفقه عُرف بالسفاهة وكم من سفيه عُرف بالفقاهه ، تمضي الأيام كالبرق ولا تقف ، والذي ينآى عن الحقيقة سيعشو ويكف .
سبأ والعبرة تكسرت في صدرها : أرجوك … لا تسترسلي … أولم تقولي سلفاً … بأنه من الخطأ رؤية الحاضر بعين الماضي … أعترف لك بأني أسأت التعبير … بقول هذه العبارة … فسامحيني … أرجوك .
أيار متنهدة : يقول الحكماء لا ينفع الندم بعد عثرة القدم … لكني أكيد ومؤكد سأسامحك لأني تعودت .
وفي المساء إتصل منذر بمروة وما أجملها من فرصة تتاح أمامه تكاد روحه تخرج من صدره من شدة اللفهة والفرح ، وكيف ان الظروف تطورت لتتيح له الفرصة للتحدث إليها وبإمان ، ولا سيما وهي من تطلب منه المساعده والعون … وبعد التحية .
مروة بإبتسامة : حياك الله منذر .
منذر والإبتسامة تشق شدقيه : لقد ذهبت بحسب طلبك الى أبي الوليد خالد وتكلمت معه .
مروة بتحمس ولهفة: أشكرك … عزيزي نعم حدثني حدثني وهل أقنعته على العودة.
منذر : تريدين الملخص أم التفصيل …؟
مروة : منذر ! … تكلم … رجاءً .
منذر ضاحكاً : حاضر مولاتي … سأتكلم .
مروة ضاحكة : مولاتي … كم .. هي جميلة .
منذر مبتسماً : هل أعجبتك الكلمة … مولاتي مولاتي مولاتي .
مروة : أشكرك … والآن … هل سنستمر … هكذا … الى الصباح .
منذر : لالا دخيلك … مولاتي … لا تزعلي … سأبدأ … بالطبع تكلمت مع أبي الوليد ووجدته في حالة نفسية سيئة وشعور بالإحباط والآسى .
مروة بجد : ولماذا … يُعاني هذا الإحباط … هل أخبرك ؟
منذر : بادىء الأمر لم ينبس بأي كلمة حول الموضوع ، لكني حاولت معه بالطرق كافة وخرجنا وجلسنا على ضفاف شط العرب واستحلفته بكل المقدسات بإن لا يُخفي عني أي معلومة ، ولا سيما سبب تركه للعمل في العيادة وتركه حتى مرتبه وهو في أمس الحاجة إليه.
مروة : هل أستلم منك المرتب .
منذر : نعم … استلمه .. فهو حقه وعرق جبينه .
مروة : رائع … إكمل أرجوك .
منذر : نعم سأكمل … وبعد معاناة وجدته يتهم الدكتورة بأنها أهانته … وتعامله معاملة قاصرة … والذي فهمته منه إنها تتصرف بمكابرة وعجرفة وللأسف الشديد .
مروة قلبت شفتيها متنهدة : وماذا قلت له … ؟ أو بالأحرى أنت عملت مع الدكتورة فهل وجدتها كما وصفها .
منذر : أنا للأمانه … قلت له بأن الدكتورة إنسانة طيبة وراقية ولا ينطبق عليها هذا الوصف.
مروة : المهم الآن … ماذا فهمت منه … هل كره العمل في العيادة .
منذر : أتعرفين يا مروة … بأن أبا الوليد … يتوق للعودة ولكن كرامته تآبى ذلك .
مروة : عجيب … ومـَن مس كرامته بسوء .. ؟! بل بالعكس إن سـُـبل وثقت به وعرّفته على ذويها ، وهي مـَن أقنعته بالدراسة الخارجية لترفع من شأنه ذلك لأنها تتمنى له كل الخير والتطور … وقد ضاعفت مرتبه وأنت تعرف بذلك لأنه يستحق وبجدارة فضلاً عن أنها تكن له كل الإحترام والتقدير … لكن لماذا تناديه أبو الوليد هل هذا أسم ولده ؟
منذر باسماً : لا هذه كنيته منذ أن كنا في الإعدادية ، ونظراً لتميزه علينا كان أحد الأساتذة يلقبه بهذا اللقب ومنذ ذلك الحين ونحن نناديه هكذا .
مروة : مسكين … على الرغم من تميزه لم تساعده الحياة ولكن لماذا ترك الدراسة ؟!
منذر بجد : بسبب وفاة والده … أصبح المعيل لوالدته وأخوته الصغار .
مروة : أعانه الله … وسدد خطاه … لذلك سبل تكن له كل الإحترام والتقدير وتمدُّ له يد المساعدة وترى فيه الخير كله دقه وجله ، وإلاّ لما شجعته على الدراسة الخارجية على الرغم من ظروفه ، ويجب عليك أن تعاود الحديث معه مراراً وتكراراً وأن تقنعه بخطأ إعتقاده .
منذر : أنا تكلمت معه كما أسلفت وحاولت إقناعه ولكنه لم يعطني كلمة … لكن إطمأني مولاتي .
مروة قاطعته ضاحكة : أشكرك … لقد أسعدني إتصالك … وأشكرك لأنك تبذل جهداً في إصلاح ذات البين .
منذر ضاحكاً : ما دامت عبارة مولاتي تضحكك سأرددها دائماً وأبداً وحتى في قاعة الدرس وأمام الطلاب .
مروة : إياك إياك … يا منذر التحدث أمام الطلاب بأي شيء من خصوصياتي .
منذر ممازحاً : لك الأمر والطاعة … يا مولاتي … يا صاحبة الجلالة … أكيد للخصوصية مكانة القدسية … وهذا محض مزحة وكوني على ثقة ويقين بأن منذر يحرص عليك كحرص والديك أو أشد والله هذا شعوري.
مروة مبتسمة بهدوء متنهدة : أشكرك … على كلماتك اللطيفة … الجميلة الرقيقة .
منذر : ولكن يا مولاتي … إذا كانت الدكتورة بحاجة الى خالد في العيادة لماذا لا تتصل به وتحاول التحاور معه وإقناعه للعودة وأنا واثق تماماً بأنه بمجرد سماع صوتها سيلين جانبه وينسى حتى كرامته .
مروة وكأن الكلام وخزها : ماذا ؟ ماذا قلت ؟؟
منذر وكأنه إستفاق من نوبة حلم : ماذا … قلت ؟ وماذا حدث ؟ لقد نسيت ماذا قلت ؟! ولماذا تغيرت نبرة صوتك ما الذي أزعجك ؟
مروة : ولماذا تتصل به … هو يعمل عندها … أن أراد العمل فليأتِ وإلاّ فلا .
منذر منزعجاً : أذن أعتبري الأمر منتهياً .
مروة وقد وارتها سحب الشك : ماذا تقصد ؟
منذر : لتبحث عن عامل أخر فخالد لن يعود وأخبريها بذلك وحسبه انه يصلى بنارها.
مروة : في كلامك … إيحاء عن شيء ما … لم أفهمه .
منذر : كلامي طبيعي جداً ولكنك كالدكتورة سبل تضعين له وزن وقافية وتنسبينه لأحد بحور الشعر وتعتقدين بأن له موسيقى شعرية خاصة به … وبحسب ترجمتك الحدسية .
مروة بجد : وأنت الآن … لماذا توترت وأنقلبت شخصيتك من اللطافة الى الفجاجة .
منذر : أنا منطقي وواقعي دائماً ولا أحب اللف والدوران والتخبط العشوائي دون الإهتداء الى جادة الصواب .. على كل حال … فأنا أعتذر لك يا أستاذة … إن تجاوزت حدودي وان لم أكن أعرف السبب … أسمحي لي الآن وداعاً … فأغلق الخط منزعجاً … والنقال لا زال مرفوعاً على أذن مروة … فكان موقفاً مؤذياً لها ولم تعتاده … فألقت النقال على سريرها … ورمت بنفسها على السرير وراحت تحدث نفسها … لماذا انزعج ، ليس له الحق في هذا التصرف الأهوج وعلاقتنا مجرد تحاور ليس إلا ، ولكنه اساء الى سُبل نعم اساء لها بقوله : ( إذا كانت بحاجة الى خالد لتتصل به وتحاوره وتقنعه للعودة وأنا واثق تماماً بأنه بمجرد سماع صوتها سيلين جانبه وينسى حتى كرامته ) ، ثم استطردت تتكلم في دخيلة نفسها … ولكن هل أستطيع ان أناقشه بذلك وماذا أقول له ، أو بالأحرى لماذا قال هذا الكلام ؟ بمجرد سماع صوتها سيلين جانبه ، أكيد أنه يقصد شيئاً ما ولكنه موه الأمر وولى هارباً خلف برقع الإعتذار ، ولكن لا يمكن له ان يغلق الخط وأنا لا زلت أتكلم ، أه … لعل وجهة نظري التي أبديتها لسبل صحيحة مئة بالمئة فهي السبب والمسبب ، لو لم تتجاذب معه أطراف الحديث لما تفوه منذر بهذا الكلام الذي هو في الأصل إمتداد لكلام أبي الوليد بحسب وصفه ، ثم تناولت النقال وهي مستلقية … نعم لابد أن أتصل بمنذر ليوضح لي هذه العبارة المليئة بالكلام المغلف ويفك شفراتها … وبالفعل أتصلت به وردّ في الحال وبذات اللهفة والشوق.
منذر : أعذريني … على توتري … أرجوك … سامحيني .
مروة : وهل من اللائق ان تغلق الخط بوجهي وأنا لا زلت أتكلم معك .
منذر متنهداً : شعرت بأنك أنزعجتي من كلامي ولم أطق نفسي فنأيت لأبدد التوتر.
مروة متسائلة : وهل بددت التوتر الآن … بتصرفك غير العقلاني غريب الأطوار .
منذر بنبرة إنزعاج : مروة … لماذا … تعامليني هكذا … أصدقيني القول لماذا ؟
مروة : الذي أزعجني … تصرفك … وكأنك أغلقت الباب في وجه من لا يزال واقفاً يكلمك ولم يودعك .
منذر : لكني قلت لك وداعاً .
مروة : نعم بالضبط … لنفس المثال … وكأنك ستغلق الباب وأنا لا زلت واقفة أتكلم … وفي هذه الأثناء قلت وداعاً وأنا لا زلت واقفة يعني عملية طرد بإسلوب التوديع .
منذر : هل هذا هو ظنك بي … مع الأسف يا مروة .
مروة : ليس هذا بظن … وإنما الواقع الذي حدث من لحظات … كان من الأجدر بك أن لا تهرب من التحاور وأن انتهى الحوار … سينتهي الإتصال .
منذر بفتور : يعني … أنا مخطىء … وأنت على صواب .
مروة : نعم … أنت مخطىء … وليس بالضرورة أن أكون أنا على صواب .
منذر : أذن … أنا أعتذر … لك … ثم صمت … وإنتظر … ردها .
مروة صمتت ثم قالت مبتسمة ناسية سبب اتصالها : وأنا أعتذر أيضاً وأشكرك عزيزي على مساعدتك لسُبل.
منذر وقد إرتسمت الإبتسامة على محياه بعد ان غارت متنهداً : العفو … مولاتي … لا تهتمي أنا في خدمتك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *