حسين سرمك حسن: نضال القاضي: سيرة ظل خراب العراق

(وجدتني أمشي بآلية باتجاه الممر والحفيف يشتد .. يستدعيني حتى ألفيتني فوق المخطوطة تماما ، أطلّ عليها من كامل ما فيّ من ألم وشعور بلا عدالة العالم .. تذكرت صديقا شاعرا قال لي مرة معلقا : تعبّرين عن الألم بطريقة مباشرة !! واندهشت .. ترى هل المطلوب أن نتألم عن طريق وسطاء ؟ )
(نضال القاضي)
رواية ( سيرة ظل)

فذلكة تمهيدية :
—————-
تسلمت رواية الروائية والشاعرة العراقية “نضال القاضي” في النصف الثاني من العام الماضي عن طريق السيدة “هناء إبراهيم” وهي من شخوص الرواية أيضا . وقد أخذتها إلى الشقة التي أسكن فيها وحيدا مع تلال من الكتب ، فاختفت الرواية بصورة عجيبة . وكلما حاولت البحث عنها ، غابت أكثر . وفي الأسبوع الماضي ، وفي يوم الأربعاء ، عدت إلى الشقة ، وبصورة غريبة اتجهت إلى كارتونة كتب ، وقلبت محتوياتها على الأرض ، فسقطت الرواية وتدحرجت أمامي . رفعتها وقرأت الإهداء : (الأخ العزيز د. حسين سرمك ، مع خالص الود والتقدير – المؤلفة ، 6/4/2010 ) . وكان يوم الأربعاء الذي وجدت فيه الرواية المفقودة هو : 6/4/2011!! أنا أؤمن أن قوى اللاشعور هي التي قادت حياتي في اغلب تحولاتها ورسمت مساراتها بصورة جبرية أحيانا . ومقتنع تماما أن عثوري على الرواية في نفس يوم إهدائها ليس ناجما عن مصادفة عشوائية أبدا .
يقول “أندريه بريتون” إنه كان معجبا بـ “بول إليوار” بدرجة كبيرة جدا. ولكن (في العرض الاول لمسرحية ابولينير (لون الزمن)، وحين كان اندريه بريتون في احدى المقصورات يتحدث الى “بيكاسو” وقت الاستراحة، دخل المقصورة شاب قطع عليهما الحديث ؛ ثم سارع الى الاعتذار .. قائلا انه حَسِب (بريتون) صديقاً له قُتل في الحرب !!
بُعيد ذلك ؛ بدأ بريتون يراسل بول أليوار الذي لم يكن قد تعرّف إليه بعد ؛ بوساطة صديق مشترك لهما ، ثم التقى به اخيراً اثناء اجازة عسكرية ؛ ليفاجأ بأن (أليوار) هو الشخص نفسه الذي تحدث اليه في المسرح ؛ وحسبه صديقه القتيل في الحرب !! ) .
وإنني عندما أستعيد هاتين الحادثتين ، وغيرهما ما لا يحصى من الوقائع التي تُصنف في خانة المصادفات ، وهي عبارة عن تقاطع ضرورات تفرضه قوى اللاشعور الخلاقة المستترة ، فلأن القارىء سوف يتلقى ، بل ويُصدم ، بالكثير من الوقائع والأفعال التي سوف يصنفها ضمن موجة تقليد تقنيات تيار الواقعية السحرية ، في حين أنها بعد أصيل وحقيقي من أبعاد الواقع الروائي في حكاية “نضال” وبضمنها موضوعة “الظل” الذي يشكل الشخصية الرئيسة في حياة العائلة التي تلاحق المسار التراجيدي لسلسلة أجيالها عبر قرنين من الزمان، والأقدام المطبوعة على الجدران والسقوف ، والحادثة اتي تجترها الراوية كثيرا يوم غرقت في نهر الحلة ولم يبادر سطيفان لإنقاذها ، وكان ينظر إليها وكل وجهه عيون ، هذا الحدث استعادته في أحد المواقف مع سطيفان نفسه ، فعبرت عنه ببلاغة عالية :
( ثم أمسك بكأس فيها بضع قطرات ، وكم كانت عيناه تبدوان مخيفتين من خلف العدسة وهو يحدّق في القطرة ، تساءلت :
-ألهذا كنت تحدّق في الترعة ؟
-لقد رأيتك من قبل ، ألا تصدّقين؟ أعتقد أنه مثلما بوسعنا تخيّل شكل الحياة القديمة ، من خلال الحفريات ، بوسعنا تصوّر المستقبل ونحن نرتب في أذهاننا تلك الحيوات البعيدة ، وصولا إلى صور الفكر ومقولات مختلفة عن الزمان والمكان – ص 137 و138 ) .

مخطوطة الخراب:
——————-
… وحياة هذه العائلة ومن خلالها عائلة كبيرة ممزقة دائما اسمها : العراق ، وطن الكاتبة ،  تتابعها الأخيرة من خلال مخطوطة تعثر عليها الراوية – والرواية تسرد بضمير الأنا المتكلمة معبرا عن إلتحام واضح بين الكاتبة والراوية أعلنت الكاتبة عنه على الغلاف الأخير ، وأحيانا تسرد بضمير المخاطب عندما توجه الراوية إلى “كرامة” – في مكتبة في بيت السيد “سطيفان عهدي سعيد” . ومن الضروري جدا أن أشير إلى ظاهرة شديدة الحساسية في هذه الرواية وهي أن القاريء ، إذا كان مزاجه القرائي قلقا ، فإنه سيجابه صعوبة كبيرة جدا في المضي بيسر مع أحداث الرواية في الفصول الأولى حتى الصفحة (77) حيث القسم الثاني من (بستان هبوب) .. عليه أن يتحلى بصبر عظيم كي يكمل القراءة ، والسبب الرئيس هو هذا الإيغال في التعمية أولا ، وفي الاستدعاءات التصدّعية ثانيا ، وفي استخدام اللغة الشعرية ثالثا . وقد حذرت من هذا الإيغال كثيرا ، يجب أن تكون للقص لغته ، وللشعر لغته ، وحين نستخدم لغة الشعر في الحكي يجب أن تكون الجرعات محسوبة ، وإلا فإن المتلقي سيختنق ولن يحصل لا على شعر ولا على حكاية ، كما أن الجرعات المفرطة هذه قد تميت الرواية وتخنقها ؛ شخوصا ووقائع ، مثلما يمكن أن تربك استجابة المتلقي ثقافة الكاتب العالية التي قد يدفعه التحامه المخلص بأحداث روايته ، ونرجسيته الضاغطة ، إلى استعراضها على حساب مصداقية حيثيات السرد وتلقائيتها . خذ مثلا : تتحدث الراوية ومن ورائها ، بل معها ، الكاتبة طبعا ، عن مرورها بالزقاق الذي يقع فيه بيت التوأمين العانستين قيسه ونهاية ، وتستذكر كيف أن هذا الزقاق قد شهد معارك كثيرة قبل مائة عام وأكثر ، ولم يبق في المكان سوى بضعة أسماء صارت لعوائل أصبحت فيما بعد عريقة دون أن تُسأل عن بداياتها .. وتصف استجابتنا لهذه الخديعة بأننا لا نقول الأشياء نفسها وإذا قلناها فمؤكد ليس بأسلوب محدد بعينه أو في سياق معمول به ، وتعلّق على هذه السلوكيات بالقول :
( هذا بالضبط ما جعل سارتر وكامو مثلا يخرجان عن سياقات أيديولوجيات شكلت بدايتيهما كي يمسكا ويمسكا حصرا بتلك السبابة التي برزت من عباءة الصوف التي برزت من عباءة الصوف السوداء المتكوّرة حول جسد أدمن عتبة الباب – ص 71 و72) .
ولا أستطيع فهم العلاقة بين جان بول سارتر وألبير كامي وبين سبابة العانس (قيسة) العراقية الأمية التي لا تعرف أي معنى لمفاهيم الغثيان الوجودي والمصير الفردي والحرية والوجود والعدم . ومثل ذلك يُقال عن الإحالة إلى المفكر الفرنسي (كلود ليفي شتراوس) (ص 163) عندما ترمي الراوية العقيقتين اللتين اشترتهما من بائع الخرز والمسبحات قرب مبنى الإتصالات . صحيح أنها إحالة ذات معنى أنثروبولوجي بسبب المعلومة التي قدمها البائع لها عن العقيقتين (هذه فيها قطرة دم استحالت إلى خال أسود ، وهذه تحمل أثر قدم بشرية بطول ملليمترين ، ولكنها لجنّي عمره خمسمائة عام ..ذات الخال تحمي من القتل ، وتلك التي تحمل أثر القدم تفيد السفر والترحال ، فمن يقتنيها لا تكاد تحط قدمه على أرض حتى يقصد أخرى – ص 146 ) .
إن الرواية يجب أن تكتفي بحوادثها وأفعال شخوصها وإيحاءات مكوناتها وأبعاد رموزها ، ومن خلال شبكة علاقات كل هذه المكونات ، بلا إحالات خارجية لعلماء وأشخاص وكتاب لا صلة لهم بالأرض التي تتحرك عليها متغيرات الرواية . وهذا ينطبق على اقتباس مقاطع من كتب سياسية لمؤلفين أمثال (إيمانويل تود) في كتابه (ما بعد الإمبراطورية) (ص 161) . فالروائي لا يشرح ولا ينظّر .. إنه يرصد حيوات شخوصه ويتأملها ويغور في أعماقها ثم يسردها لنا ، ويستطيع كل منا الرجوع وقراءة مؤلفات سارتر وكامو وشتراوس وإيمانويل تود وسيجد أن لا علاقة لهم جميعا بموت الشمردل أو اختفاء سعيد أو خدعة الخرزات الثلاث أو السلوك الانتحاري لعهدي أو انهيارات سطيفان بما يشبه “متلازمة حرب الخليج – gulf war syndrome ” .
… أعود إلى (سطيفان عهدي سعيد) فأقول إن (سعيد) هذا، هو الجد الذي اختفى بصورة غريبة بعد أن مات صاحبه الشمردل / دليل شمر، بعد أن أمضى أربعة عشر عاما في السجن، متهما بخطف إبنة الخزندار الثالثة عشر، صغراهن وأحلاهن، انفجر بعدها (بعد أن ظل ينتفخ بالأسرار .. ينتفخ وينتفخ حتى انفجر ودوّى في الأرجاء ، فتجمعت أصناف الطيور بين نواح ونعيب على الخثارات المتبقية من الدم واللحم والأسرار ، وجعلت تلتقطها وهي تردد وتزيد في الترديد .. ربما إلى الآن .. دون أن يفهم أحد ما يمكن أن تكون قد قالته أو تقوله تلك الطيور – ص 24) .
… لقد اختفى سعيد الجدّ بطريقة غريبة أثارت التساؤلات الشائكة ، تاركا (كرامة) التي ستكون محور تشابكات شخوص الرواية والشاهد على مصائرها . كرامة تتعهد (عهدي) ابن سعيد من (زينادين) ويعيشان معا في بيت (قيسه) و (نهايه) التوأمين العانستين المعمرتين اللتين تتكفل برعايتهما كرامة أيضا إلى أن تتحولا إلى كتلتين رخوتين (نبتت لهما أسنان لبنية على مرأى من الموت – الغلاف الأخير).
… أما (عهدي) ، الأب ، الذي يترك عمله في شركة انتاج بسيطة ليمتهن الصحافة بعد أن انسحر بالكاميرا وبالتصوير الفوتوغرافي ، فهو من جيل أصفه كثيرا بـ “الأسطوري” ، هو جيل الستينات ، ليس كله طبعا ، نضع جانبا تلك المجموعات التي كانت تجتر غثيانها في زوايا المقاهي المظلمة . هناك مجموعة لا يمكن أن تصدق في سلوكها التعرضي والاقتحامي (إنتحاري في جانب منه وفق التحليل النفسي) . ما هي علاقة شاعر عراقي مثلا يذهب ليقاتل في “ظفار” .. ورسام ينتحر في بيروت .. ومصور يقاوم في أثيوبيا . والمشكلة أن أفراد هذا الجيل كلهم قصّروا في تسجيل وقائع تلك “الحكاية” العجيبة التي تجعل الولدان شيبا . ولعل جانبا من أهمية رواية نضال هو في تصوير أفراد مجموعة عهدي الذين كانوا يلتقون في الاستديو العائد له ، يتناقشون في كل شيء .. ويخشون أن يلتقط لهم صورة وجهية خوفا من أن تتسرب لرجال الأمن ، فيلتقطها لظهورهم . منهم من نعرفه بالأسم كشخصيات واقعية مثل شمران الشاب القروي القادم من الجنوب والذي سكن في محلة (الحيدرخانه) في بيت (ناهده) التي يسميها (ست إحترام) . وعهدي هو الشخص الذي وصل (أسمره) حيث تصف الروائية علاقته المجهضة ، أجهضها بنفسه ، مع (أوكازاي) الخلاسية الجميلة الذئبة . كان عهدي يختنق بالحزن والبكاء وهو في بغداد بين أهله وأصدقائه وذويه . وحتى بعد أن سافر إلى القاهرة ثم أسمره ، ظلت عالقة في ذاكرته صورة (ندى ) أو (ودّ) فتاة التجربة الاولى حبا وفنا ، والتي خسرها مختارا .. هو من هذا الجيل المثبت على الخسارات والذي لن تهدأ حياته بدونها .
.. ووفق هذه البنية السيكولوجية ، وكنتاج لوضع اجتماعي وسياسي شائك وطافح بالسادية ودوافع الموت والقهر ، فقد اختار عهدي ميتته بنفسه ، ولكنها ميتة مقسرة تأتي تتويجا لسلسلة من الحوادث التي لا يمكن أن تختم إلا وفق هذه الخاتمة الفاجعة . فبعد الخسارات المتطاولة والمدمرة ، عاد عهدي وهو يحمل على كتفيه كيسا هائلا من الخواء ، وهذا أخطر ما يحيق بوجود الإنسان ، الهش أصلا ، من نتائج ماحقة .. أن يعود بعد حياة عاصفة مزحومة بالتجارب الفريدة والمخاطر الباهرة بخفيّ الخواء . أدمن عهدي الوحدة والخمرة والتخيلات .. في مشهد حياته الختامي جلس – وهما – مع صديقه جبار في السوق يضحكان وهما يسترجعان الكيفية التي حاصرت بها ثلتهم (نسيم) إبن صباح إبن عصمت أفندي الذي كان يلوك المفردات الإنكليزية فعدوه متعاليا واضطر والده على أن يرسله إلى لندن فاستقر هناك إلى الأبد . و .. ( هناك وفي الدائرة الثانية من مدينة لندن ، حيث يسكن الأثرياء ، يظهر نسيم بعد عشرات السنين هرما يجلس في منزله يراقب من على شاشة التلفزيون بأم عينيه الغائرتين كيف تُضرب بغداد ، فيتمتم بروح حيادية تطل على ذكريات ابتعدت كثيرا ، وما بقي منها امتد في حياة لم يعشها ، ينبغي أن تتغيّر ، قال : سواء بالإحتلال أو بسواه – ص 103)
ويشاهد عهدي وجبار إبن محفوظ صاحب الحقيبة ودكّان المكان ، وقد حول المكان إلى (دكان الألحان) وخلف أستاره يبيع الأفلام الخلاعية والحشيشة .. وبألم يقفان عند نذالة بيت هبوب اللذين أخذوا بصمتي قيسة ونهاية المسكينتين ، وهما غائبتين عن الوعي بفعل الشيخوخة ، فانتزعوا منهما حصتيهما في البستان بعد أن رفضتا طويلا . يدعو عهدي جبار لجلسة في قبوه يوم الخميس ليشربا ويستعيدا ماضي الخراب .. ويشرب عهدي مع جبار بإفراط حتى الموت .. حيث تصف لنا الروائية ببراعة الهلوسة المأساوية التي أطاحت بوجود عهدي ، في مشهد فريد شاهده الأول كما هو الأمر على امتداد الرواية هو سرب الطيور :
( وكان سرب الطيور قد وصل إلى الزقاق ، ثم انحرف محوّما حول الشناشيل ، وأكمل انعطافته باتجاه بيت (الحجّي) متحشدا عند الباب ، وقد اندفع مخترقا الممر القصير إلى الباحة منتشرا فيها ، لم تره (كرامة) ولكنها أحسّت برفيفه قريبا ، فدفعت بمعصمها ألما في صدرها ، واندفعت إلى حجرة ابنها وهي تصيح وتلطم وجهها ، كان وحيدا إلا من كون هائل لا نهائي ، راحت تحلق فيه كبسولات السجناء والمضادات الحيوية ، آلة الكاميرا وزجاجات الويسكي الفارغة ، الكؤوس والفقاعات ، قرحته التي انتشرت كالغبار في مجرّته تلك . لم يكن فيها سواه ، فـ “جبار المعروف” قد توفي منذ ما يقرب العشرين عاما ، والطيور اتي قدمت وطيئة التحليق جعلت تخفق بقوة ؛ وقد ارتفع صوت الرفيف ، أصبح أنينا حين مدّت أجنحتها يدا بيضاء باتجاه وجهه ، وجه الإبن ، أسفل مجرى التنفس تماما ، لتتحنط في منتصف المسافة وتتهشم أشباحها البلورية ريشا راح يخفق مغطيا الثلاثة – ص 176 و177) .
ولأن الرواية علم والقصة القصيرة فن ، كما أحب أن أكرر دائما ، وأن على الروائي أن يتحلى بجلد عالم في مختبره ، وببصيرته وحكمته ، فإن من مهماته أن لا “ينسى” أي متغير على مسرح الرواية – والرواية بلا وصف مسرحية – مهما كان بسيطا ، فإن الكاتبة وفي الكثير من المواقف ، تعيد أذهاننا إلى ثيمات سابقة تحكم من خلالها وحدة حلقات روايتها العضوية . فباليد التي مدتها اجنحة الطيور إلى وجه الإبن أسفل مجرى التنفس ، لتتأكد من موته في تورية رائعة ، تعيدنا إلى الأم (زينادين) و(الجد) حيث قالت قبل مائة وأربعين صفحة : ( كبراهن كانت (زينادين) التي أخذت عن جدتها عادة وضع يدها أسفل أنفه، تحت مجرى النفس تماما وهو نائم ، وحين تشعر بنَفَسه يجري طبيعيا على راحتها ، تتأكد أنه مازال حيّا ، فتطمئن وتسحبها مثل طائر يحلق وطيئا – ص 37) .

ملاحظة اعتراضية :
——————–
إذا وقعت بين يديك مستقبلا رواية غفل من إسم المؤلف ، وقرأتها ، ووجدت مفردة (وطيئة) و(وطيئا) تتكرر عشرات لمرات ، فتأكد أن هذه الرواية لنضال القاضي ، هذه لازمات لغوية ليست سردية حسب ، ولكن نفسية أيضا ، وهنا ليس مجال تناولها ، هي لازمات دفاعية تشبه ما وصفته “أنا فرويد” بـ “دروع الطبع الوقائية” .
# عودة :
————
إنه سرب الطيور نفسه الذي تجمع على خثارات انفجار بطن الشمردل الذي انتفخ بالأسرار، مركبا الآن مع فعل اليد التي تمتد تحت مجرى النفس تماما لتؤكد حقيقة المثكل الغادرة .. وهو نفسه الذي تستعين به الروائية ، الآن ، مع طيرانه الوطيء ، الوطيء من جديد ، وهي تنتقل بيسر من محنة مرض شمران العصي ، لتقابل شماتة الموت بظفر الحياة :
( ولاشك أن تلك الطيور التي تحلق وطيئا قد عرفت ذلك الزقاق من قبل تحديدا حين أطل شمران وعهدي مرة من إحدى الشرفات ، ليصوّروا لقطات نادرة وأثيرة لتلك الجموع المتظاهرة ، وهي تجتاز جامع الحيدرخانة ومقهى الزهاوي ، باتجاه ساحة الملك فيصل الثاني ، فيما سلاح الجو البريطاني يغير عليهم ، فيتساقط العشرات تحت زخّات الرصاص ، وقد تجاوزت الطيور الجثامين المحمولة على الأكتاف ، بعد أن تحسست الوجوه ، ومدّت أجنحتها مثل الأكف أسفل مجرى النفس ، أسفله تماما ، وقد دوّى صوت “الجواهري” مكلوما في الحضرة الكيلانية وهو ينشد : أخي جعفر – ص 111 ) .
وهو نفسه السرب الذي يأتي بعد مراحل طويلة تثبت مقدرة ذاكرة الروائية المتوقدة ، وهي ذاكرة “عالم” ، حين تتحدث عن محنة زوجها الفلسطيني الذي علق مع الملأ في واحدة من أبشع تقابلات فلسفة الوجود في معسكر “رويشد” الذي صار وطنا للاجئين فلسطينيين لم يُهجّروا من فلسطين الأم ، ولكن من بلد عربي لجأوا إليه ، وعلى أيدي “إخوة عرب” ، فقد وضعت طلائع الاحتلال العميلة على رأس مهماتها “تأديب” العراق على موقفه المخلص ، و”الرومانسي” أحيانا من قضية فلسطين . شنت حملة التقتيل على الفلسطينيين القاطنين في العراق منذ عقود . لم تُفلح “أنجيلينا جولي” في عمل شيء لهم ، ويمكنك أن تلتقط المعاني المضمرة المسمومة وفق مهارتك التحليلية . لكن سيدة أمريكية من أصل فلسطيني ، هالها ما حلّ بشعبها ، فشنت حملة كبرى ، نجحت وفقها في إقناع البرلمان البرازيلي على استقبال المائة وسبع عشرة عائلة فلسطينية ( عجزت إحدى وعشرون دولة عربية عن السماح لهم بدخول أراضيها – ص 148 ) .
وقفة : عذابات فلسطين تتجدّد :
——————————–
في آذار / مارس من عام 1988 عقد لقاء الروائيين العرب والفرنسين في معهد العالم العربي في باريس ، وحضره عتاة الإبداع الروائي ونقده من الوطن العربي وفرنسا منهم على سبيل المثال لا الحصر : ألن روب غرييه، جبرا ابراهيم جبرا، أميل حبيي، فؤاد التكرلي، غالي شكري، جورج طرابيشي، حنا مينه، بيير جان ريمي، ميشيل دوغي ، مطاع صفدي .. وإلخ .. إلخ . عد أيها القاري واقرأ حيثيات الجلسات الصاخبة حول التشييء والتشييش والرؤى والجمال وغيرها .. في الجلسة الأخيرة التي افتتحها (محمد برادة) عن (فاعلية الترجمة في تغيير صورة كل ثقافة داخل الثقافة الأخرى ، وفي تحقيق نوع من الحوار المتساوي بالاختلافات بدلا من أن تلعب دور تصدير القيم الجمالية والأخلاقية والأيديولوجية ، ثم أعطى الحديث لسهيل إدريس ، ولكن حصل شيء آخر حيث صدح صوت فتاة من القاعة : ( قبل أن يتمكن الدكتور سهيل إدريس من بدء كلمته ، استأذنه محمد برادة في إعطاء الكلمة لفتاة من القاعة كانت قد طلبتها ، وهي الآنسة (سعدية الزعيم) ، التي قالت : “في إطار دراستي الجامعية ترجمت لإلياس خوري روايته “الجبل الصغير” ،وأعتقد أنه لابد من ترجمة كل شيء : الروايات والأشعار والنظريات وكذلك أفراحنا وعذاباتنا وغضبنا. أما أنا فإنني أؤمن بقوّة بكل ما يريده الروائيون . ويقول إلياس خوري في روايته إن فلسطين حالة ، كل عربي هو فلسطيني ، كل فقير يحمل بندقية هو فلسطيني ، فلسطين حالتنا جميعا . لا أحمل بندقية ولا أكتب روايات . ولكن فقط أريد أن أطلب منكم ، لأنه ليست في باريس مقبرة أعزمكم على زيارتها ، أريد منكم دقيقة صمت على أرواح الشهداء ، وتحية لشعب فلسطين .
ووقف جميع من في القاعة دقيقة صمت عل أرواح الشهداء – ص 269 ) .
هل نضال القاضي هي سعدية الزعيم ، أم أن سعدية الزعيم تتراءى قصدا من خلال تمظهرها في دور الروائية نضال القاضي ، او ولنكن عمليين أكثر وبصورة مباشرة من خلال الراوية التي تقف الآن في مطار عمان الدولي مع طفليها من الأب الفلسطيني  . واقرأ هذه القطعة الدامية التي سيفسدها الناقد بأي محاولة تفسيرية :
(16 تشرين الأول 2007 / مطار عمان :
قال لي الضابط بالحرف الواحد : أنت تمرّين أما أطفالك فلا
-لماذا ؟ أنا أمّهما
-لأنهما فلسطينيان
-ولكنني أمهما وأضمنها بهويتي العراقية
-لا ينفع ، هذا ليس قراري
-القرار هذا خاطيء فهما طفلان
-القرار قرار الجامعة العربية وهو يضمن عدم نسيان الفلسطيني لقضيته .. ويضمن له حق العودة
-ولكنه ينبغي أن يعيش كي لا ينسى ، لا أن يكون منسيا كي يعيش الذريعة ذاتها ..
-لا ممر ولا مستقر ، القانون هو القانون – ص 162 )
تعلق نضال على هذا موقف الضابط المؤسس على قرار جمعي قائلة : ( الآن .. في هذه اللحظة ، وفي كل لحظة ، أعرب عن شكري إلى البرازيل ، البلد الذي أودع كأس فوزه في غزة عاما كاملا ، وتعهّد بمرور طفلين على أرض العالم – ص 162 ) .
عودة :
——–
… وكانت الراوية وقتذاك على بعد مائة وثلاثين كيلومترا جنوبي بغداد ، في (بورسيبا) تحديدا ، تهبط من سلم شبه مطمور لقلعة نمرود .. هنا يعود سرب الطيور المحلّق “وطيئا” لكن من عمق غائر في أقاصي التاريخ الجريح المبهض في عودة تتسق مع مناخ الموقف بدقة لا تبارى :
( كتل سود .. قيل أنها من بقايا حريق اجتاح القلعة ، وقيل أنها من فعل النار التي أمرها الرب أن تكون بردا وسلاما على إبراهيم . وخلف الصخرة ، وقد شارف الغروب ، حطت تلك الصخرة المشعة الحمراء في غمام متناثر أحال السماء إلى مقطع من جناح طائر في صحراء مفتوحة ، امتدت فوق بيوت بناها أصحابها من حجارة القلعة ذاتها ، فبدت مثل سرب يحلق وطيئا تموّجه كتابة مسمارية طويلة – ص 149 ) .

# توظيف الحكاية الشعبية :
—————————-
في موقف جميل ومعبر ، وظفت الكاتبة حكاية شعبية قديمة على لسان الجد ، يحكيها لحفيده (عهدي) في أول لقاء بينهما عن نبتة (الريواس) ، وهي نيتة حامضة تنبت في الثلج ، وكيف أحبها الثلج ، وعرض عليها الزواج ، فطلبت منه مهرا يجلبه لها من النهر ( ومشى الثلج يدفع صخوره الثلجية أمامه متألما ، ثم بدأ المسكين يذوب حتى ساح تماما ، وسال في ماء النهر مكسور الفؤاد والريواسة تضحك وتقول له :
-يا ثلج يا غبي مع السلامة . أنا أحب الربيع .
ثم جاء الربيع وصعد (عهدي) [= الحفيد الصغير] إليها فقالت له :
-لا تقطفني سيأتي شقيقي الذئب ويأكلك .
فقال لها عهدي: -بل أقطفك هكذا – ص 86 و87) .
وسيشعر المتلقي ، وقد تابع سلسلة الأحداث السابقة المتعلقة بالجد وسعيد وزواجه من زينادين ابنة الجد ، وكرامة المخذولة ، بالألم يقطع قلبه لحكاية الطفولة هذه . وهذا درس يثبت من جديد أن الرواية (علم) يجب على الروائي أن (يدرس) و (يحلل) بدقة موقع أبسط المؤثرات ، وصلتها بالحلقات السردية السابقة واللاحقة ، وتعزيزها للموقف الراهن ، وفعله في نفس المتلقي .

توظيف التقنية الحلمية :
———————–
سأعبر سريعا على توظيف الروائية للتقنية الحلمية بشكل موفق ؛ توظيف إيهامي يبدأ بحركة واقعية فعلية ( من سطيفان المحطم ، أو من حادثة غرق الراوية “البطلة” مثلا ) وينسرب بهدوء ، يُصنع بأنامل الروائية الحاذقة حد عدم شعورك بما تبيّته من مكر سردي مموّه حتى صدمة اليقظة البليغة “الصادقة” التي تخلط على عتبته الواقع بالخيال بطريقة تعيد ظاهرة الواقعية السحرية إلى جذرها الواقعي الفعلي ولكن على أرض الحكاية العراقية ، ولا حاجة لأجنحة واقعية أمريكا السحرية ونحن وريثوا سيدة الحكايات ؛ ألف ليلة وليلة ، تلك التي هي عبارة عن حلم يقظة طويل جدا . ( راجع ص 165 )
سبابة الإدانة :
————–
إن نضال تشير بسبابة اتهام مدببة – إذا كنت قد أحسنت تأويل مقاصدها – إلى الصدر الأجوف للمثقفين العراقيين ، فهي حين تشير إلى الإعتقالات العشوائية في الأعظمية ( صاحب المقهى وكامل رواده تحملهم القوات الأمريكية – قوات الخنازير الغزاة ، إلى المعتقل ، فيأتي مترجم ينقل للموجودين الأفعال القذرة التي يقترفها الأمريكان بحقهم وهم سجناء عزّل ، فلا يحصل أي رد مدو متوقع ، ولكن الصحفي الامريكي (سيمور هيرش) هو الذي يكشف عبر شريط فيديو صرخات الأطفال العراقيين والجنود الأمريكان الكلاب يلوطون بهم بلا رحمة ، ومع هذا الحدث واقعة اغتصاب العراقيات في فاجعة أبي غريب وكلتاهما مدفوعتي الثمن من أطراف معروفة سوف تسمى بعد زمن قد يطول ، ولكنه مؤكد ، أقول إن المثقف العراقي لم يُستفز لتمزيق عرضه ، ولكنه انتفض عن بكرة أبيه عندما منعت الحكومة العرق والبيرة ، أي درك انحدرنا إليه ؟! .. لدينا مبدعة لا تنسى دورها الوطني الذي تحاول موجات الحداثة وما بعد الحداثة الأوروبية التي لا أستطيع تنزيه مقاصدها ، توجيهها نحو بلاطات الأرصفة وصفوف أشجار الموز المغرم بها “ألن روب غرييه” ونسيان إنسانها المسحوق والمعذب (راجع روايته “غيرة”) .
ولكن الروائي شاهد ، إنه يكتب وقائع حاضر جائر يجري أمام عينيه عصي على الفذلكات والتخريجات الشعرية . وقد أخلصت نضال لدورها هذا بقوة . تقول الراوية وهي تشغل جهاز التلفاز في بيت سطيفان :
( أستمع إلى نشرة الأخبار أو السيرة الذاتية للعالم ، والتي لم يتبدل منها شيء منذ فجر الخليقة سوى الموضة ونوع السلاح وطريقة القتل .. كشف عن مقابر جماعية وحملات إبادة مازال بعض منفذّيها حيا طليقا ثم وجه جميل لفتاة .. فجأة تتدحرج قحفية هي كل ما تبقى منها .. صورة أطفال وأمهم ظلوا نائمين تحت الأنقاض ، وأب يقفز كالمجنون على كومة الرمل والحجارة ، عبثا حاول أن يقنع أوروبا وأمريكا أن أيّا من أبنائه لم يشترك في أحداث الحادي عشر من أيلول .. تهديد بضرب العراق ومقطع من برنامج محو التاريخ بدلا من محو الأمية والجوع والمرض اسمه العولمة ثم حكاية موت طويلة في كل مكان اسمها فلسطين ، يظهر فيها الشارع والشارع العربي تحديدا فقيرا معدما محتجا : لماذا وزارات الدفاع إذا ؟ وعلام موازناتها المالية الضخمة والخيالية على مدى أربعين وخمسين عاما من عمر القضية ؟ – ص 15 و16 ) .

# تحية للمثقفة المقاومة “هناء إبراهيم” :
——————————————-
في الرواية أشارات إلى إمرأة هي (هناء إبراهيم) ، وهي ليست شخصية متخيلة ، بل هي شخصية حقيقية لسيدة عراقية مناضلة ، جسورة تعبد وطنها العراق . وقد التقيتها ذات ظهيرة متألمة ومحبطة لأن ميليشيا تحمل صور (أحمد الجلبي) سرقت مبنى متواضعا اختارته مقرا لجمعية نسوية كما أتذكر . ما يهمني هنا هو ان كل شيء سيحفظه التاريخ ، وأن كل كلمة قلناها مهما كانت بسيطة ، وكل فعل اقترفناه بحق وطننا مهما كان مبتذلا ، أو أديناه مهما كان بسيطا ، سوف يُثبت بحقنا ، وسيقرأه أولادنا وأحفادنا . ولأن الروائية ذكرت اسم هناء الحقيقي وعرضت شخصيتها ، يهمني هنا أن أزجي إلى هناء إبراهيم المناضلة الأم التي – وهذا سر- تخاطب رؤساء الدول بـ : ( يا سيادة الرئيس .. يا ولدي ) غير هيابة ولا متملقة . وكنت قد كتبت كثيرا أن حضارات العراق المتعاقبة كانت “أمومية” في مراحل نهضتها الكونية العارمة .. و “أبوية” في مراحل انحطاطها العاتية . أمومية مطبوعة بميسم “كرامة” مثلا ومن ورائها “نضال القاضي” في سفر عذاباتها الباهضة .

# على الصفحة الأخيرة ( ص 193) تقول نضال القاضي ، وقد دخلت بنفسها إلى مسرح الرواية ، من خلال الفصل الختامي (العدد صفر : إلى حياة الشاعر الراحل رعد عبد القادر ) : ( اعترف وأقرّ أني أضفت الحاشية إلى المخطوطة ، ودسست المخطوطة في التراب ، ونشرت من فوقها الجهات كي تخطئها عيون المهربين ، وبوصلات الأدلاء .
نضال القاضي ، بغداد ، البرازيل – 2008 – ص 193).
تضعنا نضال، كمتلقين عموما ، وكنقاد خصوصا – والناقد متلقي حاقد – ، أمام تكنيك فريد ، يقوم على أساس استدراجي ساقتنا وفق منحدره المغوي الروائية لننشغل بمخطوطة تشبعت ببيوض الحشرات ، مهملة رغم أنها تحمل تواريخ وفجائع “طمة” كاملة .. طمّة (يختلف الناس عنها في الظاهر ، لكنهم ما إن يبدأوا بالكلام حتى تظهر على ملامحهم ، هي لا غيرها ، هم لا غيرهم ، في نبرة الصوت والنظر والسمع والمشية فيما يتذكرونه وما نسيوه بالفعل ، حيث يكمن صدقهم ، فإن كذبوا فإنها موجودة كي تفضح – ص 182 ) .. وبفعل تمادينا المستدرج بسحر السرد ، في تغييب البصيرة النقدية الفاحصة ، حتى صحونا ، أو أن الروائية هي التي أظهرتنا على الخديعة السردية ، على مخطط ماكر ، ستأتي بعد سنوات طويلة ، زائرة ينقلها سائق تاكسي متذمر ، إلى بيت في منطقة قريبة من (دار الشؤون الثقافية) القديمة ، أيام عزّها ، فتعثر على مخطوطة مسكونة هذه المرة ببيوض سود لحشرة اليورانيوم المنضب ، تروي حكاية إبن مغدور اسمه (رعد عبد القادر) .. إلخ . مخطوطة في غاية الغرابة تبز غرابة حكايات (ألف ليلة وليلة)، تتحدث فيها راوية اسمها (نضال القاضي) عن رحلة مميتة في منطقة الكرخ للحصول على الماء بأي ثمن ، لأطفالها .. مع شهقات والتحامات وتشكلات رهيبة لا يقر بها سلطان عقل إذا بقي للعقل سلطان فعلي .
وهنا أتوقف لأشير إلى ظاهرة عجيبة في حياتنا السردية ، وفي سرد حيواتنا ، وهي أننا في الواقع نرتد إلى الحكاية الأصل ، القصة الأم : ألف ليلة وليلة .. حيث تترعرع في رحم الحكاية الأم حكاية جنينية فرعية ، تتحول بدورها إلى حكاية أم .. تتوالد .. وهكذا .. فقد ولدت حكاية البحث عن الماء من حكاية سابقة انحدرت بدورها من سلسلة من الحكايات الماضية .. وتسلمت الراية حكاية راهنة عن البحث المصيري عن الماء في بلد ، عطش دائما ، وهو منعم بنهرين أحدهما من أنهار الجنة ، وفي لجة البحث تبزغ قصة (صلاح) الساذج المخلص والمعذب … ولكن ما هو أمرّ هو سلسلة (الحكايات) الجزئية المريرة .. حكايات صغيرة تلخص نهب جسد العراق وروحه بدءا من حكاية البعثة الأثارية الفرنسية الإنكليزية التي اشترت عشرين رأسا من أحد الرعاة ، ثم ذهبت ، وتحت أنظار (سعيد) المتخفي ، لترميها في إحدى الآبار لتطهيرها من الأفاعي بطريقة شيطانية .. فيسهل أمامهم السبيل، وينزلون إلى الأسفل حاملين معهم لقى عجيبة من الذهب والعاج ، ورقَاً كبيرا ورقما طينية مهشمة ، وضعوها في السيارة ثملين بالفرح ، وينطلقوا بعد أن ردموا البئر ( لا أعتقد أن الرق يخرجه غواصون من بئر !! – الناقد) . وحين ينحني سعيد على مكان الموقعة تسقط من جيبه (وصفة الإختفاء) التي سرقاها ، هو والشمردل، من (الدرويش) المخاتل ؛ (تتدحرج عميقا متوارية خلف الأكباش الميتة ولفيف الأفاعي الخانق . عند ذاك هال الكومة الأخيرة من التراب فوقها فدُفنت الوصفة قبيل الظلام ، وتحقق الشرط الجوهري لتحقها – ص 54) .
من ذكرى حادثة السطو الشيطانية هذه .. ووصولا إلى يوم الخراب العظيم ، حيث يعلق وطن كامل مثل تلك الخراف ويقطع بلا رحمة .. الأخطر دائما هي نغزات الخنجر الصغير الذي ينغل في القلب عن خسارات تبدو عابرة وصغيرة لكن تراكمها يمثل الكارثة التي لا توصف : ( ثم أخذنا طريقنا مرورا بتمثال السعدون الذي خطفوه قبل مدة ووضعوا بدلا منه نسخة مختزلة أقل حجما وأخف وزنا  .. لم يسلم أيضا أبطال مايس من الخطف .. حتى الرصافي لم ينج من الرصاص العشوائي ذات اشتباك .. ذات أمريكان .. حتى بلغنا سَمَك المصالحة الوطنية ، حيث وضع سمك الجرّي الذي حرّمته الشيعة وأحلّته السنة – ص 160 ) .

وقفة : مقتل “ماري” :
———————–
يقولون إن الروائي شاهد ، ولكن على ماذا ؟ ترى ما هي الأعمال الروائية التي رصدت ما حصل في العراق وقدمت شهادتها عليه ؟ يقولون – وهذا ما أقره – إن هناك نهضة سردية واسعة في الأدب العراقي ، صحيح ، ولكن.. ولكن أين ذاك التصوير الحي والنابض لمتغيرات ملحمية ووحشية تعصف بهذه الأرض منذ يوم الاحتلال خصوصا ؟ أعتقد أن واحدا من الأسباب الأساسية هي هذه المعادلة المقلوبة التي تحاصر المبدع العراقي : ففي كل مكان من المعمورة يبدع المبدع مستعينا بمخيلته كي يسبق بها الواقع ، إلا في العراق ، فقد أصبح الواقع سابقا المخيلة بأشواط طويلة جدا . تسجل الراوية حادثة مقتل “ماري” العراقية المسيحية التي كانت تعيش وحيدة رافضة مغادرة وطنها رغم سفر أولادها إلى أوروبا ، ورغم خلو الشارع الذي تسكن فيه ، فقد اقتحم منزلها الجنود الأمريكيون الغزاة ، (لكنهم ما إن رأوا صليبا معلقا على مدخل البيت حتى غيروا من لهجتهم معها ، وقبل أن يخرجوا سحبوا خرطوم الماء من صنبور حديقتها ليملأوا عبوات بلاستيكية تخصهم .. بعد أيام شوهدت جثة ماري مرمية على المزبلة القريبة من منزلها ، ولم يجرؤ أحد من الجيران على رفعها أو تغطيتها وإلا عرض نفسه إلى القتل ، وظلت الجثة في مكانها ، لكن الناس هناك قرروا أن يقولوا للأمريكان عند أول مرور لهم إنهم السبب بقتل ماري ، وأكثر من مليون عراقي – ص 156 ) .
وفي مزاوجة لافتة بين دوافع الموت ودوافع الحياة التي تلوب في أحشاء هذا الشعب منذ فجر خليقته السوداء ، تذكر الراوية أن الطلقات ملأت الجو – مع مقتل ماري الوحشي – فجأة وأعلن فوز المنتخب العراقي وراح الناس يتتبعون (هوّار) وهو يلاحق الكرة ويسدد أهدافه بجمال ورشاقة ، ووسط هذا الإحتفاء الصاخب بالحياة ، مرت دورية الخنازير الغزاة وتعرف جنودهاعلى ماري المغدورة ( ليرفعوا الجثة في غقلة من سكان الحي الذين انتبهوا بعد ذلك إلى انهم قد نسوا الجثة ، وسبقهم الأمريكيون إليها ، فعلق أحد الواقفين : دُفنت الجثة معلومة الهوية سهوا بفضل سكوتنا – ص 156 و157 ) . وهذه الخلاصة المازوخية الصادمة ( دُفنت الجثة معلومة الهوية سهوا بفضل سكوتنا ) تحيلنا في الواقع إلى جوهر هذه الرواية ، رواية “الطمّة” – وراجع فصل “الطمّة” من الصفحة 179 إلى الصفحة 188 – ، رواية خلاصة عذابات العراق الفاجعة ، مثلما تحيلنا إلى فصل “الميت الجميل” الذي اجترحته الكاتبة ببراعة .
عودة :
——–
وليس من مسؤولية الكاتب الجوهرية أن يوثق ويلعب دور المؤرخ .. أبدا .. لكن من واجبه أن يصور ويمثل ويشخصن ويحكي ؛ يحكي بلا تردد مثلما كانت السيدة شهرزاد تدخل مخدع الدكتاتور المعصوب ، بل الذهاني الباطش ، غير هيابة لخطر الموت وبروح تعرضية واقتحامية لا تكرر .. لكن كررتها العراقية نضال القاضي .
ختام : مخطوطة خراب جديدة :
——————————-
على الصفحة الأخيرة ( ص 193) تقول نضال القاضي ، وقد دخلت بنفسها إلى مسرح الرواية ، من خلال الفصل الختامي (العدد صفر : إلى حياة الشاعر الراحل رعد عبد القادر ) : ( اعترف وأقرّ أني أضفت الحاشية إلى المخطوطة ، ودسست المخطوطة في التراب ، ونشرت من فوقها الجهات كي تخطئها عيون المهربين ، وبوصلات الأدلاء .
نضال القاضي ، بغداد ، البرازيل – 2008 – ص 193).
تضعنا نضال، كمتلقين عموما ، وكنقاد خصوصا – والناقد متلقي حاقد – ، أمام تكنيك فريد ، يقوم على أساس استدراجي ساقتنا وفق منحدره المغوي الروائية لننشغل بمخطوطة تشبعت ببيوض الحشرات ، مهملة رغم أنها تحمل تواريخ وفجائع “طمة” كاملة .. طمّة (يختلف الناس عنها في الظاهر ، لكنهم ما إن يبدأوا بالكلام حتى تظهر على ملامحهم ، هي لا غيرها ، هم لا غيرهم ، في نبرة الصوت والنظر والسمع والمشية فيما يتذكرونه وما نسيوه بالفعل ، حيث يكمن صدقهم ، فإن كذبوا فإنها موجودة كي تفضح – ص 182 ) .. وبفعل تمادينا المستدرج بسحر السرد ، في تغييب البصيرة النقدية الفاحصة ، حتى صحونا ، أو أن الروائية هي التي أظهرتنا على الخديعة السردية ، على مخطط ماكر ، ستأتي بعد سنوات طويلة ، زائرة ينقلها سائق تاكسي متذمر ، إلى بيت في منطقة قريبة من (دار الشؤون الثقافية) القديمة ، أيام عزّها ، فتعثر على مخطوطة مسكونة هذه المرة ببيوض سود لحشرة اليورانيوم المنضب ، تروي حكاية إبن مغدور اسمه (رعد عبد القادر) .. إلخ . مخطوطة في غاية الغرابة تبز غرابة حكايات (ألف ليلة وليلة)، تتحدث فيها راوية اسمها (نضال القاضي) عن رحلة مميتة في منطقة الكرخ للحصول على الماء بأي ثمن ، لأطفالها .. مع شهقات والتحامات وتشكلات رهيبة لا يقر بها سلطان عقل إذا بقي للعقل سلطان فعلي .
وهنا أتوقف لأشير إلى ظاهرة عجيبة في حياتنا السردية ، وفي سرد حيواتنا ، وهي أننا في الواقع نرتد إلى الحكاية الأصل ، القصة الأم : ألف ليلة وليلة .. حيث تترعرع في رحم الحكاية الأم حكاية جنينية فرعية ، تتحول بدورها إلى حكاية أم .. تتوالد .. وهكذا .. فقد ولدت حكاية البحث عن الماء من حكاية سابقة انحدرت بدورها من سلسلة من الحكايات الماضية .. وتسلمت الراية حكاية راهنة عن البحث المصيري عن الماء في بلد ، عطش دائما ، وهو منعم بنهرين أحدهما من أنهار الجنة ، وفي لجة البحث تبزغ قصة (صلاح) الساذج المخلص والمعذب … ولكن ما هو أمرّ هو سلسلة (الحكايات) الجزئية المريرة .. حكايات صغيرة تلخص نهب جسد العراق وروحه بدءا من حكاية البعثة الأثارية الفرنسية الإنكليزية التي اشترت عشرين رأسا من أحد الرعاة ، ثم ذهبت ، وتحت أنظار (سعيد) المتخفي ، لترميها في إحدى الآبار لتطهيرها من الأفاعي بطريقة شيطانية .. فيسهل أمامهم السبيل، وينزلون إلى الأسفل حاملين معهم لقى عجيبة من الذهب والعاج ، ورقَاً كبيرا ورقما طينية مهشمة ، وضعوها في السيارة ثملين بالفرح ، وينطلقوا بعد أن ردموا البئر ( لا أعتقد أن الرق يخرجه غواصون من بئر !! – الناقد) . وحين ينحني سعيد على مكان الموقعة تسقط من جيبه (وصفة الإختفاء) التي سرقاها ، هو والشمردل، من (الدرويش) المخاتل ؛ (تتدحرج عميقا متوارية خلف الأكباش الميتة ولفيف الأفاعي الخانق . عند ذاك هال الكومة الأخيرة من التراب فوقها فدُفنت الوصفة قبيل الظلام ، وتحقق الشرط الجوهري لتحقها – ص 54) .
من ذكرى حادثة السطو الشيطانية هذه .. ووصولا إلى يوم الخراب العظيم ، حيث يعلق وطن كامل مثل تلك الخراف ويقطع بلا رحمة .. الأخطر دائما هي نغزات الخنجر الصغير الذي ينغل في القلب عن خسارات تبدو عابرة وصغيرة لكن تراكمها يمثل الكارثة التي لا توصف : ( ثم أخذنا طريقنا مرورا بتمثال السعدون الذي خطفوه قبل مدة ووضعوا بدلا منه نسخة مختزلة أقل حجما وأخف وزنا  .. لم يسلم أيضا أبطال مايس من الخطف .. حتى الرصافي لم ينج من الرصاص العشوائي ذات اشتباك .. ذات أمريكان .. حتى بلغنا سَمَك المصالحة الوطنية ، حيث وضع سمك الجرّي الذي حرّمته الشيعة وأحلّته السنة – ص 160 ) .
وليس من مسؤولية الكاتب الجوهرية أن يوثق ويلعب دور المؤرخ .. أبدا .. لكن من واجبه أن يصور ويمثل ويشخصن ويحكي ؛ يحكي بلا تردد مثلما كانت السيدة شهرزاد تدخل مخدع الدكتاتور المعصوب ، بل الذهاني الباطش ، غير هيابة لخطر الموت وبروح تعرضية واقتحامية لا تكرر .. لكن كررتها العراقية نضال القاضي .
ملاحظة ختامية :
—————-
بالإضافة إلى ذكر الراحل الشاعر (رعد عبد القادر) ، ورد ذكر شاعر آخر هو (سلمان داؤود محمد) ، ولم أستطع تحديد الضرورات السردية والدلالية للتوصيفات التي ذكرتها الكاتبة عنه : ( .. ثم شجار بالقرب من مقبرة الأرمن مع راعي علامة فارقة ، رأيته بعد بضعة أعوام وهو يتسلمن ويتدوّد ، قاطعا ساحة لبيع الخردوات باتجاه مكتب إعلانات يحمل اسم غيوم لم نر له إعلانا في يوم من الأيام ، سالوفته التي لا تنتهي أن الريح تؤرجح يافطته على واجهة إحدى البنايات . هناك وجدته بكامل قيافة سلمان داوود* – ص 78) . ثم تضع الكاتبة هامشا تعريفيا تقول فيه (شاعر نثرنها وقعد على تلّتها ، له مجموعة “علامتي الفارقة” ) .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| احمد عواد الخزاعي : فنتازيا خضير فليح الزيدي في رواية ” يوتيوب “.

صناعة الشخصية الديناميكية المدورة، سمة امتاز بها الروائي خضير فليح الزيدي، فمعظم شخصياته الروائية، تكون …

| طالب عمران المعموري : تشكيل المكون الروائي في رواية “عاشقة من كنزا ربا” للروائي عبد الزهرة عمارة .

“أنت يا عليما بالقلوب وكاشفا للبصائر .. عيوني متطلعة إليكَ وشفاهي تسبحك  سبع مرات في …

تعليق واحد

  1. مرتضى شامي

    نضال القاضي
    لأبي ثلاثة قبور
    الأول حين وخزت أمي بأصبعها بطن الارض
    لا تنامي
    ……………………..
    هذه الكلمات طالما شدني جنوني العاقل تجاهها
    كأني أرى نفسي أسير بها خطوات بطريق لا منتهي
    فعلاً عندما أرى وجهي في المرآة أتذكر ملامح الذكريات القديمة و أصرخ
    أه ما أشبهني بالأمس
    لم أعد اعرف نفسي حين تهت في كلماتها تلك في قصيدة لأبي ثلاثة قبور
    دمت بكل الود يا استاذة
    دمت حروفاً مدوزنة على قانون الفراهيدي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.