الرئيسية » ملفات » كريم عباس زامل : موت لزج (إلى مهدي طه) (ملف/22)

كريم عباس زامل : موت لزج (إلى مهدي طه) (ملف/22)

القاص كريم عباس زامل

إشارة:
جماعة “البصرة أواخر القرن العشرين” جماعة فريدة ليس في تاريخ السرد العراقي فحسب بل في تاريخ الأدب العراقي عموما. فهي لم تكن “الجماعة القصصية” الأولى في تاريخ العراق فقط بل كانت مشروعاً تثويرياً في النظرة إلى دور السرد خصوصا في واحدة من أخطر المراحل التي عاشها العراق بانعكاساتها الهائلة على رؤية الأديب ورؤاه. اقتنصت هذه الجماعة الإمكانية العظيمة لفعل الكلمة المقاوم حبن ترتدي أثواب الفن الباهرة فيمكنها أن تكون ماسة تلمع وتقطع في الوقت نفسه. وإذ تنشر أسرة موقع الناقد العراقي تراث هذه الجماعة وما كُتب عنها فلأنها “ظاهرة” تستحق الدراسة لاستنباط دروسها. تحية لجماعة البصرة أواخر القرن العشرين. ويهم أسرة الموقع أن تتوجّه بفائق الشكر والامتنان إلى الأديب الأستاذ “محمد عبد حسن” مؤرّخ هذه المجموعة وواحد من المساهمين المهمين فيها لأنّه زوّد الموقع بأغلب نصوص هذا الملف.

موت لزج
كريم عباس زامل
إلى مهدي طه

(1)
تركت دفاتري فوق سياج المدرسة واتجهت من حيث لا أدري إلى جهة بعيدة. سأجد صورتي، إنها الريح التي تحملني و لا أقوى على أن أسير لوحدي، كانت تتكسر بجانب الرصيف مخلّفة دويّا حادا، إنها صحوتي، خسرت كل شيء، الجثة،و مذكّرات البحر الأخيرة، و الدليل الوحيد لربّان السفينة.
أخرجتنا العواصف عن السير المتعرّج، الرطوبة الحادة و زاوية السير المنفرجة، فماذا تبقّى لي غير أن أفتتح الجلسة الأخيرة ؟ إنها الجلسة الأخيرة حين ضيّعني صاحبي و هو معلّق في الجسر الوحيد، تائها و معلّقا في أيام الزنج الأولى واقفا بين الأزقّة المفتوحة و الأزقّة لا ينتظر شيئا سوى أنه يحمل في ذهنه الممزق صورتها، سأرميها في الغرفة المجاورة. وجدت نفسي في الغرفة المجاورة والجثة أمامي، لم أتعلّم لغة الموتى و تلك خطيئة أبي الكبيرة حين تركني بين القوارب الكبيرة عاريا، ما تعلّمت السباحة، بل تعلّمت أن أبصق فوق عباءته الرمادية اللون.
(كان مهدي عامل يتنزّه في الفكهاني عصرا يوم كانت المجنزرات تحاصر مدينته الجنوبية. لا شيء يحدث، غير أن صديق طفولتي مهدي حسن يترك الباب مفتوحا و يرحل، فوداعا أيّها الملك الظليل، وداعا مهدي طه. لم تترك مهدي عامل وحده في الحلم، و لم تنسى صديقي وحده في متاريس بيروت الشرقية.)
الأوراق ….. (1 )
غادر الغرفة رقم “60”، اتجه إلى المشرحة، دكّه عالية بلون الدخان، رائحة الرطوبة و الهواء المتعفّن تهاجمه من النوافذ المفتوحة دوما و الموّزعة على الجدران المتباعدة، تمدد فوق الأسمنت المدبّب، سرت في جسده النحيل برودة وحشية، ترك تفجّرها الصيفي يتجه نحوها بعنف يعض شفته المنتفخة، أصوات صراخ عال تشق الصفحات الهادئة، إنها فوضى الباعة الجوّالين، رأسه العالي و أنفه المعقوف يشّقان صمت الأسواق المفتوحة الجوانب، كان يتلذّذ بالحلوى الأجنبية المغلّفة بالورق الأحمر، فلرأسه الجميل و أنفه المعقوف سطوة الصقور الجارحة، إنه الزمن الآخر، كان يصرخ في المقهى”إن أبي مات سائحا في بلاد بعيدة، وجدي هزل الروح، تركته سفن الهند القادمة على الشطآن ملتفا بعباءته، فأكلته الذئاب و مضى نحو السماء مطمئنّا” .
في البصرة نسيت انطفاءتك الأبدية، و عند الأكواخ، كنت متفردّا بحسك العدمي، كنت تعلّق في إحدى الزوايا صورة أمك التي ماتت قبل أيام و صورة من أعطاك أسمك حين ولدت في البيت الطيني، إنها آخر التيه في عالم يتناهى إلى آلاف العوالم الخرافية، فلا تنسى صديقي بين الطرقات قتيلا.
(2)
أجتاز مدينتي الذهبية نحو فناء آخر غير الذي أعرفه، وحين لا أجد من بقايا القصر القديم سوى الأواني الفخارية والساحات المهملة، أرجع والأسى يتملكني، لا أقوى ألا أن أبصق في وجه تلك الغانية المبتذلة، لم أستطع أن أدوّن في تلك اللحظة غير الحروف الأولى من قصيدتي الجديدة حيث بقايا العواطف التي كانت تعلو من دواخلي تاركة فوق وجهي الداكن حمرة لم أعهدها من قبل كل الطرق التي سرت فيها أراها تنغلق أمامي مثل أبواب المتاحف القديمة، حين حاولت أن أكمل رحلتي في مدن الغجر واجهتني تلك الساحرة القبيحة وعنّفتني، إني الفتى الذي لا يخشى من كواليس الليل، لم أتمالك نفسي فخارت قواي وسقطت فوق رقعة المسرح الضيقة، أصابني الهذيان ولم أقرأ من روحي غير كلمات متراكبة فوق بعض، لا يفهمها الآخرين إلاّ كألوان قزحية.
أنا أبن الزنجية صاحبة الفأل، أنام صباحا وأصحو غدا وتلك سيرة الظليل، ضيعني مهدي عامل بأرصفة الجنوب، وهذا هو حواري الأخير، لم يتملكني الخوف، كان على يميني مهدي حسن، نائما، هادئا، مطمئنا، مذبوحا بصمته، كان يبتسم كثيرا وينام قليلا وحين لا يجد ما يرتطم به ينسحق فوق صخور الأرض المتكلسة، ويهجر المرايا الصقيلة. إنها آخر أمنياته التي مات بها. ماتت سوزان، ومات مهدي حسن، ومات مهدي طه، ولم يحضر الفاتحة غير آخر العدميّين.

الأوراق….. (2)
يهبط هادئا من الباخرة التي رست على الشاطئ، و هو لا يملك سوى تذكرة قديمة لباص المصلحة الذي سوف ينقله، يجتاز الممرات المتتالية، ينعطف نحو مركز المدينة إن في الزوايا المظلمة رائحة صافية تذكّره بطفولته يوم كان صغيرا يتسكّع مع الصبية و يسبح في شط العرب في أيام الصيف الحارة، يصل البيت، لا يجد سوى أمه، نائمة فوق حصيرتها، في غرفة أسمنتية الجدران،لا يغطّي جدرانها غير نايلون مشجّر، و صور متناثرة لأبيه وأخته الصغيرة ذات البشرة الداكنة، إن أمه لا تعرفه الآن بعد غياب عشرات السنين، إنه الآن شبح هزيل يرتدي قميصا أبيض متسخ الأكمام، جيبه منتفخ بالأوراق الصفر، و بنطلون قديم مرقّع في جوانبه البعيدة، يتجوّل بناظريه في أرجاء الغرفة :
ـ ماذا تريد ؟
ـ أنا أبنك
ـ لا … لا … لا …لا، مهدي مات قتيلا
يصرخ بصوت عال، و هو يهم بالخروج بعد أن انطبعت فوق بنطلونه الغامق اللون بقع من ماء آسن كان يعلو باستمرار من الأرض الأسمنتية إنها ساعة رحيلي نحو حانات المدينة.
(3)
تدفعني العجلات المجنزرة نحو زاوية بعيدة، خطوات بيني و بينك أو أكون بين أسنان تلك السرفة المتشظّية، ظلال متسارعة لصورتي القديمة، تتكسر بين الجدران المتباعدة أصوات متداخلة. أسطح ملساء، رطوبة معتادة، انسحاق بين أقدام غريبة في زوايا بعيدة لغرفة البيت الذي أحاطته دودة القز المشرنقة بسباتها العميق. إنها آخر الانهيارات في عواصم الصمت اللانهائية.
تركت معطفي و حقيبة دفاتري الجلدية و اتجهت لذلك النهر الغريب. إنه نهر الضفادع. سأبحث عنك حتى الصباح، هذا ما قررته أنا الطفل المدلل. عيونك على شاطئ الجزيرة يحملها الصقر البري نحو عاشقك الوحيد. يسلبوها سرا. أنت تعرفهم جيّدا. سرقوا منك خاتمك، أوراقك، رسومك الأخيرة و نقوش الوشم التي تحبها، حين رأيتك للمرة الأولى في المقهى، حسبتك قد انتحرت. لكنني لم أدري أن بداخلك موتا بطيئا، و حين تحدّرت ليلا، شاهدتك ملقى تحت شجرة التوت، عاريا متّسخا بتراب الأرض الحار.
كان أبن طه حزينا حين تركته صديقة العمر نحو واجهات المحلات الأنيقة، إنها حيرته الأبدية بين الطبقات الأنيقة و الفتيات المزينة الشعر و غرفته ذات الجدران الطينية. ظل وحده يتمشّى حتى المغيب، كان في سوق الهنود آخر المارة حين اشترى وردته الذابلة.
الأوراق….. (3)
ينظر من الثقب الوحيد، نصف الجثة النائم يراه ممددا فوق الدكّة العالية، إنها فرصته ليراها عارية، تلك السيدة الأنيقة التي يتحلّم بها طويلا، و التي تركته واقفا بين الممرات واتجهت إلى المحلات ذات الواجهات الضوئية،إنه يعرف جيدا أن بداخلها تلكم الرجال المترفون، إنها ترفضه هذا الرجل الوسخ لم يستحمّ منذ شهور، و يعلو شاربه اصفرار حديدي قاتم. إنه القرد المهنّدم و الدب السمين المتخم بالعفونة، غرس إصبعه بين طيات لحمها المتناثرة بين العظام بفوضى، تمدد بجانبها، و هو لا يملك سوى حذائه الممزق و سترته التي لوّحتها الشمس.
بينه الآن و بين الدوام الرسمي نصف ساعة و يأخذوها لمكانها الأخير. عبرنا الجسر و تركنا معطفنا في الجهة الأخرى. رأينا الرجل الأحدب، تملّكني الخوف وهربت، كنت وحدك تمسك بالسكين، هل ستموت؟ تركت أنكيدو مطمئنا و لم أترك بكفك قبلة مستديرة. كنت تركض وحدك لاحقتك الرصاصات … مهدي حسن، هل أنت حي ؟ مهدي طه واقف يحمل صليبا ذا فوهة معدنية و مهدي عامل يحمل كتابه الأخير، أيهما سيموت وحيدا، ذلك قلقي، و الشك المتفجّر بداخلي.
(4)
تركت محاضرتك الأخيرة، أنها لغة الشعر “الكهروداينمك”، و “فوتونات” “بودلير” الأخيرة و تقلّبات “رامبو”، و “كوانتم فراين”، إنها النسبية الخاصة، كيف شرحتها لي في كازينو البدر و تركتني حائرا بين النهر و الرصيف الحزين، و تلك مشكلتي و ذاك انهيار العاصفة، إنها بقايا أيامك الأخيرة في خيام غجر الجزيرة التائهين في خور الزبير، و بقايا متعة قديمة ترن بداخلي و تحمل لغة الخطوط المتعرّجة و تداخلات الضوء بين تعرّجات الألوان فوق المصطبة الذهبية، لم تقل لي أن قصيدة العدم الأخيرة كانت عند “سوزان”، وأنك قد تغزّلت بقصائد “أبي نؤاس” الخمرية، عاكسا لون عينيها الزيتونتين بلغة الرعاة القادمين من البادية الجنوبية.
سائحا في الأرض، يتخطى شوارع أسمنتية مغلقة، كان مهدي طه عاشقا حزينا، ينام فوق أرصفة المدينة، يحمل في يده اليمنى كتابا مفتوحا، كنا نجهل أن تلك الصفحة هي التي تحمل صورته النحاسية، تمثاله النصفي في المتحف البلدي، نرجسيا كان ؟ ربّما، كنا لا نعرف أن هذا الرجل الأنيق ذو اللحية الداكنة يترك فوق سماء المدينة انطباعاته و نظراته القصيرة، ننحني قليلا حين رأينا الشيخ الكبير ذا السبحة الفضّية يتنحى صوب جهة مجهولة ليترك وصاياه لهذا القابع المجهول بالصمت، فسلاما طريق الخطى، فالنهايات واقفة.
الأوراق….. (4)
يطرق الباب المزخرف الأنيق، تخرج امرأة عجوز بيضاء الوجه شعرها حنّي مسترسل فوق كتفيها العريضتين، تنظر نحو مهدي باشمئزاز، يقف أمامها هادئا متكئا على العمود المقابل للفتحة العريضة. تعلو فمه سيجارة طويلة و تفوح منه رائحة الخمرة، شعره المجعّد غير مرتّب و أسنانه تبدو صفراء مسودّة.
ـ أين سوزان ؟
ـ أي سوزان ؟
ـ صديقتي.
تدخل السيدة العجوز و تغلق الباب مخلّفة وراءها ترابا يتطاير من زوايا الباب، يجلس فوق العتبة العريضة. ينام بعمق، ثلاث ليال مضت لم ينم إلاّ ساعات قليلة.
ـ ماذا تفعل هنا ؟
ـ …..
ينظر إلى الرجل المهندم بازدراء و يعود إلى نومته الجميلة، توقظه صديقته، لا يعرف سوى أسمها، إنها امرأة جميلة، تجلس وراء الآلة الكاتبة، تكتب فصولا من رواية البحر غير الكاملة.

(5)
تشققت الأرض و خرجت منها عاريا كعنقاء الرماد، حين رأيتك لم أعرف ملامحك الجديدة. وجدت فوق جبينك الأسمر ذلك الشق القديم، تذكّرت أن لي ملاذا في نهاية العمر. فلماذا رفضتني و اتجهت إلى الجبل المتفرّد ؟ هل كنت تبحث عن تلك المرأة العجوز حين ضيّعت في البحر آخر ما تملك من أجدادك الأولين ؟ ماذا تقول لي أنا الذي تتبعني خطاك ؟ رفضت ذلك الشخص الذي استعار أسمك ليجمع من الآخرين أمجادك الضائعة، أنه مجنون في شوارع مدينتك الجنوبية، شبح يرتاد مقاهي السوق العصري، زرته للمرة الأولى. كانت بين يديه رسالتي الأخيرة، أبصر صورتي في المرآة التي يعلّقها أمامه. استدار نحوي و بصق بوجهي، ثم ترك بيدي وردة ذابلة، وأذن لي بالرحيل، لم أتجه نحو نافذة الدار الوحيدة، بل استسلمت، نزعت جلدي فوجدت تحت الشحم صورة أفريقية لغابات مترامية تشتعل بالنار، و شعر الأرض الأبنوسي يتطاير، يعانق ألسنة اللهب الأبدي.
انتحرت سوزان بشقتها مقابل المقهى “البوهيمي”، يوم وجدت صديقها “مهدي طه” مرميا في النهر الصغير، و تلك نبوءة الساحرة الغجرية، في شهر آذار يوم قالت لها: تموتين واقفة، و يموت مهدي غرقا، و يموت صديقي في المدن البعيدة، بين الرمال الصحراوية، يعشق شمسها و الخيول الأصيلة.
الأوراق….. (5)
ينسحب من الشوارع التي خلت من المارة، إلى البار اليومي المعتاد، لم يحمل بجيبه سوى نقود قليلة لا تكفي لأجرة باص. حين يدخل يرى صديقه أمامه.
ـ مرحبا.
ـ لا أهلا و لا سهلا.
إنه صديقه عبد الحسن الشذر، كتب قصته “أصوات المدينة الحجرية” و هرب إلى الناصرية يبحث عن رجل يقرؤها، باعها صديقه في المزادات بثمن قليل. حقد جهنميّ بين ضلوعه المتيبّسة.
ـ ماذا قلت ؟
ـ لم أقل شيئا.
ظلال شاحبة تخرج من الجدار المقابل له، تجتاز و تدوس فوق جثته، يصرخ بأعلى صوته:
ـ ماذا تريد مني ؟ أتركني.
يترك صديقه القديم هادئا و يخرج إلى المحاضرة الأخيرة.
(6)
ركبت حبل الضوء واتجهت من حيث لا أدري إلى جهة مجهولة. غير أن المدينة الذهبية التي كنت أبغي الوصول لها تضاءلت وأصبحت بعيدة بعد أن حجبتها ضفادع العصر الحديث و عناكبه المدببة الأطراف، صارت الأرض أكثر اتساعا و ضاقت كي تكون أصغر من مرور القوس في ثقب مفتاح.
رأيت الأبواب تفتح و تبتلع صورتي، تخرج العنقاء من الرماد، حين رأيتها للمرة الأولى ظننت أن زرقاء اليمامة قد ولدت مرة أخرى، مستنقعات الشمس أكثر عتمة تتخللها صورة العجوز صاحبة الفأل النحس، سألت سيدتي الخرافية حين أخذتني سنة النوم، إنني ثمل الآن، شربت الكأس و أحرقت سجّادتي و دفنت رأسي بين ساقيّ كما النعامة، ليس لي دار سوى الرصيف، إنها لعبة القدر، فأين أموت غدا ؟ تلك آخر الأسئلة.
مهدي طه خائفا يترك بيته على المنحدر المائي و يرحل. يرتدي السيف و حمّالته، يمتطي جوادا أبيض ما تركه له جده الهندي ذو اللحية الصفراء، يتجه نحو جهة مجهولة، لا يعرف ماذا سوف يحدث له، يَقتل أو يُقتل، يصرخ ” ما حاجتي للسيف مشهوراً “، ما دمت قد جاورت كافورا؟
الأوراق….. (6)
ترك القاعة صامتاً و انسحب إلى النادي، لم يعترضه في حينها أستاذه الوقور، لأنه كان يعرف جيداً أن هذا المشاكس لا يحمل بداخله سوى الصراخ، طلب الشاي، و أخرج سيجارة صفراء من جيب قميصه و ابتدأ يدخّن و يسحب زفيراً عالياً، قلّب أوراقا متناثرة كان قد تركها في محفظة سوداء. إنها قصائد صديقه الذي مات قبل أسبوع في أحد أنهار المدينة، أثاره الرعب القديم من تلك اللغة.
ـ ماذا تقول يا صديقي ؟
ـ ………..
ـ هل أنت تحب أبي ؟
ـ …………
أسئلة لا يعثر بها على جواب.
ـ انهض من نومك الأبدي و ابصق فوق أشعاري.
صراخ عالي يقطع صمت البنايات الدراسية، تأتي من بعيد صديقته الوحيدة.
ـ اهدأ يا مهدي، إنها صرختك الأخيرة.
ـ سوف لا آتي ثانية إلى القاعات، إنها سجني.
يتّجه نحو البار، يسكر حتى الثمالة، و ينام في الشارع المؤدي إلى المقبرة.
(7)
أرى من ثقب الإبرة زوايا أخرى لهذه الأيام التي تتسلل من بين أصابعي نحو قمة الجبل الهرمية، كلّما أتيتها رأيتها عصيّةً عليّ و قاسيةً كلّيا كليالي الشتاء، أبتعد أحيانا نحو قمم الأرض المنسية، لكنني أجد نفسي مكشوفاً و أسراري ذائبة في محيطها اللامتناهي، هل ألعب مع نفسي تلك اللعبة المعتادة ؟ لم هذه الضجة المفتعلة ؟ و لم هذا الإصرار على معرفة الخاتمة ؟ هذا هو سيّد الأسئلة، فمن أين سنبدأ سباق المسافات الطويلة ؟لم يبقى لي سوى هذا التزاحم و التراكب بين الصور السريعة التي تغزوني و تشقق جدار جلدي المرن، حوافر الخيل تطبع فوق أسمنت الروح أشكالاً غريبة، يتخلل صوت الضمير بأعماقي، امة يبقى غير ناقوس يعلن صلاة الظهر، إن الصباح حين يأتي كسولاً من جهة الشرق البعيدة يخدعني و يلقي على عيوني عصابة سوداء.
” إلى متى سيبقى صوتك عالقاً في الزمن الآخر، أنه صداك الصاعد من غربة الروح، لماذا تركتني وحيداً ؟ لغتك الأخيرة كانت مبهمة، و كان بين يديك خنجر صدئ، ماذا كنت تفعل حين تركوك في المقاهي متسكّعاً تعلن وصاياك ؟ صديقي المعذّب بالصمت، تركت طفولتي و رحلت، و تلك من البداية إلى الخاتم، إن اصفرار الدم يحرقني بالهموم”.

الأوراق….. (7)
شبح هزيل يطارده من مقهى إلى مقهى، و حين ينزوي بإحدى غرف المكتبة العامة، لم يرى غير أمامه غير الفتاة الجميلة التي يراها كل يوم، صور و مناظر مختلفة، تغلّف الحيطان البيضاء للغرف العديدة منصف مزدحم يتراءى له ذلك الشخص الذي طالما لعب معه دوراً هامّا في مسرحية الصمت.
ـ هل تعلم بمكان أصدقائي ؟
ـ كلاّ.
لم يأكل شيئاً سوى ثلاث أرغفة باردة منذ يومين، لأنه اعتاد أن يصرف كل ما يملك بليلة واحدة، على مائدة ضخمة، لم يستدين من زملائه في الصف مصروفه اليومي، يزحف نحو الزاوية اليمنى تاركاً أوراقه فوق المصطبة و بقايا أعقاب سجائر مطفأة.
ـ أين المائة دينار ؟
ـ لا أملكها.
يأخذ كتابه ويخرج إلى الساحة، يغادر المكان إلى الشارع،يدخل أحدى البارات الليلية
فيفاجئه صديقه و معه رجال الشرطة:
– تفضّل معنا، إنك لص.
(8)
تفجّر الشك بقلبي، جمعت دراهمي، اشتريت قنينة فارغة إلاّ من ربعها الأخير من بار الشعب المفتوح ليلاً، الساعة الآن هي الثانية عشر ليلاً، تفتح المدينة أبوابها لراقصات الليل، ليس إلاّ أنا و صديقي الملك الظليل نفتح الأرصفة بذكريات قديمة، عاشقاً حزيناً، ذئاب ليلية، خيام صحراوية، أورق ممزقة بجيب بنطلونه الأسود، عيناً ملتهبة، فقد بوصلته و سار خائفاً بين الطرق المظلمة التي تفصل السوق عن البنايات العالية التي تغلّف المدينة من الخارج.
يسير ممزقاً على حافة النهر الترابية، صرخات عالية يطلقها نحو كلب كان يتجه نحوه و يتراجع إلى الخلف، سقط في النهر خائفاً، سقط في النهر هادئاً، كان يفكّر في خاتمة قصيدته الأخيرة، ضحكات سوزان،انهيارات أمه الأفريقية الوجه، المسكينة ذات الحس الطفولي، عذراً أيها الظليل، اصطحبتني ليلاً و تركتني صباحاً، لأموت غداً مثل قط في زوايا مهملة، و تلك خصلتي. علّمتني انحناءتك الأزلية، و تركت فوق جبيني الأسمر كسلك المعتاد، تركني الأهل والأصدقاء في الحانات المتّسخة بالصعاليك أقاوم ضحكة الموت الأخيرة.

الأوراق….. ( 8 )
يهطل المطر على الساحات المفتوحة الأفق مخلفاً أثاراً جديدة على الرمال المنثورة فوق الشارع المؤدي إلى مبنى الأساتذة. اعتاد مهدي أن يأتي من الطريق الترابية، تعلو أقدامه رطوبة حادة.
ـ السلام عليكم.
ـ …….
يتجاهله أستاذه ذو اللحية البيضاء و الصلعة المتكورة، بعد أن عرف خصامه مع صاحبة المحل الصغير في نهاية البنايات، كرر عليه السلام وهو مشغول عنه، ضربه بقدمه اليمنى وأسقطه على الأرض وبضربات متتالية فوق وجهه ونظّارته الطبية أنهى مقاومته اليائسة، تسلل بعيداً، وقفز السياج الخارجي نحو الشارع العام. في المساء كانت دوريات الشرطة تبحث عنه في أماكنه المعتادة.
“العاشرة ليلاً، كان هناك في أقصى المدينة النائمة شاعرٌ أسمرُ الوجه يعاني سكرات الموت الأخيرة، بين مدينته النائمة وشوارع السوق القديمة. يرقد الآن متأملاً في النهر الصغير ربّما مقتولاً، وتلك خطيئة الملك الظليل، ربما منتحراً، وذلك ما توقعه مهدي عامل في رسالته الأخيرة، هل قتلتك الحروف المدببة ؟ أم انحناءات صوتك العال؟ فعذراً أن فيك بقاء الروح، وعذراً لصديقي الجنوبي حين طرق الأبواب لذكراك”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *