الرئيسية » نصوص » قصة قصيرة » د. حميد نعمة عبد : شظية في الرأس

د. حميد نعمة عبد : شظية في الرأس

شظية في الرأس.
..افكاره متضاربة ، مبعثرة ،غير محددة المعالم ،احيانا ينفجر ضاحكا ثم تعتريه كأبة ،يعقبها صمت يقصر أو يطول ، ينتفض ليطلق عبارات متوازنة هادئة،يساورك الشك أن عبد الرحمن من قالها ..والشاي الذي يقدمه له صاحب المقهى مجاناً، يبعث في نفسه نشوة ،وهو يرقب مويجات البخار التي لا تلبث ان تختفي مجرد مغادرتها حافة القدح ،غالبا ما تشغله فيظل محدقا بها أو ينفخها ويغمغم :
أنا وهذه المويجات سرعان مانختفي.. !
ينشغل بأشياء كثيرة تتحرك عابثة ، صاخبة ، أوتتهادى برتابة ثقيلة ، فالشارع يعج بالأصوات والحركة ، ويتمدد الظلال إلى نصفه ، يرمق كهفه الذي انشأه في ركن الشارع المقابل للمقهى بفرح غامر ،فهو مأواه الوحيد ،والمكين ، صومعته التي لم يهجرها يوماً، لم يهدأ له روع إلاّ فيها ،هو بلاطه الباذخ الذي لايتنازل عنه ،لو وهب اموال قارون ،مكانه الذي لايلذ الطعام إلاّ فيه ، حين يتمدد فيه،يشعر وكأنه أوصد خلفه مائة باب ، رغم مايسمعه من أزيز الرصاص وهدير الطائرات ،وصرخات الجنود ،وأوامر الضباط في الثبات والتحذير من الفرار ،العدو لن يرحم إن أمسكك ،ولن يتركك تفر …سيقتلك .
وعلى غير موعد ،وفي صباح مشمس ،قام أحد الباعة بطرده من الكهف، أزاح كل تلك الصفائح والأسمال، وما تبقى من فضلات الطعام ، لينشيء مكانه بسطة صغيرة لبيع مواد مستعملة ،فقضى بعدها عبد الرحمن اياماً يبكي ، ويشكى للمارة ،غير أن البائع أصر على طرده بعيداً ، ولم يستمع إلى نصاح العقلاء لترك الملجأ ، ظل يتردد على كهفه لأكثر من شهر حتى تأكد من صلافة المحتل، واستحالة تخليه عن المكان،وحين سأله صاحب المقهى عن سبب كآبته وأنزوائه قال وهو يشير إلى البائع :
(هذا المتجبر .. طردني )
حاول أن ينشىء مقراً آخر ،ولكن سرعان ما تعرض إلى الطرد من قبل شرطة البلدية ، فاتخذ من المقهى مكانا يرصد منه كهفه المستلب ، كما يترصد تحركات البائع، يرمقه بعين كسيرة ،يضرب جبهته بكفه ،ويطلق حسرات عميقة وهو ينفث دخان سيكاره ، ثم يغط في ذهول مطلق حتى توقظه سيكاره التي غالباً ما يلتوى رمادها ،بلسعة خفيفة ينتفض على أثرها جزعاً ويغمغم :
(غادرت سيكارتي الحياة، فحياتها في احتراقها ، لم يعد هناك جدوى في التشبث بعقبها ..)
لكن تلك اللسعة المتكررة تبعث فيه حركة غريبة ،ينهض على اثرها ، يدور حول نفسه ،ثم يتجه إلى كهفه ويقول بصوت واضح :
سيغادرالحياة ،هذا الذي سلبني بيتي كما غادرت سيكارتي حياتها ، وسينطفيء كما انطفأت ، وسأرميه إلى الشارع كما رميتها .
حاول عبور الشارع باتجاه الرجل ،لكنه سرعان ما سرت في جسده رعدة ،فأعاده شرطي المرورإلى المقهى :
_ لابأس فليس هناك شيء خالد ،وما فعله هذا المتجبر خطيئة كبرى ، ليس هناك نفس تخلو من خطيئة، ليس هناك ألم يستمر، كما أنه لا ألم يأتي من فراغ ، فالشظية التي اخترقت رأسي من صنع الأقدار. واحتلال ملجأي ايضا من صنع الأقدار ، وانا ضد الاقدار .
عاد يهذي وعيناه هائمتان في اللاشيء ،بعد أن استرخى على كنبة المقهى:
(ما لي لا أعتلي هذا الرصيف بقفزة واحدة ؟ لتكن عشر قفزات ..!!)
حرك ساقيه حركة يائسة اهتز لها جسده ، وطافت على وجهه ابتسامة ظافرة، تداعى لها رأسه،وعمه شعور بالفرح ونسي أمر السيكارة ولسعتها كما نسي البائع وقال :
متى أعتزل هذا الصخب ؟بل متى أعتزل هذا العالم الميت؟
وتساءل في ذهول:
هل أن هذا العالم ميت فعلاً،أو أنه شبح يتربص بي؟ حرك ساقه ثانية وابتسم .
تذكرأنه كان يبتسم ،في المعارك ،وبعد أن انتهت الحرب .وخرج مع تلك الشظية اللعينة التي أحدثت عنده خلل مزمن ،فأصبح حين يرى شيئا مخالفا لطبيعة الأشياء يضحك،أو حين يتحسس مكان الشظية الراقدة في جمجمته يضحك ايضا ..
حانت منه التفاتة إلى قدح الشاي فأتى عليه حتى الثمالة ، تحسس وجهه ومد يده إلى القدح ثانية ، إلا أن صاحب المقهى هرع اليه ورفعه من أمامه ، قبل أن يهم بكسره ،فكل يوم، وكلما غفل عنه الرجل ، هشم قدحاً ،إذ اتخذ من تلك اللعبة تسلية دائمة .
نهض من مكانه وقد ترامت له اصوات من أماكن عميقة كالأواني أو البراميل ،يسمعها ولا يكاد يميزها ،اهتز بدنه وأخذته رعدة ،ثم ما لبث أن استقر على الكنبة وهو يرمق الجالسين .
نهض ثانية وعيناه مثبتتان على اطلال كهفة ،وعلى البائع .عبر الشارع بسرعة ولم يستطع الشرطي اللحاق به ثم توقف في الجانب الآخر خلف أحد الأعمدة، وعيناه مثبتتان على ظهر البائع ،حتى حانت فرصة انشغال الرجل مع أحد الزبائن ،هجم عيه من الخلف ،طوق رقبته بذراعة وراح يجره إلى المقهى وهو يصرخ :
أنت الذي سلبني ملجأي.لن أدعك حتى تتعهد بالخروج منه أو أقتلك .
احتشد الناس حوله، تدخل كل من في المقهى واغلب المارة لينقذوا الرجل ، ظل يعصر رقبته ، يهزه بعنف حتى استحال وجه الرجل إلى لون التراب ،جحظت عيناه ،سال الزبد من فمه، وعبد الرحمن يصرخ : لن ادعك حتى تتعهد .
أومأ الرجل بكفه معلنا استسلامه وموافقته ،دارت عينا عبد الرحمن في وجوه الحاضرين ..أرخى يده، وجلس على الصيف مطرقاً ،ثم قفز وهرول إلى انقاض كهفه ليبعثر البسطة وما عليها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *